Monthly Archives: October 2020

عندما يلتقي الخط الأخضر مع المناطق الخضراء من أجل تهويد القدس: وادي الربابة 

في رحلة ميدانية بوادي الربابة (حنوم) مع جمعية “عمق متساوٍ”، التي أصدرت سابقاً كتيّباً مهمّاً عن هذا الوادي في سياق خطة الحكومة الإسرائيلية بتهويد القدس. شرح من خلاله كيف تتداخل الخطوط الحقيقية بالوهمية لتخلط الواقع على مدينة القدس، فتدخل شرقها في غربها. تزامن هذا مع شراء او استيلاء جديد من قبل جمعية إلعاد الاستيطانية التي تعمل بلا توقف في سلوان، على بيت قريب من مقبرة يهودية تسمى سمبوسكي. مقبرة غير مهمة، وغير معروف من هم المدفونين بها. إلا أنها بدأت تشكّل اليوم وتدريجياً أهمية أدخلتها خطة ترامب بشقّها المتعلق بالقدس عند الحديث عن سيطرة إسرائيل على الأماكن المقدسة الخاصة باليهود في محيط القدس القديمة. فيأتي هذا البيت بمستوطنيه الجدد ليشكّل إضافة لتغيير الخريطة وإدخال عنصر جديد لمشروع مدينة داهود المتمركز بقلب سلوان على مدخل المدينة القديمة – بالقرب من باب المغاربة وعلى مشارف المسجد الأقصى مباشرة. حيث يكثر العمل هناك تحت الأرض وفوقها على الهواء

تحت الأرض لا يزال مشروع الأنفاق قائم تحت موقف السيارات -جغعاتي- ليدخل مباشرة الى داخل البلدة القديمة من جانب، ويصل باتجاهات أخرى الى أنفاق المياه والعوادم القديمة بأطراف المدينة المتفرقة، وقد يصبح جزء من أنفاق “طريق الحجّاج”.

فوق الأرض كل ما تشكّله مدينة داهود من إعادة تشكيل للتاريخ اليهودي منذ الهيكل الأولى والثاني وما يترتب على الأمر من خروج مرتقب لهيكل متجدد- سيكون بلا شك أقدم من كل الهياكل التي يتم التنقيب من أجل ايجادها- عبثا. فمدينة داهود تخرج يوميا من مجرد مدينة قديمة تمركز بها حكم الملك داهود بجانب هيكله، لتمتد الى أطراف بلدة سلوان وتحيط ببيوته ليصبح الحي الذي يزيد عدد سكانه على الخمسين ألف مجرد مشهد فنتازيّاً للزائر الصهيونيّ أو الباحث عن عبق الزمن في هذا المكان، ويلج رويداً رويداً الى مراكز الحي وأطرافه ليصل الى قمة التل التي تشرف عليه المقبرة (سمبوسكي). 

فيصبح المكان منبعثاً بروح اليهوديّة القديمة والحديثة معاً. تلك الروح التي يتم خلق رواية لها، وتلك التي يعيشها أصحابها الآن. 

وما بين الأرض والسماء، سيكون مركز القطار الهوائي، الذي سيلغي تدريجيا عبق التاريخ من مشهد المدينة، ويمحي كل الخطوط بألوانها الخضراء المتدرجة بين خط حدودي أخضر وبين مناطق خضراء لوّنتها خرائط بلدية الاحتلال في مدينة القدس. 

وهنا تبدأ قصة الاستيلاء على “الرواية” في وادي الربابة – أو وداي حنوم- أو وادي جهنم. 

يفصل الوادي بين جبل صهيون وجبل المكبر، حيث يحدّد فعلياً الخط الأخضر (لحدود ١٩٦٧) الذي يفصل بين حدود المدينة الشرقية والغربية. 

لحدود الوادي واسمه تفسيرات كثيرة تتيح مكاناً واسعاً للاختلاق بالقصة التوراتيّة من حيث الحدود. فهو ينحدر من باب الخليل الذي يشكّل المدخل الغربي على أسوار القدس القديمة، ويمتدّ جنوباً وشرقاً ليلتقي عند بئر أيّوب المواجه للمسجد الأقصى. يمتد الوادي من مكان ما بمنطقة مأمن الله (ماميلا) الى بركة السلطان ويلتقي بوادي سلوان. 

توراتياً، ورد ذكر الوادي في النصوص التوراتية باسم جهنم، والذي يعتقد انه وادي الربابة، بينما يعتقد آخرون أنه وادي كدرون، الوادي الرئيسي الآخر الواقع عند شرق المدينة بدء من وادي الجوز. 

وهنا، ندخل في مخطط جديد جاري العمل عليه وهو مخطط (وادي السليكون) المزعم العمل عليه بدء من المنطقة الصناعية في منطقة وادي الجوز إلى منطقة باب الساهرة. 

يتزامن هذا الامر مع اتفاقات التطبيع الجديدة بين إسرائيل والإمارات العربية، والحديث عن مشاريع مقترحة للأطراف ضمن تسمية ” السلام الابراهيمي”، مما يزيد الارتباك والخلط في مخططات بلدية الاحتلال وحكومتها لتخرج أكثر من توقعاتهم في “خطة شاليم” التي عرضتها في مقال سابق. 

خطة ترامب المسماة “السلام من اجل الازدهار”، وفيما يتعلق بالقدس تحت بند ” تقديس المواقع الاثرية”، تأتي لتصب في استثمار المستوطنين وجهودهم على مدى العقدين الماضيين مع الحكومات الإسرائيلية اليمينية المتعاقبة في إنشاء رواية أرض الكتاب المقدس بمنطقة ما يسمى بالحوض التاريخي. حيث تناولت خطة ترامب الأهمية الدينية للديانات التوحيدية الثلاث

 (الابراهيمية كما يتم التسويق لها بكثرة هذه الأيام) وسجّلت قائمة بالأماكن المقدّسة التي تبيّن عند التأمّل أنّ جزءاً كبيراً من هذه المواقع ليست ذات طابع مقدس، ولكنّها مواقع أثرية أو تاريخيّة لا أهمية دينيّة لها. والأماكن التي تم إدراجها كأماكن مقدسة هي: عين جيحون (سلوام)، مقبرة سامبوسكي، جبل المشارف، كنيس هورفا، قبر أبشالوم / طنطور فرعون، قبر زكريا، أنفاق طريق الحجاج، قبور الأنبياء حجي وزكريا وملاخي وجبل الزيتون، جنبا الى جنب الى جبل الهيكل / الحرم الشريف – على حسب التعبير بالاتفاقية– (المسجد الأقصى وقبة الصخرة)، حائط المبكى – على حسب تعبير الاتفاقية ـ (حائط البراق)، ومواقع مسيحية تتراوح من كنيسة القديسة حنة إلى “بيت إبراهيم”.[i]

 نرى هنا كيف وضع مقترح ترامب مقبرة سامبوسكي والمسجد الأقصى ودرب الآلام بنفس القيمة من الأهمية. ولم يدرج المقترح مقبرة مأمن الله (ماميلا) الإسلامية- والتي يتم بناء متحف عليها- كما لم يذكر مقبرة باب الرحمة التي لا تبتعد عن المقبرة اليهودية المقابلة على سبيل المثال. 

وعليه، تبقى أهمية هذه القائمة (التي كانت إسرائيل قد ادرجتها سنة ٢٠١٦) في خطورتها، حيث يتم الاعتراف بالأماكن اليهودية على انها مقدسة لتبقيها تحت السيادة اليهودية وتعزز ارتباطها الديني والتاريخي مع اليهود في المدينة، دون الاعتراف رسميّاً بالمواقع المسيحية أو الإسلامية الا بجزئية ما تم ذكره من أماكن.  فما تحاول إسرائيل فرضه من واقع جديد، هو خلق رواية توراتية تركّز على قيمة المكان لليهود، على الرغم من شحّ ما تم ايجاده ورصده والتركيز عليه أصلاً، مقابل ثراء المكان بالمعالم الإسلامية والمسيحية التي تطغى على شكل المدينة وروحها وناسها. فما تقوم به إسرائيل من عملية سرد يهودي للمواقع التراثية يقلل من أهمية الروابط غير اليهودية بالمواقع وتهميشها وتجاهلها. 

ولكن، وبكل الأحوال إن ما يبدو لنا انه قد بدأ العمل عليه للتو، ليس الا امتدادا لعملية تخطيط قديمة يتم تحديثها دوماً. 

ففي عام ١٩٧٤، تم إعلان وادي الربابة (حنوم) كجزء من حديقة أسوار القدس الوطنية. وهذا ما جعله منطقة خضراء وفق مخططات بلدية الاحتلال، وهذا يعني انّ كل خطة بناء تتطلب موافقة سلطة الطبيعة والحدائق الاسرائيلية. حيث أبقى هذا على المنطقة شكلاً رعويّاً تملأه المروج المزروعة، والممتلئة بالأشجار المثمرة في قسمه الشرقي.

بعد العام ٢٠٠٠، بدأت هيئة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية بتطوير عدة مواقع هناك. وفي سنوات ٢٠٠٧ -٢٠٠٨ بدأت جمعية العاد الاستيطانية بإجراء تنقيبات أثرية على سفوح جبل صهيون بالقرب من مقبرة القديس بطرس الكاثوليكية في جاليكانتو بحجة بناء متنزه بالتعاون مع هيئة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية، وساهمت سلطة الاثار الإسرائيلية فيما بعد (سنة ٢٠١١) بأعمال ترميم واسعة للمبنى الصليبي للكنيسة المعروف باسم “بيت العظام”. وفي سنة ٢٠١٠، أطلق مشروع توثيق وترميم مقبرة سامبوسكي اليهودية الواقعة على المنحدرات من الجبل.

وعلى حسب “عمق متساوٍ” فلقد ظلت هذه المشاريع معزولة ومرتبطة بالحفاظ على الآثار والمناظر الطبيعية حتى عام ٢٠١٧، الا أن التدابير التي بدأت حينها في إنشاء جسر معلق، وقطار هوائي، ومقهى، ومركز معلومات، وتطوير المشهد الطبيعي على أراضي ذات طابع ملكية خاصة للسكان الفلسطينيين كشف النقاب عن نوايا مختلفة في السيطرة على الوادي وإعادة تشكيلة. وترصد “عمق متساوٍ” أن التطوير الذي بدأ في وادي الربابة يتبع النمط نفسه في المستوطنة بسلوان حيث يتم تجنيد الآثار والتراث للسيطرة على الأرض. وتطوير الوادي هو جزء من محاولة تغيير طابع حوض المدينة القديمة.

على مر السنين، قامت هيئة تنمية القدس ومؤسسة إلعاد وسلطة الطبيعة والمتنزهات وغيرها من الهيئات الحكومية الإسرائيلية  بتقديم مشاريع تنمية وحماية معزولة على جانبي الوادي. 

فيما يلي المشاريع التي تم الشروع على المصادقة عليها باتجاهات متعددة على حسب تقارير “عمق متساوٍ”: 

-الجسر المعلق: في آذار ٢٠١٦، طلبت هيئة تطوير القدس (جسم حكومي تابع لبلدية الاحتلال) بتصريح بناء لبناء جسر بحوالي ١٨٠ متر بطول ٣٥ متر فوق وادي الربابة -حنوم- حيث يهدف الجسر إلى ربط قطعة أرض على الضفة الجنوبية للوادي تخضع حاليًا لسيطرة مؤسسة إلعاد، مع المنحدرات الجنوبية لجبل صهيون. اختارت لجنة التخطيط في بلدية الاحتلال دفع الجسر إلى الأمام عن طريق طلب تصريح، وبالتالي تجاوز الحاجة إلى الإعلان عن الخطة لطلب الاعتراضات والمناقشات العامة، على الرغم من أن الهيكل الضخم يقع في قلب المساحة المرئية للمدينة القديمة. وسيشكل بناء الجسر تغييرًا ملحوظًا في المناظر الطبيعية لوادي الربابة. سيتم تعليق الجسر من موقع بجوار مقهى يديره جمعية العاد الاستيطانية، والمعروف باسم “البيت في الوادي”، والذي تم افتتاحه في صيف عام ٢٠١٩، بالقرب من منازل الفلسطينيين في حي الثوري، في المنطقة التي تسمى كذلك باسم “غابة السلام”.

:(القطار الهوائي (التلفريك

التلفريك هو مشروع وطني تم تحديده في اجتماع حكومي في “يوم القدس” بأيار ٢٠١٧. وفي حزيران ٢٠١٩، وافقت اللجنة الوطنية للبنية التحتية على نقل التلفريك إلى البلدة القديمة. يعدّ المشروع جزءًا من استراتيجية إعادة توجيه حركة المرور إلى المنطقة التاريخية ومضاعفة أعداد زوار المواقع الأثرية التي يسيطر عليها المستوطنون. يهدف التلفريك كذلك إلى نقل آلاف الأشخاص يومياً من حي البقعة في القدس الغربية إلى سطح مركز كيدم في سلوان/ مدينة داهود، وهو مركز سياحي مخطط تروج له مؤسسة إلعاد الاستيطانية. 

سيعبر التلفريك وادي الربابة (حنوم) الواقع جنوب البلدة القديمة مع توقف عند جبل صهيون، ثم يعبر فوق سلوان وينتهي عند مجمع كيدم. من هناك يتم توجيه زوار المجمع إلى البلدة القديمة عبر مدينة داهود التي تسيطر عليها إلعاد، وإلى مركز ديفيدسون، وهو حديقة أثرية عند سفح جبل الهيكل/ الحرم الشريف. وستستلزم المرحلة الثانية من المشروع (التي لم يتم الموافقة عليها بعد) التوقف على جبل الزيتون، وتوقف آخر في بركة سلوام في الطرف الجنوبي من طريق وادي حلوة في سلوان. في أيار ٢٠١٨، خصصت الحكومة ٢٠٠ مليون شيكل للمرحلة الأولى من المشروع.

أوامر البستنة: أصدرت بلدية الاحتلال سنة ٢٠١٨-٢٠١٩، أمرين ببستنة ٢٧ قطعة أرض (على مساحة حوالي ٦٠ دونم) في وادي الربابة (حنوم) تعود ملكيتها لمواطني سلوان وأبو طور، بحجة ان هذه الأراضي غير مستغلة، وعليه ممكن ان تستخدمها البلدية للأغراض العامة. وترتب على هذا البدء بإنشاء ما يسمى بالشرائط الجيوتقنية (مثل الجسر المعلق) ومسارات مشى لمسافات طويلة واستراحات (مقهى على الوادي- يقع على خط التماس بين أبو طور ومدرسة البنين في الحي).  وبالمحصلة، يحرم أصحاب الأراضي والسكان من المنفعة، بينما يتم استخدام المنطقة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الوادي بحجة تطوير السياحة التي تعود منفعتها على المؤسسات الاستيطانية

موقع “غابة السلام”: تمتد الغابة على مساحة ٤٠٠ دونم.  شكّل جزء كبير من مساحتها منطقة منزوعة السلاح بين إسرائيل والأردن بين ١٩٤٨-١٩٦٧، ويقع الجزء المتبقي منه في القدس الشرقية. تم زرع غابة السلام عام ١٩٦٨ من قبل الصندوق القومي اليهودي على المنحدر بين ممشى (هاس شروفر) وحي جبل المكبر وأبو طور.

الأهمية التاريخية للمكان تتمركز لوجود كهوف ومدافن تعود إلى الفترة الرومانية/ الهيكل الثاني (تم اكتشاف نقوش آرامية وزخارف هندسية في بعضها)، بالإضافة بقايا قناة المياه

 (قناة الحشمونيين) التي كانت تنقل المياه من منطقة بيت لحم إلى القدس.

في منطقة الممشى- وبالقرب من مجمع الأمم المتحدة- مدخل القناة التي يصل طولها الى ٤٠٠ متر مفتوحة للجمهور، ينتهي في أراضي قرية جبل المكبر. 

تاريخ القناة مثار جدل المؤرخين، حيث يرجح البعض ان بناءها الى فترة الحشمونيين (القرن الثاني قبل الميلاد)، بينما يرجح اخرون الى انها تعود للفترة الرومانية اللاحقة. بكل الأحوال استمر استخدام القناة حتى الصر العثماني. 

يتخلل الغابة مشرع خط الانزلاق الأكبر في الشرق الأوسط، الذي سيمتد على طول ٨٠٠ متر تقريباً. يواجه تنفيذ المشروع اعتراضات بين الصناديق اليهودية والاستيطانية المختلفة وبلدية الاحتلال.   

تدعم بلدية الاحتلال ووزارة السياحة وسلطة أراضي إسرائيل خطة إلعاد لتطوير الغابة. تحت ستار التنمية السياحية وتشغيل مواقع الترفيه في الغابة، تمكّن السلطات إلعاد من بدء وتنفيذ مشاريع من شأنها تغيير المناظر الطبيعية في ممشى هاس شيروفر. سيتم استبدال المنظر الأخضر المزروع في عام ١٩٦٨ تدريجياً بمناطق الجذب السياحي. سيتم تقديم كل خطة منذ البداية على أنها خطة تفيد الزوار، في حين تشير التغييرات المتوقعة إلى أن الحكومة الإسرائيلية وإلعاد قد حددوا لأنفسهم هدف تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المساحات المفتوحة بين أحياء جبل المكبر وأبو طور

إن الجمع بين زيارة القناة التي تشمل المشي عبر نفق تحت الأرض، مع خط الانزلاق المخطط فوق غابة السلام، يذكرنا بممارسات المستوطنين في سلوان: الأنفاق أسفل المنازل والارتفاع بالتلفريك فوق المدينة القديمة.  حيث يتم تجنيد السماء وتحت الأرض لخدمة هدف التغيير السياسي..

ختاماً، أعرض استنتاج جوناثان مزراحي، رئيس جمعية عمق متساوٍ كما جاء في تقارير الجمعية بهذا الصدد “ان الواقع السياسي الذي تم خلقه في أعقاب حرب الأيام الستة من مناطق خضراء بين أحياء القدس الإسرائيلية والفلسطينية. تقع حديقة أسوار القدس الوطنية على أراضي أحياء سلوان وأبو طور وغابة السلام على أراضي حيي أبو طور وجبل المكبر. فلا يرتاد سكان المدينة من الإسرائيليين هذه المناطق بسبب موقعها بين شرق وغرب المدينة. ولكن ما بدأ قبل عقد من الزمن كعملية بطيئة للسيطرة على مواقع محددة قد تطور خلال السنوات الأخيرة الى مشروع مكثف للأعمال التابعة لجمعية العاد الاستيطانية بحجة التنمية السياحية قبل ان يظهر بوضوح ان نوع المشاريع قد التطوير ليست من اجل التراث او الحفاظ على الاثار، ولكنها مشاريع يتحكم بها الاعتبارات السياسية التي تكمن خلفها، وهو تكثيف الوجود اليهودي ومحو الخط الأخضر نفسيا وجسديا وإخراج الفلسطينيين..

فالأدوات التي يستخدمها المستوطنون والسلطات مألوفة في سلوان / مدينة داوود وفي أماكن أخرى عبر الضفة الغربية والقدس الشرقية: الحفاظ على المواقع التراثية وتطويرها، وإنشاء مناطق جذب سياحي، وتنظيم جولات عبر المياه القديمة القنوات، والأنفاق، وتجارب السفر عبر الهواء.  يذكرنا هذا المشروع)، zipline (بالتلفريك فوق المنازل، مقابل الأفق.

الآن بعد أن رسخوا قاعدتهم في سلوان وعززوا المستوطنات على جبل الزيتون، في الشيخ جراح وأماكن أخرى، انتقلت السلطات والمستوطنين إلى منطقتين إضافيتين بين القدس الغربية والشرقية لإحداث حزام تغيير مستمر في حوض البلدة القديمة.”


[i] المواقع المدرجة في خطة ترامب واهميتها الدينية او الاثرية على حسب توضيح جمعية عمق متساو: 

– جبل الهيكل / الحرم الشريف – (المسجد الأقصى وقبة الصخرة) أقدس موقع في القدس لليهود والمسلمين. دولة إسرائيل والقانون اليهودي القائم يحظران على اليهود الصلاة في الحرم القدسي. حتى الآن، هو أهم موقع صلاة للمسلمين في البلاد، ورمز وطني وديني. أي تهديد محسوس لعلاقة المسلمين بالجبل يؤدي إلى الاضطرابات. من الصعب التكهن بالضبط كيف سيحدث تغيير في الوضع الراهن في جبل الهيكل / الحرم الشريف في العالم الإسلامي.

حائط المبكى – (حائط البراق) حائط المبكى هو في الواقع جزء من مجمع جبل الهيكل. بعد عام١٩٦٧، قررت إسرائيل السماح لليهود فقط بالصلاة في الموقع، ووضع الأساس للوضع الراهن غير المكتوب الذي يصلي فيه اليهود عند الحائط الغربي والمسلمون في جبل الهيكل / الحرم الشريف. خلال فترة الانتداب البريطاني (١٩٢٠-١٩٤٨)، كان هذا مكان عبادة مختلط بين اليهود والمسلمين. أدت الحوادث التي وقعت بين اليهود والمسلمين عند حائط المبكى عام ١٩٢٩ إلى تظاهرات مرتبطة ببدء الصراع العنيف بين اليهود والفلسطينيين.

مواقع مسيحية تتراوح من كنيسة القديسة حنة إلى “بيت إبراهيم” – مواقع خاضعة لسلطة الكنيسة، وبعضها يخضع مباشرة لسلطة بلدان مختلفة. لا يبدو أنها مثيرة للجدل سياسيًا حاليًا، على الرغم من أن منظمات المستوطنين تمارس الضغط لتغيير الوضع الراهن في بعض هذه المواقع، مثل “غرفة العشاء الأخير” وغيرها. حتى الآن، تمكنت هذه الدول بشكل عام من الحفاظ على ممتلكاتها ووضعها.

جبل المشارف – لم تعترف دولة إسرائيل بجبل المشارف على أنه مقدس على الإطلاق. فيما يتعلق بالمواقع الأخرى في القدس، نادرًا ما يتم ذكر الموقع كجزء من التقاليد اليهودية أو المسيحية أو الإسلامية.

كنيس هورفا – كنيس بني في نهاية القرن الثامن عشر ودمره الأردنيون بعد حرب ١٩٤٨. لا يعتبر موقعًا مقدسًا بخلاف وجوده كمكان عبادة يهودي.

قبر أبشالوم / طنطور فرعون – هيكل ضخم يقع في وادي كدرون، شرق المدينة القديمة، ويرجع تاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد. تم التعرف على الموقع مع العديد من التقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية فيما يتعلق بمن دفن داخل الموقع، بدءًا من أبشالوم بن الملك داود إلى إشعياء وزكريا وغير ذلك. 

 -قبر زكريا – هيكل دفن من القرن الأول الميلادي يقع بجوار قبر أبشالوم. من المحتمل أنه كان يستخدم لدفن الشرفاء خلال فترة الهيكل الثاني. الهيكل فارغ ولا يستخدم حاليًا للدفن.

-“طريق الحجاج” – موقع تنقيب أثري تحت منازل الفلسطينيين في حي سلوان. الحفريات تجري من قبل سلطة الآثار، بتمويل من مؤسسة إلعاد ودولة إسرائيل. كشفت الحفريات عن طريق من القرن الأول. الحفريات لا تزال جارية ولم يتم نشر أي تقارير علمية. لا يزال تحديد الموقع غير واضح، وبالتالي فإن علامته التجارية على أنها “مسار الحجاج” لم يتم دعمها بأي بحث تم الإعلان عنه. هذا بالتأكيد ليس موقع مقدس.

قبور الأنبياء حجي وزكريا وملاخي – موقع على جبل الزيتون. التقليد الذي يربط الموقع بمقابر حجي وزكريا وملاخي لم يؤيده العلماء ولا يدعمه العديد من رجال الدين. إن تعريفه بالكامل إشكالي علميًا ويستند إلى تقاليد مسيحية نادرة جدًا يتبناها المستوطنون.

عين جيحون / عين أم الدرج / بركة سلوام – موقع مقدس يهودي ومسيحي وإسلامي يقع في حي سلوان. تقع مدينة داود / حي وادي حلوة على المنحدر الشرقي للموقع. أجريت الحفريات الأثرية المدعومة من مؤسسة إلعاد في الموقع لمدة 25 عامًا. يعتبر الموقع مقدساً عند اليهود والمسيحيين والمسلمين منذ فترة الانتداب البريطاني وما زالت إسرائيل مرتبطة به على هذا النحو. يظهر على قائمة إسرائيل الرسمية للأماكن المقدسة.

 – جبل الزيتون – مقبرة يهودية وموقع مسيحي مقدس. تعترف دولة إسرائيل بها كموقع مقدس لليهود

– مقبرة سامبوسكي – ليست موقعًا مقدسًا. مقبرة في القدس أنشئت في القرن التاسع عشر على منحدر جبل صهيون مقابل —-– وادي بن حنوم. قامت سلطة الطبيعة والحدائق بتجديد الموقع في عام 2010. الموقع غير معروف جيدًا من قبل الجمهور الإسرائيلي ولا من قبل رجال الدين اليهود.

– بركة سلوام – موقع مقدس للمسيحيين. يقع عند سفح حي وادي حلوة بسلوان. قامت سلطة الآثار بالتنقيب في جزء منه في عام٢٠٠٤، وبعد ذلك أصبح جزءًا من حديقة مدينة داوود الوطنية.

المرجع التفصيلي: 

بين محنة تولستوي ومحمد منير في البحث عن المعنى: كتاب اعترافات ومسلسل المغني 

ما أن فرغت من مشاهدة مسلسل المغني للفنان الكبير محمد منير بصعوبة وشعور سيء يملأه الغثيان من رداءة السيناريو وضعف التمثيل والرياء والادعاء والاستهتار بذائقة المشاهدين، حتى بدأت بقراءة اعترافات تولستوي، بعد ان كنت قد انهيت قراءة روايته المهمة الحاج مراد. الحقيقة انني لطالما اعتبرت ان تولستوي من اهم الكتاب شأنا لي كقارئة، فآنا كارنينا تتصدر قائمة أفضل الروايات التي قرأتها مهما زاد على تلك القائمة روايات. الا ان الحاج مراد كان مختلفا ولم تشدني بنفس القوة. وعليه شرعت بقراءة اعترافاته. ذكرتني اعترافات تولستوي باعترافات روسو تحديدا. هذه الاعترافات لأدباء ومفكرين بحجمهما تشكل ثورة فكرية بحد ذاتها. فكم يتوق القارئ منا الى معرفة ذلك الكاتب وراء تلك الروايات او الكتب المهمة، فنراهم متجسدين امامنا ليكسروا كل التماثيل التي صنعناها لهم ليخرج امامنا الانسان. ذلك الانسان العظيم والضعيف بنفس القدر بكل معنى الكلمة. 

رحلة البحث التي تؤتي هؤلاء الى مكان مهم وكأنه لحظة التقاء الحياة بالموت. تولستوي تجسدت له حياته بأسطورة قديمة بإنسان على شجرة معلق بأغصان ينتظر تكسرها ليلتهمه تنين ضخم، وعلى الأرض جرذين ابيض واسود يقضمان الجذع. وفي خضم الرعب من التنين المتربص يبصر عسلا على احدى الأوراق فيلعقه ليتلذذ به وينسى مؤقتا ما يتربص به ومن يقضم جذعه رويدا. التنين هو الموت، والجرذين هما الليل والنهار والعسل هو لحظات السعادة والانجاز بالحياة. 

بدأت رحلة تولستوي هذه (باعترافاته) وهو على مشارف الخمسين من عمره. يبدو ان بعمر الأربعين والخمسين يبدأ الانسان بالفعل باستجواب نفسه، معتقداته، وجوده وجدواه وعدمه. بل أكثر وصل تولستوي الى حافة الانتحار. وبدت له الأسئلة التي بدأ بسؤال نفسه عنها تتزايد كلما اعتقد انه وصل الى جواب ما. بدأ سؤاله بجدوى ما يقوم به كل يوم. ما الجدوى من افعاله وانجازاته وحياته نفسها لطالما ان النهاية هي دائما الموت؟ أصاب تولستوي الفزع الحقيقي من فكرة عدم الجدوى وحتمية الموت.

تستمر فكرة الانتحار بمراودته، ولا يمكن الا يلاحظ القارئ تأثير شوبنهاور عليه، وربما يكون السبب في عدوله مؤقتا عن فكرة الانتحار لاجئا بالمحصلة الى نتيجة مرآها “أن يعيش المرء كما عاش سليمان شوبنهاور — يعلم أن الحياة نكتة سخيفة يسخر منا بها القدر، ومع ذلك يواصل الحياة، فيغتسل ويلبس ويأكل ويتحدث إلى غيره بل ويؤلف الكتب، وكان ذلك بغيضًا إلى نفسي مؤلمًا جدًّا، ولكني بقيت على هذا الوضع”

ومع ازدياد وقوعه باليأس ازداد لديه الشعور بالحاجة الى الفهم. فهم ما يمكن ان يكون قد سها عنه. فبدأ يتلمس الأجوبة في كل فروع المعرفة والعلوم التي اكتسبها الإنسان، مصرا على إيجاد اجوبته وكان كالرجل بين فكي الموت يبحث عن النجاة” ولكن عبثا كانت محاولاته..

واستمرت هذه الحالة سنوات، بعد ان أيقن ان الأسئلة بحاجة الى ايمان لكي يعيش. ولكنه ما لبث البدء بالبحث عن الله. ولكن فكرة الانتحار بقيت تخرج امامه كلما هدأها. ولكنه انتهى دائما الى قناعة حقيقية  

“بأن معرفة الإيمان — كالإنسانية كلها وما لديها من عقل — تتدفق من ينبوع عجيب، ذلك الينبوع هو الله، أصل الجسم الإنساني والعقل الإنساني، وكما أن جسمي هبط إليَّ من الله فكذلك هبط إليَّ عقلي وإدراكي للحياة”

وبنهاية الامر تيقن ان ما “يتعلق بعبث الحياة مهما تكن حتمية بحكم المنطق” قد لا يخلو من الخطأ مهما اتفق عليه جموع المفكرين. ومهما اوصله عقله الى عبثية الوجود وبالتالي حتمية الانتحار، كان هناك دائما، بداخله “الإحساس بالحياة” يعمل كقوة ترغمه على التمسك بأهمية الحياة التي يتمسك هو بها كغيره من الملايين بكافة الطبقات المعرفية والاجتماعية. فوصل الى ان المعرفة العقلية التي يعرضها الحكماء والعلماء بطرقهم الخاصة تنكر معنى الحياة، بينما تقف الإنسانية بأسرها المؤلفة من جماهير الناس البسطاء الى يقين بمعرفة أخرى لا تستند الى العقل بل الى الايمان.  تلك المعرفة هي الله. معرفة لا يقبلها العقل! وعليه تيقن انه لن يستطيع من خلال المعرفة العقلية غير انكار الحياة. وبالمقابل، في الايمان، لا شيء غير انكار العقل، الذي يمثل بالنسبة له استحالة أكبر من انكار الحياة. ولكن حيث اكدت المعرفة العقلية على ان الحياة شر، وعرف الناس هذا كذلك، عاشوا ولا زالوا يعيشون على الرغم من معرفة الجميع ان الحياة تخلو من المعاني وهي شر مستطير. ولكن الايمان اظهر له، انه كم اجل ان يفهم معنى الحياة لا بد ان يطرح العقل جانبا – والعقل هو نفسه الذي من خلاله فقط يمكن إدراك ما في الحياة من معنى. وعليه فان الإجابات التي يقدمها الايمان مهما كانت ملتوية بعيدة عن العقل، الا انها لها ميزة كبرى بتدخلها في كل جواب علاقة بين المحدود واللا محدود، وهي العلاقة التي يمكن أن يكون لنا بغيرها حل. في الجواب، كيف لي أن أعيش؟ وفقًا لناموس الإله، ما النتيجة الحقيقية التي تنجم عن حياتي؟ العذاب الأبدي أو النعيم الأبدي، ما معنى الحياة الذي لا يقضي عليه الموت؟ الاتحاد مع الله الدائم: السماء.. ومهما تكن الصيغة التي وضعت فيها سؤالي فإن هذه العلاقة كانت دائمًا تظهر

وهكذا كانت طريق خلاصه هي بالإيمان! الايمان هو الوحيد الذي يعطي الانسان الأجوبة على الحياة. الايمان يمنح قوة على فهم مغزى الحياة وادراكها. الايمان هو وحده قوة الحياة.

مع كل كلمة وعبارة كنت أقول في نفسي كم هو عظيم وجريء هذا الرجل، كمن سبقه في الاعترافات. ذكرني برحلة نيتشه في زرادشت. كيف عاش نيتشه هذا الصراع في وقت مبكر أكثر بكثير من حياته، لان الحياة لم تكن لتمنحه الكثير من الوقت. ويعزي هنا تولستوي الى عزوفه عن الانتحار لشعوره بأن أفكاره لم تكن سليمة صحيحة. وكأنه قرر الانزواء بداخله الى ذلك الجبل البعيد كما الحكماء من قبله ليتسنى له معرفة المعنى التي تخلو من الحياة “فقد بقي في دخيلة نفسي شك غامض في عدالة الحكم الذي وصلت إليه”

قبل توغله بسؤال الوجود والمعنى، كان تولستوي قد بدأ مكاشفة نفسه باعترافات دنيوية أسهل. ولكنها بالحقيقة أصعب عند مواجهتها مع الناس. 

تولستوي كان يطلق على فعل الكتابة التي كان يمتهنها وتمرسها فنا. تذكرني كلماته بالمثقفين في بلادنا العربية الذين نشأوا على الادب الروسي وترعرعوا على الفكر الماركسي. انتهى الفكر وبقيت ممارساتهم. يؤمنون كما امن تولستوي واقرانه في شبابه من معتقدات فكانوا يعتقدون أن الحياة في جملتها تتطور، وأننا نحن رجال الفكر نلعب أكبر دور في هذا التطور، وأن الفنانين والشعراء من بين رجال الفكر هم أصحاب النفوذ الأكبر، مهمتنا في الحياة أن نُعلِّم الناس، فإن سأل سائل هذا السؤال المطروق «ماذا أَعلَم، وماذا أستطيع أن أُعَلِّم؟» أجابوه أن هذا — بناء على نظريتهم — أمر ليس من الضروري أن يُعرف، فالفنان والشاعر يعلم غيره دون أن يشعر بذلك، وكانوا يعدونني فنانًا وشاعرًا من الطراز الأول، فكان من الطبيعي جدًّا لي أن أعتنق نظريتهم، فكنت كفنانٍ وشاعرٍ أكتب وأُعلِّم دون أن أدري أنا نفسي ماذا أعلم، وكنت من أجل ذلك أتقاضى الأجور، فأستمتع بشهيِّ الطعام وبالمأوى والنساء والمجتمع، وظفرت بالشهرة التي دلَّت على أنني كنت أُعلِّم شيئًا له قيمة كبرى.”

مسلسل المغني ورحلة محمد منير ببحثه عن إلهامه التائه وسؤاله عن جدوى الوجود واهمية اغانيه، يشبه ما وصفه تولستوي انفا. يشبه فئة المفكرين عندنا، الذين على ما يبدو لم ينتهوا ابدا الى اعترافات تولستوي، وما قاله له رجل فاضل من معارفه عندما قص عليه كيف خسر ايمانه. قصة بسيطة الى ابعد الحدود. رجل يمارس طقوس العبادة كما تعود عليها منذ صغره بالتزام صارم، حتى رآه اخاه الأكبر بعد سنوات كثيرة اثناء سياحتهما معا وقال له: 

“اف منك الا تزال محتفظا بهذه العادة؟” فلم يجبه ولكنه انقطع منذ تلك الساعة عن الصلاة. ليس لسبب غير انه وثق بان اعماله في هذا الموضوع لا معنى لها. ويقول: “على هذا المنوال سارت أكثرية الناس ولا تزال تسير حتى اليوم وانا أقول هذا عن أبناء طبقتي، وأولئك الذين يهمهم الإخلاص لحقيقة عقائدهم، وليس الذين يتخذون من الدين وسيلة للربح والوجاهة: مثل هؤلاء هم بالحقيقة غير مؤمنين لأنه إذا كان الايمان وسيلة للربح المادي فهو عند التحقيق ليس بالإيمان الحقيقة البتة. 

وأبناء طبقتنا هؤلاء يلخص مركزهم كما يأتي: – ان نور المعرفة والحياة قد اذاب قصور الايمان المصنوعة من الشمع في اعماقهم من اثار القصور المتهدمة. ولكن الفريق الاخر ظل متعاميا عن هذه الحقيقة فلم يشعر بها.”

مشهد يشبه التراس منير في المسلسل، ورحلة منير نفسه التي عكسها او أراد لنا المسلسل ان نعرفها. حالة من الهيام والتيه في بحث عن عمق سحيق للحقيقة، ولكن السبيل الأخير لا يتغير. احتاج منير بلا شك الى تلك الرحلة الا انه لم يعترف بشيء، ظل يلف ويدور في دوائر تيهه وتعبه، الا انه لم يصدق في شيء. شأنه شأن الفنان والمفكر العربي. فهل رأينا قط مبدع او فنان عربي يعترف بهكذا شفافية او مصداقية؟ 

مهما اعترف مشاهيرنا، ومهما كشفوا من حقائق، الا انهم يفعلون ذلك ليبرزوا ذاك الشق العظيم الساعي الى الكمال فيهم. وان تجرأوا تجرؤوا على كشف غيرهم لا كشف أنفسهم لتكون فرصة المكاشفة هذه في التركيز على وجهة نظرهم من القصة التي بها اخر بلا شك. 

فهل رأينا قط فنان عربي يعترف بهكذا عبارات؟ 

فتولستوي قدم اعترافاً بحقيقة كتابته التي حفزها الظفر بالمال والشهرة. وكشف علاقته بالكتاب بمقتبل حياته الذين استقبلوه بالنفاق، واعتناقه لآراء المؤلفين الذين خالطهم والتي بموجبها استمد تبرير انحلال حياته. ويضيف: 

“وهذه العقيدة في معنى الشعر وفي تطور الحياة كانت دينًا وكنت أحد المبشرين به، والتبشير به كان محببًا إلى نفسي يدر عليَّ مالًا وافرًا، وعشت على هذه العقيدة دهرًا دون أن أشك في صحتها، ولكني بدأت في العام الثاني — وفي العام الثالث خاصةً — من هذه الحياة أشك في نزاهة هذا الدين، كما بدأت أن أفحص حقائقه، وكان أول ما دعاني إلى الشك أني بدأت ألحظ أن المبشرين بهذا الدين لم يكونوا جميعًا على رأي واحد، فبعضهم يقول: نحن خير المعلمين وأكثرهم نفعًا، فنحن نعلِّم المطلوب، ويعلِّم غيرنا الأخطاء، ويقول بعضهم الآخر: كلا! نحن المعلمون الحقيقيون، وإنما أنتم تعلمون الخطأ، فهم يتنازعون ويتشاجرون ويتسابون ويحتالون ويخدع بعضهم بعضًا، وكان بيننا كذلك كثيرون لم يعبئوا من أصاب ومن أخطأ، ولا يهمهم إلا أن يحققوا أطماعهم بهذا الضرب من النشاط الذي نشطناه، وقد اضطرني كل ذلك إلى الشك في صحة ما كنا نعتقد فيه”

وقد افهم لما راودتني فكرة الربط ما بين الاعترافات الخاصة بتولستوي ومحمد منير بالمغني. كان هناك فعلا حقيقيا يريد منير ان يستنير من خلاله في متاهته بلا شك. وقد تختلف الظروف والسياقات كما هو بالفعل، فمنير لا يحيا زمن الفكر الحقيقي الذي عاشه تولستوي، ويعاني ما نعانيه اليوم من انحدار محيط بنا للأخلاق والمفاهيم والفكر. فتبدو كلمات اغانيه ببساطتها وعمقها فلسفة بحد ذاتها. 

وقد أعطي المسلسل أكبر من قدره بمحاولتي التحليل بعمق أكبر، لأنه بلا شك، كان هناك ما أراد منير ايصاله، لكن سوء الإنتاج من اوله الى اخره كانت نتيجته مزعجة، فما جرى مع منير في مسلسل المغني قد يكون جسده الممثل الشاب محمد عادل الذي قام بدور كينغ المعادي، الذي قام بدور مهووس يتخيل نفسه الكينج محمد منير. والحق ان أداء هذا الفنان ودور كان أفضل ما قدمه هذا المسلسل. الا ان الدور والمعني تاه كما تاه محمد منير نفسه في الغرض من المسلسل. وهنا كنا الامر يبدو كما وصفه تولستوي برحلته الخاصة ربما على هذا النحو تحديداً عندما تبددت له حالته العقلية بصورة تصور حياته بمهزلة سخيفة يمثلها معه شخص آخر، حاقد عليه، كائد له.  مضيفاً: “وبدا لي أن هناك في مكان ما شخصاً يلهو بمشاهدة الطريقة التي عشت بها ثلاثين أو أربعين عامًا: وأنا أتعلم وأتطور وأبلغ رشدي جسماً وعقلاً، كما يلهو بمشاهدتي — وقد بلغت الرشد العقلي فصعدت إلى قمة الحياة حتى انبسطت أمامي جميعها، ووقفت فوق تلك القمة كالأبله أرى بجلاء أن الحياة فارغة لا شيء فيها، ولم يكن ولن يكون فيها شيء ما، وقد سره بالفعل مرآي.”

ولكن، بينما لم يدر تولستوي ان كان ذلك الشخص الذي يسخر منه موجدا او غير موجود، وعليه حاول ان يرى الحقيقة بلا خداع. بقي مجنون منير بالمسلسل كما بقي منير نفسه منفصلا تماما عنه. لم يحدث أي ربط بينهما، فتركه منير بهوسه الذي كانت نهايته بمصح للمجانين، واستمر هو (منير) بتيهه من اجل خلاصه والهامه بطريق منفصل مستمرا على الرغم من يقينه بلهو الاخرين وخداعهم وسخف الحياة وقسوتها، وكأن امراً لم يكن.  

تبدو محنة تولستوي متشابهة مع تلك المحن التي يمتحن بها سابقيه من مفكرين. ذكرني بالمنقذ من الضلال ورحلة الغزالي بأسئلته الوجودية وايجادها بالصوفية، وضلالة الحائرين لابن ميمون، وقد تكون كلمة محنة أقرب بحقيقة توغل تولستوي بمحاسبة الذات بمحنة ابن حنبل الشهيرة. بينما حاول أولئك الحصول على اجوبتهم من خلال الاعتقاد الديني، استطاع تولستوي رفع الغطاء عن الدين والتمسك بالله. فتوقف امام نفسه وراجعها لوحده، وكان العمال والفلاحين بالنسبة له، وحياتهم، وبساطتهم، وما عرفه على انه الايمان هو مفتاح يقينه. 

حاول منير ان يجسد نفس المعاني في بحثه، وهروبه الى الأماكن البسيطة وسط البسطاء، وقد تكون رداءة الإنتاج الفني شبيهة بحقيقة التشويهات الحياتية، بين ما تقدمه التفاهات وما تدحض باستثمارات شكلية لجمالية اصولنا. 

وهنا كانت محنة المشاهد بالمسلسل، الا ان اليقين ان منير فنان نوعي بقي رصيده المهم. فإنتاجه الفني غزير وعظيم ومما لا شك فيه سيبقى لأزمنة قادمة. ولكن يبدو ان ما جرى مع منير قريب من الوصف مع جاء على لسان تولستوي الذي لم تعد تخدعه مسرات الحياة الموهومة. وتشبيه تولستوي لنفسه وكأنه وضع في زورق دُفِع به من ساحل مجهول، ووجد نفسه مع مجاديف لم يُمرّن على استخدامها وحده، ليجد نفسه وسط تيار يجرفه على هواه مع اخرين امثاله. كل يكافح او يسلم او يترك بطريقته. وحاول متابعة من ظنوا انهم يسيرون مع تيار ما، الا انه حين صوب بصره الى الوراء ورأى عدد لا محدود من الزوارق تنطلق عبر النهر بقوة وبغير انقطاع، تذكر الساحل والمجاديف ووجهته وشرع صوب الساحل ضد التيار. ذلك الساحل كان الله، وتلك الوجهة كانت التقاليد، والمجاديف هي الحرية التي أعطيت للسير نحو الساحل والاتحاد مع الله. 

ومنير في تيهه حاول الرجوع الى مكانه الأول اسوان، والاصغاء الى الفلاحين والبسطاء ورجع اليه الالهام. بينما اصغاء تولستوي الى أحاديث الفلاحين تكشف له من خلاله العلم بالإيمان وادراكه للحق. 

وقد تكون اغنية النهاية في مسلسل المغني، كما اغنية المقدمة الأهم والأفضل والابقى في ذلك المسلسل. قد يحتاج منير الى اعترافات تبقيها اغانيه لا مسلسلات تسويقية تجحف بقيمته. 

مش لايق عليا إني ابكي وسط ما بغنّي                       ولو مطر الدموع خنّي تلحقني بسمة امل

انا عايش في سجن جراح والعالم قصادي براح               وبغني عن الافراح وهغني لو ايه حصلي

 انا رافع رايات عشقي بدور ع اللي مش ملقي             يحارب كدبهم صدقي لو مهما يطول الاجل 

مش قادر أعيش وخلاص المي غير الام الناس                  البس قصة الإحساس وعارف إني البطل

تولستوي (١٨٢٨–١٩١٠)

 اعترافات تولستوي (صدر ١٨٨٢) 

ترجمه الى العربية  محمود محمود  سنة ١٩٤٧

مقال نادية حرحش copy

الحق سلاحي وأقاوم

عندما غنت جوليا بطرس الحق سلاحي بمناسبة العدوان على غزة العام الماضي ، كان صدى كلماتها كما كانت كلماتها مدوية عندما هزت الشوارع العربية وين الملايين ابان الانتفاضة الاولى .

بين انتفاضات اصبحت تشكل المفاصل الحاسمة في مراحل وجود الشعب الفلسطيني ، تأتي كلمات الاغنية في مكان يفهم بحرفيته .

من انتفاضة الي هبة تتالى المصائب فيها لتسقي الارض دماء شعب ضاعت الارض منه لم يبق له الا جسد يتهاوى من اجل بقاء امام آلية ظلم لا يمكن التغلب عليها . لم يبق الا النسان الفلسطيني اما همجية طغيان تغطيه الشرعية الدولية وخنوع السيادة العربية .

في ظل الانهزامات المتكررة ، والهوان الدائم ،خرج نبض من تراب الحياة ليشهد العالم بأن المقاومة هي سلاح الحق . والحق سلاح المقاومة .

تتكرر المشاهد اليومية لحياة صارت بالنسبة للفلطيني هي الطبيعية . هناك جيل من الفلسطينيين لا يعرفوا معنى الحدود بلا جدار فاصل ، ولا يفهموا ان الشوارع لا توقفها حواجز ، وان المرور بين المدون لا يحتاج الى معابر . هناك جيل كامل لا يعرف شكل البحر مع انه يدرس بكتب الجغرافيا بأن فلسطين يترامى على حدودها شواطيء البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر ويمر منها نهر الاردن وفيها بحيرة طبريا.

من هذا الجيل خرج من جديد شاب فلسطيني وراء الشاب حاملا حقه كسلاح

مع الايام والسنين اصبح الفلسطيني جزءا من حالة التيه السياسي الحاصل . فلم يعد يمسك بأي طرف من اطراف القضية . اين كنا قبل اوسلو وماذا حل بنا بعدها ؟ ما الذي انجزناه وما الذي خسرناه ؟ كم كان حجم الانجازات منسبا وحجم التضحيات المقدمة؟

كم هي صدفة ان يأتي الشعب بانتفاضة تلو الانتفاضة وتكون مقاومته امام جبروت احتلال غاشم وقوى لا تقهر ونتصر لنفسه ولأرضه ثم تأتي المقايضات السياسية لترجعه خطوات كثيرة للوراء.

في الانتفاضة الاولي اواخر الثمانينيات ، شعر الفلسطيني بدنو اجل الاحتلال . استنشق عبير الحرية رغم الغاز والقمع وتكسير الاأضلاع والاطراف والقتل والسجن والتعذيب. كانت انتفاضة شعب اعزل وقف بجبروت مليء بالعظمة الانسانية ليكسر حواجز الظلم والعنصرية والاستبداد.

كان الشعب كله وحدة واحدة تتكتل لتصنع خلايا مطوعة جميعها لخدمة الشعب. كان الحجر بيد الطفل مقدم بسلة قامت بتجميع الحجارة فيه سيدة عجوز. كانت الجدة تتصدى للدبابة وكأنها جذع زيتونة عمرها من عمر تراب هذا الوطن . اللجان تشكلت والشعب تنظم بديناميكية خرجت من رحم الشارع . تحولنا الى جيل منتفض يفهم بالسياسة ويعي مفهوم الحرية وينشد كسر القيد للعيش بكرامة.

كنا مفعمين بالامل وامتلأت قلوبنا بالتوقعات. كنا ننتظر الشعوب والقيادات العربية لتهب لنجدتنا . كنا نطمح بأن يرانا العالم الغافل ويفهم معنى الذل تحت الاحتلال.

وخرج نضال الحجارة ،الذي اربك وفضح الصهيونية وكشف وجه همجيتها وتعطشها للقتل والفتك ليتم احتواؤه في نفق الاتفاقيات والتفاهمات . فكانت اسرائيل تستجدي التهدئة والحل ولا يفهم احد من الشعب لغاية اللحظة اي لعنة أخرجت اوسلو.

جاءت اوسلو بحلم دولة رقعته محدودة وعلم يرفرف فوقها وعودة للقادة المغتربين والمنفيين. باعونا وهم بداية مرحلة استرجاع الحق . صدقنا بان بناء الوطن يحتاج الى عودة من شتتهم اللجوء والاحتلال . وقبولنا بقطعة من الارض سيكون مؤقتا حتى تسوية المفاهمات . صدقنا بأن العودة حق ولن ينتهي المطالبة به لطالما هناك شيخ لا يزال يحمل مفتاح بيته انتظارا للعودة.

هوت توقعاتنا من وطن كان يحمل خارطة رغم صغرها، حدوده تتسع فيها قلوبنا لتستنشق منه حياة، لارض تنازلوا عن معظمها ليتم التفاوض على حلم رأيناه يتحول الى كابوس يومي حتى اصبح الكابوس هو الواقع.

حصلنا على اوسلو بالانتفاضة الاولى وصار الوطن عشرون بالمئة من المساحة الاصلية يتخلله حواجز ويخترقه شوارع التفافية وغرس فيه مستوطنات من كل الانحاء وفصلت مدنه وقراه وطرقاته بجدار. وظلت القدس عالقة بمفاوضات واللاجئون على حبال الوهم بالعودة متأرجحون والاسرى بالسجون يدمرون فيتهالكون واعدادهم تأخذ بالصعود لا النزول.

وخرجت الانتفاضة الثانية وكان ثمنها اغتيال رئيس وتثبيت للمستوطنات وتحويل للحواجز لتصبح معابر وامتد الجدار الفاصل للمزيد من الكيلومترات ليلتف على المدن المتبقية والقرى. والقدس سارت الى المذبح بعملية تهويد مبرمجة طالت البشر والحجر والكلمات . واللاجئون في كل ذكرى للنكبة نحمل من اجلهم المفتاح ونؤكد حقا بالعودة قد غاب بين اوراق المفاوضات وقد تطاير كما يتطاير الدخان من اعقاب السيجارة.

وعام تلاه العام حتى صار العقد على عتبة العقد والحال صار محال. فلم تعد هناك ارض للتفاوض على حدودها . والقدس في حالة حرب عارية من دفاع الا بأجساد اهلها العزل. فممارسات قهر تلو الممارسات ، من هدم بيوت ونزع هويات وفرض ضرائب وعقوبات جماعية وتنكيل يومي . والقيادة الفلسطينية تجلس على عرش رام الله وكأن الوطن صار متصدرا بالمقاطعة. اصبحت رام الله فقاعة فلسطين الخاوية .فالحياة الطبيعية فاقت الطبيعة حتى نسي اهلها الفرق بين ما هو حقيقي وما هو الفقاعة. وانفصل الوطن بالروح كما انفصل بالجسد وبقي القلب معلقا على اجهزة الانعاش بين انقسام يشده هذا الطرف عن ذاك.

اصبحت غزة في عزلة لا يصلها الا الله او من شاء له السلطان . والسلطان هو الاحتلال لان سلطان السلطة لا يحكم حتى على حرية التنقل بلا تأشيرة مرور من المحتل اصبحت تلك التأشيرات لاصحاب النخبة السياسية هي انجازات المفاوضات .

والخليل في واد سسحيق تفترسه المستوطنات الشرسة في وضح النهار . فتنكيل لا بيماثله تنكيل . هدم بيوت وحرق حقول وسحل اطفال على الطرقات . ضرب ودهس وتنكسل اعين الكاميرات .

جرائم توثق .. واصوات تعلو استجداءا واستصراخا لنجاة.

وما من مجيب من قريب او بعيد.

وجنين مستباحة ونابلس لتمشيطات الجيش كل ما حك رأسه لمسألة نفهمها او لا نفهمها . فنحن الشعب في واد ، والعالم الذي صنعته السلطة الفلسطينية من تنسيق امني في واد.

كيف يدخل الجيش الاسرائيلي اماكن سيادة مفترضة لا يفهم احد. حتى يأتي الخبر اليقين على لسان رئيس كهل على الكرسي وانتهت صلاحية رئاسته منذ سنوات ليخاطب الاعداء مادا يده دائما لسلام والتنسيق الامني عنده هو المقدس. ويوم وراء اليوم … وسنة وراء السنه والهوة بين فقاعات الشعب الهائمة على وجهها وتلك المتعلقة بالقيادات تزداد انشقاقا في السماء . فلم نعد نرى من انفسنا الا اشباه ناس تعيش في فقاعات منعزلة لا تعي الا ما يجري حولها وبداخل فقاعتها .

انفجرت فقاعات غزة مرة ومرات . وارتطم الجسد بالتراب وغسلت الدماء الارض حتى تدفقت ارتواءا من دماء سفكت بلا عدل او حق …الا لرغبة اصحابها بالحياة.

وغزو تلو الغزو على غزة حتى انتهت بخنادق اغرقت بالمياة وسياج عازل ومعابر لا يخترقها حتى الفئران . ظلم قيادة منقسمة فاسدة غير صالحة . همها المناصب وضخ الاموال لجيوب اصحابها ومنتفعيها على حساب شعب يتم تقديم حياته قربانا لمكسب سياسي لا يتعدى المنافع المادية للسيادة الحاكمة .

وبين غزة والضفة شرخ بحجم الانقسام بين شطري الحكم بين انقلاب وثورة . وكأن العدو هو الاخر والصهيوني لا يخرج الا عندما يبدأ ابادته ليتذكر كل طرف منقسم انه لا يزال تحت الاحتلال.

حكومتان منقسمتان انتهت شرعيتهما سواء بالانتخابات او الانقلاب. ولا تزالان تحملا الاعيرة الفارغة من تصريحات وتبريرات لانقسام صار عمره العشرسنوات .ولا يزال الحال هو المحال.

والقدس لا تزال واقفة شامخة بعد كل اغتصاب. ينظر اهلها اليها والعار يحمل نفسه على اكتافهم وما من عين تخجل او قلب يشعر بألم المصاب.

تزف القدس شهداءها كمن يرش على الارض ملحا ليخرج الحياء من الحياة.

وينتفض أبناء الشعب الواحد .. .فتتحطم كل الفقاعات ويلتئم الشعب ليلتف من الناصرة واللد وحيفا الى جنين وطولكرم ونابلس. الخليل وبير السبع حتى غزة نحو القدس دفاعا مستميتا . وكأن القدس فيها نبض الحياة للانسان الفلسطيني .

كأن كرامة الاقصى من كرامة الانسان .

كأن العزة كلها بمنبر وقبة شموخها يحكي مسرى انبياء.

سر كوني يشعل ما تم نسيانه من الحياج ليتدفق خارجا وبقوة صارخا للحياة .

ليعيد المعنى للوجود

لتسقط الارض ربما

ولكن يبقى الحق هو الاحق

فالحق لا يضيع عند شعب لا يزال ينهض رغم كل الانكسارات

المقاومة حق

حق امام الطاغوت مهما كبر حجمه وزاد طغيانه.

يقتلون الحياة فينا وكأننا اهداف صيد لمواسمهم.

هذا القتل العلني والاعدامات الظالمة على مرأى البشر

هذا التنكيل الذي يطال الاحساس والكرامة من ابناء الشعب من شرقه الى غربه

شماله الى جنوبه

المقاومة حق

والحق هو سلاحنا امام الطغيان القائم .

نحن شعب لا يزال ينبض حياة

وسيستمر بالحياة رغم عنجهية الاحتلال وانصياع القيادة الفلسطينية وغياب الوجود العربي.

سنستمر بأن نكون

فوجودنا هو الارض

وهو العرض

وهو الكرامة التي اضاعها الحكام من اشتات ما كان وطنا عربيا .

وجودنا مقاومة

ومقاومتنا سلاحنا

وسلاحنا حجر او سكين او طلقة او جسد هوت منه الحياة فهوى الى التراب ليكون اقرب الى دمه المنهمر.

التتبيع العربي إلى إسرائيل

في جلسة، ضمن مؤتمر تقيمه مؤسسة الدراسات الفلسطينية حتى يوم الاحد القادم، تحت عنوان “المشروع الوطني الفلسطيني إعادة بناء ام تجديد؟” تكلم الاديب اللبناني الكبير الياس خوري عن التطبيع بجلسة حملت عنوان “التطبيع والتتبيع نهاية مرحلة”

الحقيقة انّ مقال الياس خوري في تتبيع التطبيع يفصل كل مقال بشأن التطبيع ويصوّب الحال بوصف واقع دقيق.

ما يحصل اليوم من تتابع بالتطبيع العربي لا يمكن وصفه الا بالتتبيع العربي الى إسرائيل. فالتطبيع ينجم عن علاقات تبادلية بين كيانات متنازعة متضاربة المصالح ومليئة بالتوترات. وما يجري من تتابع في سباق التبعية العربية نحو إسرائيل يضعنا في لحظة فارقة ربما بالتاريخ، تجعلنا كذلك نعيد النظر في الصياغات المستخدمة وتصويبها.

فنحن نعيش في زمن التتبيع لا التطبيع. 

او ربما لأجل التوضيح نعيش في زمن التتبيع العربي الى إسرائيل وتطبيع إسرائيل نحو العرب (مؤقتاً). 

فإسرائيل تسعى الى التطبيع من اجل الحصول على شرعية ما لوجودها من جهة، والى سوق استهلاكي يمكن ان تستغله الى اقصى الدرجات بأعلى الأرباح. 

اأّا العرب، فعلى ما يبدو يحتاجوا من اجل تثبيت وجودهم اليوم على الساحة الدولية التي تتزعمها أمريكا بالنسبة لهم الى التتبيع التي تفرضه الأخيرة عليهم. 

قد يبدو المشهد الفلسطيني المراوح نحو التطبيع مشهدا مشرقا بالمقارنة. فبالمحصلة، نحن نعيش تحت الاحتلال ولا يمكن عدم تطبيع العلاقات التي تنطوي على التطويع لا التطبيع في حالتنا. فنحن بالنسبة الى إسرائيل عناصر استهلاكية، تستهلك ما تصنعه إسرائيل على ايدي عمال فلسطينيين. وعليه، تنسق السلطة الفلسطينية هذه العلاقة عن طريق التنسيق الأمني. وتتراوح ادوارنا من عمال مصانع الى تجار الى مستثمرين تطبع العلاقة من خلالهم وتطوع على حسب الضرورة. 

فما يجري من احتفاء غير مبرر ولا مفهوم من حيث المبالغة والهرولة الإماراتية نحو تطبيعها مع إسرائيل، لا يمكن كذلك فهمه الا من خلال رؤية الامارات على ما يبدو للتطبيع على انه مرتبط بمفاهيمه بالتتبيع. وكأنهم يتفاخرون بوصمهم بأنفسهم هذه العلاقة. علاقة تبعية الشرقي الجاهل الى الغربي المتنور. وكأنها مسألة جينية. عقدة نقص متأصلة لم تكن وليدة الصدفة عندما استخدمها لورنس العرب في تحضيره لإنجازه الأعظم “الثورة العربية” التي ساعدت بالإطاحة بالإمبراطورية العثمانية في بدايات القرن العشرين. 

ولكن ما الذي يغري العربي في الخليج اليوم بالهرولة الى إسرائيل؟ فلقد غزت أموال البترول العالم واستطاع امراء الخليج شراء كل ما يخطر ولا يخطر في بال البشر الطبيعيين. هي نفسها عقدة الأجنبي التي استطاع ان يستخدمها ترامب عندما زار السعودية والخليج بصحبة ابنته وزوجته وعاد بعدها بالمليارات الى أمريكا؟ كل ما احتاج اليه ترامب من اجل فهم العقلية العربية كان ربما مشاهدة فيلم لورنس العرب او تلخيص لمستشاريه بإيجاز لأحكام الموعظة السبعة التي استخدمها لورنس من اجل التحكم المطلق بأمراء الصحراء. 

ويأتي إعلان التطبيع السوداني مع إسرائيل اليوم وكأن اعلان استسلام، اعلان تتبيع فعليّ. 

تبدو إسرائيل وكأنها في حالة نشوة متعددة التبعات مما يحدث معها من تتبيع عربي متلاحق. ستقوم باختيار من سيهرول اليها قريباً بلا شك، وستبدأ بوضع شروط للتبعية. بالضبط كما يحدث على غرار اخر ولكن ليس منفصلا بحياتنا تحت الاحتلال. 

فقبل أعوام ليست ببعيدة ولا كثيرة، كانت الحكومة الإسرائيلية تستجدي المواطنين الفلسطينيين بالقدس من اجل الحصول على جنسية. قد تبدو كلمة استجداء مبالغا بها بالمقارنة بما يجري اليوم. ولكنها بالفعل كانت كذلك، فكان انجازاً ان يزداد اعداد المتقدمين للجنسية على مدار السنوات. واليوم يبدو الحصول على الجنسية الإسرائيلية من قبل سكان المدينة الذين يريدون تلك الجنسية امرا بعيد المنال واستثنائي للغاية. فلقد اكتفت إسرائيل بالأعداد التي حصلت عليها، وكالعادة، فاقت اعداد المتقدمين المهرولين اليها توقعاتها وحاجتها. 

والتتابع الحاصل في التتبيع العربي الى إسرائيل، لا يمكن رؤيته خارج السياق الفلسطيني السلطوي الذي بدأ منذ أوسلو. منذ ان تم استبدال الوطن بالسلطة، والقضية بتفاوضيات من اجل نظام زبائني تحكمه مصالح افراده. وقد يكون الانهيار هذا ابعد من أوسلو، على حد تعبير الاديب الياس خوري الذي يعود بنا الى “هزيمة حزيران ١٩٦٧ والتي حدث بعدها ان استبدلت القضية بالنظام واستبدلت الأرض بالقمع”. وها نحن نحارب اليوم من اجل بقاء نظام ما تحكمه سلطة ما تحت شعارات وخطابات قومجية او دينية نرددها كل على حسب ميوله ومصالحه. 

ختاما، قد تكون العبارة التي استخدمها الياس خوري في نهاية جلسته لعبد الرحمن الكواكبي من كتاب طبائع الاستبداد هي الأفضل تعبيرا هنا كذلك: ” لو كان الاستبداد رجلاً، واراد ان ينتسب، لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وابنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة.”

في رثاء الموت ربما؟

اريد الهروب الى مكان لا اعرفه

اريد السكن في عالم ليس فيه بشر

اريد ان تحضنني روح غير انسانيه

اريد ان المس بنور

قد اريد امن الموت وسكونه

اشتاق احيانا لهذا السكون

لا بد ان بالموت راحة ابديه

لا يوجد وجع قلوب ولا حرقه

لا يوجد خشيه ولا رهبه من فقدان او هروب

في الموت لابد هناك النوم في سبات اعشقه

صمت في سكون ارتقي اليه

هدوء ونقاء وصفاء

في الموت لابد حياة

حياة بلا كذب او خديعة او رياء

في الموت ربما خلود وابدية وخلاص

في الموت ربما يستريح الجسد

ويقفل العقل

وتتحرر الروح للسعادة المبتغاة

من قال ان الموت هو النهاية

في الموت لابد بداية البدايات

في الموت لحظة ارتقاء الروح لحرية مطلقة ازلية

في الموت لابد ان تكون الحياة …

المأزق الفلسطيني الوطني وفصل المقال في مقالة سري نسيبة  

في مقال للأديب الفلسطيني غسان زقطان حمل عنوان “سري نسيبة.. واليأس كبرنامج وطني للفلسطينيين”، تحامل زقطان فيه على رؤية سري نسيبة الأخيرة للوضع الفلسطيني وطرح “اليأس” كحل. كنت قد تركت مقال سري نسيبة ولم أفكر بقراءته، لأنه كما يقال المكتوب باين من عنوانه؛ لا جديد – حتى قرأت ما كتبه زقطان -. والحقيقة انه لا جديد بمقال او بدون مقال. 

عنوان الدكتور سري نسيبة لحله الجديد في المقال الأخير كان “أن ننسى الحلول وننسى المفاوضات.. البديل هو الصمود”. قرأت المقال وفكرت ان الصمود الذي دعا إليه الدكتور سري نسيبة ذكرني بصمود رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض. كدت اجزم ان اغنية ازرع تفاح ازرع ليمون كمقاومة عنونت حكومة الدكتور رامي الحمدلله ليست الا مسخاً للصمود الذي عرضه سابقه، وجاء لاحقه ليدليه لنا بالعناقيد.

فلا أحد يملك الجديد، ولا أحد يتجرأ على طرح الجديد. وكل ما يخرج بشكل جديد ليس الّا جزء من سيناريو مرتقب لفصيل ما. وقد يبدو طرح الدكتور سري نسيبة اليوم غير كل مرة بالنسبة للمتلقين، لما يترتب عليه من تحالفات سياسية وفصائلية، واتفاقية السلام الإماراتية الإسرائيلية. فحتى لو كان بريئا او مستقلا في رأيه، فإنه بات محسوبا على تيار محدد، اذا ما اخرجناه من محليته الفصائلية، لا يمكن إخراجه من ارتباطه بالإمارات (لكون أخيه وابنة أخيه جزءاً من الحكومة الإماراتية).

في مقال سبق مقال الدكتور نسيبة كان هناك مقال للدكتور ناصر القدوة، وسبقه كذلك مقال للدكتور سلام فياض، الذي توقّفت عنده متعمّدة. ربما لأنّه وبالعودة بذكرياتنا التي لم تُمسح بعد، قد يشكّل سلام فياض بعض السّلم. بالمحصلة، لا يمكن ان يكون التسليم بأوسلو كفعل مقاومة هو الحل. وبالنهاية، اجتمع الجميع فرقاء وحلفاء على هذا الحل. فمهما وجهنا من انتقادات وأطلقنا من صرخات، كلنا سلّمنا لأوسلو. فتح وحماس. فصائل محددة وغير محددة، شعب موالي أو معارض. توحّدنا على حلّ أوسلو… وها نحن ندفع الثمن جميعاً. 

سلام فياض اقترح ما يبدو بالمقارنة بالاقتراحات اللاحقة لمقاله باختيار لحل الدولة او الدولتين او لا حل لأي دولة، إعادة تشكيل منظمة التحرير لتكون هي الكل الجامع للشعب الفلسطيني بفرقائه وحلفائه. وبدا لي وللكثيرين وكأنه لا حل آخر. 

ولكنه رغم ذلك اقترح أمراً بغاية الأهمية (على الرغم من ان اقتراح سلام فياض بدا فضفاضا ولا يمتلك الجرأة الكافية)، امراً يجب أن يحصل، سواء اتّفقنا على أنّ منظمة التحرير هي الجسم الجامع أو قرّرنا تركها وبناء جسم جديد. ما يهم هو توحّد الكلّ الفلسطيني في جسم واحد لنناقش ما نريده حلّ دولة او حلّ دولتين أو لا حل. بالمحصلة، لا يمكن لنا أن نستمر بأيّ من الحلول او اللا حلول بلا وجود قيادة. لأنّ إسرائيل لن يتغيّر دورها معنا وبشأننا، ستبقى دولة احتلال، وحاجتنا لقيادة هو حاجة عضويّة، نحتاج من خلالها إعادة بناء هيكلتنا وتنظيم أنفسنا لننهض ونسعى نحو حل، أي حل سيكون هو الحلّ الصحيح إذا ما أعدنا بناء أنفسنا جيداً ونفضنا عنا غبار الانقسام وخلعنا طحالب الفساد وغسلنا التراب الذي تطيّن منذ تركنا القضية لتصير مركز خلافة لمن يريد ان يكون قائدا.. وما أكثر القادة في حالتنا… يبدو وكأنه لم يبق شعب. الكل قائد بحجم وطن. 

قد يكون الدكتور سري نسيبة محقاًّ بتحليله، فالواقع بالفعل مظلم. لا يبدو أنّ هناك مخرجاً من هذا السحق العميق للنفق الذي حُشرنا بداخله. ولكنّه لا يقدّم حلّا للخروج من النفق. كل ما يقوله اصمدوا وقد يأتي الفرج. 

الحقيقة انّني لم ار كذلك انتظار لفرج بكلامه، فهو يقترح “ان ننسى الحلول لأنها ليست موجودة سوى بالوهم”. فلم تنفع حتى اللحظة المفاوضات التي “ثبت انّها لإلهائنا فقط”، وانْ “لا نوهم أنفسنا بمواقف صلبة خطابياً أو واعدة سياسياً تبدّدها الأيام”.

البديل الذي يعرضه سري نسيبه هو على حسب رأيه البديل الواقعي والمتمثل “بتعزيز صمود شعبنا على الأرض وان يتمسك بأرضه وبما لديه، فليست من مقاومة أشرف وأكفأ من تلك. ان نستملك الزمان والمكان والمعنى! أي ان نجد الحيلة للاستمرار في استنشاق الهواء! لا حاجة للصواريخ او القيادات العملاقة! حاجة الانسان منا ببساطة هي للتمكن؛ هي للعثور على الثغور في النظام التي من خلالها يستطيع النفاذ للحفاظ على نفسه حاجته لمراكمة النقاط لصالحه في صراع طويل الأمد، أيضا في الوجود على الأرض والمعنى. هي لإزالة الحواجز مهما اختلفت طبيعتها. هي للبقاء. للتأقلم حيثما اضطرتنا الحاجة. هي لتحسين ظروف الحياة والصمود والكفاح في وجه النظام الاستعماري الاستيطاني العنصري أينما وكيفما سنحت الفرصة لذلك. هي لـ انتزاع أو “قضم” الحقوق ما استطعنا الى ذلك سبيلا، أكنّا على أرضنا من حملة جنسية إسرائيلية نناضل في الكنيست او خارجه أو كنا عمالا من غزة أو الضفة يسعون وراء لقمة العيش. أو كنا لاجئين في ارض الله الواسعة، لكن، نتمسك أيضا بوحدة شعبنا وهويته وروايته. نتمسك بمنظمة التحرير، بعد إعادة بنائها وتأهيلها وشروعها في العمل بشكلها الرسمي، على كافة الأصعدة وفي كافة المحافل الإقليمية والدولية للدفاع عن القضية الأساس…قضية شعب اغتصبت أرضه وحُرّم من العودة اليه.”

الحقيقة، انني توقفت كثيراً أمام هذه الكلمات وتساءلت ما الجديد هنا؟ ما الذي يفعله الشعب الفلسطيني منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وبدء الانتداب تعرّجا ًالى تأصيل الاحتلال؟ ما الذي فعله الشعب غير الصمود من اجل استنشاق الهواء والبقاء على الأرض؟ للحظة فكّرت أنّ من يكتب هذه الكلمات هو أكاديمي يعيش في أمريكا اكتشف للتو امراً جللاً. ما هي الصواريخ التي يتوقع منّا أن نتركها؟ وما هي المقاومة الأخرى التي تبنّيناها منذ أن وعينا على هذه الأرض، بأجيال متلاحقة من الفلسطينيين وأجيال ستلحق؟ 

ذكّرتني العبارة باقتراحات ترامب ضمن صفقة القرن، فما المختلف هنا؟ الحقيقة انّ اقتراحات ترامب بها تأكيدات أهم وتدابير تساعد بالفعل على تحسين الحياة. سنشهد إن وافقنا على صفقة القرن ازدهاراً حقيقياًّ مؤقّتاً لا يساعدنا فقط عل استنشاق الهواء بل سيمكّننا كذلك من تخزينه؟ 

عن أي نظام يتحدث سري نسيبة الذي يريدنا اختراقه كلما اتيحت لنا الفرصة؟ كيف سنبقى بحل اللا حل بينما نتمزّق بشقّ منا تحت الاحتلال وشقّ تحت السلطة هذه وشقّ تحت السلطة تلك. وشقّ منّا تحت الفصيل المتنازع هذا وشقّ تحت الفصيل المتنازع ذاك. ومن لا يملك الحول ولا القوة منّا ينازع من أجل بقائه وسط عربدة وتفشّي السلاح والفساد والظلم والعشائرية القبلية والتّزمّت وانهيار الأخلاق وغياب القانون. 

كيف يمكن للمواطن العادي استنشاق الهواء والتمسك بما تبقّى له من أيّ شيء ولم يعد الإنسان منّا يأمن على نفسه من أخيه وأبيه وابنه؟ 

اللا حل المقترح هو ما نعيشه من انهيار، لا يمكننا التمسّك به كحل، لأنّ به ضعنا وتهنا في متاهات الخندق السحيق الذي حُشرنا به راغبين. خندق أوسلو الذي لا مخرج له. 

ما نحتاج اليه هو محاولات لبناء سلّم نرى فيه الضوء فنخرج. 

ما نحتاج اليه هو تنظيم أنفسنا في هذا الخندق السحيق وتوزعنا نحو محاولات لبحث عن بعض النور. 

ما نحتاج اليه بينما نصمد كما تعودنا وعهدنا عن أنفسنا وعرفنا عنها هو عدم التوقف عن البحث عن الحل الذي يأخذنا نحو التحرر. 

التحرر الذي لم يعد الاحتلال هو عنوانه ومحوره فقط. 

مهما نظرنا الى حالنا ببؤس وتلعثمنا في مرارة واقعنا، فلا يمكن اعتبار الرضوخ صموداً. ولا الانهزام عزيمة، ولا التسول انتصاراً، ولا الخنوع يمكن ان يكون ابداً الطريق الى الحياة. 

كان هناك امام سري نسيبة فرصة، كما غيره من أصحاب المكانة والعقول المستنيرة في هذا البلد من النهوض بالشعب نحو تيار جديد. نحو بناء هيكلي يبدأ من خلاله استجماع الطاقات والموارد وأصحاب المبادرات والاستنهاض. ولكنه اكتفى بالحل الذي يطعم الافواه ويأمنها من جوع مؤقت، فيسكتها، وتشكر من اطعمها على امل وجبة قادمة. 

ما نعيشه اليوم من ازمة وطنية ليس بجديد، وهو بالتأكيد الأسوأ، وما من شك ان الأسوأ من هذا كذلك قادم. ولكن الامل يبقى بالإنسان الفلسطيني الذي يؤمن بالفعل ان الحق لا يضيع ما دام صاحبه مطالب به. 

هذا الشعب هو صاحب الحق. صاحب الأرض. إسرائيل لم تستطع الانتصار كليا علينا، وبالتالي لا يمكن لها الانتصار أصلا، لأنها تعي ان القيادات الفلسطينية منذ وجودها لم تكن الا حفنة من المنتفعين والمتعاونين والمتسلقين الذين اغتنوا وغنموا ورحلوا وارتحلوا… هذه القضية ستبقى حية بأبنائها المؤمنين ان الحق قوة. وان المقاومة حياة. والمقاومة ليست بدبابة او مدفع او صاروخ. المقاومة هي ما كانت عليه قبل مئة عام وتستمر اليوم. 

المقاومة هي حق صاحب كل قضية… والشعب الفلسطيني مهما ابتلي بقيادات بالية، يبقى موجودا وتبلى القيادات ويحاكمها التاريخ. 

الصمود والمقاومة وجهان لعملة واحدة… فلا صمود بدون مقاومة ولا مقاومة بدون صمود. 

ولا مقاومة ولا صمود بل خنوع وهزيمة هي تلك الحلول التي تعطينا الصمود كوصفة سحرية بالكلمات.. تذوب قيمتها وتنتهي وتجعل منا مسوخاً لا شعوباً.

يفصلنا ما لا يبلغ الى اللحظة ما بين الوجود واللا وجود
في غمرة محاولاتنا بالتحكم والتملك والفهم والتتبع

لكل ما يجري حولنا مما يبدو لحياة

تبدو لنا وكأننا نملكها…


تأتي لحظة
اقل من لحظة


لتوقفنا وقفة استبدادية متعالية متحكمة واثقة في مكاننا بصمت غامر


توقفنا فجأة كالفرملة المباغتة..


لنفتح اعيننا خوفا ورهبة لننظر الى ما سنوول اليه بعد هذه اللحظة
بلحظة


يصبح كل ما كان وكأن لم يكن
يصبح بلا قيمة او معنى


لان ما سنصبح عليه بعد هول هذه اللحظة هو كل ما يمكن ان نكون
تصبح اللحظة كل امانينا واحلامنا وامالنا


يصبح الوجود لحظة


بتلك اللحظة
تختلف كل معانينا التي الفناها لمعنى الوجود


بتلك اللحظة
يصبح اكبر كنز نسعى لاقتنائه هو وجود ذلك الذي امامنا


في لحظة تصبح الحياة كلها باصغر من حجم اللحظة


في لحظة
نقترب فيها على فقدان كل شيء


وفي لحظة نستعيده


لنقف


للحظة


شاكرين متأملين حافظين مقدرين لنعمة نستمر في عدم تقديرها
لنعمة الوجود

٢٠١٤

قصة قصيرة 

الدنيا آخر وقت 

استعد الوالدان كعادتهما يوم الجمعة لاستقبال الأبناء والبنات. الأحفاد والحفيدات. غداء اليوم تم نقاشه بتروي مساء الامس. الزوجة تريد ضلعة، والزوج يريد رقبة. في نهاية الامر اتفقا على رقبة وضلعة. فيوم لقاء الأبناء الأسبوعي هو يوم مقدس. يستحق الضلعة والرقبة والرأس والكوارع والأفخاذ وما طاب للأبناء. ففي حياة الانشغال اليومية يبقى يوم الجمعة هو يوم الوصال والتواصل. يوم الطعام الوافر والضوضاء حتى أسبوع قادم اخر من الهدوء النسبي في رتابة الحياة. 

بالعادة لا تحب الزوجة هذه اللقاءات الأسبوعية، فهي مجهدة ومقلقة، وتغلق إمكانيات الاستمتاع بيوم الجمعة مع الصديقات. والزوج يفكر أن تكلفة عدد من كيلوات اللحم في زيادة او نقصان لا يؤثر على أحد الا جيبه. وبضع الدنانير هذه قد توفر في قطعة ارض جديدة. دينار على دينار يبني هذه القصور ويؤمن الأراضي الشاسعة… ليؤمن البنين والبنون في المستقبل. لا داعي للقلق، سيتم إرضاء البنات في شيء ما، يهمس في صمته. فالحمد لله كثيرا على نعمة المال والبنون. فلقد جهد كل منهما وبذل حياته من اجل الاستمتاع بنتاج حياتهم المليئة بالتضحيات من اجل ان يكبر الأبناء.

يخرج الزوج كعادته بعد ان يختم جزءا من أجزاء القرآن. عادة يومية على مدار عشرات الأعوام لا تتغير. التقرب من الله من خلال قراءة القرآن يزيد ثوابا وايمانا. وها هي الصفحات تشهد يوم القيامة بعدد قراءتها. وان غاب عن الملائكة العد، لا قدر الله، فها هي كل ختمة للقرآن مدونة بالتاريخ واليوم. فلا مجال للخطأ. هذه كفيلة بإدخال رجل الجنة. حسبة دقيقة تزيد في ميزان الحسنات. 

يخرج لشراء الحاجيات قبل صلاة الجمعة. يجلس بالصلاة بورع وايمان. يدعو الله بان يكون مكانه محفوظا بالجنات. يستغفر الله كثيرا، يبكي من كثرة الخشوع، يزيد في الصلاة والركعات، فركعات إضافية بالمسجد بعشرات الحسنات الإضافية. 

لا بد ان هفوة ما قد مرت بحياته، وها هي الصلاة وقراءة القرآن والزكاة واطعام البنين والبنات وتعليم الغرباء في ميزان الحسنات لتمحي أي من الهفوات. 

الزوجة هناك تستعد للغداء. وصلة من الاتصالات بين الصديقات والاقارب للتأكيد على يوم الجمعة العظيم. الصلاة والاستغفار، والبكاء من الخشوع. 

هي أكثر تقدمية في ايمانها من زوجها التقليدي، تؤمن على طريقة محمد شحرور. تصلي وتمارس العبادات والتقوى على طريقته. فالله بالمحصلة يحاسب على ما في القلوب.  

كم يتعب الاهل من اجل أبنائهم… 

كم يحترقوا وكم يبذلوا حياتهم…. 

همهمت الزوجة في نفسها قليلا متذمرة من تعب الطبخ والنفخ.. ولكن لا يهم.. كلها مرة بالأسبوع.. 

ختم الامومة والابوة موضوع بإحكام. 

لا يمكن ان يشكك أحد في هذه الامومة التي استباحت نفسها وضحت بشبابها من اجل ان يكبر الأبناء والبنات والعيش من اجل هكذا يوم يجتمع به الجميع على طاولة واحدة أسبوعيا. 

كم تفتقد الكثير من العوائل لهذه اللحمة. 

كم يحسدهما القريبون والبعيدون على هذه الصورة العائلية العظيمة. 

جاء وقت الغداء ولم يأت أحد بعد. 

كانت الزوجة قد تذمرت قليلا في الأسبوع الماضي، هل يعقل انهم اخذوا على خاطرهم وقرروا ان يأتوا فقط على موعد الغداء. 

أحسن.. قالت في نفسها…سيأتون بالأسبوع القادم بكل تأكيد او ما بعده او ما بعده.. سيأتون بالتأكيد. 

رجع الزوج من الصلاة والخشوع يملأ قلبه. تعب وحرارة، وكورونا في المحيط.. ولكن لا يهم… الله بحمي. 

استلقى قليلا حتى يأتي الزائرون الأحباء. تناول القرآن من جانبه وقرر انه بحاجة الى ثواب جديد، لعل هناك هفوة لم ينتبه اليها اليوم مرت من حياته الورعة. 

ما أجمل العيش من اجل الثواب في خضم الايمان. 

رنت لاحد الأبناء، ولم يرد. 

هاتفت الثاني والثالث والرابع… ولم يردوا. يا لعقوق الأبناء وجحودهم قالت في نفسها.

قام الزوج من قيلولته وقد زاد الى ثوابه جزأين من القراءة القرآنية. وطلب الطعام. 

اين الأبناء؟ 

يا لهم من مستهترين. ماذا سنفعل بكل هذا الطعام. سنوزعه على الفقراء والمساكين. 

لم يفكر أحدهما للحظة ان هناك مسألة ما … 

كظمت الزوجة غيظها من الاستهتار ووضعت لزوجها والعاملة المنزلية صحنا من الغذاء، واستمرت في محاولة الوصول الى الهواتف المغلقة. 

قررت هي كذلك تناول الطعام. 

صورة للفيسبوك مع المائدة سيبدو جميلا لهذا اليوم. 

صورة للرقبة والضلعة مشوية بعناية مع الصنوبر واللوز على السطح والرز الشهي على الجوانب. وعاء سلطة كبير، وصحون كثيرة امام المائدة الكبيرة. 

صورة جميلة جدا توجتها عبارة: جمعة مباركة.. تفضلوا 

قلبت حائط الفيسبوك في جولة سريعة حتى تبدأ اللايكات والتعليقات بالقدوم الى صورتها الجميلة وطبيخها الشهي في يوم جمعة العائلة.

وبدأ الزوج بمتابعة حسابه على الفيسبوك بينما يأتي موعد صلاة العصر 

صورة لاحد الأبناء.. لابن، لابنين، لثلاثة، لحفيد، لأحفاد…. 

صورة للأبناء والاحفاد مع جدتهم حول مأدبة غداء بسيطة في بيت المسنين

الفن الاستعراضي بين تحية كاريوكا وروبي… واهتمام ادوارد سعيد

 

شاهدت اغنية مصورة (انت عارف ليه) للفنانة المصرية روبي، بعد أن سمعت تصريحا لها تقول فيه، أنها لا تريد العودة للغناء بسبب هبوط مستوى الأغنية بالوقت الحالي. 

استهزأت من التصريح للحظات، ثم استذكرت تاريخ روبي الذي بدأ بأغنية أشبه بتصوير إباحي بحركاتها قبل الكثير من السنوات، والذي شكّل في حينها صدمة حقيقية لجمهور المتفرّجين. فكان حينها لا يزال للصوت قيمة، كما للمظهر الذي يخرج فيه الفنان، والالتزام كان سمة الفن. فكانت روبي بجرأتها الخدشة والكلمات الهشة المعنى والايقاع، هزّت بتحريكها لمفاتن جسدها ما أصبح حالة تتسابق عليها النجمات فيما بعد. 

أذكر انه وفي تلك الحقبة اشتهرت بالغرب جينيفر لوبيز وتلتها شاكيرا بتأثير رقصهن قبل أن تثبت كل منهما قوة ما تكمن من إبداع. على الصعيد العربي، لا أنسى كيف تلت حالة روبي التي كان الاستياء منها عاليا، نانسي عجرم، التي عرفها الجمهور من قبل في أدائها لأغاني كلاسيكية ملتزمة، وإذا بها قد تغير شكلها بالكامل ودخلت العالم العربي على طاولة بمقهى وفستان احمر أو اسود لا اذكر وهزّت من بعدها عرش الالتزام بالغناء من خلال “اخاصمك آه”. 

سنوات كثيرة مرت، وانهار الفن كما ينهار الكثير من الأمور في المنظومة المشكلة لمفاهيمنا وأخلاقنا، فصار الزحام على من تتعرى أكثر، حتى صارت هيفاء وهبي و”ابوس الواوا” عنواناً آخر للمرحلة المترهلة للفن. وشاهدت اغنية روبي وإذ بي أرى فنّا وابداعا وجمالا. ايعقل ان معاييري اختلفت؟ ام ان المقارنة بما نعيشه اليوم من اسراف وامتهان وانحطاط للفن جعلت روبي ايقونة فنية بالمقارنة؟  

أثناء قراءتي لكتاب صبحي حديدي، الخاص بإدوارد سعيد: ادوارد سعيد الناقد، استغربت وجود مقال مسهب لإدوارد سعيد عن الراقصة المصرية تحية كاريوكا بعنوان: احتفاء براقصة شرقية تحية كاريوكا. 

كانت قراءة مختلفة تماماً عن أي توقّع، بقدر ما كانت صدمة التساؤل: ما الذي يمكن ان يكون قد رآه ادوارد سعيد أدبياً برقص تحية كاريوكا. طبعا، تساؤلي تساؤل ساذج، يمكن دحضه عند التفكير ان الابداع يشمل الرقص كما يشمل الادب واشكال الفن المختلفة. ومقال ادوارد سعيد عن تحية كاريوكا ليس اقل من وضع الرقص الشرقي كفن أساسي في فهم الحضارات ولا يقل أهمية بالحاجة لفهمه وتأمله من أنواع الرقص الأخرى كالباليه مثلا. 

ومقال ادوارد سعيد هذا ينتمي كما يشير الحديدي في هامش المقال الى “النوع الاستثنائي (النادر) الذي اعتاد سعيد كتابته بين الحين والآخر، يجمع في ضمير القارئ إحساس المفاجأة بأحاسيس ضرب القدوة الممتازة في موقف المثقف الموسوعي من قضايا وشخوص عصره، وحاجة ذلك الموقف الى المزيج من اللمسة الإنسانية، والعمق الفكري ونزعة المسح البانورامي للعناصر الثانوية ذات التأثير الخاص في صناعة التفصيل الشخصي والتفصيل المشهدي.”

طبعاً، لم يخل ابداع ادوارد سعيد في ذلك المقال من طريقته الخاصة بالتعبير الذي مزج الفكر والادب في تحليله وتصنيفه وتعريفه لرقص تحية كاريوكا وعلاقة تحية كاريوكا بالحراك السياسي واهميته في حينه بمصر، ودورها في ذلك، ومن ناحية أخرى كان نصيب ذكريات ادوارد سعيد المراهق ووجود تحية كاريوكا كجزء فاعلا ممتعا من ذكرياته البعيدة. 

في مقال بديع للغاية، تناول فيه كذلك أهمية ام كلثوم وكونها المطربة الأعظم في العالم العربي على مر القرن العشرين، وسحر تأثيرها واعتبارها شخصية طاغية في عملية إعادة اكتشاف فنون الشعوب الجارية على نطاق عالمي، ودورها في انبثاق حركة نساء العالم الثالث بوصفها كوكب الشرق التي تحولت صورتها الى مثال للاحتشام الداخلي والوعي النسائي. فاعتبرت رمزا وطنيا وحظيت بالاحترام على مر عهود الحكم من العهد الملكي الى عهد عبد الناصر بعده. 

بنفس القدر من الأهمية لأغانيها بكلمات قوية ومحترمة ورومانتيكية، كانت أغانيها إلهاما للراقصات. فملأ صوت أم كلثوم بأغانيها العظيمة الآذان وأطربها، وكان الرقص على إيقاع أغانيها تغذية العيون. وكانت تحية كاريوكا التي تتلمذت على يد الراقصة بديعة مصابني أكثر من أبدع في تجسيد هذه الحالة من التماهي بين المطربة العظيمة بكلمات أغانيها وسحر الالحان. 

تحية كاريوكا على حسب وصف ادوارد سعيد جسّدت نوعاً محددا للغاية من الجاذبية الجنسية، عبّرت عنها بوصفها الراقصة الأسلس والأقل ادّعاء، وبوصفها سيدة الإغراء الأعلى كعباً في الأفلام المصرية. 

في فقرات رائعة يعود ادوارد سعيد بذاكرته ليصف تفاصيل ما رآه عام ١٩٥٠ عندما كان ابن ١٤ عاما ليحضر مع رفاقه عرضا لكاريكوكا بكازينو على ضفة النيل في الجيزة. يقول: ” …كنا نجلس بعيدا عن خشبة المسرح قدر المستطاع، لكن الزي الأزرق اللامع والمتلألئ خطف الأنظار ببساطة، وكان التوتر والتوشيح البراق يتألق بقوة، وكان سكونها الطويل منضبطا وهي تقف هناك رابطة الجأش. 

وكما في مصارعة الثيران، يقوم جوهر فن الرقص الشرقي الكلاسيكي العربي ليس على كثرة، بل على قلة، حركات الفنانة. وحدهن المستجدات، والمقلدات البائسات اليونانيات والأمريكيات ينخرطن في درجة مريعة من الهز والتقافز هنا وهناك، معتقدات ان هذه الحركات هي “الجاذبية الجنسية” وصخب وعجيج الحريم. المسألة تتعلق بأحداث تأثير ما عن طريق الإيحاء أساسا (ولكن ليس حصرا على الاطلاق)، ثم القيام بذلك عبر سلسلة احدوثات محبوكة معا في نوبات متغايرة موتيفات متكررة دوريا، على غرار التشكيل التام المفتوح الذي قدمته تحية في تلك الليلة.” 

ويضيف: “أثناء ذلك كله تواصل التحديق في الأجزاء المتحركة، إذا جاز القول، وتثبت انظارنا عليها أيضا كأننا نشهد دراما صغيرة منفصلة، بالغة الانضباط ايقاعيا، تعيد تكوين جسدها بحيث يتم التشديد على الجانب الأيمن شبه المنفصل. كان رقص تحية اشبه بأرابسك مديد يصاغ من حولها زميلها الجالس. وهي لا تقفز ابدا، ولا ترج ثدييها، ولا تنخرط في حركات سحن وطحن الجسد. كان الامر باسره ينطوي على قصديه مهيبة اسرة ظلت محافظة على طابعها حتى أثناء المقاطع الأسرع. وكان كل منا يدرك ان ما نشهده هو تجربة ايروسية بالغة الاثارة لأنها مرجأة الى ما لا نهاية، ولأنها من نوع ليس بوسعنا ان نأمل في مطابقته على الحياة الفعلية. تلك كانت المسألة على وجه الدقة: كانت هي الجنسانية بوصفها حدثا عاما يجري التخطيط له وتنفيذه ببراعة، لكنه يظل، على نحو كلي، غير قابل للاستهلاك او الوقوع.”

فكرت بالرقص كما يطغى على عالمنا اليوم، فيفي عبده وقفزاتها غير المنقطعة، الاغراء لا الرقص الذي يتمثل بكل راقصة أخرى. أكثر من ذلك، امتهان الكثيرات للرقص بالأغاني والاستعراض بكل ما تم وصفه في الفقرة السابقة. 

هكذا خطرت لي روبي في هذا الموضع. 

أضحك بينما أفكر بجديّة أو أهميّة الكتابة بهذا الصدد… ولكن أعود وأقول، إذا ما كتب إدوارد سعيد عن تحيّة كاريوكا، فلروبي الحظ في الكتابة عنها بهكذا مقاربة. فعلاقتي بروبي كعلاقتي بتحية كاريوكا، لم أفهم أبداً بالرقص ولا الغناء وكنت أغرّد مع المغرّدين في رفضهم وسخطهم على أدائهما في فترات زمنية مختلفة. 

ما كانت تقدّمه روبي ببداية ظهورها بالفعل لم يكن إلا إغراء. كل ما قدّمته كان مرفوضاً بالنسبة لأمثالي. ولكن، بلحظات زمنية متسارعة صارت روبي بعرضها الاغرائيّ المفروض لا تشكّل حتى حفنة غبار خفيفة أمام ما حدث لاحقاً. فامتلأت الشاشات بالمعروضات الأقرب الى العريّ المليئة بالإغراء والايحاءات، التي تجعل المتلقّي يشعر بالأسى من ناحية، والى حجم البخس التي صارت عليه الأجساد، وترجيح الاثارة والاغراء والتعري على الفن. فكان كل ما نراه اليوم، فقد تشكّل هيفا وهبه عرّابة هذا النهج، لأن نانسي عجرم وبالرغم من جرأتها أوّلا، الّا انّها كانت صاحبة صوت قد فرض نفسه. هيفا أثبتت انّ النجومية بالغناء أو بالموهبة الفنية ليست بالضرورة مرتبطة بالصوت. فيكفي أن تمتلك الانثى حضوراً مليئاً بالإغراء الطاغي والجرأة على التعرّي وإقحام المشهد بالإيحاءات لتصبح أيقونة الفن والغناء والرقص والتمثيل.  ولكنها كذلك، تبدو قدّيسة وفنّانة ملتزمة أمام ما يجري الآن. 

بعد أن طغت روبي لفترة محدّدة الشاشات بعروضها الإغرائية المثيرة، شقّت طريقها إلى التمثيل، وأثبتت أنّ ملكتها الفنية حقيقية. وقد يكون اختيارها لأدوار بعيدة عن الإغراء بمثابة تحدّي قامت به لتغيّر كذلك الصورة النمطية التي حُفظت لها أمام الجمهور.

فأغنيتها الأولى (ليه بداري كده) التي انطلقت منها كانت أشبه بفتاة الأفلام الإباحية. وبدت انها لا تصلح الا كممثلة إغراء. الا انّ اداءها بدأ يأخذ شكلا أفضل من اعتمادها على الاغراء عندما قررت ان تترك نفسها للرقص كما تحبّه لا كما تحتاج اليه كفعل إغراء. وتبيّن لها ربما أن جرأة الملابس والإغراء لا يصنعوا موهبة، أو ربما استطاعت أن تقرر ما تريده من نفسها بعد ان انطلقت في طريق نجوميتها.  

وكانت امامي اليوم أغنية (إنت عارف ليه)، واستمتعت بالفعل بكل ما جاء بالأغنية، من كلمات (غير مهمة) وصوت (عادي) وأداء مليء بالإثارة. فبدت صفاتها هذه إيجابية للغاية بالمقارنة بما يهجم على شاشاتنا مع اللحظة. ولكني بتأمّل الرقصات التي قدّمتها وجرأتها وارتياحها مع نفسها، وجدت الكثير مما أعجبني، فجمالها صارخ، وكأنّها أميرة عربيّة من زمن الصحراء البعيدة خرجت لتجوب شوارع بلد أوروبية ما ببدلة رقص، كانت “ياسمينة” الخاصة “بسندباد” ربما. لم تحتج لتضع الكثير من المكياج ولا الإفراط بتغيير شكلها ولا الاستعراض بما ظهر أكثر من مفاتن جسدها. جمالها “عضوي” اذا ما صحّ التعبير، نفتقد إليه بلا ادنى شك. جمال بما صنعه الخالق لا طبيب التجميل. جمال يعكس الكمال في صنع الله للبشر، -غير كامل- كما نشتاق لنرى بشر على الشاشات بجمال صنع الله لا ترميم أو تجميل الأطباء. 

تبدو روبي في هذه الاغنية متصالحة للغاية مع شكلها وجسدها ولم تأبه لما رأته مناسباً من كشف أكثر لمفاتنها، ولكنها بالفعل قدّمت لوحة فنية جميلة. رقصها مريح للنظر، لا تحاول التصنّع بالحركات ولا تزيد عليها قفزة ولا هزّة ولا ابتذال (على عكس اكثر من اغنية سبقت تلك الاغنية لها). الحقيقة انّها قدّمت عرضاً رائعاً جداً. بالإضافة الى جمالها العربي. فلا يكفّ المرء النظر الى جمال وجهها، بسحنة غجرية، بدوية، عربيّة. جمال غير مطلوب في سوق النجومية المبنية على الألوان والاغراء. 

اذكر أوّل مرّة شاهدت الكليب، سببت عليها، ومنعت بناتي من المشاهدة، فكيف تمشي تلك المرأة ببدلة رقص بشارع. 

اليوم، وبينما لم أعد أعرف ما الذي يمكن أن تشاهده البنات على التك توك او الكليبات العربية والأجنبية

ما تقدمه روبي يشبه المادة الخام بصوتها ورقصها وآدائها وشكلها. تقوم بفعل ما تشعر به. وهذا هو الرائع. 

متصالحة مع صوتها وجسدها ويبدو شغفها للرقص كذلك أصيل. تذكّرني بطفولة معظم البنات في ذلك الزمن، اللاتي كبرن على التدرب على الرقص في أوقات الفراغ العائلية لتستعرض امكانيّاتها بالأفراح والمناسبات. وكأنّها قرّرت كذلك بأن بدلة الرقص الخاصة بالرقص الشرقي هي المقدّس لفعل الرقص الشرقي، فجولاتها ببدلة رقص استعداداً لجولة رقص في مكان ما بمدينة أوروبية كان امراً، لم يجعل منها راقصة، بل جعل من الرقص فعلا له طقوسه الخاصة… لا يمكن بدون بدلة خاصة به. 

أظنّها انتبهت لهذا لأن ما كانت تقدمه من أغاني مليئة بالإثارة كان ما ترتديه هو المثير لا ما تقوم به من حركات راقصة. أو ربما تكون قررت أن مقدرتها على الرقص يجب الا تُمتهن في الإغراء البائس. وقد تكون روبي نضجت فنياً وعقلياً كذلك، باستنهاضها لمقدراتها بالتمثيل، لأنّها قدمت اعمالاً فنية جيدة للغاية بالأدوار التي قامت بتمثيلها. 

ومن تحية كاريوكا الى روبي، تبقى شخصية الانسان هي العنصر الأكثر هيمنة على ما يمكن ان يتركه هذا الانسان من اثر. 

ولكن مهما حاولنا النظر للأمور بعين تخصصها، فان السياسة غالباً ما تحكم نظرتنا. فلتحية كاريوكا جانباً مهماً في النضال الوطني المصري من أجل التحرر والحرية دفعت ثمنه غالياً. وربما كونها راقصة جعلها “خصرا رخوا” أمام الجمهور العريض. ولكن يكفي مسيرتها أهمية ان يتوقف أمامها باسهاب أدبي ممتع مفكر كادوارد سعيد. 

في المقابل نرى ما نعيشه من انحدار، صار الفن سلعة استهلاكية يستخدمها كل متنفذ، والفنان مجرد بضاعة معروضة لمن يدفع أكثر. والمتلقّي يشتري البضاعة لأنه وقع فريسة الاستهلاك. والمنتج لا يهمه من البضاعة الا إمكانية بيعها. فبتنا نرى كل الأشكال والألوان للفنّ الهابط، تبدو فيه روبي بهذه المقاربة مظلومة بإنهاء عصرها الغنائي، فصوتها ليس الأسوأ- على العكس يمكن تصنيفه بالجيد، واستعراضها الغنائي الراقص يبدو احترافياًّ وحقيقيّاً أمام ما نراه من ابتذال وتصنّع  وانحطاط يمكن أن يوصَف بالانحراف في كثير من الأحيان. 

القدس تودع الفنان التشكيلي الشاب محمد جولاني إلى مثواه الأخير 

رحل الفنان الشاب ابن مدينة القدس محمد جولاني عنا بالأمس فجأة. باغته المرض اللعين بلا استئذان ليحط الموت عليه هكذا بجبروت الى ظلماته. 

الموت يبدو وكأنه استهزاء الحياة بنا… وكأنه تجسيد لواقع لا يمكن للإنسان التحكم به مهما ظن انه متحكم. لا شكل ولا وقت ولا صيغة ترشدنا اليه او تجنبنا منه. ميقات يقرره هو ساخرا منا ومن جبروتنا الواهم كبشر. دنيا فانية بالفعل الا من تدبر الخالق لنا منها…. مؤقتا… وحسب نظام وميقات يقرره هو لا نحن. 

محمد جولاني، على الرغم من سنوات عمره القليلة نسبيا، فلقد فارقنا ولقد بلغ للتو ٣٧ سنة لحياة انطفأت فجأة. ترك بصمة في كل مكان مر منه، وبكل انسان عرفه. هذا ليس رثاء لإنسان مات وعرفنا قيمته للتو. 

لا ابدا… 

قد يكون وقع الفاجعة اقل مأساوية عندما ينظر المرء لحظات الى الوراء ويفكر كم ترك محمد جولاني خلفه من اعمال ستبقيه خالدا كروحه التي عاش بها. 

برع محمد جولاني بأعماله بطريقة ملفتة. لم يترك المجال بأن يكون مجرد فنان اخر. ولم يترك المجال لوضعه بقال محدد يشبه أحد ما. فلقد تتلمذ على يد الفنان الكبير سليمان منصور، وهذا يكفي لتكون الموهبة التي حملها قد استطاعت شق طريقها من مكان صحيح. ولكنه على عكس معظم من تتلمذ على يد الرائع سليمان منصور سرعان ما خرج وحلق نحو أسلوبه الخاص. وبرع في كل ما قدم من لوحات واعمال فنية. في كل عمل له كان هناك معنى ورسالة ونفحة فلسفية تجعل المتابع لأعماله يقول في نفسه: لا يمكن ان يكون هذا الشاب من هذا الكون. خصوصا في بلد مثل بلدنا، وفي عالم كعالمنا. لا يقدر الا الاستنساخ ولا يبجل الا الأموات او أولئك الاحياء الذين اكتشفهم الغرب. كان محمد يسير على خطاه هو، متأثرا بالكثيرين، يتعلم من كل التجارب ويرى كل من يعلمه حركة في ريشته او تقنية في عمله استاذه. كان أستاذا منذ تخرج من كلية الفنون بجامعة القدس. وكأن القدر الذي اعد له كل شيء مبكرا اضفى بعض العدالة لفعلته الأخيرة بخطفه. فكان أستاذا ولم يتجاوز النصف الأول من سنواته العشرين. وقدم العديد من المعارض الفردية والجماعية، وكان بقدر ابداعه كفنان تشكيلي، مبدع كنحات، ورسوماته الدقيقة بالقلم الرصاص كانت في قمة الابداع. 

وعلى الرغم من نبوغه الواضح وجولة العالم من ادناه الى أقصاه في معارض ومشاركات وحوارات وجوائز، شغلت اعماله الخاصة بالقدس صبغة متفردة، لا تلك المرتبطة باللوحات فقط، ولكن بالأعمال التي اتسمت بالنشاطات الجمعية في تجميل المدينة والمحافظة على صبغة هويتها. فصعد على الاسطح ورسم، وجال حول الجدران في المدارس والمراكز والشوارع ورسم، وفي كل مناسبة طلب منه ان يقدم عملا للقدس كان مستعدا بلا كلل. 

غريبة جدا كانت طاقته وزخم اعماله. وكأنه كان يعرف ان عمره لن يكفي ليرسم على مهل ووهن. كان دائم الحراك والعطاء، وانشغاله في السنة الأخيرة بدراساته العليا، جعلت منه أكثر التزاما وتفانيا، وكأنه اكتشف مسارا جديدا أراد من خلاله تعويض كل ما سبق من اعتماده على اساليبه التي اتقنها من قبل. وكأنه اكتشف الفن من منظار جديد أراد ان يعوض فيه.. او بالأحرى أراد ان يشاركه معنا قبل ان يرحل. 

ولكن بين مشاهد للوحات واعامل محمد جولاني بالقدس وعن القدس، وبين مراسم دفنه الى مثواه الأخير بمقبرة اليوسفية عند مدخل باب الاسباط على مشارف المدنية العتيقة، امام مطلة جبل الزيتون، يبدو وكأن دائرة ما قد أغلقت من اجل راحة حقيقية. ليرقد أخيرا ليكون من جديد بداخل لوحة لطالما رسمها وجال بداخلها، الا تلك التي رسمها للمدينة. قبر خلفه سور المدينة القديم وضوضاء الشارع على مقربة منه ليأنس به، وشجرتين تظللان حر التراب، واجراس الكنائس القريبة قرعت من غير استئذان لتشاركنا هول المصاب بعد ان انتهت الصلاة عليه. وحل الليل بقمر مكتمل على هيئة بدر مضيء. ليؤنس وحشة القبر وظلمه للزائر الجديد. 

اتابع لوحاته المعبرة دوما، ولكني توقفت امام لوحتين بالذات الأولى تحت عنوان “خارج السياق” ضمن مشروع للهامش على حساب المتن”، وصفها بكلماته ” القداسة والقيمة بمعزل عن السيادة والسلطة باختلاف اشكالها، عن الهالة الفارغة من المفهوم، عن اليسار قبل اليمين. اللوحة مستوحاة من فكرة دا فنشي في لوحة الرجل الفيتروفي والتي تسمى أحيانا شريعة الانساب، التي تمثل رجلين عاريين في وضع متراكب أحدهم داخل دائرة والأخر داخل مربع. ما قام به محمد في تلك اللوحة هو رسم العشرات من الرجال بوضعيات كثيرة مع كل الاحتمالات الممكنة ولم يكن كل رجل في تلك الصورة غير محمد نفسه. 

ما الذي يسعى اليه الفنان عندما تكون رسماته مهما كانت ومهما حملت من معاني مختلفة يكون هو محورها؟ 

كانت اللوحة التالية هي الصادمة لي، ليس بخروج محمد من اللوحة في تلك اللوحة، وليس ما وصفه بنفسه بالكلمات التالية: 

ها أنذا أخرج من عملي لأكتب عنه. أبتعد وأنظر إلى شبحي يدير ظهره لورشته اليومية، فأرتبك. أرتبك وأمد يدي إلى اللوحة لأعيدني إليها، دون أن أدري ما الذي أريده بالضبط؛ هل هو وصف الشكّ حين كان فكرة أم وصف الشكّ حين اكتمل وصار شكلاً. هل أحاول في هذا العمل إحياء التوازن بين الواقع والخيال أم أحاول قتله وتحطيمه. أم أن ديغاس كان محقاً حين قال: “يرى الشخص ما يرغب برؤيته، وهذا الزيف هو ما يشكل الفن”؟ لم يكن هذا العمل نتيجة لبحث قمت به أو لمخطط وضعته لتنفيذ فكرة ما كجزء من مشروع أو معرض شخصي، ليمكنني تقديمه بلغة المشتغل أو لغة الناقد أو حتى المتذوق. بل بالعكس تماماً، إنه تصريحٌ فظٌ تقوم به اللوحة ذاتها عني وعن مكاني وعن تحركاتي اليومية. وأنا لستُ إلا جزءً من العمل أقف فيه وأمامه كشاهد عيان لا أكثر. إنه الحوار اليومي بيني وبين أشيائي؛ رفوفي ولوحاتي وأقلامي وريشي. لكن هل هو حوار خصومة أم صداقة؟ لا أعرف. كل ما أعرفه أن الصوت فيه ضائعٌ لأن الزمن مضى. مضى منذ أن رفعت يدي عن آخر لون في اللوحة. هذا العمل إذن هو أنا في لحظة ما، صورة لا تُنسى لشيء لا يمكن الاحتفاظ به في الذاكرة.”

ما أرعبني في تلك اللوحة هو ذلك الظل عند خروجه من الباب. كان ملك الموت منتظرا بلا شك. فهل كان محمد على وعي بما ترسمه ريشته؟

A person standing in front of a building

Description automatically generated

في أحد منشوراته بداية هذا العام العصيب، شارك محمد أنطولوجيا الموت للشاعر المغربي محمد بنميلود. اعيد قراءة كلمات القصيدة وسماعها وأفكر كم هو قاس الموت…. قصة أخرى لمعاني الحياة التي نرفض ان نعتبر منها… نسلم بها فقط…. ونكمل في حياتنا بلا اعتبار…ويذهب الميت وحده الى عالم اخر ليضحك منا ربما… ويتركنا معلقين وراء اغراضه وذكرياته نلملمها ونحللها ونحاول فهمها لنأخذ عبرة بما لن نعتبر منه الا للحظات عابرة. 

أشارك هنا (قصيدة محمد بنميلود ما الذي يعنيه الموت) ما شاركه محمد جولاني لعلها تكون كذلك رسالته هو.. الميت الان لنا نحن الاحياء مؤقتا. 

“ما الذي يعنيه الموت بالضبط؟

إنه لا يعني غياب الأشخاص. بل يعني أن تستيقظ وتجد جثة الشخص مضربة عن الحركة. رافضة القيام من مكانها، رافضة العمل. رافضة الأكل والشرب. رافضة الوفاء بمسؤولياتها. رافضة دفع الإيجار والفواتير والديون العالقة. رافضة كل شيء هكذا ببساطة شديدة ودون مقدمات.

هذا بالضبط هو الموت. إضراب ساخر وعصيان مدني فردي مفتوح وغير قابل للتفاوض. إنها ليست مشكلة الجثة بل مشكلتك أنت. لا يمكنك تركها هناك في الداخل ولا إخراجها إلى الشارع لإسنادها على الحائط والعودة إلى البيت كأن شيئا لم يحصل. معضلة كبيرة، طامة عظمى. لقد مات الشخص وذلك يعني أنه تنازل عن نفسه. لم يعد يريد جثته. لم يعد محتاجا إليها. غادر وتركها هنا كخردة النفايات. كمن يستبدل حذاء قديما بحذاء جديد. يرتدي الجديد على كرسي مقابل لجسر أو لميناء، يعقد خيوطه جيدا، يرفع ياقة معطفه إلى أقصاها ضد نزلات البرد وضد نزلات الحنين، ينهض ويغادر دون أن يستدير، تاركا الحذاء القديم فوق الكرسي قبالة السفن الغريقة والنوارس. 

ماذا سنفعل الآن بعد أن مات الشخص؟ بعد أن غادرت روحه تاركة لنا فقط الحذاء، المعطف، القبعة، اللحم والعظام. ماذا سنفعل بكل هذه الخردة؟ ماذا سنفعل بدولاب ثيابه الكبير الذي من دون قفل؟ بأحذيته المهترئة، بكتبه القديمة، برائحته على السرير، ببصماته على الأثاث التي لم تعد لأحد، بفرشاة أسنانه وبماكينة حلاقته التي تركها بالأمس قرب حوض الأسماك الذي لا أسماك فيه. ماذا سنفعل الآن بأنفاسه التي مازالت عالقة بين الغرف؟

إنها ورطة حقيقية. لا يمكن تركه هنا. أيضا لا يمكن إخفاؤه خلف الستائر ولا تحت السرير. لا يبدو أن هناك حلا معقولا لهذه الكارثة.

يجب التخلص منه فحسب على ما يبدو. كان عليه فعل ذلك بنفسه لكنه لم يفعل. ترك هذه المهمة العصيبة لنا. 

والآن حتى وإن حنطناه فسيظل نائمًا فقط، رافضًا القيام بأي نشاط. نائمًا وفقط كأنَّ العالم كله ليل. كأنَّ النوم هو الخلود وكأن الحركة هي الفناء. 

لكن التحنيط ليس بالحل الأمثل. لو أن البشر حنطوا كل الذين ماتوا لكان الآن عدد الموتى الأحياء أكبر من عدد الأحياء الموتى.

تخيل ذلك: عالم مصنوع من المحنطين. لن يجد الأحياء حيزا على هذه الأرض يمشون فوقه ولا حقلا يحرثونه ولا حديقة ينزهون فيها كلابهم الكنيش الصغيرة المشعرة الجميلة والمسلية. ستتحول الأرض إلى متحف هائل للجحيم. كل من مات يجب أن يحنط؟ كأنك تعترض على إرادة الموت وسطوته وسلطانه. كأنك تقول: لقد مت؟ حسنا هذا جيد، لكن ابق هنا إلى الأبد فوق سطح الأرض كأنك حي. غير مرئي للموت. ابق هنا وفقط، لا تفعل شيئا، فقط ابق هكذا هادئا ولطيفا ومرعبا للأطفال. 

طبعا لا يمكن للأحياء قبول شيء كهذا. إنهم يرفضون أن يبقى الأموات هنا. يرفضون أن يشاركهم الموتى الحياة. لا يريدون تذكر أنهم أيضا سيموتون. لذلك يشيدون المقابر عند أطراف المدينة وليس قرب حديقة الألعاب. لا يجب أن ترى المقبرة وأنت ذاهب إلى العمل أو إلى احتفال. 

الموتى يفقدون كل نفع باستثناء إخافة الأحياء. شخص نائم ولا يتكلم ولا يتحرك، إنه كارثة حقيقية. ماذا يقصد بذلك؟ لا أحد يعلم. ماذا يريد بالضبط؟ لا أحد يدري. والأدهى من ذلك لم يعد خائفا من أي شيء. تخيل أنك تسند رقبة ميت بركبتك وتبكي. ثم فجأة يقتحم المكان أسد هائج. ستهرب دون شك بينما سيظل الميت ثابتا في مكانه بشجاعة. عندها الميت هو من يجب أن يبكي عليك وليس أنت. 

يغلق الناس أعين الموتى، يرتدون السواد ويقيمون العزاء. هذا مضحك. الموتى هم من يجب أن يقيموا العزاء للأحياء وليس العكس. 

ليس للميت ما يخسره ولا ما يربحه، بالتالي لماذا عليك الحزن لأجله أو البكاء. أنت لا تبكي في حقيقة الأمر سوى على نفسك. 

لقد تنصل الميت من كل شيء. نكث بكل وعوده وعهوده. لم يعد يخيفه قانون ولا أمراض ولا أوبئة ولا مجاعات ولا فقر ولا غنى. لم تعد تخيفه جيوش ولا أسلحة ولا سموم. حتى الموت نفسه لم يعد بإمكانه إخافته، ببساطة شديدة لأنه مات وانتهى الأمر. مات فهزم حتى الموت. مات، كمن وجد حلا أبديا لنفسه. حلا نهائيا لكل الأسئلة والأجوبة التي بلا طعم وبلا معنى وبلا هدف. حلا ناجعا. لو لم يكن الموت حلا ناجعا لعاد كل الموتى إلى الحياة للبحث عن حلول أخرى. سوى أن ما يحدث بالضبط هو: لا أحد يعود. لا يمكن لعاقل ترك الراحة الأبدية بعد أن ذاق حلاوتها والعودة إلى قرف الحياة وقلقها ورهابها

إنهم كمن يعبر الجسر بعد خوف وتردد وريبة. يصلون أخيرا إلى الضفة الأخرى. بينما ما يزال الأحياء هنا خائفين، مترددين ومرتابين، عالقين في مخاوفهم وترددهم وارتيابهم. يمكنهم التمتع بالآيس كريم وبالشمس الدافئة وبالطعام وبكل شيء في انتظار الموت. يمكنهم السفر وممارسة الرياضات والهوايات والحب لكن لابد من عبور الجسر ذات يوم. لابد من التشجع، وإن لم تتشجع فالجسر هو الذي سيعبرك. لا مفر من ذلك. 

الحس الآيس كريم لكن حدق في الجسر الذي يحدق فيك والذي يستدير أينما أدرت عينيك. أما الميت فقد فعلها وانتهى الأمر. لقد عبر. لقد تخلص ولم يعد محتاجا للآيس كريم. عبر وورطك في جثته. تخفف منها قبل العبور كي لا تغرقه. قذفها في اتجاهك وغادر من الشقوق ومن درفات النوافذ والأبواب. لقد هرب وتركك وحيدا داخل الأسر رفقة جثة. 

ماذا ستفعل الآن بهذا اللحم الذي سيتعفن في غياب صاحبه؟ وبهذه العظام التي ستهترئ؟ التحنيط لن ينفع معها، وبالضبط لن ينفع معك. تركها في صالون الضيوف أيضا لن ينفع. الصراخ في أذنها ببوق لن ينفع. صعقها بالكهرباء لتستيقظ لن ينفع. نغزها بسفود محمى لتنتبه لن ينفع، لا شيء سينفع..

وبالضبط لن ينفع معك. تركها في صالون الضيوف أيضا لن ينفع. الصراخ في أذنها ببوق لن ينفع. صعقها بالكهرباء لتستيقظ لن ينفع. نغزها بسفود محمى لتنتبه لن ينفع، لا شيء سينفع..

قذفها في اتجاهك وغادر من الشقوق ومن درفات النوافذ والأبواب. لقد هرب وتركك وحيدا داخل الأسر رفقة جثة. ماذا ستفعل الآن بهذا اللحم الذي سيتعفن في غياب صاحبه؟ وبهذه العظام التي ستهترئ؟ 

التحنيط لن ينفع معها، وبالضبط لن ينفع معك. تركها في صالون الضيوف أيضا لن ينفع. الصراخ في أذنها ببوق لن ينفع. صعقها بالكهرباء لتستيقظ لن ينفع. نغزها بسفود محمى لتنتبه لن ينفع، لا شيء سينفع..

الحل الوحيد إذن هو حفر الأرض ودفنها، أو جمع الحطب وإحراقها، والعودة إلى البيت للبكاء. البكاء على أنفسنا طبعا. فالميت لم يمت فقط، بل في كل الأحوال ورطنا أيضا في إخفاء جثته، دفنها أو حرقها لإخفائها عن العيان كما يفعل القتلة بالضبط.

مات وحولنا الى قتلة.