الفنان الإنسان محمد جولاني وداعاً

الفنان الإنسان محمد جولاني وداعاً

كم افجعني رحيلك يا محمد 

لا أستطيع ان اصدق أنك بالفعل رحلت. 

رجعت الى الرسالة الأخيرة التي أرسلتها لك وكنت قد رأيتها قبل يومين. خطر لي ان اتحدث معك يومها بحجة مركز خليل السكاكيني. لم اعد اذكر لما لم اكلمك. يا ليتني اتصلت بك. 

ربما كنت سأسألك ما حل بمريم، وان كنت قد قرأت كل الكتب التي أرسلتها لك بعد محادثتنا الأخيرة. كنا سننتقل بالاحاديث الكثيرة لنوجز اشهرا منذ آخر حديث بيننا. 

يا لحظي فكرت بينما رجعت الى بريدي الخاص. كان بيننا الكثير من المحادثات والكثير من الوعود التي حاولت دائما تحقيقها. كأن نحتفل في عيد ميلادي ذات سنة كانت على عتبات باب العامود- في فعل نضاليّ امام سد أبواب المدينة اما م اهلها حينها- كم تكلمنا عن ذلك اليوم الذي لم يأت في تلك اللحظات، كنا قد اطلقنا العنا لخيالنا.. اردت استغلالك لنقوم بنشاط فني يحرك الجمود الكاسح الذي هيمن على المكان. وكأنني أردت لروحك التي رأيتها ولمستها دوما بأن تبث طاقة الحياة المشتعلة فيك.

 ولكنك حرصت دائما ان تكون هناك لتشاركني فرحة اصدار لكتاب لي. كنت متفرغا رغم انشغالك بمعرض ما او وظيفة للجامعة او بحياتك الخاصة التي لم اعرف عنها الكثير، لتعطيني رأيك بغلاف مريم، وهديتك بأجرة المخطِّط صديقك. 

يا لحظي انني عرفتك خلال تلك السنوات الكثيرة… ويا لتعاستي بخبر رحيلك….. كنت دائما أرى فيك روحا لا انسانا.

 ويا لمأساوية هذا التفكير الاحمق وها انت صرت بروحك الان فقط. 

لا اعرف كيف اواسي نفسي برحيلك… 

ولا اعرف كيف لكل من عرفك واحبك مثلي ان يواسوا أنفسهم برحيل جسدك… 

لا تسعفني سخافة كلماتي بمواساة نفسي بان أقول ان روحك ستبقى.. تبا للروح ولكل شيء … امام الرحيل المباغت هكذا. 

كتبت عنك مقالا ذات يوم.. ربما… كم اشعر بالراحة بأنني دائما ما قلت لك كم انت انسان جميل. كم أنك تشع بابتسامتك الكون. كم ان روحك جلية ومبهرة وغير إنسانية…

هل كان كل شيء بهذا القدر من الوضوح؟ 

كنت بحياتك القصيرة هائما كالطير المسبّح في فلك الملكوت… 

أحاول مواساة نفسي بأن ما أحببته بك كان روحك والارواح لا تموت… 

خطفك الموت سريعا أيها الصديق البهيّ… 

كانت احلامك لا تزال تتحقق 

تطلعاتك للمستقبل كانت لا تزال تشق طريقها اليك. 

عشت جميلا كالروح لا يمكن لمسها 

وكالروح كنت طاغيا في حضورك البهي دائما 

استجمع نفسي بينما اعيد ذكرياتي التي مررت منها… 

ابكي حرقة بينما ارمق ظلك في افئدة الذكريات.. هناك كما كنت دائما، على ركن بعيد بعض الشيء، متأملا، بسيجارتك تلفها بانتظار اشعالها بلحظة قادمة بعد ضوضاء الأماكن المغلقة، بعيونك المليئة بالدفء والبساطة. بنقاشات فلسفية وفكرية تحملنا الى كل ذلك الماضي من تاريخ لم يتبق منه الا الأرواح. عشتار وزرادشت كانتا اخر محطات حديثنا. 

اذكر ضحكتك الجميلة بجمال روحك… مزاح مليء بالخفة وسط جدية النقاشات. 

كنت روحا بيننا في جسد امتلأ روحانية بتجسده فيك… 

وتركته الآن لتحلق روحك في فضاء ابديتها….

إذا ما كان هناك خسوف لهذا العام الصعب … فلقد خسفت الأرض برحيلك 

ربما لأن مكانك هناك في سماوات تحطّ فيها كوكبا. 

عشت بخفة تملأ الدنيا راحة ومحبة.. ورحلت بخفة مفجعة هوت على قلوبنا كالصاعقة… 

مباغتة، صادمة، حارقة لقلوبنا.

رحيلك المباغت أطفأ شمعة في قلبي… وكأن ظلمة حلت على وجداني…. 

عزائي لنفسي ولأحبتك وعائلتك ولهذه المدينة برحيلك..عزائي لبشرية ستنتقص من بشريتها برحيلك .أواسي نفسي بأن روحك ستبقى متربعة بالوجدان كطيفك الذي كنت تجول به في جسدك الراحل.

انا لله وانا اليه راجعون 

Leave a Reply