العالم بعد ترامب

قبل أربعة أعوام، عندما تربع ترامب على كرسي الرئاسة الأمريكي، لم يكن العالم كما صار عليه اليوم. 

لم يكن العالم كما كان عليه قبل أن نعيش حقبة “ترامبية” بجدارة. قد يصنّف ترامب من قبل التاريخ في المستقبل بكونه ظاهرة. وكما الظواهر، استثنائية وفريدة دوما، الا انها قد تكون بقدر استثنائيتها، كارثية. 

العالم يقف اليوم بمكان أصعب وأخطر بكثير. فلقد أكّد ترامب للعالم أجمع أن قواعد الأخلاق التي بنيت عليها الحضارات والثقافات يمكن تغييرها وإعادة ترتيب الأولويات بها من حيث المصالح أوّلا وآخرا. المصالح هي الدستور والناقوس الأخلاقي والوجوديّ.

فهل هو الملام على هذا الانحدار الذي طرأ على البشريّة؟ 

الحقيقة الصعبة هي …لا. فما قام به ترامب لم يتعدّ رهانه على جشع النفوس الإنسانية. مبدأ تحجيم قيمة الإنسان بحجم المال الذي يملكه، أطلق العنان لجني الأموال وشراء الولاءات. فلكلٍ ثمنه، وما أبخس أثمان الكثير من البشر كما تبيّن لنا. 

ترامب يشبه العملاق الذي فركه علاء الدين بذلك المصباح ولم يعد بالإمكان إرجاعه.

أطلق كذلك عند انطلاقه عالم كان محشوراً معه. عالم كشف الكثير من الحقائق الصعبة أمامنا. 

فما كان عليه العالم قبل أربعة أعوام، لا يمكن الرهان على عالم يرجع بنا الى ما كنا عليه قبل هذه الأعوام. 

الانتخابات الجارية تؤكد أن انقسام الشعب الأمريكي ما بينه وبين منافسه الديمقراطي حقيقيّ. فاليوم ترامب يملك شعبية مضاعفة عن تلك التي دخل فيها البيت الأبيض أول مرة. وإذا ما خرج، فانه يخرج منتصرا. فتصويت ما يزيد عن مجمل الأصوات التي صوتت في الانتخابات الماضية يؤكد على ازدياد شعبيته. بالمقابل، هناك نفس العدد من الناس الذين لا يريدونه. تلك “الأغلبية” الصامتة بحقيقة الامر ليست أغلبية ضده، فهي كذلك أغلبية معه.  وتبقى الانتخابات كاشفة لحقيقة الشعب الأمريكي، بغضّ النظر عن لونه وعرقه وخلفيته. ففي كل مكان هناك من يصوّت لترامب. 

لقد انتصر ترامب حتى ولو خسر وجوده بالبيت الأبيض. 

ربما خروجه سيقلب الطاولة العالمية من جديد… 

لربما يحتاج العالم للراحة وإعادة تقييم أدائه. الا انّ الكثير من الخراب قد وقع. الكثير من الجنيّين قد أطلقوا نحو الفضاء ولن يرجعوا الى القمقم من جديد.

فاليوم، أصبحت الرأسمالية متربعة على كل العروش. كل شيء مباح في حرب الاستحواذ على المزيد من الأموال. السلاح هو كلمة السر، والقتل هو مفتاح لكل قفل مغلق. والتطرف هو البوابة التي يقصدها كل متنفّذ. البقاء لمن يملك السلاح. 

والتحكم المطلق للمافيات والتنظيمات. والمافيات والدول وحدة مصالح لا تتضارب عند وحدة الهدف: جني المزيد من الأموال. 

قد يتنفس العالم الذي يرجو الامل الصعداء ولو للحظات لانتصار محدود على ما عشناه ورأيناه كشرّ مطلق. 

ولكن هل سيتمكن القادم الى المكتب البيضاوي من تحقيق أي انجاز او بالأحرى إعادة ترتيب البيت الأمريكي وبالتالي البيت العالميّ من جديد؟ 

يبدو انّ ترامب لن يقبل الهزيمة بسهولة، ولكن مهما خرج الوحش القابع فيه من مكانه، الا انّه سيرضى بالأمر الواقع. بنهاية الأمر تلك بلاد تعيش بالفعل بديمقراطية. الا انّه لن يرضخ قبل ان ينتقم لنفسه ولحلفائه. 

فماذا سنشهد من أفعال وقرارات كارثية بالنسبة للشرق الأوسط خلال الأشهر القادمة؟ 

يبدو المشهد الفلسطيني الأكثر عبثية في ظل ما يجري. إعلان سلطة رام الله عن عودة التنسيق الأمني واخذ أموال المقاصة (الخاصة بدافعي الضرائب من الفلسطينيين) من إسرائيل في حالة كسب بايدن المرتقب للانتخابات، ان دلّ على شيء يدلّ فقط على حالة الفلس الذي تعاني منه السلطة الفلسطينية. 

لا يمكن ان يكون هناك تعويل على بايدن وسط فلس سياسي ودبلوماسي فلسطيني بجدارة. 

لن يكون هناك الكثير من الوقت الذي سيمر لنتأكد من انّ بايدن لن يكون مختلفا في سياسته الخارجية كثيرا عن ترامب، ليس لسوء بايدن، ولكن لسوء الإدارة الفلسطينية للأزمات سياسياً ودبلوماسياً. وسنرى كيف سيصير بايدن الصديق الأقرب لإسرائيل، ليس لمجرّد تبعية بايدن التلقائية للسياسة الامريكية في هذا الشأن، ولكن لأن الحكومة الإسرائيلية ستسيطر بكهن ادارتها ودبلوماسيتها سريعاً على المشهد. 

ولكن بكل الأحوال سيترتب على خسارة ترامب مأزق فلسطيني آخر متعلق بالانتخابات التي تم الوعد بتحقيقها إذا ما انتهى حكم ترامب بالبيت الأبيض. 

مأزق لن تكترث القيادة الفلسطينية به كثيرا امام شعبها، فالوعد بانتخابات لا يصدّقه الشعب أصلا. 

وقد تكون المراهنة على اجراء انتخابات أمام مقدرة الحزب الديمقراطي الأمريكي بإخراج ترامب من الرئاسة بدورة ثانية، ستزيد من أرق القيادة الفلسطينية التي تريد انتخابات تتأكد من نتائجها لمصلحتها. 

فالشعوب لا بد أن تقول كلمتها الأخيرة في صناديق الاقتراع. وترامب أقرب الى التصديق والثقة من أبناء شعبه من السلطة أمام أبناء شعبها. 

فالسلطة بشقّيها المتنازعين إن حصلت انتخابات- واشك انها ستحصل- لن تحصل على أصوات الشعب. لأنها تستمر بفقد مصداقيتها وشرعيتها باستمرار تواجدها على هذا الشكل. 

Leave a Reply