محاكاة تاريخ: الحصاد المر وذكرى التقسيم وواقع التطبيع

محاكاة تاريخ: الحصاد المر وذكرى التقسيم وواقع التطبيع

في كل عام وبهذا التوقيت من ذكرى تقسيم فلسطين، أجد نفسي أمام كتاب “الحصاد المر”، وكأنني أحتاج لأعصر أحاسيسي بمذاق المرارة التي لم تخرج أبدا من طعم حياتنا كفلسطينيين.  واليوم، ونحن امام تجسيد حقيقي لفكرة تمدد إسرائيل لحلمها بما كنا نظنه مستحيل. فمن كان يصدق ان العرب سيهرولون الى التطبيع، وقيادة السلطة الفلسطينية التي تحاول اللحاق بما فاتها من تطبيع عربي بلا مباركتها، لنشهد اعلان لعودة التنسيق وإعادة السفراء لدول المطبعين الاواخر، والترحيب بزيارة البحرين الى إسرائيل، ولتكلل علينا السودان تصويتها بالأمم المتحدة لصالح إسرائيل. 

الحصاد المر (١٩٦٧) هو عنوان كتاب للمؤرخ الفلسطيني سامي هداوي (١٩٠٤ـ٢٠٠٤ ). 

الكتاب بعنوانه “الحصاد المر” هو محاكاة تأريخيه لتاريخ فلسطين الحديث. 

 سامي هداوي من مواليد القدس سنة ١٩٠٤ وعمل في سجلات الاراضي بفترة الانتداب البريطاني. اشتهر بتوثيق آثار النكبة على الفلسطينيين وكان مسهما رئيسيًا في كتاب “احصائيات القرى ١٩٤٥: تصنيف الأراضي وملكية المناطق في فلسطين”. 

 حكايته الشخصية هي حكاية نصف الشعب الفلسطيني الذي تم تهجيره من بيته وارضه بُعيْد اعلان الدولة الصهيونية- إسرائيل- لوجودها. هُجّر هداوي وعائلته من بيته في حي القطمون بالقدس بعد احتلال إسرائيل للقدس سنة ١٩٤٨. 

اهتمامي بالكتاب ينصبّ في عدة اتجاهات، قد تبدأ من وجوده على رف مكتبتي المتواضعة منذ مدة  بانتظار دوره للتصفح او القراءة، ضمن دائرة اهتماماتي البحثية. 

عندما تم اقتراح اسم سامي هداوي لي قبل سنوات تعجبت لوجوده. لأني وككثير ممن يدّعون حبّ المعرفة، او يزعمون البحث عنها، وبالأخص فيما يخصّ القضية الفلسطينية، وجدت السبيل الى المعلومات من قبل المفكّرين الغربيين والاسرائيليين. وبينما أعترف أن هذا جهل مؤكّد، الا انّ له مبرراته بعد انتهائي من جلد الذات. فالكتب تلك سهلة المنال وكثيرة الشهرة وجيدة وشاملة في الكثير منها. 

اخذني الكثير من الوقت لاستيعاب ما يجري من تهميش للباحث والمفكر الفلسطيني كهداوي- في هذا الصدد- بالرغم من شهرة أعماله في بعض الأماكن الأكاديمية لما بكتبه من أهمية تخص البحث في القضية الفلسطينية. فبدون وعي منّا كقرّاء أو باحثين وجدنا أنفسنا ملتفّين نحو ما يُصدّره لنا الغرب من معرفة. 

هذا الموضوع ليس موضوع هذه القراءة اليوم. ولكنني فكرت ان اقل واجب ممكن ان أقدمه لمفكر وباحث فلسطيني او عربي أكتشفه في طريق جهلي هو أن اتكلم ولو قليلاً عن هذه الاشكالية في مشاركتنا نحن كعرب بلا وعي بإقصاء أبنائنا من مفكرين ومبدعين، ولا نقدّرهم الا بعد أن يقدّرهم الغرب. 

قرأت العشرات من الكتب التي تناقش القضية الفلسطينية، واعتبرت ولا زلت اعتبر الكثير منها بأهمية فائقة. فالكتب كنز لا تنتهي قيمته ولا تتحدد بصورة أو بهيئة بعينها. ولكن ما يشدّني دائما في هكذا قراءات هو أولا، اختلاف الكتابة في القلم الفلسطيني لتاريخه ولو تكلم عن نفس الموضوع. فالقصة هنا هي قصة الذات، ومهما حاول الفلسطينيّ الخروج عن دائرة التذويت، ترى الكلام يذوّت ذاته فيصبح جزءا لا يتجزأ من كيان الكاتب، وتراه بين الصفحات وفي كل قصة يرويها. فالتاريخ الفلسطيني بقضيّته هو تاريخ لا يزال يُكتب، ومن يكتبه أصحابه مهما تمّت المحاولات في التخلص منهم أو تهميشهم. 

وهذا يأخذني للسبب الاخر في قراري الكتابة عن هذا  الكتاب. ولا أعرف حتى اللحظة ان كان تحليله ورؤاه المستقبلية لما كتبه قبل أكثر من أربع عقود هو عمل تنبّؤي لعبقري، أم هو محصّلة طبيعيّة لما جرى وما يجري، وما كتبه كان واضح للكثيرين الا نحن العرب والفلسطينيون؟ 

فالموضوع ليس فقط سرد تاريخي وتحليلي للخلفية التاريخية للمنطقة من ارض وشعب وديانات. ليس الموضوع كذلك في قراءة للحركة الصهيونية ولا فلسطين الانتدابية ولا الامم المتحدة والحروب في المنطقة ولا السلام ولا المعاهدات.

قد يكون الكتاب من اهم الكتب التي وثّقت التاريخ الفلسطيني الحديث من كافة المحاور والاتجاهات بطريقة استثنائية، من حيث شموليتها بالرغم من كثرة الكتب التي كتبت وتكتب كل يوم في الشأن الفلسطيني. فكلمة شمولي هي كلمة تليق بهذا العمل. 

ما استوقفني ولا يزال “المقدمة” التي كتبت قبل ما يزيد عن ثلاثة او اربعة او ربما خمسة عقود، هذا يعتمد على إذا ما كان الكاتب قد وضع المقدمة في الطبعة الاولى. ولكن حتى لو كان قد كتبها قبل عقد واحد، كانت ستكون اشبه بالنبوءة. ليس بالنسبة للشأن الفلسطيني، ربما لأن الشأن الفلسطيني انتهى سياسيّا ولم يبق منه الا أطياف شعب. ولكن الشأن العربي والطموح الصهيوني فيه. …منذ إقامة إسرائيل كدولة على أرض فلسطين. 

مما لا شك فيه لأي متطلع على تاريخ السياسة الاسرائيلية بأنها ممنهجة ومخطط لها منذ قيام الدولة. فلا يوجد صدف في حراك اسرائيل بمخططاتها للمنطقة. الكل في هذا النظام يعمل ضمن شبكة متماسكة الخطوط تؤدي في اطرافها دائما الى مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي أيا كان اسمه او انتماؤه الحزبي. 

لو كنت قرأت هذه المقدمة قبل عدة اعوام لكنت قلت في نفسي ان هذا الرجل يبالغ ويبني كلامه على نظريات المؤامرة. إسرائيل الكبرى هي نظرية مؤامرة نحن العرب اخترعناها. فإسرائيل لا تستطيع العيش فينا نحن الفلسطينيون باحتلالها لنا، فكيف لها ان تطمح بالدول المجاورة؟ كل ما تريده هو اقتصاد مريح لها وسط تطبيع سلمي يسمّى سلام. الا انّ وقوفي هنا جعلني اقرأ كل كلمة واعيدها مراراً وأجسّدها تلقائياً في كل تلك المشاهد التي تحيط بنا من كل الاتجاهات في السنوات الأخيرة.. بل بالأشهر الاخيرة. تعلمنا في الصغر ان اسرائيل تطمح فيما تسميه اسرائيل الكبرى والتي تصل اطرافها من النيل الى الفرات. وعلى العملة المعدنية الاسرائيلية هناك خارطة ترسم خطوطها هذه المساحات التي لا تنتهي بخارطة فلسطين. وفي جانب هذا الادعاء تعلمنا ايضا اننا سنرمي اليهود في البحر إذا ما سمح لنا. ادعاء سمعته من قبل اليهود برعب منهم للحظات في السابق كنت اظن انهم يصدقونه. وسمعته من قبل الشيوخ على المنابر المختلفة في الجوامع وشاشات التلفزة العربية باختلافاته في السابق. 

يبدأ سامي هداوي مقدّمته بالتكلم عن المرة الاولى التي تم فيها استعمال التقسيم كحل بالمنازعات في التاريخ عندما لجأت امرأتين الى الملك سليمان للتحكيم في منازعتهما على طفل ادعت كلاهما امومته له. عندها حكم سليمان بتقسيم الطفل الى قسمين، وحينها تبينت الام الحقيقية. وهي تلك التي رفضت التقسيم. 

قد تكون هذه القصة ادق ما يمكن وصفه بالنسبة لفلسطين فيما بين الاسرائيليين والعرب. فرفض الفلسطينيون للتقسيم أتى من حبهم الشديد لما آمنوا به بقوة على ارض كانت هي لهم وطن. فكان من المستحيل لهم قبول عرض بأقل من كل الارض. لما يترتب عليه التقسيم من بتر لأعضاء الجسم تشوهه وتسلب منه الروح. فهذا حال فلسطين بعد التقسيم وما آلت اليه من احتلال لم يبق منها الا الروح النابضة في تراب هذه الارض. روح تنبض بفلسطين. 

المشكلة التي تكمن فيما يراه الكاتب، ربما لأنه لم يعش ليرى الانهيار العربي في أبشع صوره. فبرأيه ان العالم استوعب سوء ذاك القرار بعد عدة عقود، لكن الوقت قد مر وزاد سوءا لا يمكن إصلاحه. فالمعاناة والتشريد التي لحقت ولا تزال بللشعب الفلسطيني تفاقمت في كل يوم وعلى مدار العقود. الا انّ اسرائيل، ولأنها لم تكن ابدا امّ تلك الارض ظلت تبيع وتشتري فيها وتحيك ما طاب لها من قصص واحتالت ولا تزال على التاريخ في خلط الامور وتعقيدها لدرجة لم يعد يعرف العالم رأسه من قدماه في الشأن الفلسطيني الاسرائيلي. فالهدف الصهيوني من هذه التعقيدات والمتاهات كان مقصودا بداية لتشتيت العالم عن الجرائم التي ارتكبت ولا تزال بحق الفلسطينيين، في زمن وازن تلك الجرائم ما كانت النازية قد ارتكبت بحق اليهود من جرائم في اوروبا. ومن جهة اخرى ارادت اسرائيل الاستمرار بالاستيلاء على الاراضي وضمها. في وقت ابقت المراوغة  بالامم المتحدة قائمة لتصبح القضية مسألة نزاع بين دول على اراضي. وكأنّ الشعب الفلسطيني لا ينتمي الى الفئة الانسانية عند تعداد الشعوب. فحوّلت اسرائيل القضية الى صراع عربي اسرائيلي عام، في حين انه كان بالأصل نزاع عرب فلسطين واليهود. فالموضوع هو موضوع الانسان الفلسطيني وحقه في ارضه وعليها. 

فتحول النقاش مع السنين بالذاكرة التاريخية الى هروب للفلسطينيين من ارضهم الى هروب طوعي وكأن اليهود دخلت الى بيوت اختار شعبها الهجرة. وفقد الفلسطينيّ مع الزمن حتى حقه في اللجوء الى مكان آمن كما استطاع في وقت الحروب التي شنّت عليه. فتغيّرت الرواية تدريجياً وتناقلت الى اللسان العربي والفلسطيني ليصبح الفلسطيني هارب وجبان، ومحيت حقيقة لن يمحها التاريخ الذي كتبه الضحايا من شهداء ولاجئين لما حل بهم من قتل وسلب وترهيب. 

بداية كان الصوت العربي في المطالبة بالحق الفلسطيني موحّد. فلم يرض العربيّ بأقل ما طالب فيه الفلسطيني العربي. ولكن مع مرور الوقت تشابكت الامور هنا، ونزلت العرب من صهوة حصانها وتدنت المطالب الى ما تمن به اسرائيل على الجميع. ونسي العرب ان هناك صراع اخر هو صراع عربي اسرائيلي قررته اسرائيل منذ قيامها. فإسرائيل منذ البداية، كان من ضمن مخططاتها بالتخلص من الفلسطينيين هو ايجاد وطن بديل لهم بدولة عربية مجاورة. وان كان هذا من لغو نظريات المؤامرة قبل عدة سنوات، فلقد أصبح يناقش على الطاولات اليوم في الساحات الاعلامية الاسرائيلية والمؤتمرات السياسية المختلفة. فلا يخجل الاسرائيليون من الطلب اليوم من الفلسطينيين بالرحيل الى الاردن. او ايجاد دويلة في قطاع غزة توسع من حدود سيناء والعريش بمصر. صفقة القرن كما رفضتها سلطة أوسلو الفلسطينية بسبب ترامب، وتنزل عن الشجرة لتجني ثمار ما قد فاتها لتقبل بأي شيء.

طموح اسرائيل كان منذ قرار التقسيم بأيامه الاولى، عندما اغتالت العصابات الارهابية الاسرائيلية فولك بيرنادوت وسيط الامم المتحدة عندما حذر في توصياته لما لم يتناسب مع اسرائيل حين كتب لمجلس الامن:

 ” انه من غير الممكن تجاهل، انّ الهجرة غير المحدودة للمنطقة اليهودية من فلسطين قد تؤدي بعد مرور السنوات الى تزايد ضغط سكاني وتأثرات سياسية واقتصادية تبرّر المخاوف الحالية للعرب من التوسع العام لليهود في الشرق القريب.” واضاف: ” من المستحيل تجاهل ان موضوع الهجرة اليهودية الى المنطقة اليهودية من فلسطين تعني فقط باليهود والمنطقة ولكن تلك الخاصة بالعالم العربي المجاور.” 

فبينما تستمر اسرائيل الادعاء برغبتها بالسلام، فان قيادتها تعدّ نفسها دائما للحرب. فاذا لم يكن التوسع هو هدفها المرجو، يتساءل هداوي عما كان يقصده بن غوريون حين قال:” المحافظة على الوضع القائم لن ينفع. لقد جهّزنا لدولة ديناميكية، تلتوي عند التوسع.” وتأكد طموحه عندما قال في ١٩٥٣: ” لقد تأسست اسرائيل فقط على جزء من أرض إسرائيل، حتى أولئك المشككون لإعادتنا للجبهة التاريخية من الصعب أن ينكروا شذوذ الحدود للدولة الجديدة.”

بينما لا يزال التاريخ القائم بين إسرائيل ومن يجاورها من البلدان العربية مبني على التعدّي والاعتداء من قبل اسرائيل دائما، على الرغم من ادعاءاتها الدائمة بالتظلم ولعب دور الضحية والأقلية. فلو راجعنا التاريخ بقراءة جديدة لتنبّهنا بوضوح بأن الحروب كانت دائمة تشن من قبل إسرائيل. فهي التي تستفزّ  باغتيالات وخروقات جويّة واعتداءات امنية وحدودية ( كما بتنا نراها باستمرار على الأجواء السورية) ومن ثم تطالب أمام المجتمع الدولي بالسلام.

 والسلام الذي تريده إسرائيل كما يؤكّد الكاتب يعني اعتراف الدول العربية بالسيادة الاسرائيلية فوق الاراضي المحتلة من قبل اسرائيل، انهاء المقاطعة العربية ضد اسرائيل، فتح قناة السويس للملاحة الاسرائيلية، والإذعان لتحويل مجرى مياه نهر الأردن لإسرائيل بالرغم من الضرر الواضح في هكذا خطوة للمصالح العربية وحقوقها. هذه الطموحات في السلام ليست الا تأكيدا لوصول اسرائيل لطموحها بالنسبة لحلمها في اسرائيل الكبرى. تلك الامبراطورية التي تمتد من النيل الى الفرات. مما يبقي شأن اللاجئين الفلسطينيين شأناً عربياً خالصاً تتحمل الدول العربية مسئوليته، بادعاء أرعن بان الشتات الفلسطيني سببه الحروب العربية ضد اسرائيل. 

فالحصاد المر الذي تعيشه الامة العربية اليوم هو حصاد زرعت بذوره الصهيونية وروته الأيدي العربية. لا يزال البعض منّا يدّعي زرعاً غير قائم، والبعض منّا أعجبه طعم حلاوة مغشوشة ممزوجة بنكهة صناعتها غربيّة نرتمي اليها عادة لأماننا بأن ما يجلبه الغرب لابد أنه يسرّ القلب.

وها هو الحصاد ينتهي ولم يبق منه الا المرار … وبانتظار موسم جديد لم تعد لفلسطين فيه ارض تزرع، الارض العربية قد حرقت وفسدت تربتها.

ترتوي الارض العربية تربتها بدماء شعوبها، وجثثهم أصبحوا سمادها. والصهيونية تنتصر أمام انهزاماتنا. ولا تزال القيادات العربية تلاهث وراء حلم صهيونيّ بلا وعي او إدراك، يتحقق يوميّا من دمائنا كشعوب، وأراضينا وخيراتنا كأوطان.

Leave a Reply