من سيتحمّل كارثيّة ما يجري بالنّبي موسى؟

منذ الأمس وتتوالى ردود الفعل بشأن ما جرى بمقام ومسجد النبي موسى من تسجيل لحفل موسيقي (دي جي). من أي زاوية يحاول المرء النظر الى الامر يجده صعب الاستيعاب، بل أكثر، مؤلم أقرب الى الغضب. 

من السهل التفتيش على مذنب بعينه وتحميله كارثية ما حصل. سواء بمنظمي الحفل او المشاركين من جهة، او الجهات المسؤولة بكافة مستوياتها من جهة أخرى. ولكن هنا، لا يمكن رمي الامر بتحميله على شخص بعينه للتخلص من المسؤولية. فلا مكان للهروب والاختباء وراء أحد او سبب. 

من المؤكد، انه لا يمكن نصب اضاءة وتحميل معدات بهذا العدد والحجم بلا تنسيق مسبق من جهات متخصصة، وإذا ما سلمنا ان الحفل كان لهدف تسجيل فيلم وثائقي غير محلّي عن الدي جي، فهذا يؤكد ان الحاجة لموافقات رسمية لا مفر منه. 

ولمن يواظب على الذهاب الى مقام النبي موسى مثلي ومنذ الكثير من السنوات، يعرف جيدا ان الموقع ليس مفتوحا للاستخدام الحر تماما، أي ان هناك حراسة الأوقاف دائمة التواجد هناك، و/أو المسؤولين الجدد عن الموقع منذ ان ترمم وتقرر تخصيص الغرف فيه الى غرف فندقية ( حالياً لا يوجد شركة متعاقدة حيث تم الفسخ بين الشركة والاوقاف بشهر تموز من العام الحالي). 

كان هناك إشكالية ومعضلة بهذا الموضوع منذ بدئه، لأن الموقع معرّض للاستيلاء عليه من قبل الاحتلال، خصوصا انه تم استخدامه بالسابق وعلى مدار ما يقرب من العشر سنوات كمقر لتأهيل مدمني المخدرات (قبل سنة ٢٠٠٠) حيث أغلقته سلطات الاحتلال ومن ثم سمحت بإعادة تشغيله سنة ٢٠٠٣. كنت اعتقد ان الامر كان فقط بمبادرة من الأوقاف والسلطة في حينها، ولكني استغربت ذات زيارة عندما وجدت إسرائيليا بالموقع يضع قبعة الرأس اليهودية بصحبة عائلته، استغرب وجودي بقدر ما استهجنت وجوده! كنت اعتقد ان هذا المكان متعلق بذكرياتي وجدتي، كغيرنا من اهل هذه البلاد، ليظهر ان للرجل ذكريات أعمق من ذكرياتي، فصار يشرح لي الرجل عن تجربته قبل سنوات هناك حيث أمضى علاجه في المكان. وعند سؤالي عن الامر لاحقا تبين ان التدخل كان يجري بالتنسيق مع سلطات الاحتلال حيث تحول الموقع الى مركز تأهيل شبه رسمي. 

والحقيقة، انه بقدر ما بدا الامر مريبا، بقدر ما كان مفهوما، او بالأحرى يمكن تبريره. وعليه، لنقل، انني عندما رأيت الترميم الذي يهدف لتحويل المكان الذي شغل بنشأته الأولى خاناً ومركز ضيافة الى فندق، فكرت انه ربما يكون الامر أفضل من ان تضع إسرائيل يدها على المكان. فكذلك لا اعرف ان كان لي رأي منطقي بشأن منطقية وضع مراكز التأهيل بهكذا مكان. فمن ناحية، قد يكون مناسبا من حيث الهدوء المطلق والابتعاد عن الناس وفي نفس الوقت يستطيع المرء التفرد بنفسه مع ربه. ولكن بدا الامر حينها مريبا باستدامة الوضع، فما بدأ كتدخل طوارئ امام تزايد عدد المدمنين في تلك الفترة، تحول الى وضع يد من قبل تلك الجهات، ولحقه استغلال للسلطات الاسرائيل للاستيلاء التدريجي. لأنه مهما حاولنا إضفاء المنطق في هكذا أمور، فإن تدخل السلطات الإسرائيلية يبدو بالبداية تطوعي وبهدف تقديم خدمات مهنية، وهذا حقيقة، الا انه لا يمكن استئمان مطامع إسرائيل في كل بقعة من الأرض، فكيف إذا كان موقعا بحجم ومكانة واستراتيجية واهمية موقع هذا المكان. حيث يشغل مساحة ٤٥٠٠ متر مربع مكون من ثلاثة طوابق ويحتوي على ١٤٤ غرفة متعددة الاستخدامات، ويحيطه سور على ارتفاع ما يقرب الأربع أمتار.

من ناحية، امتلاك الموقع للأوقاف أمر مبتوت فيه، وتاريخه واضح، فهو بناء مملوكي تم تشييده بزمن الظاهر بيبرس سنة ١٢٦٩، وأعاد العثمانيون ترميمه في القرن التاسع عشر -١٨٢٠- ولقد أخذ مكانة مهمّة بتراث مدينة القدس تحديداً، وفلسطين عموما على مدار المئة سنة الأخيرة بصورة متتالية عندما حث الحاج امين الحسيني في العشرينيات من القرن الماضي الجماهير الفلسطينية على التصدي للمشروع الصهيوني المخطط له

 ولكن لا يمكن عدم رؤية أهمية هذا الموقع جغرافيا وسياسيا. والسلطات الإسرائيلية بالعادة ان لم تستطع الاستيلاء المباشر تضع يدها بطرق متعددة أخرى تكون في أحسن احوالها خدماتية. وبكل الأحوال تتربع ثكنة عسكرية مركزية اخر الطريق الذي يتوسطها المقام. 

وعليه، قد يفكر المرء ان ما قامت به الأوقاف بالتعاون مع وزارة السياحة الفلسطينية والسلطات الرسمية الأخرى بتمويل من الاتحاد الأوروبي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو امر بغاية الأهمية. وما من شك ان جهودا جبارة من اجل اقناع الممولين لتمويل الترميم وإنقاذ الموقع اخذ سنوات وجهود ضخمة وحثيثة. ولقد حرصت الجهات التي قامت بأعمال الترميم على المحافظة بقدر الإمكان على عدم المساس بأهمية المكان الدينية والتراثية. 

اذكر ان رئيس الوزراء محمد شتية افتتح الموقع بحلته الجديدة قبل عام قائلاً: “اليوم يتم إعادة ولادة مقام النبي موسى بثوب جديد بعد ان تم ترميمه بالكامل.”

وفهمت حينها، انه تم التعاون مع القطاع الخاص من اجل التشغيل وإدارة الموقع فيما يخص الجزء الذي تحوّل الى نزل فندقي (٢٠ غرفة) إضافة الى مطاعم وقاعات. واعتقد ان الكورونا وتوقف القطاع السياحي لم يتح استخدامه الفاعل كفندق، كما تم فسخ عقد الشراكة بين الشركة والاوقاف (كما ذكرت سابقا).

اعترف ان الامر بدا لي صعب الهضم بالبداية، فلشكل هذا المكان في ذاكرتي صور أخرى ترتبط بالمولد والاحتفالات الشعبية وموسم النبي موسى الذي كان يستقطبنا صغارا وكبارا. وفي عودة مركّزة الى ذكرياتي تيقنت ان المكان لم يكن موقع صلاة بقدر ما هو موقع التقاء ثقافي تجاري اجتماعي ديني “موسم النبي موسى”. احتفالات الناس على مدار أسبوع بالإقامة هناك، والطبخ والبرامج الترفيهية الشعبية المختلفة. كانت العائلات تنتظر الموسم لتحتفل بطهور أبنائها، ومن كان عليها نذر كانت تأتي لتطبقه، ومن كان يريد اشهار او اعلان خبر سعيد او مهم كان ينتظر الموسم ليعلن عنه. اذكر ام فريال التي كانت تشتهر بعزفها على الإيقاع التي كانت تحيي الامسيات للعائلات الكبيرة، كانت فعاليات الدبكة والكشافة والامسيات الدرويشية والصوفية جزء من برامج الموسم المتكررة على مدار السنوات. 

 ولكني حاولت بقدر المستطاع رؤية الموضوع من زاوية أكبر، وهي أهمية عدم اتاحة الفرصة لإسرائيل الاستيلاء على الموقع بالمستقبل.

مع الاسف الشديد، يبدو اننا وقعنا بحفرة عميقة هذه المرة، بسبب كل ما نعانيه من ازمة مؤسساتية لا حساب ولا مساءلة فيها، وفلتان ومحاباة وغياب واضح للقوانين والمعايير والإجراءات. اوصلتنا الي هذا المكان الكارثي تحديدا. 

وهنا لا اريد ان اتنصل من تحميل الجهة التي نظمت الحفل- الدي جي- لان ما حصل هنا لا يقل كارثية من أفعال الحكومة التي اوصلتنا الى هنا. 

هذه محصلة تسطيح الوعي الفلسطيني وكيه على مدار سنوات أوسلو. جيل يعتقد ويصدق انه مختلف من حيث التوجهات والآمال والاحلام ويواكب ما يعيشه العالم الكبير، وكأن هؤلاء يقولون من خلال صوتهم انهم مثل باقي العالم الطبيعي على الرغم من العيش تحت الاحتلال، او ربما تكمن المأساة هنا، ان الاحتلال ليس ما يريد هؤلاء تحديه، ولكن اثبات ان السلطة استطاعت خلق واقع طبيعي في محيطها. وهذا هو ما صنع الخلل الأكبر. فنتج امامنا جيل لم يعد يميز الا إزالة الفروقات والعوائق ومسحها بلا اكتراث لما هو سياسي الطابع او اجتماعي او تراثي او ديني كما رأينا هنا. 

على الصعيد الشخصي، أثمن دوما أي توجه شبابي باختلافه وانفتاحه، على الرغم من عدم فهمي او استيعابي لما يروجون له من أفكار- لأني ببساطة قادمة من جيل سابق، وببساطة أكثر كنت بلا شك احمل أفكارا اعتبرتها ثورية عندما كنت في جيلهم- لأكتشف ان تحدي الأعراف والقواعد والتقاليد ليس الا ثورة داخلية تشكل نضوجنا القادم قبل ان نتصالح معها. نتعثر ونقع خلالها كثيرا.  ولكني اعتقد بالتأكيد ان هذا مهم بخلق تنوع وتجدد وتغيير. فهؤلاء بالمحصلة شباب يريدون الاكتشاف والتعبير عن أنفسهم بطرقهم لا بطرقنا. وكنا دائما نضع ثقلنا واملنا ان هناك وعي ما مهم للغاية بهؤلاء الشباب لهويتهم الوطنية والتي لا يمكن ان تخرج منها الهوية الثقافية والتراثية والدينية. 

هؤلاء يريدون ان يراهم العالم مثلهم.. وهذا حقهم. ولكن ما جرى كان سقطة جعلت كل ما يحملونه من امال بتغيير مجتمعي عالمي يتهاوى كالحطام. لأن ما جرى لا يمكن ايعازه للجهل، فهؤلاء ليسوا بجاهلين، بل متعلمين مثقفين يميزوا جيدا ما هو صح وما هو خطأ. ومهما حاول العالم الذي يريدون الانتماء له من الانفتاح، فان ذاك العالم لا يمكن ان يخدش المسلمات بمفهوم المقدس بالنسبة للشعوب المختلفة. فلن نرى حفلة كهذه في كنيسة ولا بكنيس ولا بمعبد بوذي. هذا النوع من الموسيقى مكانه البؤر الواسعة والمغلقة لعالم الصخب والسهر. عالم ليس بالضرورة عالم معظم البشر، وهذا لا يقلل منهم ولا يزيد غيرهم. فكما يقال لكل مقام مقال. 

لا يمكن الا يكون كل من دخل من اجل الحفل قد رأى اللافتة التي تستقبل الزوار “مسجد ومقام النبي موسى”. فهنا تكمن المشكلة، سواء كانت غياب وعي او عدم اكتراث بقيمة المكان وإمكانية مساس مشاعر العالم بهكذا عمل. او التفكير “الصادق” ان المسجد والمقام لا صلة لهما بالساحة التي أقيم فيها الحفل. 

من الجهة الأخرى، ما الذي يقصد به بالترويج لعمل موسيقي كهذا وسط صراع محتدم في هذا الوطن على التاريخ والهوية عندما يرى العالم ان أبناء الوطن لا يكترثون لقيمة أماكنهم ذات الطابع الديني والتراثي في وقت نفس أبناء هذا الوطن يرتعبون ويحاولوا شد انتباه العالم ويستغيثون دوما من مغبة استيلاء إسرائيل على موروثنا الديني؟ 

ولكن مهما حملنا هؤلاء الشباب المسؤولية، فهناك مبدأ تردده السلطة بكونها الراعي المسؤول عن رعيته. 

وهنا تأتي المسؤولية المطلقة والمباشرة والواجبة المحاسبة على المؤسسة الرسمية التي لم تلفت انتباه القائمين على حساسية الامر، بل أكثر، وافقت بلا تردد. ومهما حاولت الجهة المسؤولة هنا، وهي الجهة التي أعطت التصريح- وزارة السياحة تبرير خطئها لأنها أولا لم تتحر الدقة عن نوع النشاط او الفيلم الوثائقي المزعم تصويره وبثه. وثانيا، لم تُعلم الجهات المعنية بالموقع وهي دائرة الأوقاف الإسلامية التي تتولى الحراسة.

وهنا عند التفكير بالحراسة والامن والاوقاف يصبح الامر أقرب للمزحة او السخرية السوداء، عندما نعرف ان وزير الأوقاف هو نفسه وزير الداخلية وهو نفسه كذلك رئيس الوزراء. فهنا المسؤولية الكاملة تقع في شخص رجل واحد وهذه الكارثة الحقيقية، في وقت كان يجب ان ينتبه على الأقل بطريقة ما الى ما كان على وشك ان يحدث. يعني اين التنسيق بين وزارة السياحة ووزارة الداخلية ووزارة الأوقاف ووزارة الصحة؟ الا تستدعي هذه الموافقات على هكذا فعاليات تصريحات امنية؟ 

فاذا ما تطلب اجراء هذا النشاط \ الحفل موافقة جهات لا يمكن الاستغناء عنها من اجل إقامة النشاط \ الحفل فكل هذه الموافقات ستكون تحت طائلة مسؤولية رئيس الوزراء الذي عليه ان يحاسب وزرائه: 

وزارة السياحة والصحة والداخلية والاوقاف. 

فهنا تبدأ الأسئلة التي يجب المحاسبة عليها، ولو كنا في بلد يحترم نفسه لتمت اقالة كل من في هذه المناصب بلا تردد لحفظ بعض ما تبقى من ماء الوجه. 

كيف لوزارة الصحة ان توافق على تجمع به العشرات وسط تفشي الكورونا والإجراءات الصحية الوقائية الصارمة المعلن عنها بعدم الاحتفال والتجمهر؟ 

كيف تسمح وزارة السياحة بان يتم استخدام الموقع لهكذا حفل\نشاط بلا تحري وتأكد واستشارة ومعاينة؟ وإذا ما كان الامر كما تم التصريح من خلاله بتصريح وزيرة السياحة انها لم تعط أي موافقة لان المكان ليس من صلاحيتها، فهذا عذر أقبح من ذنب. فإشارة وزارة السياحة واضحة وجلية كذلك على المكان. يعني لو كنت مكان الجهة التي استحسنت المكان وارادت ان تقيم فيه أي فعالية وذهبت هناك ورأت اللوحة على مدخل المقام بشعار وزارة السياحة لفكرت بتلقائية ان الجهة صاحبة الاختصاص هي وزارة السياحة. وهنا وبعد تأكد وزارة السياحة ان الشخص الذي يريد ان يقدم الحدث او العرض او النشاط يتناسب ما تقدم به لاحتياجات السياحة ويحافظ على المكان، فعلى الوزارة تبليغ الجهات المعنية الأخرى.

اما وزارة الداخلية والتي يتبع الحراسة فيها والامن بذلك المكان لها، فهل أعطت هي الموافقة؟ وعند الفحص تبين ان لا حراسة هناك أصلا، حيث تصادف، وهنا على الأرجح لسوء الحظ، ان حارس المقام السابق قد تقاعد ولم يتم استبداله بعد. وهذ طبعا سقطة مؤسساتية، أدت الى تفرد أصحاب النشاط\ الحفل بالتصرف. فجاؤوا مع عدتهم ومعهم ما يعرفوه من تصاريح أحدهم من وزارة السياحة والاخر من وزارة الصحة. 

بكل الأحوال يجب ان تمر كل تلك الأمور من خلال رئيس الوزراء الذي يشغل وزارتين من الوزارات المسؤولة بطريقة مباشرة أكثر على ما حصل. 

رئيس الوزراء يبدو كمن يحمل سلال بطيخ بيد وبطيختين في يد أخرى مقتنعا انه يستطيع السيطرة. والامر لا يحتاج الى محلل ذكي ولا تفكير منطقي ليفهم ان البطيخ بالعادة لا يمكن حمله الا بطيخة على حدا وباليدين. فكيف إذا ما حملنا بطيختين في يد و١٥ بطيخة أخرى في يد؟ فماذا لو كان يحمل وزارات لا بطيخ؟

هذه محصلة ما يجري من تهاوي وانهيار في كل شيء بالمنظومة المؤسساتية لدى مرافق السلطة. غياب الامن وتكريسه بيد مجموعات فصائلية، وحكم العشيرة الذي صار اقوى وأصلح والابقى امام ترهل حكم القانون وعدم تمكين سيادته. 

التفرقة الحزبية والطائفية والمجتمعية كانت نتيجة طبيعية في تداعيات ما حصل، فبينما يصبح الاحتفال بعيد الميلاد يستدعي فتوى شرعية بجوازه او تحريمه، يكون حرق شجرة العيد كما جرى في سخنين امرا بديهيا لمن تسوله نفسه التخريب والترهيب. 

ولان كل ما يمثل الزينة والاضواء صار فعلا ” نصرانيّاً”  (بعقول البعض) كان من البديهي وتزامناً مع احتفالات الميلاد أن يعتقد الناس أن ما يجري بالداخل حفلة تابعة لأعياد الميلاد. لأننا وبوجود مؤسسات ثقافية وسياحية ودينية فشلنا بأن نثقف أبناء الشعب الواحد ونوعيهم ونحثهم على ان لا فرق بين الانسان وأخيه الا التقوى. 

ولان مشهد أضواء في باحات الموقع كان خارجا عن المألوف والمتوقع، كان من البديهي كذلك التفكير أن من بالداخل مطبّعين وإسرائيليين. فتحوّل ما حدث حفل مسيحي وتطبيعي وشيطاني (بعقول البعض). في وقت كان من السهل تبرئة المسيحية وعيد الميلاد عند معرفة ان من اقام الحدث هي الدي جي الفلسطينية العالمية سما عبد الهادي التي على ما يبدو لم تتنبه الى ان التحليق في السماء العالمية يحط أحيانا على الأرض، كما يحتاج ارضا للانطلاق منها. وما اختارته او تم اختياره لها لم يكن ارضا تُمكِّن من عليها التحليق. فارتطمت على ارض الواقع لا سماء عالم موسيقي تبدو متفردة به.

فالموضوع برمته لا علاقة بالدين المسيحي ولا احتفالات الميلاد ولا المسيحيين. وقد يشفع وعي سما الثقافي ورسالتها في عالم التكنو فيما سجل لها بالسابق بالتأكد ان ما جرى لم يحمل نوايا سيئة ولكنه كان سوء تقدير لم تع مغباته. ولو كانت سما تعيش في مكان يحكمه القانون وتسوده الاخلاق لم تكن لتقع في هذا المكان الوعر، لأنه من البديهي ان يكون هناك نظام سيادي فاعل يحترم المواطن والوطن فيفهم ما الممكن وما غير الممكن. ويفهم ما هو الكارثي وما هو الاشكالي.

فما جرى اليوم من تداعيات مؤسفة وكارثية أكثر من ارتكاب خطأ غير مقصود، عندما تجمهر الناس للتعبير عن غضبهم عما جرى وعالجوه بكارثة… بل كوارث. 

نعم كانت إقامة النشاط خطأ جسيما. ووقفنا جميعا امامه صفا واحدا. وما جرى يستدعي الدعوة الى المحاسبة لا الحرق. فما كان خطأ جسيما من اشخاص اساؤوا التقدير ولم يقصدوا الإساءة، صار انتهاكا وتخريبا مقصودا من قبل الغاضبين. ما جرى اليوم من حرق وتكسير وتخريب بالمرافق الخاصة بالغرف أخطر بكثير من الحفل الذي اعلن الغضب بسببه. فما الذي حرقه هؤلاء؟ ما هي الرسالة التي ارادوها؟ هل الدفاع عن الاماكن المقدسة يتم بتخريبها وتكسيرها وحرقها؟ ام ان الغرف لا تمت للمكان المقدس بصلة؟ فاذا ما كان هذا تبرير للتخريب الذي حصل، فان ما قام به أصحاب الحفل مبرر. فبالحالتين لم يقترب احد من “المقدس” او المقام والمصلي!  

هل هكذا يعالج الخطأ؟ بارتكاب جنح وجرائم محتملة؟ 

هل إيصال الامر الى هذا المستوى من الهيجان والضغط والحرق الذي استدعى وقوف الاليات العسكرية الإسرائيلية على مداخل المقام وتدخلها لإطفاء الحريق وفض الإشكاليات والتجمهر مقصود من خلاله ترويع من اقام الحفل وسمح له ام يهيئ لتدخل إسرائيلي “مبرر” عما قريب؟ 

هل نسي هؤلاء الغاضبون انه وبالتحديد على بعد أمتار من كل الجهات الملاصقة والمحيطة والمتاخمة لهذه المنطقة تتربص المستعمرات وتشرع بتلك الاثناء تنفيذ خطة الضم؟ 

هل أرهبْنا من أخطأ لنعيش كارثة استيلاء على المكان لأننا لا نعرف كيف نديره ولا ندير أنفسنا؟

هل ما حصل اليوم كان مقصودا؟ فهل كان دخول هيئة او جمعية التأهيل من المخدرات عفويا وبالتالي فرض امر واقع جديد على المكان؟ وهل هي الجهة المعنية بحل الازمة؟ 

الحقيقة انني لم افهم كيف خرجنا من ازمة تحويل المكان الى فندق لنقع في ازمة أخطر وأصعب وكارثية بالفعل وهي تحويل الموقع لمركز تأهيل ادمان.

نعم، يبدو الطابع السياحي ” خبط لزق” بالموقع صادم لمن تعود وعرف المكان كمقام خالص. الا ان المكان كان دوما ومنذ نشأته الأولى وعلى مدار ٩٠٠ سنة خانا ومكان اسطبلات وموقع أنشطة شعبية مختلفة في أكثر الأوقات، تجددت مع القرون والسنوات. علينا التنبه دوما بجعل السياحة التراثية جزء من هويتنا الجمعية والدينية. ولكن هل من الصحيح ان يرجع المكان ليأوي مدمني المخدرات وتأهيلهم؟ 

لا اشك مرة أخرى، ان ما حدث قبل سنوات بعيدة كان وليد حاجة، وكان صحيحا ومهما حينها. ولكن لم يكن من الصحيح ولا الطبيعي ان يحرم اهل فلسطين من زيارة المكان بسبب هذه الوضعية. فمراكز التأهيل يجب ان يكون لها اماكنها الصالحة لها وما يتوافق مع احتياجات المرضى المدمنين، لا يجب ان تغطي احتياجاتهم او تتعدى على الأماكن العامة التي تتصف بما يتصف به هذا المكان.  

ولا اعرف ان كنا كمجتمع كشعب سنخرج من هذه الهوة وبأضرار غير جسيمة. ما نحتاجه هو سيادة حقيقية للقانون وهذا يعني اننا نحتاج أولا ان ننتخب من يمثلنا ويسن قوانيننا ويطبقها وان نضعه ونضع أنفسنا امام المحاسبة. 

لقد دخلت السلطة الفلسطينية وضع التفجير الذاتي، ولا نعرف متى سيكون الانفجار الأكبر التالي.

لطالما الفساد والغبن والمحاباة وسيادة الواسطة والعشيرة ورأس المال هي السائدة فلن نكون بخير. 

لو كنت مكان أحد المسؤولين بأي من المؤسسات الرسمية ذات العلاقة لاستقلت. ولو كنت مكان صاحب سلطة بينهم لقدمت كل من شارك من المسؤولين اقحام البلد والمكان والشعب في هذه المصيبة للمحاكمة.

مؤسف ومرعب حالة التدحرج الى الهاوية التي تشدنا الى قعرها أكثر في كل مرة. 

3 thoughts on “من سيتحمّل كارثيّة ما يجري بالنّبي موسى؟

Leave a Reply