المسلسل التركي “اتوس”- روح الأخلاق

المسلسل التركي “اتوس”- روح الأخلاق

تتسابق المسلسلات التركية فيما بينها وعلى الساحة العربية والدولية في السنوات الأخيرة لتنزع استحسان المشاهدين من شتى الأصقاع. 

وكما تتربع المسلسلات التركية على كافة المنصات، اخذت كذلك مكانها على نتفلكس. 

اعترف ان متابعتي لما تبثه نتفلكس يشوبهاً دوما الحرص والشك. فلا تخلو شكوكي من نظريات المؤامرة بما يتعلق بنوايا ما يراد حقنه لعقولنا المسلوبة من أفكار جديدة تشكل عالمنا الحالي، فتزيد من انفصامنا وتشتت امخاخنا وتلوث ما لا يزال نظيفا من مبادئنا. ولكن تبقى نتفلكس أكثر امانا لكونها منصة غير عربية، أي اننا نستطيع دوما فصل نواياها عن واقعنا، فنأخذ ما طاب لنا منها، ونرمي ما لا يعجبنا ونرفض ما لا تستسيغه عقولنا وقلوبنا. فهي بالنهاية ” اجنبية” لا تأتينا بقالب وعناوين واجندات محلية تدخل علينا عنوة. 

ولكن بالمحصلة، تبقى الكثير من برامجها مثيرة للجدل. وقد يكون المسلسل التركي اتوس- روح الأخلاق اخر الجدل المثار من قبل ما تعرضه نتفلكس. 

المسلسل مختلف عما نشاهده يوميا عبر شاشاتنا من مسلسلات تركية اثرت بلا شك بمجتمعاتنا على كافة الأصعدة بالعقدين الأخيرين. فصار التركي أقرب لوجداننا، وصارت تركيا مصدر الالهام والمكان الأقرب لتحقيق الحلم العربي بنكهة إسلامية تركية. جمال بشر وطبيعة. مدينة على مرمى تذكرة طائرة. نظافة واكل ووجه حسن. 

صارت تركيا عنوان الجمال ومصدر الموضة، فيستطيع المرء ان يلبس ما يراه على الشاشة وان يغير شكله على حسب ما يفتنه من محاسن، فزراعة الشعر وشد الوجه وشفط الدهون وتغيير الوجه على حسب الطلب يمكن ان يأتيك في حزمة واحدة وبسعر منافس وعلى حسب ما تستحسن عيونك ورغباتك مما تشاهد على الشاشات. 

صارت تركيا ببيوتها وشوارعها ومضيقها ومطاعمها ونجومها حلم الانسان العربي المقتدر… والاقل قدرة. 

وجاء هذا المسلسل ليكسر كل ما بنيناه من حلم عن تركيا… وعن العلمانية.. وعن الرأسمالية… وعن التدين… وعن الفقر… وعن كل ما حاولنا جمعه من تناقضات وتجاوزه. وقدم لنا العمل بالإضافة الى قدرات ادائية قمة بالروعة. فلا يمكن تجاوز الابداع والاتقان لكل فنان شارك في هذا العمل. عمل مبدع ومتقن بكل ما تحمله هذه الكلمات من معاني. لا يمكن تجاوز لحظة واحدة من الثماني حلقات بلا الاستمتاع والانبهار بالأداء المتقن والمتميز بالفعل لكل ممثل قام بكل دور ومشهد. 

الحقيقة ان ما يكسره المسلسل ليس فقط ما أردناه من حلم جديد عن تركيا، ولكن عن كل ما يمثل طريقة حياتنا اليوم كمجتمعات شرقية على وجه التحديد. فلم يعد صراع العصر صراع اقطاعية يحكمها الأغنياء مقابل فقر يسحق المساكين. ولم يعد صراع رأسمالية يحتكرها رجال الأعمال مقابل شيوعية يقودها المفكرين من اجل الفقراء. ولم يعد الامر صراع دولة إسلامية امام علمانية. 

فاليوم اختلطت كل الأمور من مبادئ ونقيضها ليتمثل الصراع بين حجاب ولا حجاب. يستطيع المرء وضع كل ما يخزنه عقله من تعقيدات وعقد ويفرغه امام نقيضه المحجب إذا كان بلا حجاب، وغير المحجب إذا كان بحجاب. 

وسواء كنت غنيا ام فقيرا، علمانيا ام متدينا، متعلما ام جاهلا، متقدما ام متأخرا، فتقييمك يأتي من شكلك الخارجي الذي يغطيه اما حجاب رأس او صندوق غير مرئي يغلف الرأس بمعتقدات مغايرة. 

يكشف لنا المسلسل طبقة أخرى لا تراها عيوننا سواء بالمسلسلات او اثناء السياحة في تركيا. طبقة نلمحها ربما ولكن لا نعيرها أي اهتمام، فعيوننا لا ترى الا ما عكسته لنا المسلسلات وما روجت له لنا السياحة خلال العقدين السابقين عن تركيا. 

ما نهرب منه في واقعنا اليومي من حياة يغلفها حجاب. حجاب رأس نركز عليه، وحجاب رؤيا يحدد لنا مجال تركيزنا. صراع الحجاب بينما يمر العالم من فوقنا ومن تحتنا ويمزقنا أشلاء نقيم فيها حياتنا وكوننا وهوياتنا من خلال حجاب. 

بينما يصير الفقير أفقر، والجاهل أجهل، والغني اغنى، والمتحكم أكثر تحكما، والمسحوق أكثر سحقا. تشتد فقط اوازر الفرقة بين الطبقات وتلتحم من اجل الاقتتال والكراهية والانحطاط. 

كل طبقة بمحتجبيها تسير نحو نفسها ضد الأخرى وتمارس كل ما تكرهه في الطبقة الأخرى بالخفاء. وبالمحصلة سواء كنت بهذا الحجاب او ذاك، فالحياة الإنسانية لا تفرق بين الاحجبة، ولا بين الطبقات الاجتماعية مهما كانت، غنية، فقيرة، متدينة، علمانية، منفتحة، منغلقة، متعلمة، فقيرة، متنورة او جاهلة. الحياة الإنسانية متوحدة في تجاربها لا تفرق. الانسان بمشاعره هو نفس الانسان. عندما يحب وعندما يكره. عندما يخضع وعندما يتمرد. عندما يرتدي حجاب وعندما يخلعه. 

3 thoughts on “المسلسل التركي “اتوس”- روح الأخلاق

Leave a Reply