سلام فياض والمرحلة القادمة

عندما اذكر اسم الدكتور سلام فياض، والذي يحصل كثيرا بالأشهر الأخيرة، تأخذني ذاكرتي الى لحظة تبدو وكأنها كانت فاصلة بالنسبة لي. لحظة كنت فيها على وشك فقداني الشامل لأي امل واعلاني تمردا علنيا ربما على كل ما هو فلسطيني. كانت لحظة ضمن الأيام التي تتابعت بعد حادثة حرق سيارتي. فعل الحريق به الكثير من الأثر حتى ولو لم يصب ذلك الحريق الا التنك المُشكّل للسيارة. الرائحة تبقى او بالأحرى تجد طريقها لتعشش في الانف. رائحة تشبه رائحة العفن، الخراب، الموت الذي كان وشيكا ربما. في تلك الفترة قرأت على مضض مقالا كتبه الدكتور سلام فياض وبإصرار من أحد الأصدقاء عن فكرة الهوية الفلسطينية الجامعة وحل الدولة من عدمه الى اخره من أفكار تتمحور حول الحاجة الملحة الى توحيد الهوية الفلسطينية الجامعة. لأول وهلة تجسدت امامي فقاعة الدولة التي كنت اتخيلها عندما كان سلام فياض رئيسا للوزراء. وبلا استئذان لذاكرتي، تزاحمت الأفكار بشأنه، ذلك الرجل الذي أغرق البلد بالقروض. ولكني توقفت لوهلة، وربما كان الحريق بأثره المعشش بأنفي كان لا يزال يسيطر على مشاعري بقوة، تداركت للحظة تلك الفترة وتذكرت انه في حينها كان هناك على الأقل سيادة قانون. كان هناك مشروع بناء مؤسسات. كان هناك بعض امل بالمستقبل. عندما ترك منصبه لم يدر ظهره وبادر بفلسطين الغد، وعندما أغلقت امامه السبل حمل نفسه واستقر ربما بعزلة بعيدا عن ضوضاء الهجوم والتخوين وتركنا للزمن ليكون حكما لنا وعلينا. 

ولكني ككل فلسطيني غاضب من الفساد الذي كاد ينخر في نفوسنا بعد ان انتهى من اجسادنا، لم أكن لأثق برجل خدم في هذه السلطة. فالمنطق يقول ان الانسان النزيه لا يقبل ان يكون في هكذا سلطة قاعدتها باطلة. ولكن لأكون أكثر نزاهة مع نفسي كنت دائما اضع نفسي امام أصحاب السلطة من الكفاءات المحتملة واسأل إذا ما كنت سأرفض الموقع لو كانت الظروف مناسبة؟ تلك المفارقة التي تضع الحريصين في ازمة بين المحاولة او العزوف لإثبات مبدأ. فيبقى السؤال، إذا ما تركت الساحة فارغة من الكفاءات والحريصين فمن البديهي ان يتفرد الفُسّاد ويتفشى الفساد. وبحكمي على الرجل كان يكفي ان أرى ضراوة الحرب التي شنت ضده والاتهامات التي كيلت عليه، وخروجه منها نظيفا. 

وبقيت تهمة اغراق البلد بالقروض والمظاهرات ضد رفع ضريبة الدخل كنكتة ربما في ذهني الذي أبطلها عند التفكير بها لمجرد مرة واحدة؛ كيف نحمل شخصا مسؤولية اغراقنا بالقروض. ليتني احمله هذا العبء ويدفع بالقروض بعيدا عني، ولكن هل ضربني أحد او اجبرني على القرض؟ والأهم، ربما في حالتي الخاصة التي طورت مع القروض والبنوك حالة من الشخصنة التي اعتبرت خلالها البنك على مدار عقد من الزمن أقرب أصدقائي. الصديق الوحيد الذي لم يردني ابدا خائبة، وساعدني بلا أدني شك بإنقاذ حياة عائلتي قبل ان أجد نفسي غارقة في بحره. فالقروض بقدر خطورتها، الا انها وسيلة انقاذ في الكثير من الأحيان، والاهم ما شأن الرجل بقرار انسان عاقل بأخذ قرض؟ وكم هي الحقيقة في الصلة بينه شخصيا والبنوك؟

المسألة الثانية التي كنت ارددها ضد الرجل كانت مظاهرات ضريبة الدخل، وكان ابطالها مؤكِّدا على ركضي وراء التطبيل بلا تفكير، لماذا اعترض الناس على فرض ضريبة دخل على الأغنياء، من كان المتظاهر الحقيقي ضد قانون ضريبة الدخل؟ 

بالتأكيد ان الصورة ليست بهذه السهولة سواء بمحاولتي لتبسيطها او بمحاولة تعقيدها. ولكن الأكيد والبديهي ان تلك الفترة تمخض عنها سلبيات ولكنها اعطتنا فرصة لإيجابيات وجدنا أنفسنا نترحم عليها ونبكيها من بعده. 

تبدو الأمور البديهية هي الأكثر صعوبة في واقعنا. فما نعيشه من فساد السلطة يجعلنا متربصين لوقوع افرادها. فمعظمهم بالكاد يخرجون منها بلا قضايا فساد توصمهم الى الابد. 

كانت تلك لحظة مفصلية بالفعل بالنسبة لي، هل احرق السفن كلها وأنسى فلسطين وقضية تم اختطافها وتصفية ارضها وها هم بدأوا بحرق من لا ينصاع للخنوع امام فسادهم؟  ام امسك بشعلة باهتة من امل في محاولة أخيرة لعل وعسى يكون لدى هذا الرجل ما يساهم به بتغيير ملح. 

وكان ردي بمقال على مقاله، ربما التففت بكلماتي نحوه كذلك ولكني بالتأكيد حاولت ان ارمي الكرة بملعبه متسائلة: هل تجرؤ على التغيير بتشكيل طريق او حزب او ما تريد من تسميته مما هو جديد، بدلا من الدعوة الى اصلاح ما لا يمكن إصلاحه؟ 

من هناك بدأت أحاديث واستمرت بيني وبين الدكتور سلام فياض عن الإمكانيات والفرص الغائبة منها والضائعة. واعترف انني لم أكن متأكدة ابدا من جدية كلامه عن التقدم خطوة الى الامام في صناعة التغيير، لأنه بالمحصلة سياسي وفي فقه السياسة فان أصحابها يتقنون فن الممكن. فكل ما يعدون به وينظّرون به يمكن ان يتحول الى نقيضه إذا ما استدعت مصلحتهم السياسية ذلك. 

والتجربة مع الساسة الفلسطينيين بالتأكيد مدعاة الى ثقة اقل وشك دائم، وفي كل يوم كنت انتظر ان يخيب أملي بكذبة او وعد او اخفاق يؤكد لي انه مجرد سياسي اعتيادي في ملهاة السلطة الفلسطينية. 

وجاء اعلان مرسوم الانتخابات ليدق ناقوس الحقيقة، في كل يوم كنت اسمع عن وجود اسمه ضمن قوائم الأحزاب بأقطابها المتناحرة والمتآلفة. وكنت اجزم مع تأكيدات الجميع انه بلا شك ذاهب الى أحد الفرقاء ليأخذ مقعدا لنفسه في مقدمة قوائمهم. 

كنت انتظر لحظة اثباتي انه لا يمكن الوثوق برجل احترف السياسة وسط هؤلاء لكل ذلك الوقت. 

وقد ادعي انني صرت أقرب لفهم الكلام الجدي والأكثر جدية وسط أحاديثنا الكثيرة، وذلك الهزلي والأكثر هزلية، فبدا لي حديثه حازما عندما قال ذات يوم: علينا ان نتكلم بجدية. فقلت بنفسي: وهل كنا نتكلم بغير الجد من قبل؟ وكان عندها عزمه الامر بالخوض بنزال الانتخابات المرتقب. بيقين تام ان الانتخابات ليست هي الحل الاصح، وان احتمالية حدوثها يشوبه الشك أكثر من اليقين. الا اننا نقف امام لحظة مناسبة علينا اخذها بالتأكيد، وهو محاولة اخذ حيزنا مجتمعين بالتغيير الذي ندعو له جميعا. التغيير الذي يبدأ بالبناء لما هو مناسب لنا. التغيير الذي نرى فيه ماهيتنا. التغيير الذي نريد من خلاله مستقبلا أكثر امنا لنا ولأبنائنا. التغيير الذي تصير فيه الشعارات فعلا. التغيير الذي نصون من خلاله كرامتنا كفلسطينيين. التغيير الذي يجمعنا. التغيير الذي ينجذب له الكل الفلسطيني ويحتويه ويضمه. 

التغيير الذي يشعل شمعة نحو مستقبل يقدم لأبنائنا فرصا لمستقبل حلمنا به وحملنا معنا ولربما يستطيعوا المشي نحوه بأمان وامل وهمه. 

التغيير الذي نكون نحن مكوناته. نكون نحن نموذجه، بالفلسطينيين منا الذين لا يزالوا يحملون حلم بناء وطن يحقق الفلسطيني فيه حلم فلسطين الكرامة. 

قد أبدو او بالأحرى أتكلم كتلك المراهقة التي عاشت بداخلي سنوات الانتفاضة ورفضت ان تكبر بانتظار القائد الكبير المُخلّص. الا انني ومنذ زمن تيقنت ان هذا القائد غير موجود. وجريمة بحقنا تلك التي اقترفناها بانتظار القائد المُخلّص القادم منذ اخر عملية انقاذ قام بها صلاح الدين الايوبي قبل نحو ألف سنة. حان الوقت ان نأخذ زمام امورنا بقوتنا نحن. والقائد لن يأتي من أي مكان ان لم أكن انا نفسي اقوى على قيادة اموري. القائد الحقيقي هو الذي يخلق شعبا قادرا على ان يدير زمام اموره بقيادية ومنهجية واسس لنظام يخلق إمكانيات وكفاءات وفرص. 

وسلام فياض في هذا الصدد ليس قائدا محررا ولن يكون، ولكنه رجلا وطنيا حريصا تتشابك يديه بأيدي الحريصين نحو محاولة حقيقية لجسر الهوة ولحم الجسد الفلسطيني نحو روحه الجامعة. والتحرر لا يقدمه شخص على طبق من المواصفات الخاصة. التحرر يأتي من داخلنا ويخرج ليصنع منا حيز الحرية التي نستحقها. ومعا نستطيع ان نأخذ فرصتنا كشعب يريد ان تكون فلسطين ما تجسده الكرامة. كرامة الوطن من كرامة المواطن.

مرفق حوار الدكتور سلام فياض مع جريدة القدس بشأن الانتخابات.

2 تعليقان

  1. يسعد اوقاتك استاذه نادية .. انا في الحقيقة معجب بتحليلك في هذا الموضوع .. لكن لي نقد بسيط أراه يخص عمق الرؤيا التي تصدرين منها .. فليس كل ما ظهر لنا على السطح يمكن أن يشكل لنا مرجعية حتمية ومؤكده في الحكم على الأشياء او الأشخاص .. فيا عزيزتي علينا أن ندرك أن هناك أجندة قهرية تم فرضها ابتداء على من يتولون الحكم وادارة الملف السياسي سواء من الداخل او الخارج منعت في المحصلة من تحقيق اي حلم يمكن أن يشكل وحدة تعم المنطقة … ولذا فلا بد من دراسة ما سبق بعمق والأخذ به قبل وضع كيانات شخصية على كفة الميزان لمعرفة مدى قدرتها على النجاح او الفشل وهل بالامكان تحقيق شيء ملموس على ارض الواقع.
    وتقبلي احترامي

    1. اهلا عزيزي.. انا مدركة انه الامور ليست بهذه السهولة من حيث الحكم عليها ، ولا يوحد ما هو حتمي الا الكارثة التي نعيشها. والوضع يستدعي مراجعة دائمة بكل تأكيد. ولكن محاولة ترجيح كفة الميزان لاشخاص يمكن مهم وهو كذلك ليس حتمي ولكن من باب المحاولة . صار وقت اننا نطلع خطوة للامام ونبدا نحاول. قد نصيب وقد نخطيء… ولكن نكون حاولنا .

اترك رداً على د. حسين جاموس إلغاء الرد