الدكتور سري نسيبة ما عليه وما ليس عليه

الدكتور سري نسيبة ما عليه وما ليس عليه 

يبدو الدكتور سري نسيبة متصدرا للمشهد الاشكالي في القدس على خلفية الاحداث الأخيرة في الأردن وربطها بباسم عوض الله والعلاقة الوطيدة بمحمد دحلان، لتصب في كارثة تسريب العقارات في القدس لمصلحة جهات استيطانية تابعة للاحتلال الإسرائيلي. 

بلا شك، إن المشهد قاتم ولا يسر عدوا ولا صديقاً. فأسوأ ما يمر بهذه المدينة هو تسريب العقارات الذي يتسرب مثل الماء في الأحياء العربية. ولن يتغير ابدا الموقف الشعبي والوطني من المسربين. فأسوأ أنواع العملاء هم هؤلاء. 

الحقيقة، انني لا أستطيع ان ادلو بدلوي عن أي امر، لأن كل ما نسمعه لا يتعدى الاشاعات، فلا حقيقة الا البيوت التي نراها قد صارت بين ليلة وضحاها مسكونة بالمستعمرين. كيف ومن ومتى، تبقى في طي التداول بين بعض الحقيقة والكثير من الشائعات. الامر ليس بالجديد، والمسؤولية لا يمكن ان تنحصر في شخص بعينه. فهكذا صفقات تمر عبر الكثير من المراحل والخطوات والعملاء والجهات التي تأخذ أحيانا سنوات. أحيانا تكون الخديعة حاضرة بقوة فيها، ودائما الطمع بالمال هو سيد الموقف. مهما حاولنا التبرير او فهم كيف يبيع صاحب عقار عقاره في هذه الاحياء، ومهما حسنت او بدت حسنة النوايا، الا ان الأموال التي تكون بالعادة معروضة على هذه العقارات كفيلة بأن تشكك أي انسان بنوايا الشاري. فليس بالضرورة ان يأتي المستوطن ليعرض الصفقة لتكون صفقة مشبوهة او ممنوعة. يكفي ان يتم عرض ثمن غير محدد أكبر بكثير من قيمة العقار وبإشكالياته لتعرف ان الشاري ليس بريئا. 

منذ سنوات ونحن نسمع عن شراء دحلان لعقارات بالقدس، ومما لا شك فيه، ان خطأ السلطة الأكبر، او بالأحرى جريمة السلطة الكبرى هي التركيز على دحلان لا التركيز على كارثية الوضع. بين إصرار على منع أي امتداد لدحلان، تسربت عقارات اخرى كثيرة لصالح الجمعيات الاستيطانية، ولم يكن بيت جودة هو البيت الوحيد الذي ذهب ضحية صفقة لا تبدو السلطة بريئة منها. فالعطاري يجول ويصول ولا أحد يعترضه او يحاكمه، والقضية في طي الملفات التي لم نفهم ما جرى بها حتى الان. 

مما لا شك فيه كذلك، ان اتفاقيات السلام – الابراهيمي- الذي وقعته إسرائيل مع الامارات يجعل من امر شراء دحلان للعقارات امرا مشكوكا فيه من جديد. فلا يمكن ان تكون هذه الأمور كلها بريئة وبنية استثمار فلسطيني وكل ما جرى سابقا وما صارت اليه الأمور محض صدفة فقط. 

الحقيقة انني لا اعرف ما الذي استثمر به دحلان في القدس منذ بدء ضخه الأموال الهائلة فبي المدينة المقدسة. كل ما نسمع عنه ان الرجل يشتري العقارات ويستثمر من خلال مجلس القدس للتطوير والتنمية الاقتصادية عن طريق الدكتور سري نسيبة الذي قطع الشك باليقين بموضوع علاقته بدحلان قبل اعلان ترشحه الأخير في قائمته الرسمية. 

قبل اتفاقيات التطبيع الأخيرة، لم أكن انظر الى موضوع شراء دحلان للعقارات لصالحه او لصالح الامارات بأي ريبة، على العكس، كنت أعتقد ان الأهم هو عدم تسريب هذه العقارات لإسرائيل. ولا فرق بين دحلان وغيره طالما هو فلسطيني وعربي يريد الاستثمار بالقدس حتى ولو كان لاستثماره الخاص. 

ولكن لا يمكن النظر الى الامر اليوم وكأن كل شيء تمام. لا يمكن النظر الى الأمور بالتغاضي عن موقف الامارات بشأن التطبيع وهذه الطفرة العجيبة نحو التطبيع مع إسرائيل، وكأن الدخول الى الجنة يأتي عبر هذه البوابة التطبيعية. 

باسم عوض الله، رجل دحلان، او دحلان رجله لا اعرف. يبدو الرجل وكأنه الشخصية السحرية في كل مكان، أقرب الى ان يكون راسبوتين هذا الزمان. قدرته على التأثير وامتداده وقوته في كل المحاور التي لا يمكن النظر اليها على انها محض صدفة كذلك وصبها بالنهاية في القدس ليس مجرد صدفة. 

من الذي اشترى ومن الذي باع …. لا أستطيع ان أتكلم هنا عن هذا الامر. لأني بكل بساطة لا اعرف. 

من هو باسم عوض الله وما هو باعه في طوله وعرضه بهذا كذلك لا اعرف. 

ما الذي يسعى له دحلان كذلك لا يمكنني ان احكم عليه الا من خلال مشاهدتي لمآل الوضع الإقليمي ومحاولات فرض امر واقع تطبيعي عربي بدأته الامارات ومما لا شك فيه… من خلاله. 

أما دور سري نسيبة وعلاقته بتسريب الأراضي فهو ما يمكنني الحديث عنه. 

عندما أعلن الدكتور سري نسيبة عن مؤسسة بأموال إماراتية، سررت بالأمر وسعدت. كنت أتمنى ان يستطيع سري نسيبة ان يؤسس بالقدس قاعدة مؤسساتية مجتمعية تحمل هموم المدينة وأهلها. ولم يكن ليخطر ببالي شخصية أفضل منه. 

لم اعر امر دحلان او تدخله ابدا، ليقيني كذلك، ان استثمار دحلان لا يختلف عن استثمار أي فلسطيني اخر. وعليه يجب الا نخضع تقييماتنا واحكامنا على إشكاليات السلطة ومشكالها بين اربابها المتصالحين والمتناحرين. 

ولكن هناك ما تغير، ولا يمكن التنكر لذلك. 

التغير في موقف سري نسيبة لصالح دحلان. وهذا شأنه وقراره. فالفلسطيني الفتحاوي سواء قرر ان ينتمي لهذا التيار او ذاك فهذا شأنه وحقه. 

اختلف بالتأكيد ولا أزال استصعب رؤية سري نسيبة في هذا المكان، نعم. ليس لأنني اشكك بدحلان او اقلل من أهميته ولكني كالكثيرين رأيت في سري نسيبة أكبر من وجوده في تيار دحلان او غيره. كنت أرى في سري نسيبة عنوانا مهما واساسيا للقدس وفلسطين. فسري نسيبة يبقى شخصية استثنائية بقدر أهميته وفكره ومكانته. 

اليوم وبينما أصبح سري نسيبة في مرمى الاتهامات بأبشع التهم التي يمكن اتهام فلسطيني بها، لا أستطيع الا ان اتوقف وأقول ان ما يجري لا يمكن ان يحتمل كل هذه الحقيقة. 

قد اصدق الكثير عن سري نسيبة. قد اختلف مع مواقفه السياسية وغيرها في  الكثير من الأحيان. قد يبدو انتحاريا بأفكاره او جريئا فيما يطرحه بشأن القضية الفلسطينية. وقد يبدو ما يطرحه مرفوضا وغير مقبول. وقد يتفق البعض ان ما يقوله به الكثير من الواقعية كذلك. 

سواء كان طرحه جرأة او انبطاحا. جسارة او خنوعا. تسليما او استلاما. كل هذه أمور يمكننا نقاشها. نختلف او نتفق عليها. 

ولكن… ان يكون سري نسيبة متواطئا بتسريب عقارات. فهذا امر لا يمكنني حتى تمريره في عقلي ولو لوهلة. 

اعتقد جازمة انه وضع نفسه في مكان اشكالي . ولكن لا يمكن التفكير بأن الدكتور سري نسيبة يرمي وراءه تاريخ المدينة ويسلم مفتاحها (مفتاح كنيسة القيامة) الذي تحمل ارثه عائلته منذ الخليفة عمر بن الخطاب ليتورط في صفقات تسريب عقارات لمصلحة جهات إسرائيلية. 

من السهل اليوم ان نرمي بتاريخ سري نسيبة وما قدمه من خلال رئاسته لجامعة القدس على مدار ما يقرب من خمسة عشر عاما. في كل ما كان هناك من مآخذ، كان له الكثير الكثير من المآثر. لو أراد الدكتور سري التورط ببيع عقارات لفعل هذا قبل هذا التوافق مع دحلان او غيره. 

الدكتور سري نسيبة لم يكن ابدا رجلا يسعى وراء المال والاملاك. لا يحتاج لهذا ولم يكن الجشع ابدا أحد سماته. على العكس تماما. 

هناك من يجب محاسبته على ما يجري من تسريبات، ولا اشك ان المسؤولية في هذا الامر لا يمكن ان تقع على عاتق رجل واحد. وان كان هناك رجل واحد لا يمكن تحميله هذا الوزر من هكذا كارثة، فهو بالتأكيد سري نسيبة. 

2 تعليقان

  1. باعتقادي وكلمة حق يجب أن تقال … فهناك البعض ممن يتميزون بالنجاح والمصداقية والنوايا الطيبة وعن تجربة شخصية … ولكن ولظروف خارجة عن الإرادة … فإن هذا النجاح في بعض الأحيان تكون ضريبته غالية .. إما حسدا وإما لتصادف وقوع هذا الانسان الناجح في المكان أو الزمان الخطأ وهو برئ تماما عما تعلق به لأن كل ما كان يسعى ويهدف إليه هو خدمة بني قومه وباجتهاده الشخصي … وعلى العموم نتمنى الخير والسلامة لكل من قدم خيرا على الدوام.

  2. سري نسيبة مفكر واكاديمي، صريح وواضح، لا يتملق القيادات لمصلحة شخصية، لم يستغل وجود السلطة الفلسطينية ليصبح رجل اعمال وجامع للمال. كل ما فعلة كتابة كلمة حق مجردة من العاطفة أو اتهويل أو التزييف.
    بسبب واقعنا الاليم، قد صعب علينا تصديق الحقيقة و يعجبنا العيش في الاحلام.
    لو كان لدى الفلسطينيون 10 اشخاص مثل سري نسيبة، لكانت اسرائيل في مأزق.

اترك رد