نيتشه في القدس : البحث عن الذات في ديستوبيا الواقع

رواية نيتشه  في القدس   –مذكرات كلب- للكاتبة نادية حرحش 

البحث عن الذات في ديستوبيا الواقع

د. أليف فرانش

قبل البدء في التعاطي مع الرواية نفسها، لا بدّ من العكوف على النوع الأدبيّ الذي يشكّل غلافًا للنصّ، وهو مزيج ما بين جانر (النوع الادبي)  المذكّرات، وجانر الرواية، وجانر الكتاب الفلسفيّ التثقيفيّ- الديداكتيّ، وجانر ما  قرأناه من كتب على لسان الحيوان في تداع متين لكليلة ودمنة، وغيرها من الكتب. ونقول إنّ الدمج ما بين السرد المحمول على لسان الحيوان والمذكّرات ليس غريبًا عن المكتبة الفلسطينيّة، فهناك مذكّرات دجاجة للحسيني، وظهور الكلب في الأعمال الأدبيّة العربيّة ليس جديدًا أيضًا، وأسوق من دراسة صديقنا العزيز الدكتور عادل الأسطة بعض العناوين: نصّ للجاحظ بعنوان ” عروة بن مرثد والكلب” صدر عام 2003، كتاب “فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب” لمحمّد بن المرزبان، رواية اللصّ والكلاب 1961 لنجيب محفوظ، وقصّة القاصّ الفلسطينيّ توفيق فياض “الكلب سمور” 1966 ، في رواية اميل حبيبي “المتشائل “1974 ذكر كلب الضابط كثيرًا، وكلب آخر لا ينسى هو “لاكي ” الذي كتب عنه معين بسيسو في “دفاتر فلسطينية “1978 .رواية عبد الرحمن منيف “النهايات ” ولا يغيب بطلها عساف وكلبه عن الذاكرة .، وروايته “حين تركنا الجسر ” يبدو الكلب وردان “الكون المتماسك ” أمام زكي نداوي البطل المعطوب المنهزم والمصاب لهذا بالنزعة المازوخية. 

وأضيف على القائمة رواية الياطر لحنّا مينا وحضور الكلب فيها، ورواية عوّ- إبراهيم نصرالله في التسعينيّات، الجنرال لا ينسى كلبه. ورواية حرب الكلب الثانية- رواية كابوسيّة لإبراهيم نصرالله أيضًا.  إضافة إلى ذكرها في الآداب العالميّة كرواية تحرّيات كلب لفرانز كافكا، وقلب كلب لبولغانوف.

***

تطرح هذه الرواية تساؤلات أكثر من كونها تجيب عن أسئلة. الباحث في الرواية عن إجابات قد يتوه أكثر في دوّامة المعاني، وأنصاف الإجابات. 

الأسئلة

لماذا الكلب؟ لماذا الفلسفة؟ لماذا القدس؟ وتحيلنا هذه الأسئلة إلى الركائز الثلاث الأساسيّة التي ترتكز عليها الرواية، وهي:

الواقع متجسّدًا في مدينة القدس، وصورة قاتمة تعجّ بالجفاف ما بين الحياتين المتوازيتين لشعبين يجمعهما مكان ويفرّقهما كلّ شيء فيه.

الفلسفة متمثّلة بالأسماء والاقتباسات والتطرّقات المختلفة، فنيتشه وزارا (زرادشت) وشوبنهاور  وكازانتزاكيس وسينيكا أسماء لفلاسفة، وكلّ مشهد من المشاهد أو المذكّرات الاثنين والتسعين يبدأ باقتباس فلسفيّ لنيتشه من “هكذا تكلّم زرادشت”.  ونتساءل ما الذي يميّز هؤلاء الفلاسفة في فلسفتهم؟

والكلب أو عالم الكلاب والقطط الذي يطغى على حضور البشر، ليتحوّل البشر إلى صور أو خيالات لمخلوقات تدور في عالم الكلاب، وتعكس الشرّ في الدنيا.

نطالع في الصفحة رقم ثمانين من هكذا تكلّم زرادشت لنيتشه:

“ليتك حيوان اكتملت حيوانيّته على الأقلّ، ولكن أين منك طهارة الحيوان. ما أنا بالمشير عليك بقتل حواسّك، إنّ ما أوجبه إنّما هو طهارة هذه الحواسّ.  إنّما أنا بالمشير عليك بالعفّة، لأنّها إذا كانت فضيلة في البعض فإنّها لتكاد تكون رذيلة في الآخرين. ولعلّ هؤلاء يمسكون عن التمتّع، غير أنّ شبقهم يتجلّى في كلّ حركة من حركاتهم.  إنّ كلاب الشهوة تتبع هؤلاء الممسكين حتّى إلى ذرى فضيلتهم فتنفذ إلى أعماق تفكيرهم الصارم لتشوّش عليه سكينته، ولكلاب الشهوة من مرونة الزلفى ما تتوسّل إلى نيل قطعة من الدماغ المفكّر إذا منعت قطعة اللحم عنهم. إنّكم تحبّون المآسي وكلّ ما يفطر القلوب، أمّا أنا فلا أثق بكلاب شهواتكم لأنّ نظراتكم الرصينة تمتلئ شهوة عندما تقع على المتألّمين، وقد تنكر الشبق فيكم فدعوتموه إشفاقًا”. 

الكلب نقيّ، لكنّ الإنسان المتقمّص طبائع الكلب يتحوّل شرّيرًا، وفي هذه الرواية كمّ هائل من الشرّ الذي يبدر عن الإنسان بوعي وبإصرار وترصّد ونيّة وعمد، لأنّه مخلوق تجرّه شهواته إلى ذلك، والكلاب المسكينة تتساءل: لماذا؟ لماذا ينكّل بنا البشر، ولم نجنِ على أحد؟ 

من هنا، قد نختزل الإجابات بكلمة واحدة قد تغني عن أنصاف الإجابات، أو تكملها: الديستوبيا. نجد في قراءة الرواية أننا أمام رواية من روايات الديستوبيا، وهي النقيض من روايات اليوتوبيا. المدينة الفاسدة إزاء المدينة الفاضلة، إنّها رواية عالم الواقع المرير، فيها مجتمع خياليّ، فاسد أو مخيف أو غير مرغوب فيه بطريقة ما. مجتمع غير فاضل تسوده الفوضىٰ، فهو عالم وهمي ليس للخير فيه مكان، يحكمه الشرّ المطلق، ومن أبرز ملامحه الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض، باختصار هو عالم يتجرّد فيه الإنسان من إنسانيّته، ويتحوّل فيه المجتمع إلى مجموعة من المسوخ تناحر بعضها بعضا. ومعنى الديستوبيا باللغة اليونانية المكان الخبيث الذي يتميّز غالبا بالتجرّد من الإنسانيّة، بانحطاط كارثيّ في المجتمع. وهذا تمامًا ما وجده نيتشه الكلب، على الرغم من محاولات العائلة الحاضنة تأمين عالم خالٍ من الشرّ، لكنّ عالمها كان صغيرًا إزاء فداحة الشرّ خارج أسوار البيت، وسهولة ارتكاب الإثم حتّى من الجيران والمعارف، فالسرقة والخطف والتنكيل والتعذيب والحرق باتت أعمالًا مباحة لأجساد الكلاب المستباحة. 

أمّا عناصر الديستوبيا فتتنوّع من القضايا السياسيّة إلى القضايا الاقتصاديّة وغيرها، وتسلّط الضوء على القضايا الموجودة في العالم الواقعيّ المتعلّقة بالمجتمع وبانهيار العالم القيميّ البشريّ.

ومن مظاهر الديستوبيا في الرواية:

الخيبات والانكسارات وسيادة الهزائم: الكلب براوني- نيتشه يعيش من خيبة إلى أخرى، وكذلك رفيقه الكلب زارا، يخيب أملهما من الناس وتعاملها معهما، من الصدق الغائب، من الهزائم المتكرّرة بالخطف والإذلال. كذلك يعاني نيتشه من خيبة عاطفيّة في جفاء الكلبة سكّر معه، وعدم تجاوبها مع حبّه، وتُتوّج خيبته وانكساره في عمليّة الخصيّ التي أخضعوه إليها دونما علم منه ولا رغبة ولا مجال للقرار. 

صورة قاتمة للمستقبل، أو المستقبل التأمّليّ، وفيه يقوم الأدب بالتنبّؤّ بما سيحدث غدا وفقا لمعطيات الواقع، لكنّ الآتي ليس أفضل، يقول نيتشه ص 159: “إلّا أنّني لم أعد أنا، لم يعد لي مكان في هذا البيت، لم يعد لي مكان بين البشر”.

التشظي في عالمنا المعاصر: لا شيء في الرواية يكتمل، القدس- مدينة متشظّية منقسمة أناسها منقسمون في لغاتهم وعاداتهم وأشكال بيوتهم، والبلاد تشقّها الحدود، فرام الله القريبة نائية، وهرتسليا هناك وراء الحلم، وغزّة مكان قصيّ سمع عنه. المكان متشظٍّ  فنيتشه يُختطف عدّة مرّات، ويضيع، ويؤسر، ويتمّ البحث عنه، ويكاد يتحوّل إلى شظايا عندما صدمته سيّارة عابرة. وينتقل من ملجأ إلى حظيرة إلى بيوت وشوارع… نفي بطعم الثبات، وترحال دائم داخل مدينة لا تناغم بين مركّباتها.

ثقل الحياة في ظل ثقافة الاستهلاك: في إحدى المرّات التي اختطف فيها نيتشه، غيّر له أهله الجدد مظهره فقصّوا له شعره بشكل صارخ، وغيّروا له اسمه من نيتشه الفيلسوف إلى غوتشي في إشارة إلى تحكّم ذهنيّة السوق وحمّى الاستهلاك على الناس.

الحرمان: نيتشه يعيش شعور الجوع، وحرمان الأمان، وحرمان الدفء، والحنان، يعيش شعور ضياع البيت، والعائلة، والاسم، والذكوريّة، والحبّ، والأخوّة، وهكذا هو الإنسان الفلسطينيّ الذي يعيش الحرمان حتّى في الانتقال من بيت إلى آخر أو من مدينة إلى أخرى. 

هذا الأدب، أو هذه النظرة بالمجمل، يستمدّ رؤاه من الاتّجاهات العدميّة والتشاؤمية في الفلسفة خاصّة عند نيتشه وشوبنهاور وفلاسفة آخرين وضعوا هذه المفاهيم التي أثّرت في الأدب، لا سيّما في أعمال إريك آرثور بلير والمعروف باسم جورج أورويل خاصة في روايته الرؤيوية «1984»، وكافكا في «التحوّل»، أو «المسخ»، وليس من باب المصادفة أنّ أورويل ذكر في الرواية، وكافكا كتب عن الكلب.

ومن الأسئلة التي من الممكن أن نسألها: والحلّ والأفق؟ هل سيفيد التفكير المأمول Wishful Thinking القائم على التمنّي هو تكوين المعتقدات بناءً على ما قد يكون ممتعًا للتخيّل، وليس على الأدلّة أو العقلانيّة أو الواقع. إنّه نتاج حلّ النزاعات بين الإيمان والرغبة. 

رغبة نيتشه على طول الرواية هي ملاقاة أمّه الحقيقيّة التي أبعد عنها، وتوقه الدائم إلى العودة إلى رام الله ليجدها ويعيش معها، فتمنحه الأمان المفقود في العيش بين البشر. في البداية يؤمن أنّه سيحقّق هذه الرغبة- الأمنية، لكن تتالي الكوارث والخيبات تُفقده شيئًا فشيئًا الإيمان بالقدرة على تحقيق ذلك. أنّه إنهيار الحلم المأمول إزاء سوء الواقع المعيش. يقول ص 168:  “تيقّنت أخيرًا، أنّ الطريق إلى أمّي لا يمكن إيجادها قبل طريقي إلى نفسي. احتجت أن أجد نفسي وأفهمها وأعرفها، كما عرفها دومًا زارا. 

هذه رسالة نادية حرحش في الرواية: 

الفلسطينيّ في ظلّ هذا الواقع القاتم، لم يعد يعرف نفسه: ضياع، وتشتّت، وإغلاق، وتنكيل، وتشويه للمكان والأسماء، وانحلال قيم تضرب داخل المجتمع، وعنف، وجبروت، وخصيّ جنسيّ وفكريّ، وانعدام رؤية للغد، وإن أتى فلا ضمان ألّا تكون فيه عمليّة خطف جديدة… إزاء هذا كلّه لم يعد الإنسان يعرف نفسه، ويعرف ما يريد. يبحث عن أمّه في رام الله، في القدس، يبحث عن القدس في هذه المدينة العجيبة، ولا يجدها. إزاء هذا الضياع في عالم تحتلّه الديستوبيا، لا بدّ أن يعود الفلسطينيّ إلى نفسه يسألها علّه يجد الإجابات لديه. 

اترك رد