مواطن وسط اعصار وبركان، كيف يمكن له النجاة؟

مواطن وسط إعصار وبركان، كيف يمكن له النجاة؟

لا اعرف من اين يمكننا البدء او ان كان هناك ما يمكن الاستمرار منه؟ 

هل يمكن لمن يعيش داخل إعصار او من يصطلي بنار بركان ان يفكر بعلاج الحروق او الكسور إذا ما نجا؟

هذا واقعنا بين إعصار وبركان. لا نعرف كيف يمكن لنا ان ننجو. وإذا ما نجينا اين ملاذنا، نحو ما يبرد الحروق او نحو ما يدفئ برد الاعصار؟

بينما تحارب المؤسسات الحقوقية الستة من اجل ابطال قرار وزير الحرب الإسرائيلي (غانتس) الأخير بإدراجها ضمن قائمة الإرهاب، تقوم السلطة الفلسطينية باعتقال الحقوقيين وتطاردهم.

المحامي مهند كراجه من (محامون من اجل العدالة) هو اخر الأسماء الأنشطة والحقوقية المعتقلة لدى السلطة. 

أفكر واتساءل، كيف تجلس المؤسسات الستة لتطالب بحقها بالتعبير عن العدالة امام رئيس السلطة ورئيس الحكومة، بينما تقوم أجهزة هذه السلطة باعتقالوقتل الناشطين الحقوقيين؟ 

طبعا، هذه الاحداث ليست بالفريدة ولا الجديدة، ولكن المثير لدرجة الغثيان هو ان تقوم أجهزة السلطة باعتقال الناس بنفس الوقت التي تطالب فيه امام العالم ولو بإعلان خجول ان تتوقف إسرائيل عن قمعها وقتلها واجراءاتها التعسفية بشأن المؤسسات والبشر. 

المثير أكثر ان يكون التنسيق بين السلطة والاحتلال بهذا القدر. يفهم كل فريق الاخر من الإشارة. 

لا يمكن ان يكون اجتياح قوات الاحتلال قبل أشهر لمركز بيسان بلا تنسيق، ولا يمكن ان يكون اعتقال المحامي فريد الأطرش على أحد الحواجز بلا تنسيق.

لا يمكن ان يكون انهزام “العكروتة” الصحافية الجريئة فاطمة مشعلة بسبب تقلبات الطقس.

كيف يمر بيان عائلة الشهيد نزار الأخير بلا ردة فعل منا :””الجهات المختصة قصرت في حماية الشهود وتركتهم فريسة سهلة للأجهزة الأمنية بتهم واهية وملفقة، مثل اعتقال حسين بنات الشاهد الرئيسي في القضية، وملاحقة الشهود من خلال مذكرات جلب وإحضار صادرة عن نيابة الخليل، بالإضافة إلى الضغط المستمر على العائلة وتسجيل 9 عمليات اقتحام لمنازل العائلة خلال ١١ يوما، وتخريب الممتلكات خلال الليل، واستمرار اعتقال عرفات بنات دون وجه حق ودون تهمة حقيقية.”

والحقيقة ان غثياني ليس بسبب السلطة التي ترقص على كل الحبال الممكنة من اجل بقائها. ولكن المشكلة هي بالمؤسسات التي تعرف ان هذه السلطة القامعةلن تحلّ مشكلتهم ومع هذا يجلسون في مجالسها ويأخذون الصور ليتم استخدامها من قبل ارباب السلطة وكأنها الحامي للحقوق. 

كيف ستحاسب هذه المؤسسات والهيئات واصحابها السلطة وتُسائلها كما يجري الآن؟ 

كيف يعقل للمؤسسات الحقوقية التي تجلس امام الرئيس ورئيس الوزراء تنتظر منه حل ازمتها بأن تجلس امام هؤلاء وتقول في وجههم ان الاعتقال السياسيجريمة لا تقل عن جرم اعلان الاحتلال تجريمهم؟ 

الحقيقة المؤلمة هي ان هذه السلطة تستطيع ان تستمر رغم تلاشيها السياسي الحقيقي بسببنا. بسبب من يعطيها الحياة رغم انتهائها. 

أكبر احباط اعترف به هو هذا. نجاحهم بقتل الأصوات والاجساد معا. 

في كل مرة أفكر بنزار بنات، ارتعد خوفا واجد نفسي قائلة: قتلوه ونجوا بفعلتهم!  قتلوا الصوت المندد لهم ونجوا. 

خسر هو حياته. 

خسرت عائلته معيلها

خسرت زوجته رجلها

خسر اطفاله والدهم

ثكلت امه بفقدانه

وهم نجوا

لم يقتلوه فقط وينجوا بجريمتهم، ولكنهم قتلوه ويقتلون بعد قتله كل صوت يندد بهم. 

لا يأبهون لأحد غير بقائهم. 

ونجوا

نجوا بينما تسلطت الأضواء عليهم. 

نجوا بينم فُضحت افعالهم وفظائعهم. 

نجوا لأننا تركناهم ينجون من خلالنا.

نحن اعطينا هذه السلطة الحياة. 

كيف يأمن المواطن الطبيعي نفسه بينما من يأمنه من السلطة يجلس في مجالسها مطمْئِناً وجودها؟

عند مقتل نزار لمتُ أمريكا وأوروبا لسكوتهم عن قمع الحريات وتمويل هذه السلطة القامعة.

ولكن اليوم انظر حولي وأفكر، كيف يمكن ان الوم أمريكا وأوروبا والعالم، ومن جلس في مجلس السلطة هم المؤسسات والشخوص المدافعة عن حقوق الانسان؟ 

منذ ان دعا الرئيس الفلسطيني المؤسسات الحقوقية وممثليها قبل أشهر قليلة في خضم القمع الجاري بالشارع إثر مقتل نزار بنات، وانتهت قضية نزار وخرس الشارع وضمنت السلطة وجودها من جديد. 

واليوم، بينما تستمر إسرائيل باعتقالات إدارية تستبيح من خلالها الأرض البشر. فتجول في أراضي السلطة بلا خجل وبتنسيق محكم ومؤكد. تعتقل من تريد وما ارادت وبأي وقت شاءت. في السابق كانت اليات الجيش الإسرائيلي تجوب مساء، او خفافيش الظلام لا تجرؤ على الظهور الا في عتمة الليل. الآن تأتي وسط الاحتفالات وفي عقر دار السلطة ولا تبالي. كان مشهد الجيش الإسرائيلي والياته بقصر رام الله الثقافي اثناء عروض أيام السينما قبل أيام مشهدا لا يدل على فظاعة الاحتلال فقط، ولكنه يؤكد اننا نعيش وسط سلطة روابط قرى متواجدة من اجل التنسيق لآليات الاحتلال وتسهل عمليات الاستباحة. 

نسينا بسرعة موضوع الاسرى الستة وكيف تم ايجادهم ودور رئيس الحكومة الذي اكتفينا بإعلانه تكذيب شهادة الأسير التي تم بثها من خلال التلفزيون الإسرائيلي. 

نسينا جريمة مقتل نزار، ولم نعبأ بالسؤال عن المعتقلين من شهود ومن يتم الضغط عليهم بقضيته. 

ونسينا المعتقلين على خلفية الرأي في معتقلات السلطة. 

نكتفي بأخبار وفيديوهات تفضح وتسرب بعض الفضائح. 

نكتفي بصور لمطاعم يملأ مطابخها القاذورات ومخازنها الصراصير والجرذان.

نكتفي بالشماتة والنميمة على وزير او مسؤول سابق او حالي بفضيحة جديدة، بسرقة، باحتيال، بغسيل أموال، بتطبيع مع الاحتلال. 

نكتفي بانتظار يوم ستنتهي به هذه السلطة الى زوال، من خلال طوفان، إعصار، او بركان. وكأن من يغرق ويتكسر ويحترق ليس نحن. وكأن التشويه المترتب على حياتنا من اثار هذه الكوارث المتلاحقة والمتزاحمة علينا صار هو شكلنا الطبيعي. 

نكتفي بانتظار يوم ستنتهي به هذه السلطة الى زوال، من خلال طوفان، إعصار، او بركان. وكأن من يغرق ويتكسر ويحترق ليس نحن. وكأن التشويه المترتب على حياتنا من اثار هذه الكوارث المتلاحقة والمتزاحمة علينا صار هو شكلنا الطبيعي. 

اشباه بشر، يعيشون شبه حياة، لمن يستطيع النجاة، يحتفلون بافتتاح مقر لجنة انتخابات مركزية لانتخابات مؤجلة الى الأبد، يشيد الرئيس بنزاهتها. (الا اذا بِدهُم يِحْسِبوا علينا انتخابات، تلك الانتخابات المحلية المرتقبة في أماكن آمنة انتخابياً ومنتقاة). 

اترك رد