المقال الذي لم أود كتابته : حرية التعبير وحرية المنع

لا اعرف كيف ابدأ هذا المقال الذي يطال فيه الخاص العام. 

نعيش في زمن صار فيه الشخصي عام، والعام شخصي.

منذ ان علمت بأمر منع رواية على درب مريم من معرض الكتاب في الرياض وسحبها ومصادرتها وانا أفكر بهزلية الوضع الذي نعيشه. ضحكت عندما أعلمني الناشر ان سبب المنع هو ” خدش الحياء العام” بسبب عبارة تناولت استخدام كلمة ” فخدين”. في الأيام العادية كنت سأفهم بلا عناء التردد او التساؤل او التهكم ان هذا طبيعي، فالمكان الذي رأى ان العبارة خادشة للحياء هو السعودية. ولكن، لم يكن بإمكاني تخيل “المطوّع” الذي كان يدور بعصاه كلجنة تفتيش بين طيات الكتب كما كان (او ربما لا يزال) يحدث في السعودية من التأكد ان ال”الحياء العام” لا يقترب منه احد. فالمشاهد من مهرجان البحر الأحمر السينمائي وموسم الرياض من مهرجانات تخض مكامن السكون في نفوسنا برؤية ما لم نتخيله ابدا ان هذا قد يحدث في السعودية. 

فبين خدش حياء عام في عبارة تناولت كلمة فخدين في وصف يتكلم عن لحظة مخاض امرأة، كانت عروض الأجساد المجانية تنشرها العدسات في ارجاء العالم من أقدس بقاع الأرض للمسلمين. وبين انفتاح دخلته السعودية من أوسع أبواب العولمة والحداثة في ظاهرها، كان عنوان معرض الكتاب “حرية التعبير”. 

هذا التناقض الصارخ لا ينعكس فقط على ما رأيناه في نفس اللحظات في مكان كالسعودية، مركز التدين ومركز الانفتاح في نفس اللحظة. الفنانات يستعرضن اجسادهن بفساتين مكشوفة بصورة ورقص وهز، وصورة لاحقة برداء العمرة والعبايات لنفس الشخصيات. التناقض ذاته يمكن رصده في المشاركة في معرض الكتاب. 

فكرت في طبقة المثقفين، وكل دور النشر التي تحمل المثقف العربي في رسالاته وولاءاته وانتماءاته المختلفة. 

فكرت في كم المرات التي قاطع البعض معرضا بسبب مبدأ. 

من يقاطع البلد الفلاني بسبب موقفه من سورية. ومن يقاطع البلد الأخرى من اجل التطبيع. ومن يقاطع من اجل ما يحدث هنا وهناك. الموقف من السودان او تونس او المغرب او تركيا او ايران او…..اليمن.

من ينتمي الى الاخوان ومن ينتمي الى داعش ومن ينتمي الى الليبرالية ومن ينتمي الى النيو ليبرالية. 

المتدين والملحد، المسلم والمسيحي، الشيعي والسني الى ما لا نهاية من فروقات فرقتنا، فقسمتنا، وقسّمتنا الى أشلاء.

بالعادة، أحاول قدر الإمكان ان احافظ على شعار ذلك المعرض “حرية التعبير” ، ولكني ابدا لا اخلو من انحيازاتي وتوجهاتي وافكاري. بنفس القدر اؤمن، ان ما استطيعه من حمل شعائر ومشاعر في ممارسة والسيطرة عليها والتحكم بها، ليس بالضرورة عند الاخرين. فنحن نتاج الكثير من المتغيرات التي تشكل حتى مبادئنا الأساسية.

ما جرى بشأن منع الرواية لم يكن هو المفاجأة. فانا على يقين ان التغيير الذي يبدو لنا في السعودية ليس اصيلا ولا حقيقيا. وان كان هناك تغيير بالفعل، فان التغيير لا يأتي هكذا من نقيض الى نقيض. المفاجأة كانت في ردات الفعل. واقر هنا انها لم تكن مفاجأة حقيقية، فتوقعاتي لم تخنني مرة أخرى بواقع الخنوع الذي نعيشه. في العادة افهم ان المصالح ترتب على المرء ما يخضعه لا لما يتمناه. ولكن لم أكن اعرف ان المصالح الذاتية هي ما يسود نفوس الناس في كل اشكالهم. كيف توحّد الجميع من كل الارجاء والاتجاهات والمبادئ بتناقضاتها ومشاحناتها واقتتالها على مبدأ واحد: مصلحتي الخاصة أولا واخرا. 

وان كنت أفكر ان المصلحة امر يمكن حسابه وحسمه ببعض المنطق، تبين ان المصلحة في هذه الأيام لا نهائية. لا حصر لإمكانياتها الموجودة والمتمناة والمتوقعة والتي لا يعلم لها من سلطان. 

بينما توالت عليّ التهاني، من منطلق أنك اذا ما اردت شهرة شيء امنعه. فكل ممنوع مرغوب، كنت أفكر كيف وصلنا الى هذا الوضع الذي تتقلص فيه الحريات من كل الاتجاهات. لم يعد الخطر المحدق على كبت الحريات ومنعها مقتصرا على نظام نعيش فيه بالتحديد. كيف صار واقعنا محكوما باجراءات فيسبوك. يختلط الحقيقي والافتراضي معا. ردع ذاتي نحسب فيه كل المخاطر المتوقعة من حجب ممكن. لم يكن بمقدور خيال اورويل ان يرى هذه الأيام حقيقة تجول العالم لا مدينته المتخيلة فقط، او مزرعة حيواناته.

المواطن والمثقف والمسؤول على الكفة نفسها من الشيء وضده.

بدأ استغرابي بمن فكر ان ردة فعله قد تؤثر مستقبلا على المشاركة في هذه المعارض. وإذا ما فكر ان المعرض ليس بالمهم، فمشاركة الزملاء والموزعين والناشرين قد تتأثر، وإذا لم يكن هذا مهما، فقد يخسرون عطاءات “قد تفتح” من قبل السعودية ولا يريدون ان يتم حجبهم مستقبلا إذا ما حصل وكان هناك عطاء. 

المثقف الجريء شجب وسخر وقال ما يمكن ان يقال عن السعودية، ولكن عند ابداء رأيه على العلن قال: انا أعيش في بلد تحكمه السعودية كما تحكم لبنان، فلا أستطيع اعلاء الصوت. 

اما اتحاد الادباء الفلسطينيين، ووزارة الثقافة، فلم يعنهم الامر. ماذا يعني منع كتاب من معرض لكاتب فلسطيني؟ العلاقة متوترة مع السعودية على المستوى الرسمي نوعا ما، فيمكن تجاوز الخوف المطلوب وخدمة السلطة حتى في اعلان موقف يعبر عن التمسك بحق حرية التعبير على الأقل. 

هل اتفاجأ، بالطبع لا، فحرية التعبير في بلادي تكلف الحياة. فكيف لي التذمر من اجل منع كتاب؟

أي حرية واي تعبير؟ 

في بلاد لم يعد الموقف يحدد مبدأ. لا المبدأ يشكله قاعدة الا تلك التي تتمحور حول مصلحة خاصة. لا يمكن التعويل على أي أحد.

نحارب في معاركنا فرادى، فهكذا تم انهاؤنا منذ مدة. 

ما الذي اتوقعه من مجتمع متفكك متعارك على شفا خطوة من حرب أهلية بينما ينخر فيه الاحتلال من كل الاتجاهات؟ 

عن أي حرية تعبير أتكلم، بينما حرية الحياة نفسها معرضة للتنكيل والتهديد والتصفية في كل لحظة من أي اتجاه. اتجاه معارض ما. سواء كنت على اليمين ام كنت على اليسار او كنت في الوسط. لم يعد للحياة مكان الا في كفن يغلف الأجساد لنترحم على أصحابها مؤقتا. 

المصلحة والخوف هما ما يتوطن داخل النفوس هذه الأيام. المصلحة قد تدر أموالا، والخوف قد يؤثر على مصالح توقف الأموال. ونحن في زمن المال يشكل سلطة. 

وربما يجب ان اتفهم ما يجري في العالم كله من انهيارات متتالية. فأجل، يُعقل ان يُقتل أمرؤ وينجو القتلة بفعلتهم. 

لا يختلف الامر عما يجري عندنا، فلقد قتل نزار ونجا القتلة. 

الامر لا يتوقف هنا، فتواطؤ العالم القوي الظالم على صاحب الحق المظلوم هو ما يجعل هذه الأنظمة أكثر وحشية. فما نراه من رعب تدبه السلطة يوميا على مطالبات الشارع من اخراس وقمع واعتقالات وقطع ارزاق وتهديد وتنكيل، يجعلنا نفهم كيف تنجو الأنظمة بأفعالها عند قتل من يرفع الصوت. 

ماذا يعني منع كتاب؟ 

الحقيقة ان مجرد عرض الامر يبدو عرضا سخيفا. لأننا نحيا في بلاد لا يقرأ معظم أهلها أكثر من بوست لا يتعدى بضع سطور ليطلق على نفسه صفة قارئ. وكاتب وشاعر مرموق تحولت البوستات لديه لكتاب شعري يحصد جوائز، كما أفكاره المتعثرة جعلت منه مفكرا او فيلسوفا او محللا. 

نحن في عالم يهزه من سباته فستان رانيا يوسف لتتوالى الفساتين المفتوحة أكثر من كل اتجاه. نحن شعوب تقدم ملايين المشاهدات لرؤية مؤخرة رولا يموت. الفضيحة في بلادنا تتحوّل الى تريند، ففستان فنانة منقوص قماش الصدر يصبح علامة تجارية والأكثر مبيعا، وجلسة شد مؤخرة لنادين نجيم يصبح سباق عرض لنفس الجلسات على وسائل التواصل من فنانات مرموقات. 

نحن شعوب يؤرقنا الحلال في احلاله بحرام يغرقنا، فيصبح اعتزال مغني أكثر أهمية من تعيين أبناء المسؤولين الى ما يشغل من سفارات. ويصبح الحجاب حاجباَ لكل المحرمات والمكروهات في سوق التسليع. وجوه تستبدل ولا حرام يؤرق أصحاب الفتاوي، بينما يكثر الجياع وتشق اللقمة الانفس من الساعين لرزقهم. 

نحن شعوب تغسل الأموال فيها بدم الشعب وتنشر على حبال أصحاب السلطة لتبني قصور ومنتجعات وثروات تكدس لشعب يجوع أبناؤه وينتظر تطاير عملة من حبل قد يثقل فيرتخي ليحط في جيوب من ينتظر “رزقة” سهلة.. وما اكثرهم.

نحن في زمن تمنع فيها اغنية مهرجانات بسبب كلمة خمور وحشيش، وتقوم قيامة الفن وقيمه والحفاظ عليه، وتخرج اغنية تروج علانية لقيمة الحشيش.

يصبح حلق شعر رأس فنانة قررت الطلاق، اهم من قصص قتل وهتك وتحرش وضرب واساءات مفجعة تمر امامنا مرور الغائب المنسيّ. 

نحن شعوب تتساوى فيه الضحايا بإهمالها وانهائها والدوس عليها، لحكومات تتسابق في الاستبداد.  

نحن نحيا في زمن تسمو فيه حرية المنع على حرية التعبير… فلا حرج علينا.

 “عِندما تَنهار الأَوطان يَكثر المُنَجِمون والمُتَسَوّلون والمُنَافِقُون والمُدَّعون والقَوَّالون والمُتصَعلِكون، وضَارِبوا المَندَل وقارئو الكَف والطَالع، والمُتسيسون والمَدّاحُون والإِنتِهازيون، فَيَختَلطُ ما لا يُختَلط، ويَختَلطَ الصِدق بِالكَذب والجِهاد بِالقَتل، ويَسود الرُعب ويَلوذَ النَاسُ بِالطَوائف، ويَعلو صَوت البَاطل ويَخفُت صَوت الحَق، وتَشح الأَحلام ويَموت الأَمل، وتَزداد غُربة العَاقل، ويُصبِحَ الانتماء إِلى القَبيلَةِ أَشَد إِلصَاقاً وإِلى الأَوطان ضَرباً مِن ضَروبِ الهَذَيَان.”

“الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها، وكلما طال تهميش إنسانها يصبح كالبهيمة، لا يهمه سوى اللقمة والغريزة.”

ابن خلدون

One comment

اترك رداً على Almhana Waed إلغاء الرد