ازمة قيادة

ما الذي نحتاج اليه كشعب فلسطيني؟ انتخابات ام تغيير جذري؟ 

لا اعرف ان كنا امام فرصة مهمة باحتمال حصول انتخابات تشريعية ورئاسية طال انتظارها، ام نحن امام اقتسام لانقسام بين طرفي النظام الحاكم الفلسطيني لتكريس نفوذهما واستحواذهما على طرفي الوطن المنقسم والمتشرذم والمنفصل المحاط من جميع الاتجاهات بما يؤكد ويذكر ويكرس حقيقة الاحتلال. 

من جهة، يبدو الامر واضحا عند النظر الى الاتفاقية بين حماس وفتح لاقتسام الانتخابات وتوزيع الحصص فيما بينهما، وكأن الكيان الذي يتم الحديث عنه مجرد ارقام تتبلور بنهاية الامر لمحاصصة بين الفصيلين. نحن لا نعدو كوننا أرقاما لأهدافهم بامتصاص ما تبقى من كياننا ليشكلوا فيما بينهم افرادا متمكنين مستحوذين طغاة ظالمين. فإذا ما حصلت انتخابات على حسب مخططهم فنحن في مصيبة لا نعرف متى ستنتهي والى اين. فهذا يعني انهم سيستمدون شرعيتهم الغائبة من خلال صناديق الاقتراع ليستمروا في اختلاسهم لحياتنا. 

ولكن، من جهة أخرى، إذا ما حصل وخسروا، إذا ما جرى بالفعل انتخابات نزيهة، وهو امر من المستحيل حدوثه في ظل مراسيم رئاسية لرئيس يبدو انه سيعيد ترشيح نفسه يتم رسمها وفق احتياجاته وقراراته ومزاجه ومصالحه وفصيله، او بالأحرى وافراد بعينهم مقربين منه. فتبدو الانتخابات وكأنها مصيدة تم حشرنا فيها. فمن يسمع حديث رئيس الوزراء بلقاء تلفزيوني بالأمس، يشعر وكأن الانتخابات والمجلس التشريعي هي الوصفة السحرية لكل مشكلة. قوانين لا تعجبنا اليوم، نغيرها عندما ننتخب المجلس التشريعي. لدينا أي ملاحظات عن أي اعوجاج او لا قدر الله انتهاك او إذا ما كان هناك حالة استثنائية بها فساد، فالمجلس التشريعي المنتظر سيحلها كلها ويحل مشاكلنا ويحقق لنا الديمقراطية المبتغاة! 

من يسمع رئيس الوزراء ووثوقه بالانتخابات القادمة يقلق، فالطبيعي والبديهي أن يخاف، لأنه لن تستمر حكومة عناقيده الواعدة التي لم يقطف أي من ثمارها بعد، فتراه يتكلم عن الانتخابات المحتملة المرتقبة القادمة وكأنها انجاز حكومته. يتكلم عن غد مرتقب محتمل مشرق لمجلس تشريعي قادم بثقة الواثق، اما بالنجاح المطلق والمؤكد او عدم الحدوث، وكأن لسان سره يقول ” ابقوا شوفوني إذا صار اشي” ولسانه العلني يفرش لنا الورود والآمال والوعود وكأننا سنتحرر… اسفة… التحرر ليس من ضمن تفكيرنا أصلا. فجل ما نسعى له حكومة وشعبا هو إدارة بعض امورنا بينما يديرنا ويدور بنا الاحتلال. علّ وعسى بعد هذه الانتخابات المرتقبة تعيد السلطة الشرعية لنفسها امام العالم الذي تتوسله من اجل دفع فواتيرها. 

ما توحي به جلسة رئيس الوزراء الواثقة انه متأكد من النتائج، فهو جالس في مكانه لا يتراوح عنه، مما يوحي بمعنى ان النتائج محسومة بجميع الاحوال، إذا ما جرى انتخابات وتم اقتسامها، وإذا لم يجر انتخابات وهو الأرجح. وكذلك ان جرى انتخابات وخسروا فيها، فهؤلاء لا يبدو انهم سيستسلمون لنتائج. ولن تكون محصلة ردة فعلهم كما فعل ترامب بالنهاية. هؤلاء سيُدخلون البلاد في حرب أهلية استنزافية حتى التأكد من بقاء كل واحد فيهم على كرسيه الى الابد. فما نشهده من عنف واقتتال هنا وهناك باستخدام أسلحة يبدأ ثمن القطعة فيها بعشرات الالاف الشواكل، يؤكد ان العدة التي يتم اعدادها ليست من اجل مواجهة الاحتلال ولا من اجل ان يستخدمها شاب ارعن يقتل فيها من يعترض طريقه. قد تكون نهاية مشهد خسارتهم بالانتخابات دموية أكثر بكثير مما نعرفه وشهدناه من الدموية. وما نشهده منذ اعلان حالة الطوارئ من استبداد علني وسري، وتغيير قوانين وكبت حريات وقمع واعتقالات وحرق ممتلكات ليس الا تمهيدا لما هو أسوأ قادم.

نعم يبدو المشهد مرعبا، فبانتخابات وبلا انتخابات وضعنا في مهب ريح على ارض مشتعلة. فهل من مخرج؟ 

لا بد من مخرج طالما نحن ننبض بالحياة. فكم من الممكن ان نتأقلم مع هذا الواقع الذي يستمر بالدوس علينا من الجهتين، يدوسنا الاحتلال من جهة وتدوسنا السلطة من الجهة الأخرى. بالنهاية نحن الشعب المصدر الحقيقي والوحيد لقوتهم   ولشرعيتهم ولوجودهم. ونحن من اعطيناهم الحق في التواجد وإقامة السلطة ورحبنا بعودتهم وانتظرنا بأمل دولة فلسطينية تمثل امالنا كشعب. 

اليوم، علينا ان نقف بكل جدية امام أنفسنا ونسأل، كيف نعرّف أنفسنا كفلسطينيين؟ هل نحن هذا الشعب المنقسم المتشرذم بين الضفة وغزة والقدس ويعيش من اجل ان يكون له سلطة بها رئيس ورئيس وزراء ونواب مجلس تشريعي وتنظيمات امنية وعلم؟ ام نحن الشعب الذي تشتت وتشرذم وتهجر وصمد وواجه من اجل ان يبقي هويته ويعيش من اجل الحرية؟ 

للإجابة على أي من السؤالين علينا ان نعترف كذلك ان المشكلة التي تركناها تتفاقم هي مشكلة نظام سياسي فشل بتمثيل طموحنا كشعب وحولنا الى افراد تلهث وراء بقائها. 

نحن بحاجة الى تغيير حقيقي وجذري بالنظام السياسي الفلسطيني. نحن بحاجة لأن ننهض من سباتنا ونستنهض طاقاتنا ونوحد صفوفنا كشعب فلسطيني في كل مكان ونعيد تشكيل هويتنا الفلسطينية. نحن بحاجة لأن نعيد تشكيل هويتنا التي تشتت ولم نعد نستطيع ان نعرفها. نحن بحاجة الى لملمة شتاتنا وننتج ما يجمعنا لا ما يفرقنا. قد يتوجب علينا الاعتراف ان منظمة التحرير ماتت، وحان وقت دفنها، اكراما لما قدمته في حياتها. فما يحدث من استغلالها او محاولة تحريكها كمن يعبث بأعضاء ميت. الا نستطيع استنهاض جسم جديد يظلل علينا جميعا كفلسطينيين وننظم أنفسنا من خلاله؟ 

ما جرى منذ قيام السلطة وتؤكده عبثية محاولة الانتخابات هو تفتيت للهوية الفلسطينية الجامعة، فلقد صار من يمثل فلسطين هو من يستطيع ان يكون اسمه في السجل الانتخابي. هل فلسطين هي بمن يحق له الاقتراع؟ – طبعا- بلا الحاجة الى التطرق الى إشكالية القوائم والتسجيل بها- نحن بحاجة لما يجمعنا كفلسطينيين بهوية تحدد ملامحنا كشعب واحد تشكل الضفة وغزة والقدس فيه جزء من الكل الفلسطيني. اين وكيف يمثل فلسطينيي الداخل أنفسهم ويعرفونها؟ اين فلسطينيي المخيمات خارج حدود الضفة وغزة؟ أين فلسطينيي المهجر والشتات من تمثيل أنفسهم؟ 

انغمسنا وغرقنا بمشاكلنا اليومية المتفاقمة ونسينا هويتنا الجامعة. لم نعد ذلك الشعب الذي ضرب المثل بصموده وتحديه لجبروت الاحتلال على مدار العقود. صرنا شعب غزة وشعب الضفة واهل القدس وجماعة المخيمات وعرب الداخل وفلسطينيي المهجر. ولا يزال العالم والاحتلال ينظر لنا كشعب واحد فاسد بفساد قيادته! 

صرنا أبناء عشيرة ودين وحزب ومدينة وقرية، تتفرد في مصالحها وتعلو بتكتلها امام من يقترب منها وتسمو مع نفسها ظالمة او مظلومة. ونسينا ان الانسان يعلو ويسمو بأخلاقه وفضيلته.

ما نحتاج اليه هو جسم جامع لنا بكل اطيافنا واشكالنا وانتماءاتنا وعقائدنا وافكارنا.

نحن اليوم نقف فارغي الايدي من كل شيء الا ما تبقى من هويتنا الفلسطينية الجامعة. تلك الهوية التي تصارع في ظل تفاقم الاحداث حولنا وانهيار واضح للنظام السياسي الحالي من اجل أنفاسها الأخيرة. 

هذه الهوية التي تبقي بداخلنا إصرارا على الوجود. هذه الهوية التي تجعلنا هذا الشعب الذي تحمل العيش تحت احتلال ولا يزال يجاهد من اجل تحرره. 

نحن بحاجة لأن ننتج حركة نعيد من خلالها تشكيل نظام سياسي جامع، يمثل الفلسطينيين في كل مكان ويطمح الى تحررهم. 

التحرير الذي نحتاجه ونصبو اليه اليوم يجب ان يكون خاليا من الشعارات الفارغة التي تسْتَمْهن حاجة الانسان بدلا من عكس احتياجاته وطموحه وتوقعاته. نحتاج اليوم أكثر من أي شيء الى العمل على بناء الانسان الفلسطيني بهويته التي تحترم إنسانيته أولا واخرا. 

نحتاج ان نتحرر من قيود التبعية والعبودية والقدسية لشخص نصّبناه مُخلِّصاً او محرّراً او زعيماً، والعمل بإخلاص نحو إعادة بناء منظومة اجتماعية ترتقي بها الاخلاق وتُحترم فيها المعتقدات وتسمو لأجلها الحريات.

علينا ان نشكل حركة جديدة يساهم الأفراد فيها من اجل بناء شعب تمنح فيه الفرص للجميع، وتقدم فيه الكفاءات، وتنمو فيه القيم الأخلاقية، ويُعزّز فيه التّعاضد الاجتماعي، وتُشكّل وحْدته قوّة. 

نحن امام امتحان وجودي، يوقفنا أمام قدرتنا على إحداث تغيير وإصلاح النظام السياسي الفلسطينيّ نحو بناء هوية فلسطينية وحدويّة شموليّة جامعة بقاعدة بناء دعائمها ترتكز على العدالة والنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص وتبني الأفكار البنّاءة والابداعية التي تنظر نحو مستقبل يكون فيه الإنسان الفلسطينيّ حرّاً. 

عندما يتحرك الإنسان الفلسطيني ويتحرر من المراوحة نحو حراكات تقضي مصالح آنية…. نستطيع ان نحرر الوطن. 

وإذا ما كان قد تشكل من حركات على مدار ستة عقود لم يأتينا بحرية ولا تحرر، فمن الواجب ان نبدأ الآن وفورا لتشكيل حركة تسعى لتحرير الانسان ليستطيع ان يحرر وطنه… ولا اعرف كم عقد نحتاج لنخرج التعقيدات التي توحلنا بها حتى يومنا هذا. 

بين تنصيب وتنسيب: اختلاف الرئاسة بغربهم وشرقنا

توجهت انظار العالم الى حفل تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد هذه المرة، للتأكد من خروج الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي جعل العالم يتنفس الصعداء لخروجه الأخير من البيت الأبيض.

بدت مراسم خروجه وزوجته كمراسم الجنائز، ولا اعرف كم كانت اغنية amazing grace التي تم تأديتها في دقائق تلت ذلك المشهد من اجل الاحتفال بتنصيب الرئيس الجديد أكثر قربا لمشهد خروج ترامب الجنائزي. للمرء ان يتخيل جماهير العالم بينما يشاهدون خروج ترامب الأخير بتكسير صحون ربما، او رش ملح او ماء، او اغنية وداع لا عودة مرجاة منها او دعاء او تقديم أضاحي احتفالا بهذا الخروج الأكيد.

فالعالم بعد ترامب ليس العالم الذي دخل ترامب اليه قبل أربع سنوات، فلقد اثبت ترامب ان جمهورية الموز قائمة وان شخصيات سمبسون ليست كرتونية فقط، وان العالم يمكن ان يشترى بالأموال وان لكل أمرئ سعر وان العنصرية يتجلى لونها الأبيض ضد الأسود وان الاستشراق الذي وصفه لورنس لعرب الصحراء قائم. لبس أصحابه البدلات وسكنوا القصور وصفوا اساطيل السيارات امامهم ولا يزالوا بنفس الانحناء واستصغار العربان امام الأجنبي الأبيض الأشقر.

خرج ترامب من البيت الأبيض والطغيان صار سمة العالم والتشدد هو ما يجمع المتفرقين والتعصب الاعمى هو عنوان التكتلات الأقوى.

ويبدو كذلك لنا نحن شعوب العالم المسحوق تحت الدكتاتوريات كأمر واقع لا مخرج منه مراسم احتفال تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد من تسليم للسلطة بغبطة وسلام ايدي وابتسامات حتى ولو كانت ظاهرية فقط، كأنه فعل عجيب خارج عن المألوف. ولا نزال نعول على قوة تحليلاتنا بانهيار أمريكا القادم لأن ترامب واتباعه لن يتركوا البيت الأبيض الا اسودا، وان الديمقراطية هشة نثرها ترامب كالرماد. الا ان الديمقراطية في تلك البلاد رغم هشاشتها التي أثبتها ترامب تبقى ديمقراطية.

فانتهى طاغوت ترامب بانتهاء مدته. خرج مطأطئ الرأس، مرغماً، ولكنه لم يستطع الا ان يقبل بالهزيمة، لأن الديمقراطية ليست المعضلة بالنهاية، ولكن النظام الذي يتبنى الديمقراطية او غيرها هو المعضلة. وما شاهدناه اليوم هو انعكاس لحقيقة لا نعرف نحن الشعوب التي تنتظر الانتخابات وان أتت تكون محسومة لصالح نظام دكتاتوري متجبّر. 

ربما نتابع بالكثير من الحسرة، اخفاق ترامب بإثبات تحليلاتنا الشرقية عن واقع شعوب العالم – كأمريكا هنا- فربما، كالمنهزمين دوما، تمنينا ان ينتصر الطغيان لنتوحد مع الغرب بالدكتاتوريات المهيمنة على شعوبها، فيصبح الغرب حاله كحالنا، رئيس باقٍ لطالما بقي على الحياة. لا يخلعه الا الموت عن كرسي الحكم.

ربما نتابع ببعض الحسد، وبعض الغيرة، والكثير من الامل، لعلنا نرى يوما كهذا يحصل ولو مرة. ربما يحصل عنا فعل الثورات او الانقلابات او المؤامرات كل أربعين سنة، او كما دوما ننتظر قدرة الله وفعل عزرائيل. 

ففي بلادي مثلا، تحصل الانتخابات كل عقد ويتم الترويج والتلويح والوعد والوعيد بإجرائها لعقد اخر من الزمن، والتغيير الذي نصبوا اليه ليس الا اضغاث أحلام.

ففصيل مهيمن لا يتمخض منه حتى وجه جديد، لا يغامر حتى بطرح اسم اخر غير اسم الرئيس الذي اقترب من التسعين، ومع ذلك ترفع شعارات التجديد والتغيير ويبقى الشباب عنوان المرحلة القادمة. 

وفصيل مهيمن اراحه الانقسام ورضي باقتسام منافع السلطة ليضمن البقاء الابدي كذلك. 

وشعب يراوح مكانه بانتظار الانتخابات كانتظار القدس لصلاح الدين. 

فعندنا بالشرق الرئيس يستمر بالحكم بالتنسيب وينصّب نفسه أبدياً على شعبه، وعندهم بالغرب ينصبون من فاز بانتخابات صوت كل فرد فيها يشكل حسماً للديمقراطية. 

وتستمر الفروقات ما بيننا وبينهم بنقطة لا تعتلي حرف العين، ونبقى كما قال الشاعر(عائض القرني)  هم الغرب.. ونحن العرب، والفرق بيننا نقطة.  هم يتفاهمون بالحوار.. ونحن بالخوار، والفرق بيننا نقطة. هم يعيشون مع بعضهم البعض في حالة تحالف.. ونحن في تخالف، والفرق بيننا نقطة. هم يتواصلون بالمحابرات.. ونحن بالمخابرات، والفرق بيننا نقطة. عندهم المواطن 100 % مزبوط.. وعندنا 100 % مربوط، والفرق بيننا نقطة. عندهم المواطن وصل الحصانة.. وعندنا لا زال في الحضانة، والفرق بيننا نقطة. عندهم إذا أخطأ المسؤول يصاب بالإحراج.. وعندنا يبدأ بالإخراج، والفرق بيننا نقطة. عندهم يهتم الحكام باستقلال شعوبهم.. وعندنا باستغلال شعوبهم، والفرق بيننا نقطة. المستقبل لأبنائهم غناء.. ولأبنائنا عناء، والفرق بيننا نقطة. هم يصنعون الدبابة.. ونحن نخاف من ذبابه، والفرق بيننا نقطة. هم يتفاخرون بالمعرفة.. ونحن نتفاخر بالمغرفة، والفرق بيننا نقطة. هم صاروا شعب الله المختار.. ونحن لا زلنا شعب الله المحتار، والفرق بيننا نقطة.

مرسوم الانتخابات الفلسطينية: فخ أم تصويب لوضع لا يحتمل كارثية أكبر؟

وأخيرا، تنفّس الشعب الفلسطيني الصعداء، مساء اعلان الرئيس الفلسطيني المرسوم الخاص بتحديد موعد انتخابات. الحقيقة ان الخبر بحد ذاته كان عظيما، فلم يعد يصدق أحد ان هذا سيحصل. فنحن نعيش ومنذ موعد الانتخابات المفترض قبل أكثر من عشر سنوات على امل انتخابات قادمة. انتخابات تحتاج من اجل تحقيقها بعض الإجراءات، التي استمرت ولم تأت الانتخابات، من حكومات انتقالية مؤقتة الى تحضير لجنة الانتخابات واستعدادها، الى محاولات المصالحة، مرورا بعقد مؤتمر وطني وغيره من المؤتمرات بالمسميات الوطنية المختلفة. صارت الحكومات الانتقالية المؤقتة سمة الحكومات المتعاقبة بالاسم وانتهى الامر من حكومة وحدة وطنية الى حكومة حزب واحد متنفذة في كل من شطري الوطن المنقسم. والمجلس الوطني انعقد وانحسم في جلسة لا يفهم منها الشعب الا الأسماء التي تم الانتهاء اليها. شعب غائب الا من استخدامه للتلويح والتوسل والاستنزاف وتحقيق مصالح حفنة ممن صاروا نخبة باسمه.

بين مرسوم رئاسي حُدّد فيه موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية ومجلس وطني، وبين شعب وجد نفسه امام فرصة نادرة فبدت ردة فعلة مليئة بالنوادر، كانت التفاصيل التي كمنت في المرسوم الرئاسي والتفاصيل التي ركز فيها الشعب سمة المأزق القادم.

سأبدأ من الشعب الذي ركز على عدة أمور مهمة بلا شك، ولكنها خليت من المضمون فتمركزت بفكرة الحاجة الى استقطاب فئة الشباب ورفع نسبة تمثيل النساء وفتح باب الترشح لمن يرى نفسه اهلا للجلوس على كراسي جديدة في السلطة على مصراعيه. والفصيلين المتنازعين بعد اتفاقهما المعلن على الخوض بكتلة واحدة سارع الفصيل منهم بالترويج لنفسه وكأنه يريد اقناع غرباء بأفعاله العظام، وبطبيعة الحال خرجت الفصائل الأخرى من سباتها وبدأت تروج لنفسها على انها حاملة نهج الإصلاح القادم بالانتخابات المترقبة.

ولكن… مرسوم الرئيس تركنا امام تساؤلات كثيرة أبرزها وليس أهمها هو الاشارة الى انتخاب “رئيس دولة فلسطين” في البند الثاني من المادة الأولى. ولا يمكن الا السؤال هل هناك دولة فلسطين قائمة؟  هل استخدام رئيس دولة فلسطين كان مجرد سهوة غير مقصودة ام ان بها عراقيل محتملة؟ فغريب ان يسهو من كتب المرسوم عن هكذا تعبير، خصوصا ان كل ما استند عليه المرسوم من جهات سلطة متمثلة بمنظمة التحرير، والمجلس الوطني وكذلك وثيقة الاستقلال  والقانون الأساسي المعدل وتعديلاته لم تذكر ابدا رئيس دولة فلسطين.

هل بالإشارة الى وثيقة الاستقلال في هذا المرسوم كمرجع لما استند عليه القرار يعتبر ان الدولة الفلسطينية قائمة بسبب اعلان الاستقلال؟

اما النقطة البارزة الثانية هي ما جاء بالمادة الثالثة والتي تشير الى استكمال تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك بعد الانتخابات التشريعية، الذي يعتبر على حسب نص المادة الثانية هو المرحلة الأولى من انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك حسب المادة ٥ من القانون الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

تنص المادة الخامسة لقانون الأساس لمنظمة التحرير الفلسطينية على ما يلي: ينتخب أعضاء المجلس الوطني عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية.[1]

وهنا يبدأ السؤال المركزي، إذا ما كانت السلطة الفلسطينية تتبع منظمة التحرير الفلسطينية بكونها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، فكيف يمكن ان يكون انتخابات المجلس التشريعي سابقة للمجلس الوطني؟ أي قانون أساس هو الأهم او صاحب السلطة النافذة لمعادلة الحكم الفلسطيني؟ وهنا كيف ستتشكل شرعية المجلس التشريعي ورئيس لدولة غير قائمة؟ وهل هناك فرق بين رئيس السلطة الوطنية ورئيس دولة فلسطين؟ ام هل رئيس دولة فلسطين سيكون بالإضافة الى رئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير ورئيس المجلس الوطني ورئيس فتح؟ 

ام هل يمكن ان يكون مصطلح رئيس دولة فلسطين مرتبط بالقرارات التي أصدرها الرئيس بينما كان الشعب في خضم انشغاله ورعبه من الكورونا قبل عام عندما اكتشفنا قرارات متعلقة بانشاء ديوان الرئاسة[2]

 كجسم يملك صلاحيات مستقلة ، كشخصية اعتبارية ذات أهلية قانونية وكأننا دولة بقلب دولة بقلب دولة بقلب دويلات تلتهمها مستعمرات وجدار وحواجز ومعابر. وقد يبدو مثيرا للاهتمام، وهنا علي الاعتراف ان جزء من اللوم يقع علي عاتقنا كشعب مرت من تحت انوفه المئات من القرارات وتحولت التسميات من رئيس سلطة ورئيس منظمة تحرير الى رئيس دولة ورئيس منظمة تحرير، فانصدمنا عندما رأينا عبارة رئيس دولة بمرسوم الانتخابات. فالرئيس يعيش بدولة لا تمت للدولة التي عشَمنا انفسنا بها بصلة. دولة يتسلط بها علينا فيغير القوانين ويبدلها ويعدلها  ويصدرها بلا رقيب ولا حسيب. دولة حدودها المقاطعة وما تيسر لهم من حولها من نفوذ. تطال بها ايدي الاستبداد والقمع وتكميم الافواه والترهيب ليكون القضاء محركها والامن- التنظيمي الفصائلي- قبضتها. 

على حسب النظام الأساسي لمنظمة التحرير، وفي البند السابع من نفس الباب المتعلق بالمجلس الوطني، فإن المجلس يعتبر السلطة العليا للمنظمة وهو الذي يضع سياستها ومخططاتها وبرامجها. وبما ان مدة المجلس هي ثلاث سنوات موعدها التالي هو نيسان القادم، فانه من البديهي ان يسبق انعقاد الانتخابات التشريعية انعقاد المجلس الوطني.

المسألة البارزة الثالثة هي موضوع القدس. ولقد تعودنا من محاولات الانتخابات السابقة وضع القدس كمن يضع العقدة في المنشار، فمرة يشترط الرئيس موافقة إسرائيل على مشاركة اهل القدس بالانتخابات، ومرة يعلن ان لا انتخابات بدون القدس.

وفي كل الأحوال، تجربة الانتخابات السابقة اكدت ان مشاركة القدس كانت محدودة لعراقيل سببها الاحتلال واشكالية في التسجيلات الخاصة بمن لهم الحق بالانتخاب.

وهذه المرة لن تكون مختلفة، وقد نشهد ما هو أكثر ايلاما للمشهد الفلسطيني، بعزوف طوعي للسكان عن الانتخابات بمجرد القاء إشاعة بأن المشارك بالانتخابات قد تؤدي الى سحب هوياتهم او قطع محصصات التأمين الوطني والصحي.

فبدئ المرسوم بعبارة “الشعب الفلسطيني في القدس وجميع محافظات الوطن”[3] تجعل من يقرأ النص يفكر ان معظم سكان فلسطين متواجدين بالقدس. وكأن محافظات الوطن في كفة والقدس في كفة. لم لم يقل استكمالا بدعوة كل الفلسطينيين للمشاركة بالانتخابات على كامل الأرض الفلسطينية. الحقيقة ان هذا كان سيكون أكثر تأثيرا في وقعه علينا.

وهنا لا أقول انه لا يجب الاهتمام بمشاركة اهل القدس والإصرار عليها، ولكن إذا لم يكن هناك محاولات حقيقية واستخدام بدائل وطرقا إبداعية بهذا الصدد، فلن يكون الاحتلال بحاجة لوضع أي عرقلة رسمية.

اما الموضوع الأهم بهذا المرسوم هو الأخطر والذي يفسر ما جرى قبل يومين من اصدار مرسوم الانتخابات بالقرارات المتعلقة بالقضاء. فما جرى من اقالات للقضاة، وتغيير بالمحاكم الإدارية وتعيين فضفاض مليء بالصلاحيات لرئيس المجلس القضاء الأعلى الذي يخضع بالمطلق لأوامر الرئيس، والمحكمة الدستورية العلية التي أنشئت بطريقة غير دستورية، (حيث ان تشكيلها جرى خلافا لقانون المحكمة الدستورية والقانون الأساسي الذي ينص بوجوب أداء اليمين القانوني بحضور رئيس المجلس التشريعي) بهدف حل المجلس التشريعي قبل سنتين.

وهنا تكمن المعضلة، ما يفهم من ألف باء العملية الانتخابية هو مسألة الطعون الانتخابية الذي يتطلب تشكيل محكمة قضايا الانتخابات، وغيرها من المحاكم ذات الصلة باختلاف درجاتها. والمسؤول عن كل هذه الأمور اليوم هو حسب المادة ٢٠ من القانون الأساسي المعدل لسنة ٢٠٠٣ وتعديلاته: ” بمقتضى مرسوم رئاسي تشكل محكمة قضايا الانتخابات من رئيس وثمانية قضاة بناء على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى.”[4]

الانسان نظر حوله ويفكر، كيف يمكن للمرء ان يفكر أصلا بجدوى انتخابات يتحكم بكل مداركها رئيس السلطة الفلسطينية بتحكم صارخ بالسلطة القضائية؟ كيف للمواطن ان يضمن النزاهة في هذه الانتخابات؟ كيف للمواطن ان يأمن للقوانين التي يتم تنصيبها وإقرارها كما شهدنا قبل يومين فقط لنتأكد ان تلك التغييرات حصلت بالفعل من اجل التحكم المطلق بنتائج الانتخابات؟

ويبقى هنا سؤال يجب توجيهه لرئيس لجنة الانتخابات المركزية: كيف ستتعامل اللجنة مع انتخابات رئيس محكمتها له مطلق الصلاحيات بما يأمره به الرئيس؟ والرئيس هو رئيس فصيل يحكم البلاد- كما بحلم وثيقة الاستقلال- والعباد ومنظمة التحرير والمجلس الوطني والسلطة الفلسطينية ومجلس القضاء الأعلى؟

كيف سيتعامل الشعب مع الامر في ظل قاعدة واضحة المعالم لا شك في انحيازها وانصياعها لما يريده الرئيس؟

هل المطلوب إيصال الشعب لدرجة من اليأس وبالتالي العزوف تلقائيا عن التفكير بالترشح او الانتخاب وترك الامر لهيمنة تلقائية وتوزيع جديد داخلي تحت اسم انتخابات للأطراف التي تريد ان تتقاسم الوطن فيما بينها؟

وختاماً، 

لم يترك رئيس الوزراء الامر بدون دلوه بحصته من تثبيت وجوده  في مكانه فنشر ترحيباً من جانبه بالمرسوم الرئاسي وتذكر، او بالأحرى ذكرنا بأن “طي صفحة الانقسام كان واحدا من أبرز المهام التي وردت في كتاب تكليف حكومته قبل نحو العامين”، وكأنه يريد ان يقدم جوابا وافيا لمن قام بسؤاله عن إنجازات حكومته قبل وقت ليس ببعيد واستاء رئيس الحكومة حينها بجرأة السؤال في وقت نعيش فيه تحت حكم الكورونا. ثم يعبر عن “استعداد حكومته للقيام بكل ما من شأنه تسهيل اجراء الانتخابات بنزاهة وشفافية وبما يحقق التعددية والشراكة الوطنية وحسب احكام المادة ٨٣ من القانون الأساسي، ستبقى الحكومة على رأس عملها وتمارس مهامها بكامل صلاحياتها الى حين بدء ولاية المجلس التشريعي المنتخب وتشكيل حكومة جديدة.”

الحقيقة انني توقفت امام هذه العبارة وقادني الفضول لإلقاء نظرة على المادة ٨٣ التي ذكرها رئيس الحكومة ليؤكد على استمرار حكومته على رأس عملها بموجبه، وإذا يه ينص على ما يلي: تعتبر الحكومة مستقيلة ويعاد تشكيلها وفقا لإحكام هذا الباب في الحالات التالية: 1- فور بدء ولاية المجلس التشريعي. 2- بعد حجب الثقة عن رئيس الوزراء أو عن رئيس الوزراء وحكومته، أو عن ثلث عدد الوزراء على الأقل. 3- أية إضافة أو تغيير أو شغور أو إقالة تشمل ثلث عدد أعضاء مجلس الوزراء على الأقل. 4- وفاة رئيس الوزراء. 5- استقالة رئيس الوزراء أو استقالة ثلث عدد أعضاء الحكومة على الأقل. 6- إقالة رئيس الوزراء من قبل رئيس السلطة الوطنية.”

ما علاقة هذه المادة بما ذكره في عبارته السابقة؟ ام اننا بصدد توظيف لبنود القانون لتوطيد ادعاءات اخرى- وهي تأكيد على استمرار حكومته. وكأنه مقتنع تماما اننا بلحظة قراءتنا لكلمة مادة كذا، سنجزم انه من البديهي استمرار الحكومة حتى ان تأتي غيرها.

الحقيقة، توقعت لوهلة، ان ما سأقرأه بمنشور رئيس الحكومة هو إعلانه الاستقالة وطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية لتبت بتقنيات أساسية ستطلبها الانتخابات القادمة. فنحن سندخل انتخابات بلا أي مقاومات حياة لها، تبدأ بأبجدية وجود حكومة وحدة وطنية تعمل على ترتيب الأمور التي كرسها الانقسام. فمثلا، هل النية بالتحالف الفتحاوي الحمساوي هو إبقاء الوضع على ما هو عليه من انقسام بالجغرافيا وتوزيع الحقائب الوزارية؟ هل سيتشكل المجلس التشريعي من أعضاء حكومتين منفصلتين للحزبين؟

كان من الاجدى ان يضع رئيس الحكومة نفسه وحكومته امام بند أكثر أهمية، وهو بالبند الثامن للقانون الأساسي المعدل وتعديلاته[5] الخاص بالترشح وتولي الوظائف العامة ينص على ما يلي:

1- لا يجوز للفئات التالي ذكرها ترشيح أنفسهم لمنصب الرئيس أو لعضوية المجلس إلا إذا قدموا استقالاتهم من مناصبهم، وتعتبر استقالاتهم مقبولة وسارية المفعول اعتباراً من تاريخ الإعلان عن قوائم الترشح النهائية، دون الإجحاف بحق أي منهم في أن يتقدم بطلب توظيف لدى وجود أي شاغر في دوائر السلطة الوطنية أو الهيئات أو المؤسسات التي استقالوا منها، وان تخضع إعادة توظيفهم لشروط المسابقة والاختيار أسوة بغيرهم من المتقدمين للوظيفة وفقاً لأحكام قانون الخدمة المدنية أو قانون الخدمة في قوى الأمن الفلسطينية أو أنظمة التوظيف السارية في الهيئات والمؤسسات العامة:

أ) الوزراء.

ب) موظفو السلطة الوطنية الفلسطينية المدنيون والأمنيون و/أو الذين يتقاضون راتباً أو مخصصاً شهرياً من خزينة السلطة، أو الصناديق العامة التابعة لها، أو الخاضعة لإشرافها.

ج) موظفو المؤسسات العامة والهيئات الدولية ومجالس الهيئات المحلية.

د) مديرو ورؤساء وموظفو المنظمات الأهلية.

2- لا يجوز لرؤساء وأعضاء مجالس الهيئات المحلية، وأعضاء ورؤساء المجالس المنتخبين في المؤسسات والهيئات الأخرى ترشيح أنفسهم إلا إذا استقالوا من مناصبهم، ولا يجوز لأي منهم العودة إلى منصبه إلا إذا أعيد انتخابه بعد انتهاء الفترة التي كان قد استقال خلالها، وفقاً لأحكام قانون أو نظام الانتخاب الخاص بتلك المجالس أو الهيئات.”

هل نفهم ان كل هؤلاء لا ينوون الترشح؟


[1] https://www.palestinepnc.org/features

[2] قانون ديوان الرئاسة رقم 5/ لسنة 2020 الصادر في 27/2/2020 والذي نُشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 19/3/2020 الوقائع الفلسطينية رقم 165
https://info.wafa.ps/userfiles/server/pdf%202020/الوقائع%20الفلسطينية%20%20العدد%20165.pdf

[3] تعتبر الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة لغرض انتخاب الرئيس وانتخابات عضوية المجلس، وتقسم لهذه الغاية إلى ست عشرة منطقة انتخابية

[4]https://www.arabew.org/2003/    المادة ٢٠

[5] https://www.arabew.org/2003/  المادة ٨

الرئيس الفلسطيني والقضاء: هل الموضوع شخصي؟

في وقت يترقب الشعب الفلسطيني من جديد مرسوم رئاسي متوقع بشأن الانتخابات، يفاجئ الرئيس الفلسطيني الشعب بمراسيم جديدة بضربة واحدة تتعلق بالقضاء الفلسطيني، بعد أيام من إقالات بالجملة لتعيينات تمت من قبل بالجملة بقرارات رئاسية. 

لا بد اننا كشعب نتحمل وزر ما يحدث، فسكوتنا على العيش بنظام يتفرد بقراراته كلها رئيس يَعِد بانتخابات لا تحصل وعلى إثرها يستمر بشرعنة ما يقوم به من تشريعات غير دستورية وغير قانونية الا من فتاوي يصدرها له شيوخ القانون من المنتفعين، نراهم بمناصب حدّثها الرئيس لتصدر احكام وقوانين تنفع الرئيس وحفنة المنتفعين حوله. 

أحيانا أفكر إذا ما كان الرئيس الفلسطيني مغيبا عما يحدث. يعني لا يعقل ان ينشغل الرئيس بهكذا تفاصيل. بتفاصيل هي بالأصل ليست من صلاحياته. فالف باء ما تقوم عليه الأنظمة الطبيعية هو استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية مثلا. ولكن هنا نرى ان السلطة التنفيذية تقوم بسلطة التشريعات كذلك بغياب للمجلس التشريعي الذي يبدو لنا اليوم، ان وجوده كان مهما على الرغم من عدم تفعيله وانتهاء صلاحيته، لأنه منذ ان حله الرئيس في العام الماضي من اجل وعد لم يتحقق مرة أخرى بإجراء الانتخابات ويتفرد الرئيس بإصدار مرسومات تكاد تطال بكيفية حياتنا اليومية كذلك. 

والحقيقة ان هذه العبارة لا يمكن ان تكون مبالغة، لأنه بالفعل هذا ما يجري، فاذا ما كان الرئيس يتحكم بالجهاز القضائي فهذا يعني ان أي قرار قضائي باي امر عادي قد يكون امر البت فيه للرئيس، او بالأحرى لمن نصبه الرئيس وكيلا للبت في هذه القرارات. 

وهذا ما جرى بالقرار الأخير، المتعلق بالمجلس الانتقالي والذي يفترض انه من خلال اسمه انتقالي، الا ان ما جرى يؤكد على ثباته 

وانتقالنا نحن فقط. الى اين لا ندري طبعا، لأن هناك من يلعب بمصيرنا ويرمي بنا الى هاوية لا قرار لها.. الا قرارات الرئيس. 

حيث أصدر الرئيس ثلاث قرارات: الأول قرار بقانون لتشكيل محاكم نظامية جديدة، والثاني قرار بإنشاء قضاء إداري مستقل على درجتين، والثالث قرار يتعلق بإدخال تعديلات على قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م.

وفي ذات السياق أصدر الرئيس، قراراً بترقية عددٍ من قضاة البداية إلى قضاة استئناف.

كما أصدر، قراراً بإحالة ستة قضاة إلى التقاعد المبكر بناءً على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى الانتقالي.

فعلى حسب المرسوم الرئاسي الجديد فإن الرئيس هو صاحب السيطرة على تعيين وانهاء خدمة رئيس مجلس القضاء الأعلى\ المحكمة العليا\ محكمة النقض.

ثلاث قرارات لها قوة القانون تتعلق بالشأن القضائي، تشمل تعديلات القرارات على صلاحيات مطلقة لرئيس مجلس القضاء الأعلى “الانتقالي” يستطيع من خلالها الإحالة للتقاعد والعزل والندب كيفما يشاء واستثناء شرط سن السبعين لمن يجب ان يكون في هذا المنصب لأن رئيس المجلس الحالي تجاوز الثمانين من عمره. 

ما يجري هو إحالة قضاة الى التقاعد لم يتجاوز عمره الخمسين وحتى الأربعين لبعضهم، وإبقاء رئيس المجلس الذي تجاوز عمره الثمانين بوظيفته. 

الا تبدو هذه الكارثة أقرب الى النكتة؟  

إن التعديلات على قانون السلطة القضائية الأخيرة كما جاء على لسان القاضي احمد الأشقر، الذي يبدو انه احيل الى التقاعد المبكر كذلك- “أجهزت على ما تبقى من استقلال القضاء وتشكل مخالفة دستورية خطيرة تنسف النظام الدستوري برمته.” لأنه “لا يجوز تعديل قانون السلطة القضائية بقرار بقانون لكونه قانون أساسي ينظم سلطة دستورية توازي السلطات الأخرى”.

ربما هناك ما هو إيجابي بهذه الكارثة، هل يمكن ان يكون الرئيس جديا بإجراء انتخابات؟ وعليه يقوم بهذه التعديلات لكي يضمن سيرورة العملية الانتخابية لصالحه إذا ما شاء الله وحصلت؟ 

لأنه لا يمكن النظر الى هذه التعديلات من خلال قرارات رئاسية بمعزل عن موضوع الانتخابات القادم. 

الحقيقة في كل مرة اذكر فيها كلمة انتخابات، ترتد اصابعي وابتسم، واجد نفسي متسائلة، ايعقل؟ 

جعل الرئيس من الانتخابات حلما مستحيل الحدوث بالنسبة لنا. وبانتظارنا لمرسوم يحدد فيه موعد للانتخابات ليس الأول طبعا على مدار العشر سنوات الأخيرة، يضعنا مرة أخرى بشرك نتمسك به وننسى احتياجنا الأصلي لما نريد. أصبحت الانتخابات وكأنها الغاية الأخيرة للإنسان الفلسطيني ونسينا بالفعل ماذا تعني لنا؟ ما الذي نريده من انتخابات يتنفذ فيها الرئيس بكل شيء. 

ربما لو يخرج علينا الرئيس ويقول لنا بالفعل ما يريده منا لأعطيناه إياه بلا داعي لكل هذه الالتفافات التي تشد الخناق علينا وتشدها عليه. لأنه في كل مرة يتحول الى حاكم استبدادي يخشى بالفعل من كل شيء ومصاب بالهلع. بالسابق كان خوف الرئيس يبدو وكأنه مرتبط بأشخاص بعينهم، اشخاص ربما يتآمرون عليه بالفعل او لا، اشخاص ربما يشكلون تهديدا او منافسة- لا نعرف، ولكن اليوم يبدو وكأن خصام الرئيس معنا نحن الشعب. مشكلته لم تعد بفصيل يخشى ان يسيطر، او منشق من فصيله يخشى ان يسيطر كذلك. لأنه يبدو وكأنه يسيطر على كل ما يترك أي فرصة لمن يخشاهم، حتى صار الشعب بأكمله تحت دائرة الشك، وعليه حماية امكانياته منه. 

والا كيف يمكن ان نفسر وضعه لمجلس القضاء بحضنه؟ 

لا اعرف بماذا يتمسك الرئيس ولم يعيش هذا الكم من الرعب من أي انسان يقترب منه، وعليه تبدو فكرة الانتخابات أكثر استحالة من قبل. 

في السابق كان الرئيس يخشى ان تكسب حماس الانتخابات إذا ما حصلت. ومن ثم صارت خشيته فوز حماس بكفة وفوز الدحلان إذا ما فتح باب الانتخابات بكفة تحدي للرئيس. والان يبدو ان هناك تحدي جديد تجاوز حماس والدحلان وصار تحديا يشكل تهديدا لأي انسان يمكن ان يخالفه الرأي. ولكن ما هو رأي الرئيس؟ 

ما الذي يريده الرئيس ولا نريده؟ 

ما الذي يخشاه منا ولا نراه؟ 

مع الأسف نحن جعلنا من الرئيس دكتاتورا بسكوتنا الذي أوصلنا الى الخرس. وإذا ما صدر صوت اليوم فهو لا ينفع، لأن لا صوت للأخرس يمكن ان يعبر عنه، الا ضجيج لا يفيد صاحبه ولا يفهم من يستمع اليه. 

ولكن، لنعد للتحليل، ما الذي يريده الرئيس من هذه التعديلات؟ على الأقل نستطيع ان نقوم ببعض الضجيج، لأننا بالنهاية مجرد متلقين، الرئيس يصدر قرارات بتعيينات واقالات، ولا يرى حاجة للتبرير لنا. فمن يسقط عنه الرضا بالإقالة يصمت الى الابد، لا احتراما ولا رضا، ولكن مضطرا لان محكمة الفساد اليت يتحكم كذلك بها الرئيس تنتظره بملفات فساد تفضحه. الحقيقة ان طريقة الاقالات التي حدثت مؤخرا هي فضيحة تطال أصحابها من المعينين بقرار رئاسي، فرأينا كيف تم خلع النائب العام من منصبه كمن يخلع ضرسا ويرميه. 

على كل، يبدو لنا- ولغاية ان يصدر المرسوم الرئاسي بإجراء انتخابات، طبعا لا نعرف متى ستحدد، ان هناك ضغطا حقيقيا ربما على الرئيس بموضوع الانتخابات، يعني إسرائيل تدخل الانتخابات للمرة الرابعة خلال اقل من سنتين، وامريكا انتهت من انتخاباتها وتبدل رئيسها، وحماس وافقت على الانتخابات، والعرب كلهم صاروا بجيوب إسرائيل، والاخوة الأعداء في محيطنا تصالحوا، ونحن لا نزال ننتظر مرسوم رئاسة يقر بانتخابات. طبعا، سنسمع عن اشتراط الرئيس لموافقة إسرائيل بإجراء الانتخابات بالقدس كذلك. واظن إسرائيل هذه المرة ستفشل مخططات الرئيس لأجل متعتها وستوافق… لنتفاجأ ربما بعزوف اهل القرس عن الانتخابات. فمن يريد ان يكون جزء من سلطة كهذه في القدس اليوم في ظل هكذا ظروف صارت إسرائيل تبدو وكأنها احتلال انقاذي! 

يبدو وكأن الرئيس يستعد كذلك لاحتمال ان توافق إسرائيل وعليه ان يحمي نفسه من مغبة أي احتمال لا يصب بما يريده هو بكل تفاصيله، وعليه تكون السيطرة على القضاء هي سيطرة الرئيس المحكمة على ما سيجري ان جرت انتخابات. 

وعليه، كيف يمكن ان يكون هناك انتخابات في ظل نظام قضائي غير مستقل مرتبط بالرئيس شخصيا؟ 

هل سيقف الرئيس ويتحدى العالم مؤكدا نزاهة الانتخابات كما يؤكد خلو سلطته من الفساد؟ 

أذكر عندما جلس الرئيس محمود عباس على كرسي السلطة، كان يبدو وانه انسانا براجماتيكيا يريد ان يؤسس لدولة مؤسسات، خصوصا بعد الرئيس السابق عرفات الذي تعامل مع مفهوم الدولة وكأنه دكان- هكذا بدا لنا الفرق بين الاثنين حينها- 

اليوم وبعد أكثر من عشر سنوات- لم نعد نحسب بالحقيقية- يبدو الواقع هو واقع الدكاكين لا المؤسسات. وما ظنناه تقصيرا بطريقة عرفات يبدو اليوم تقدميا إذا ما نظرنا لما يجري حولنا. 

أقولها وبكل صدق، ان ما يجري مع الرئيس الفلسطيني مؤسف. مؤسف بحقه وبحقنا. لا اعرف وبكل جدية ان كان لديه مشكلة معنا كشعب. مع انه لن يصادف شعبا أكثر تقبلا وتسامحا منا. ولكنه مصر على ضرب الركب وكأننا كل ما تحملنا أكثر كلما استطاع ان يضرب اكثر. هل يريد سلطة بلا شعب؟ 

لعل التفسير الذي يقدمه المحامي الدكتور عصام عابدين بهذا الصدد يؤكد على ارتباط ما صدر من مراسيم رئاسية بهذه التعديلات بموضوع الانتخابات، حيث إن: ” محكمة قضايا الانتخابات المختصة بالطعون الانتخابية بموجب قرار بقانون الانتخابات العامة 2007 يتم تشكيها بمرسوم رئاسي بتنسيب من مجلس القضاء الأعلى الذي بات مسيطراً عليه بالكامل كما القضاة والقضاء من قبل رئيسه التابع تبعية كاملة للسلطة التنفيذية بموجب تلك القرارات بقانون التي أجهزت على القضاء الفلسطيني بشكل كامل.

والقرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية، في مسار العملية الانتخابية، غير المرتبطة بالطعون الانتخابية، والقرارات التي تصدر في المرحلة القادمة واستحقاقاتها باتت من اختصاص القضاء الإداري الجديد الذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من اليوم فور نشر قرار بقانون المحاكم الإدارية في الجريدة الرسمية وإلغاء الباب الخاص بمحكمة العدل العليا، القضاء الإداري الجديد المسيطر عليه بالكامل من السلطة التنفيذية.كما أن الجرائم الانتخابية هي من اختصاص القضاء العادي المسيطر عليه من قبل رئيس مجلس القضاء التابع للسلطة التنفيذية بموجب تعديلات اليوم على قانون السلطة القضائية التي نُشرت في الجريدة الرسمية.”

يعتبر الدكتور عصام عابدين ان ما جرى: “خيانة للدستور والعقد الاجتماعي وسيادة القانون وإرادة الناس مصدر السلطات، تمت بسرية كاملة ومطلقة، وأيُ خيانة! ما جرى اليوم خيانة للدستور، قضت نهائياً على القضاء الفلسطيني، وبات تابعاً بالكامل للسلطة التنفيذية وأجهزتها وأعوانها، إنه استكمالٌ للمجزرة الرهيبة التي جرت في القضاء الفلسطيني منذ تشكيل المجلس الانتقالي وعزل ربع القضاة الفلسطينيين، إنها ذات البصمات الغادرة التي اشترك فيها المستشار القانوني للرئيس ورئيس المجلس الانتقالي وبعض الأزلام في التعليم الجامعي القانوني والمجتمع المدني ومَن شارك وتواطأ بصمته على تلك الفظائع التي قضت على القضاء الفلسطيني على رؤوس الأشهاد. إنَّ نزاهة الانتخابات العامة مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة باستقلال السلطة القضائية. إنها طعنة سوداء قاتلة للقضاء الفلسطيني والانتخابات العامة وسيادة القانون في آن معاً لا محالة. اللهمَّ إنّي بلّغت اللهمَّ فاشهد.”

اللهم انّا بلغنا اللهم فاشهد.

أبو مازن هذه السيدة العراقية تُظلم على مرأى العين: عيبٌ ما يجري بحقّها بحقّ العروبة والإنسانيّة  

“تحمّلت وصبرت ومشيت بكل شي طلبتوه مني وصابرة وماشية بإجراءات وانا ابني بعيد عني.. 

انا أم.. يا ناس يا عالم انا ام… حسبي الله على كل من يحرم ام من ابنها. حسبي الله على كل من يوقف قرارات محكمة

انا ليش محرومة من ابني”

“انا صابرة وصابرة وصابرة ولكن ابني بعيد عني.. لا قادرة اشوفه ولا اسمع صوته امسكه ولا اشم ريحته ولا اعرف إذا هو زين او لا “

“كلكم عندكم بنات واولاد.. اتقوا الله بي حرام عليكم “

“منشان الله اتقوا الله.. كافي… من اول يوم وانا جيت فيه وانا بتبهدل.”

قرار محكمة مضروب بعرض الحائط…. قرار حضانة مضروب بعرض الحائط… ليش.. هناك شيء غلط… نحاول نحل نجيب الناس ما حدا بيلتزم.. وين الخلل… انا اطلب لجنة تحقيق.. اين الخلل؟ 

اطلب من سيادة الرئيس بإنصافي.. انا بخطر.. 

انا محرومة من ابني.. قرارات تضرب بعرض الحائط… من المسؤول؟ 

عندما لا يهتم المحافظ بقرارات المحكمة؟ 

سيادة الريس انا ابوي مش موجود انت ابوي. انت اب… أبو مازن انت اب.. اناشدك كاب…

“انا مظلومة وقع علي الظلم.. انا إذا صار بي شي برقبتك.. لأنه هؤلاء لا يخافون من الله لا في قانون بردعهم ولا قرارات بتردعهم ولا ناس بتمون عليهم” 

“سيادة الرئيس انا دخيلة عليك”.

بهذه العبارات المُدْمية ختمت السيدة مريم العزاوي استغاثتها الأخيرة للرئيس الفلسطينيّ من جديد.

منذ شهور وتناشد السيدة العراقية مريم العزاوي كل الجهات الممكنة من اجل إرجاع ابنها الطفل لحضانتها. لم يبق باب الا طرقته، وفي كل مرة كانت المرأة التي اعتبرت نفسها بين أهلها وناسها في فلسطين تخرج باستغاثة لكل من يمكن ان يكون وليّ امر بالمعروف من اجل انصافها من رجل امن على باب النيابة لغاية التوسل الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس. 

استغاثت باسم العروبة وباسم النخوة وباسم العدالة وباسم القانون وباسم الإنسانية بإعادة ابنها الطفل الى حضنها، وفي كل مرة تلقت السيدة تأكيدات من اعلى المستويات السيادية بحل الامر وإعادة ابنها لحضنها، ولا حياة لمن تنادي. 

الحقيقة، ان هذه السيدة تجهل على ما يبدو اننا لا نعيش بدولة سيادة. نحن نعيش بكيان فاسد لا يحكم فيه الا الفساد من كل الاتجاهات. 

فاعذري سيدتي الرئيس الذي لا حكم لوعوده ولا سيادة لقانونه. فالفاسد في هذا البلد هو صاحب السيادة. 

في كل يوم يمرّ هناك كارثة سببها استفحال الفساد الذي أدى لانهيار النظام المؤسساتي الذي شمله انهيار أخلاقي. 

مجرد ان تصل هكذا قضية لتدخل رئيس ورئس قضاة ورئيس وزراء فهذه كارثة، فكيف يكون الوضع عندما لا يحكم رئيس دولة ورئيس وزرائها ورئيس قضاتها على انفاذ القانون؟ 

هذه السيدة استنفذت كل الطرق القانونية الفلسطينية والعشائرية والانسانيّة من اجل حضن طفلها. ومع هذا لا انصاف من قانون لا يمكن تنفيذه، ولا سيادة لأصحاب سلطة لا يحكمون على رجل ووالدته بإعطاء ابن حكمت المحكمة بحضانة امه له. 

اين نحن يا سيادة الرئيس؟ 

اين السيادة من هذه العبارة؟ 

لو كانت هذه السيدة من دولة أخرى هل كان هذا مصيرها؟ 

ارحموا دموع امّ تشتكي ظلمها.. . ارحموا امرأة غريبة ظنّت انّ فلسطين هي بلادها. 

ارحموا امرأة تبكي حرقة ألم حرمان لا مبرر له الا التعنت والعناد.

ارحموا استغاثة امرأة جاءتكم مستجيرة من ظلم وقع عليها من أهل داركم.

عيب بحقنا جميعا ما يجري مع هذه السيدة. 

عيب أن تهدد امرأة لجأت لكرم الانسان الفلسطينيّ ونخوته وتناشد من اجل حمايتها. 

أين السيادة سيادتكم؟

“لو امرأة فلسطينية بالعراق لكانت اهتزت كل شوارب العراق من اجل إنصافها” 

 “وينكم يا فلسطينيين اريد ابني حسبي الله ونعم الوكيل.”

انتهت سنة ٢٠٢٠ بكل صعوباتها لتقدم ال ٢٠٢١ بامتحانات مفاجئة بلا تحضير. شأننا شأن طالب كسول مستهتر لم يستعد ابدا لامتحان تحضيري او مفاجئ. 

الكورونا حاضرة ولكنها ولكن لا حياة لمن تنادي. 

تبدو الكورونا بحجمها الحقيقي.. لا شيء امام اذية الانسان لنفسه ولأخيه الانسان. 

بدأت السنة بمصائب حقيقية، شاب  (بمشاركة خمس افراد اخرين) يقتل ثلاثة افراد من عائلته واصابة أربعة غير معلوم بعد مصيرهم.  ولحق بيوم خبر مفجع قتل فيه شاب امه. 

في الحالتين المصاب جلل . مصاب جلل بكل ما تحمل عبارة المصاب الجلل من معنى . وبكل اسف واسى أقول وأكرر ان ما حدث لن يتوقف لطالما القانون لا سيادة له، والمسيء آمن من العقاب، والمؤسسة الحكومية منهارة فاسدة.  فالفساد يطالنا بفلذات قلوبنا ولا يأمن الانسان جاره ولا الام ابنها. 

عوائل مكلومة يدمي سماعهم القلوب.

تابعت مجريات العطوة العشائرية التي عقدت اليوم في كفر عقب لعائلة الرجبي، وبلا شك لا يحتمل الوضع الحديث عن الخلل الحقيقي بفكرة تحكيم الامر الى العشائر، ولكن ما الذي يستطيع أي انسان عاقل يريد حقن الدماء في هكذا مصاب او بالأحرى كارثة ان يفعل؟ لو كان هناك نظام قانون سيادي عادل لما احتكم الناس في مصائبهم الى العشائر. ولن اخوض في الكثير مما قيل، لأنه لا يسع المرء الا محاولة درء الاحتقان للمشاعر باحتواء المصاب. 

المشهد يبدو وكأننا في مسلسل الهيبة او باب الحارة،  او بأحد المسلسلات التركية مثل الحفرة ورامو وصولا الى ارطغرل.

والد احد الشبان القتلى، الذي كان من المفترض ان يكون اليوم فرح ولده، ليقف باكيا منكسرا مظلوما.

دية دم واجلاء ودية مصاريف (على ما يبدو انها دية تم استحداثها اليوم بعرف العشائر) 

انتهت العطوة بإطلاق النار … ولكن القائمين على العطوة توقفوا وصرخوا بحزم بمنع وعدم إطلاق النار. 

اهل البيب والإسلام وتعاليم الدين وغيرها… كلام كبير وفنون خطابة والكثير من الرسائل المهمة ومحاولات حقيقية بلجم جماح الغضب والاحتقان. 

جموع كبيرة واغلاق شوارع بلا شك، كمامة واحدة بين الجموع يرتديها أحد المتحدثين تجلس عند ذقنه.

اتفكر بما جرى وأفكر، انه بالمحصلة استطاعت العشائرية بعرفها وقوانينها ان تدرأ وتحقن الدم وتمتص الغضب ربما. او نتمنى. لأنه ما جرى لن مع هذه العائلة اليوم ليس ببعيد على ان يجري مع عائلة أخرى. وقد يكون ما جرى مهم بالدعوة الى نبذ السلاح والدعوة للتخلص من السلاح غير الشرعي والعشوائي. 

بصراحة لا اعرف ما هو السلاح غير الشرعي او العشوائي. من يحمل السلاح في هذا البلد ومن يبيعه؟ 

حمل أحد المتحدثين وزير الداخلية رئيس الوزراء المسؤولية بما حدث وما يحدق وهو بدون أي شك محق. 

المشكلة تفاقمت منذ اعلان رئيس الوزراء وزير الداخلية اعلان الطوارئ وإعطاء زمام الأمور الأمنية للتنظيم في مناطق ككفر عقب وغيرها. 

ولكن المشكلة كذلك في البيوت، في التربية التي تقول للابن الذكر ان يرجع الى البيت ضاربا وويله ان رجع مضروبا. 

في حوار أحد المكلومين عما جرى وعن تحذيرهم لاب الشاب القاتل عن أفعال ابنه، كان الاب مشجعا داعما له. ان تكون هدية عيد ميلاد شاب قطعة سلاح بمئة ألف شيكل وسيارة يفحط بها بنصف مليون شيكل، سواء كانت العبارة تعبيرية ام حقيقية فهي تعكس حجم المشكلة. اوصلنا هذا المجتمع لمكان صارت قيمة الانسان فيه بقيمة الأموال التي يجنيها لا يهم كيف. والحقيقة كذلك، انني اتوه دوما بفهم من اين تأتي هذه الأموال، من اين للناس ثمن قطع أسلحة بعشرات الالاف من الشواكل وسيارات بمئات الالاف ومن اين تأتي هذه التجارة التي تدر الملايين؟ 

الا يسأل الاب ابنه؟ الا تسأل الزوجة زوجها؟ 

ولكن كيف يسأل أحدهم والمال هو قدر قيمة الناس في هذه الأيام. 

لم اعرف ان كان الامر قد استدعى أي تعاطف مع الجهة القاتلة من العائلة عن دفع تلك المبالغ من اجل الدية ومستحقات العطوة، وفي لحظة عندما حاول من يلبس فراش عطوة الجهة القاتلة بتخفيض المبلغ تكلم عن صعوبة وضع الرجل والد القاتل، فعندها فكرت، هل هو نفس الرجل الذي وقف بظهر ابنه وحمله السلاح ودعمه بالاستقواء على الناس؟ 

هذه نتيجة بديهية لقلة التربية وانعدامها. 

الجريمة الأخرى التي راحت بها ام على يد ابنها، تؤكد اننا فقدنا السيطرة على بيوتنا كما لا سيطرة لنا على ما يجري بالخارج ولا علاقة لنا بما يفسده النظام بحياتنا. فهذه الام – إذا ما صحت الروايات ان الشاب كان مصابا بمرض عصبي نتيجة تعرضه لإدمان ما- أفقده عقله، ورفضت الام ان تودعه بمصح وآثرت وحملت على عاتقها ان تعالجه ـ فنحن امام قصة تعيد تكرار نفسها، بالعادة لم نشهد بها هذا التردي والانحدار – فلا أصعب او أبشع من قتل الابن لامه. ولكنها جريمة نشارك فيها نحن الاهل بتصويب أخطائنا التربوية بالطبطبة والدعم بالحق والباطل. فلربما، ارادت هذه الام ان تعالج ابنها من ادمانه بتزويجه، او ظنت انها تستطيع توفير له العلاج بنفسها ولكن جاء قدرها قبل ان يأتي القدر على انسانة أخرى. نحن ضحايا تربيتنا وها نحن نصل لان نكون ضحايا من ربيناهم كذلك. 

مرعب ما يجري ليس بسبب فظاعته فقط، ولكنه باقترابه منا أكثر في كل يوم. لم تعد هذه الجرائم بعيدة تخص طبقة بعينها بالمجتمع، ولم يعد بالإمكان تشخيص المشكلة، فكلنا نعاني من نفس الاعراض. 

إذا ما سلمت التربية بالمنزل من مخاطر قلتها او انعدامها، فإننا لا نسلم مما يحدث عندما نفتح باب البيت ونضع رجلنا بالخارج. 

لم نعد نعرف ان كان بالإمكان ان نسلم من الصداقات الخطيرة والفاسدة، ولم نعد نعرف ان كان بالإمكان ان نسلم من رصاصة طائشة بطوشة لا علاقة لنا بها، او غاضب لم يغسل وجهه صباحا قرر ان اليوم يوم غضبه. 

لم نعد امنين. 

كان قبل وقت كقليل، أكبر همنا كأهل، ان يمر ابننا من حاجز ويتعرض لإهانة جندي فيستفزه…. كم تبدو هذه الهموم لا شيء امام الخطر المحدق بنا بينما فوهات بنادق الجنود لا تزال موجهة نحو أبنائنا ولكن الخطر المحدق بنا وبهم أقرب الينا من نيران الاحتلال. 

كم مؤسف ان نصير شهداء لأن قاتلنا هو ابننا او ابن عمنا او اخينا او زوجنا او ابينا او اخينا او جارنا.

فلا تربية ممكن ان تحمينا ولا تعليم يمكن الاعتماد عليه واحتلال متربص بنا وفوضى من كل الاتجاهات. 

نعول مهما عجزنا على التربية لأنها بالمحصلة تبقى أضعف الايمان

ولكن مرة أخرى، التربية لا يمكن ان تقوم بمعزل عن النظام، والنظام الحاكم والمتحكم بنا نظام فاسد، لا يمكن ان تصلح به التربية ما دام الفساد يخر في رأسه. 

نظام من امن العقاب ساء الادب

طريقة حياتنا من رأس الهرم بها حتى أطفالنا مبنية وبكل اسف على مبدأ من امن العقاب ساء الأدب. 

ما هو الأسوأ بالفعل؟ وما هو المشوِّه لتراثنا؟ وما هو المدنّس لمقدّساتنا؟ وهل هناك مقدّس أكثر قداسة من مقدّس آخر؟

ما هي الحرمة ؟ وكيف نحافظ على الموروث الديني وغيره من موروثات نستطيع ان نصفها كل على حسب ما يراه مناسبا؟

أين كنا ولا نزال قبل وبعد حادثة النبي موسى التي أشعلت فيه حفلة مجموعة من الشباب نيران الغضب ومشاعر الحمية والشرف في سبيل الحفاظ على الموروث المقدّس؟

هل من علاقة بين أحداث مَوْقع “النبي موسى” وتَجْريف مَوْقِع “تل المَفْجر” الأثَري بأريحا؟


هل رَجَمْنا المُجون المُتَوَقَّع بالنَّبي موسى بحِجارة تل المَفْجَر الأثَرِيَّة بأريحا؟ 

هل من علاقة بين أحداث مَوْقع “النبي موسى” وتَجْريف مَوْقِع “تل المَفْجَر” الأثَري بأريحا؟

لابدّ أنّ موقع تل المَفْجَر في أريحا يُسمَع لأول مرّة لدى معظمنا. ومن يعرف عن أرض المَفْجَر ومكانه تقتصر معرفته به بمحدوديّة، كمحدودية المعرفة بمقام النبي موسى. فأرض المَفْجَر التي تشمل على خِرْبة المَفْجَر وتل المَفْجَر، نعرف عنها بالمجمل وجود قصر هشام عليها وإشارة بنّيّة اللون تشير باتجاه غير ثابت نحو فراغ مهمل. 

وبطبيعة الحال، ليس المطلوب منّا أن نكون علماء آثار، ولا يمكن لنا أن نعرف تاريخ الأماكن وأهمّيتها. فهذا يتطلب جهدا مؤسساتياً شاملاً وعلى مدار عقود. وربّما إن كنتَ ابن مدرسة قديمة مثلي، وركزت في يوم ما بدرس التاريخ لمرّ عنك الاسم والموقع بينما كنت تحفظ أسماء المواقع المطلوبة منك لامتحان مليء بالأسماء والتاريخ، لا تلبث ان ترميه خلفك الى الأبد. 

ولربّما لأن التعليم في زمني، لم يكن وزير تربية وتعليم سابق فيه – سيخرج وسط أزمة مجتمعيّة كارثيّة ويلقي خطاباً تحريضياً أيديولوجياً امام جموع غاضبة. ليؤكّد ربّما لنا تساؤلات لم يُجِب لنا عليها في عهده، حيث ساهم منهاجه في قلب التربية والتعليم في فلسطين رأساً على عقب، ب “إنجازاته” الكارثية التي عكسها في خطابه التحريضي مؤخراً في اعقاب احداث النبي موسى. ليذكّرنا عندما صارت بالمناهج الجديدة خارطة فلسطين شريحة الضفة وعاصمتها رام الله، وبحرها في بيت لحم. ووقف يصيح في خطاب تحوّلت نتيجته الى حرق كما رأينا.[1] أين كان دوره عندما كان وزيراً للتربية والتعليم، والتّعليم العالي، وعضواً في مركزيّة فتح (ولا يزال). فالتغيير الذي ألمَّ بالموقع حصل عندما كان بالحكومة، الم يكن أفضل لو اقترح استخدام الموقع كمدرسة لتجمّعات البدو بالمنطقة، بدلاً من ان نتوه كما اليوم بين أيّهما أسوأ حفلات دي جي او مركز لتأهيل مدمني المخدرات؟ 

موْقِع تل المَفْجَر يتواجد على بعد ٢٠٠ متر من جنوب قصر هشام على ضفّة وادي النويعمة، والذي لا اعرف إن كان الطالب الفلسطيني اليوم سيقرأ عنه في المناهج او من خلال البرامج الثقافية والمسارات السياحية. إن مررت ذات يوم من قصر هشام، لربّما سمعت انه يقام على خِرْبة المَفْجَر. وإذا ما كنت مثلي تعتقد أنك ابن البيت ولا تحتاج الى دليل سياحي في مكان لطالما شكل جزء مهما من طفولتك في شتاءات أريحا الدافئة البعيدة والطويلة، تكون في هذا الصدد كالبدويّ المقتفي للأثر، يعرف الأشياء بأحاسيسه لا بأسمائها، حتى تسمع او تسترق السمع الى دليل سياحي “غير عربي” يشرح لفريق السائحين معه عن المكان، لتفهم أنك بداخل عمق بعيد كل البعد عما يمكن ان تخبرك به احاسيسك وادراكاتك البسيطة. انت بداخل عمق التاريخ نفسه. التاريخ الذي بدأت منه الانسانية تشكل ملامحها الحضارية عليه. تاريخ يؤكد ان الحضارات تلك أقدم مما يحاول المحتل اثباته لوجوده. ان الحضارات تلك هي هويتنا التي سبقت دياناتنا وثبتت وجودنا وبنتْ دعائم ما نسمّيه هويّة وطنيّة نتشبّث بها لنحافظ على وجودنا الذي يُزاحِمُنا عليه مَنْ احتلّ الأرض ليدّعي انّها تمتدّ بأصولهِ لا أصولنا. 

وخِرْبة المَفْجَر هي المكان الذي يقع عليه قصر هشام (٧٣٠-٧٤٩ م). وهو قصر أمويّ ينسب الى الخليفة الأمويّ هشام بن عبد الملك بن مروان (٧٢٤-٧٤٣ مدة حكمه). ويعتبر هذا القصر أحد المعالم المهمّة والأساسيّة التي شيّدها الامويّون في فلسطين ليشكّلوا بها آثاراً أساسيّة للعمارة الإسلاميّة مثل مسجد قبّة الصّخرة والمسجد الأقصى بالإضافة الى سلسلة من القصور الأمويّة الممتدّة على أطراف بادية الشّام (منها: قصر المشتى، قصير عمرة، وقصر الحير الشرقي والغربي). 

 عَلَّمَ على اكتشاف الموقع عالِم الآثار الفلسطيني متري برامكي بين السنوات (١٩٣٤ حتى ١٩٤٨). حيث كانت المُسوحات الأثريّة السابقة في أواخر القرن التّاسع عشر قد أشارت الى وجود بقايا دير بيزنطيّ في ذلك الموقع. 

توقّف العمل بطبيعة الحال عند النّكبة (١٩٤٨)، ونفّذ متحف الآثار الفلسطيني في فترة الحكم الأردني أعمال التّرميم في الموقع وعرض المواد المكتشفة في المتحف، حتى يتوقّف العمل مرة أخرى بعد احتلال إسرائيل للضّفة الغربيّة سنة ١٩٦٧. بعد استلام السّلطة الفلسطينيّة صلاحيّات الآثار سنة (١٩٩٤) أعيد الاهتمام بالموقع من قبل علماء آثار فلسطينيين وأعيد التنقيب في المنطقة الشمالية من القصر ليتم الاكتشاف أنّ للموقع مكنونات أخرى. أشرف على اعمال التنقيب والتأهيل بوزارة الآثار والسّياحة فريق من المختصّين الذين كرّسوا كلّ المصادر والموارد الممكنة لتطوير التنقيب مع جامعات ومعاهد دولية مختصة (جامعة شيكاغو) ليتم الكشف عن بقايا ضيعة زراعية في الفترتين الاموية والعباسية بجوار القصر (٧٥٠-٩٧٠ م). 

يكتب الدكتور حمدان طه في دراسة عنوانها “القصر الاموي في خِرْبة المَفْجَر” عن موقع تل المَفْجَر: “انّ التراث الأمويّ في المَفْجَر يقف شاهداً معاصراً على عظمة الحضارة العربية الإسلامية المبكّرة في فلسطين. وهو نتاج حضارة جديدة مفعمة بالحياة استلهمت التّراث اليونانيّ والرومانيّ والبيزنطيّ والمصريّ والسّاسانيّ، واعادت تكوينه بصورة إبداعية من جديد. وأقامت توازناً بين الدّنيا والدّين. ورغم النّهاية التراجيدية المبكّرة للحضارة الأمويّة، فإنّ الطّاقة الإلهاميّة لهذا التّراث بقيتْ محفوظة {في تقاليد المدارس الفنية والمشاغل الحرفية الشامية حتى يومنا هذا}.”[2]

عفواً عزيزي القارئ، لا يمكن أن يكون مقالي الصّحفي هذا بحثيّاً، لأنّه وعلى الرغم من إمكانيّة وجود معلومات هامّة وممتعة لمن يريد معرفة تفاصيل هذا الإرث المعماريّ الامويّ العظيم الذي يتغنّى بما تركته هذه الحضارة، لأنّ البحث بعد هذه اللحظات لن ينفع الا للتأريخ، ونحن نعيش لحظة سينفي أيّ كاتب للتاريخ فيها كلمة “حتى يومنا هذا” لأن ما جرى وتحديداً قبل يوم من الحفل الذي أعطت وزارة الآثار والسّياحة الفلسطينيّة فيه التصريح للمنظّمين به، وبينما احتشدت الجماهير غضباً وفزعاً ورفضاً لإقامة حفل صاخب بمكان اقرب للوجدان والذاكرة الشعبية بالدّينيّ منَ الأثري (كما “قرّرت” وزارة الآثار والسياحة كما يتبين لنا) كانت الآليات الثّقيلة قد جرفت الموقع الأثريّ والذي يقع على بعد بعض الكيلومترات من النّبي موسى وتسوّيه بالأرض بين ردم وطمس لتحضّره لبناء استثماريّ قادم. لم تكن تلك الآليّات تابعة للاحتلال الإسرائيلي!!!

أُطلِقت صرخات استغاثة من الغيّورين والمختصّين والحريصين على هذا الوطن وآثاره وتراثه، فكُتِب: “الاعتداء بالآليات الثقيلة على موقع تل المَفْجَر: تعرُّض الموقع لأعمال تجريف بشعة باستخدام الآلات الثقيلة في يوم السبت الموافق٢٦-١٢-٢٠٢٠. ويأتي هذا الاعتداء السافر في ظل حالة الطوارئ التي تعيشها فلسطين. لذلك لا بدّ من تحرّك سريع باستخدام الطرق القانونيّة لمعاقبة من قاموا بهذا العمل المشين.”.

واستنكرت كذلك الجمعيّة الفلسطينيّة للمعالم والمواقع التّاريخيّة (اكوموس فلسطين) ما جرى ببيان تدعو فيه وزارة الآثار والسّياحة والجهات المعنيّة الأخرى الى “اتّخاذ الإجراءات اللازمة لحماية هذا الموقع وتوضيح حيثيّات الاعتداء وما يترتّب عليه من عواقب قانونيّة لمحاسبة الفاعلين مستنكرة الاعتداءات التي وقعت بحقّ موقع تل المَفْجَر الاثري من أعمال تخريب وتدمير.”

وكتب الدكتور حمدان طه: “تدمير موقع تل المَفْجَر في أريحا بالآليات الثقيلة كما توضح الصور الصادمة كارثة للتّراث الثقافيّ الفلسطيني والإنساني. ذلك ان الموقع بالذات يمثل الحلقة المفقودة في التاريخ الحضاري لمدينة أريحا في الالف الرابع قبل الميلاد. ان الحكومة الفلسطينيّة مدعوّة للتعامل مع هذه الجريمة ومحاسبة الفاعلين بموجب القانون.”   

النّداءات والاستغاثات كانت تطالب وزارة الآثار والسّياحة والمسؤولين بإيقاف الجرف. ولكن لم يتوقّف شيء، ولم يهتم أحد، ولم يبق من الموقع شيء. 

 للمهزلة أو بالأحرى للكارثة الواقعة، ومن يفتّش عن الموقع عبر وسائل البحث يجد وصفاً قدّمته صفحة جامعة لاسبينزا الإيطاليّة بالتعاون مع وزارة الآثار والسياحة الفلسطينيّة كما يلي: امتداد الموقع: ٢٠ دونم. حالة الحفظ: محفوظ جزئيّاً، وتحت الزّراعة الحديثة جزئيّاً وتحت التّعمير الحديث جزئيّاَ. 

المخاطر والإرباكات: الزِّراعة الحديثة وأنشطة البناء الحديثة. 

فترة تواجد الموقع الزّمنيّة: العصر النّحاسيّ المتأخر، العصر البرونزيّ المبكّر الأوّل، البيزنطيّ، الإسلاميّ المتأخّر.

تصنيف الموقع بالعصر النحاسيّ المتأخّر: قرية، العمارة المحلية: منازل، حفر، صوامع. العمارة الجنائزية: دفن جرّة. 

الثّقافة المادّية: تماثيل فخاريّة، أدوات عظميّة، أواني حجريّة، الفترة البيزنطيّة: دير. العصر الإسلامي المتأخر: بقايا المعمارية، صوامع.[3]

فما الذي يعني بعض الآثار في موقع مليء بالآثار لنا؟ الاستثمار والمنتجعات السياحيّة الخاصّة المدعومة من رؤوس الأموال المتّصلة بوثاق غليظ بالحكومة ستدرّ على الموقع الكبير غنائم سياحيّة بالمستقبل! لم يكن صعباً فهم ما يجري، فنحن نرى ما يجري من تحضيرات هناك منذ أشهر، وعند سؤالنا عندها لمن تتبع عمليّة البناء القادمة كانت الأسماء المتداولة تؤكّد سبب سكوت المسؤولين المدوّي. فلم نسمع من رئيس الوزراء، وزير الأوقاف، ووزير الداخليّة الحالي ووزيرة الآثار والسياحة أي تعليق أو شجب ولم يفتح تحقيقاً بالأمر. 

الحقيقة إنّ ما يجري يستدعي تدخّل الرئيس الفلسطينيّ نفسه بالأمر. لأنّه بلا شكّ ما يجري لا يمكن حصوله بدون الحكومة وبالتواطؤ المتشعّب بين أروقتها ومع النّخب الرأسماليّة القريبة منها. 

فمن يتأمّل اليوم ما جرى بموقع النبي موسى بتحويله بالسّنوات الأخيرة لوزارة الآثار والسّياحة، و”تحييد” الأوقاف الإسلامية منه – كما رأينا –، يؤكّد انّ هناك تفاهمات تحت الطاولة أو فوقها لا يهم (على الرغم من ان الاتّفاقيّات الرسمية الموقعة بما فيها المراسلة بشأن الموافقة على الحفل تؤكّد البعد الدّيني المهم للموقع)، لانّ من يتفق هم أرباب الحكومة فيما بينهم. لأنه من غير المنطقي وبأي صورة يحاول المرء إيجاد تبرير لماذا يتم “تصنيف” النبي موسى كموقع أثري تراثي، مهملين كما نرى صفته الدينيّة وبالتالي تبعيّته لوزارة الأوقاف (وهذا واضح بغياب وجود فراغ إداري بعدم وجود حارس ومسؤول عن المسجد). وكأنّ هناك محاصصة تجري تأخذ كل وزارة فيها ما تجده من “غنائم” توظّفها لصالح القطاع الخاص القريب منها. فكل ما جرى من تداعيات كارثية في النبي موسى بسبب الحفل يؤكد على هذا. 

فلو تركنا ما تمسّك المجتمع الفلسطيني به بكافة أطرافه وأقطابه المتناحرة به، وهو “سما وما قامت به وما تقوم به”. وجموع الفتاوي إذا ما كانت موسيقى التكنو تخص التراث الفلسطيني او دخيلة عليه. وإذا ما كان تصرف الشباب الهائج تصرفا دفاعيّاً حريصاً يجب الانحناء له احتراماً وتقديراً، أو كان فعلاً همجياً عنيفاً. وتوقّفنا لنفهم ما الذي حصل؟

غياب للشراكة الحقيقية وفي نفس الوقت تزاحم للشركاء. جهات متعددة مسؤولة، عقود مبرمة منذ سنوات وعقود مفسوخة.

وتحقيق جاري، بل تحقيقين ( على حسب تصريح رئيس الوزراء الأخير). 

التربية والتعليم والثقافة والحكم المحلي كان من البديهي ان يكون لهم دور أساسي ومحوريّ على اقل تقدير بكيفيّة تفعيل وإشراك المجتمع المحلي. وإذا كان هناك إشراك لجهات صاحبة اختصاص، فممّا لا شكّ فيه انه هناك خلل كبير، لأنّ هذه الجهات يبدو انّها لا تمت بواقع البلد بصلة او بالأحرى تفتقد التواصل المتكامل مع المجتمع. الكارثة التي نشبت كان سببها هو عدم معرفة الشعب بما يجري. فالناس الثائرة بدت كمن صحي من سبات دهر. كانوا قد ناموا وهذا الموقع يشكّل لهم تراثاً دينيّاً شعبويّاً، وصحوا على موسيقى تكنو وغرف فندقيّة. 

وتل المَفْجَر الذي تفجّرت تفاصيله تحت ركام الجرف من أجل بناء مشروع – ربّما- لا يحقّ لنا أن نعرف عنه إلا عندما يبدأ أصحابه بإقناعنا عن الفرص المتوفّرة لنا في شراء شقّة فيه أو تأجير مرفق به أو استخدامه لما قرّروه لنا من أجل إنعاش السّياحة وتشجيعها. سَنَبْكيه على أطلال شرفةٍ فندقيّة تمكِّننا من مشاهدة السجاجيد الفسيفسائيّة البديعة الممتدّة أمام ناظرنا من قصر هشام. وقد نصرخ باستغاثة نُفزِع بها العالم المُستكين على الظلم عندما تدخُل الآليات الإسرائيليّة لجرف او استيلاء او فتح شارع او وصْلِه لأخذ ما صار لها وصرخنا واستغثنا عليه من قبل، ولم تَرُد ولم تكترث وزارة الآثار والسّياحة والمسؤولين في أريحا كما حصل في تلول أبو العلايق[4] على بعد كيلومترات معدودة من المكان بالرّد او التّعليق أو التّبرير.

سياسة عدم الرد كمن يدفن الأمر ليموت لوحده. وباتت كل امورنا مدفونة وتعفنت وفسدت ونحن نظن ان هناك امل في إصلاحها. ننتظر ردودا لا تأتي، ولجان تحقيق مستمرة الى ما لا نهاية. 

وعمليّة إلهاء باتت تبدو وكأنّها ممنهجة باستنفاذ الرأي العام نحو قضايا تشعل لهيب كل شيء، لتمرير صفقات وتنازلات تطال كل شيء.


[1] https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=842606726522582&id=100023197866995

[2] https://www.academia.edu/31683916/القصر_الأموي_في_خِرْبة_المَفْجَر

[3] http://www.lasapienzatojericho.it/padis/component/content/article/38-sites/106-054-mafjar-tell-el-

[4]https://nadiaharhash.com/2019/06/12/وزارة-القدس-والتراث-الإسرائيلية-من-ب/

ملاحظة: موقع تلول أبو العلايق، وهي منطقة تقع فيها مناطق (ب) و(ج). ما يجري في تلول أبو العلايق هو سيطرة مطلقة لوزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” التي انتهت سنة ٢٠١٩ وبعد عدة سنوات من ترميم وتأهيل موقع قصورهيرود (الحشمانيئيون). بعد انتهاء وزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” والتي رصدت ٢ مليون دولار من اجل ترميم الموقع، قامت السلطات الاسرائيلية خلال نفس الفترة بترميم شارع لتسهيل الوصول الى المكان للسائحين الإسرائيليين، ولقد تم افتتاح رسمي للشارع بعد أشهر قليلة من الانتهاء من الترميم، حضره جموع من المستوطنين والمسؤولين من وزارة القدس والتراث “الاسرائيلية” والاحتفال بالانتهاء من ترميم الموقع الاثري. 

منذ الأمس وتتوالى ردود الفعل بشأن ما جرى بمقام ومسجد النبي موسى من تسجيل لحفل موسيقي (دي جي). من أي زاوية يحاول المرء النظر الى الامر يجده صعب الاستيعاب، بل أكثر، مؤلم أقرب الى الغضب. 

من السهل التفتيش على مذنب بعينه وتحميله كارثية ما حصل. سواء بمنظمي الحفل او المشاركين من جهة، او الجهات المسؤولة بكافة مستوياتها من جهة أخرى. ولكن هنا، لا يمكن رمي الامر بتحميله على شخص بعينه للتخلص من المسؤولية. فلا مكان للهروب والاختباء وراء أحد او سبب. 

من المؤكد، انه لا يمكن نصب اضاءة وتحميل معدات بهذا العدد والحجم بلا تنسيق مسبق من جهات متخصصة، وإذا ما سلمنا ان الحفل كان لهدف تسجيل فيلم وثائقي غير محلّي عن الدي جي، فهذا يؤكد ان الحاجة لموافقات رسمية لا مفر منه. 

ولمن يواظب على الذهاب الى مقام النبي موسى مثلي ومنذ الكثير من السنوات، يعرف جيدا ان الموقع ليس مفتوحا للاستخدام الحر تماما، أي ان هناك حراسة الأوقاف دائمة التواجد هناك، و/أو المسؤولين الجدد عن الموقع منذ ان ترمم وتقرر تخصيص الغرف فيه الى غرف فندقية ( حالياً لا يوجد شركة متعاقدة حيث تم الفسخ بين الشركة والاوقاف بشهر تموز من العام الحالي). 

كان هناك إشكالية ومعضلة بهذا الموضوع منذ بدئه، لأن الموقع معرّض للاستيلاء عليه من قبل الاحتلال، خصوصا انه تم استخدامه بالسابق وعلى مدار ما يقرب من العشر سنوات كمقر لتأهيل مدمني المخدرات (قبل سنة ٢٠٠٠) حيث أغلقته سلطات الاحتلال ومن ثم سمحت بإعادة تشغيله سنة ٢٠٠٣. كنت اعتقد ان الامر كان فقط بمبادرة من الأوقاف والسلطة في حينها، ولكني استغربت ذات زيارة عندما وجدت إسرائيليا بالموقع يضع قبعة الرأس اليهودية بصحبة عائلته، استغرب وجودي بقدر ما استهجنت وجوده! كنت اعتقد ان هذا المكان متعلق بذكرياتي وجدتي، كغيرنا من اهل هذه البلاد، ليظهر ان للرجل ذكريات أعمق من ذكرياتي، فصار يشرح لي الرجل عن تجربته قبل سنوات هناك حيث أمضى علاجه في المكان. وعند سؤالي عن الامر لاحقا تبين ان التدخل كان يجري بالتنسيق مع سلطات الاحتلال حيث تحول الموقع الى مركز تأهيل شبه رسمي. 

والحقيقة، انه بقدر ما بدا الامر مريبا، بقدر ما كان مفهوما، او بالأحرى يمكن تبريره. وعليه، لنقل، انني عندما رأيت الترميم الذي يهدف لتحويل المكان الذي شغل بنشأته الأولى خاناً ومركز ضيافة الى فندق، فكرت انه ربما يكون الامر أفضل من ان تضع إسرائيل يدها على المكان. فكذلك لا اعرف ان كان لي رأي منطقي بشأن منطقية وضع مراكز التأهيل بهكذا مكان. فمن ناحية، قد يكون مناسبا من حيث الهدوء المطلق والابتعاد عن الناس وفي نفس الوقت يستطيع المرء التفرد بنفسه مع ربه. ولكن بدا الامر حينها مريبا باستدامة الوضع، فما بدأ كتدخل طوارئ امام تزايد عدد المدمنين في تلك الفترة، تحول الى وضع يد من قبل تلك الجهات، ولحقه استغلال للسلطات الاسرائيل للاستيلاء التدريجي. لأنه مهما حاولنا إضفاء المنطق في هكذا أمور، فإن تدخل السلطات الإسرائيلية يبدو بالبداية تطوعي وبهدف تقديم خدمات مهنية، وهذا حقيقة، الا انه لا يمكن استئمان مطامع إسرائيل في كل بقعة من الأرض، فكيف إذا كان موقعا بحجم ومكانة واستراتيجية واهمية موقع هذا المكان. حيث يشغل مساحة ٤٥٠٠ متر مربع مكون من ثلاثة طوابق ويحتوي على ١٤٤ غرفة متعددة الاستخدامات، ويحيطه سور على ارتفاع ما يقرب الأربع أمتار.

من ناحية، امتلاك الموقع للأوقاف أمر مبتوت فيه، وتاريخه واضح، فهو بناء مملوكي تم تشييده بزمن الظاهر بيبرس سنة ١٢٦٩، وأعاد العثمانيون ترميمه في القرن التاسع عشر -١٨٢٠- ولقد أخذ مكانة مهمّة بتراث مدينة القدس تحديداً، وفلسطين عموما على مدار المئة سنة الأخيرة بصورة متتالية عندما حث الحاج امين الحسيني في العشرينيات من القرن الماضي الجماهير الفلسطينية على التصدي للمشروع الصهيوني المخطط له

 ولكن لا يمكن عدم رؤية أهمية هذا الموقع جغرافيا وسياسيا. والسلطات الإسرائيلية بالعادة ان لم تستطع الاستيلاء المباشر تضع يدها بطرق متعددة أخرى تكون في أحسن احوالها خدماتية. وبكل الأحوال تتربع ثكنة عسكرية مركزية اخر الطريق الذي يتوسطها المقام. 

وعليه، قد يفكر المرء ان ما قامت به الأوقاف بالتعاون مع وزارة السياحة الفلسطينية والسلطات الرسمية الأخرى بتمويل من الاتحاد الأوروبي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو امر بغاية الأهمية. وما من شك ان جهودا جبارة من اجل اقناع الممولين لتمويل الترميم وإنقاذ الموقع اخذ سنوات وجهود ضخمة وحثيثة. ولقد حرصت الجهات التي قامت بأعمال الترميم على المحافظة بقدر الإمكان على عدم المساس بأهمية المكان الدينية والتراثية. 

اذكر ان رئيس الوزراء محمد شتية افتتح الموقع بحلته الجديدة قبل عام قائلاً: “اليوم يتم إعادة ولادة مقام النبي موسى بثوب جديد بعد ان تم ترميمه بالكامل.”

وفهمت حينها، انه تم التعاون مع القطاع الخاص من اجل التشغيل وإدارة الموقع فيما يخص الجزء الذي تحوّل الى نزل فندقي (٢٠ غرفة) إضافة الى مطاعم وقاعات. واعتقد ان الكورونا وتوقف القطاع السياحي لم يتح استخدامه الفاعل كفندق، كما تم فسخ عقد الشراكة بين الشركة والاوقاف (كما ذكرت سابقا).

اعترف ان الامر بدا لي صعب الهضم بالبداية، فلشكل هذا المكان في ذاكرتي صور أخرى ترتبط بالمولد والاحتفالات الشعبية وموسم النبي موسى الذي كان يستقطبنا صغارا وكبارا. وفي عودة مركّزة الى ذكرياتي تيقنت ان المكان لم يكن موقع صلاة بقدر ما هو موقع التقاء ثقافي تجاري اجتماعي ديني “موسم النبي موسى”. احتفالات الناس على مدار أسبوع بالإقامة هناك، والطبخ والبرامج الترفيهية الشعبية المختلفة. كانت العائلات تنتظر الموسم لتحتفل بطهور أبنائها، ومن كان عليها نذر كانت تأتي لتطبقه، ومن كان يريد اشهار او اعلان خبر سعيد او مهم كان ينتظر الموسم ليعلن عنه. اذكر ام فريال التي كانت تشتهر بعزفها على الإيقاع التي كانت تحيي الامسيات للعائلات الكبيرة، كانت فعاليات الدبكة والكشافة والامسيات الدرويشية والصوفية جزء من برامج الموسم المتكررة على مدار السنوات. 

 ولكني حاولت بقدر المستطاع رؤية الموضوع من زاوية أكبر، وهي أهمية عدم اتاحة الفرصة لإسرائيل الاستيلاء على الموقع بالمستقبل.

مع الاسف الشديد، يبدو اننا وقعنا بحفرة عميقة هذه المرة، بسبب كل ما نعانيه من ازمة مؤسساتية لا حساب ولا مساءلة فيها، وفلتان ومحاباة وغياب واضح للقوانين والمعايير والإجراءات. اوصلتنا الي هذا المكان الكارثي تحديدا. 

وهنا لا اريد ان اتنصل من تحميل الجهة التي نظمت الحفل- الدي جي- لان ما حصل هنا لا يقل كارثية من أفعال الحكومة التي اوصلتنا الى هنا. 

هذه محصلة تسطيح الوعي الفلسطيني وكيه على مدار سنوات أوسلو. جيل يعتقد ويصدق انه مختلف من حيث التوجهات والآمال والاحلام ويواكب ما يعيشه العالم الكبير، وكأن هؤلاء يقولون من خلال صوتهم انهم مثل باقي العالم الطبيعي على الرغم من العيش تحت الاحتلال، او ربما تكمن المأساة هنا، ان الاحتلال ليس ما يريد هؤلاء تحديه، ولكن اثبات ان السلطة استطاعت خلق واقع طبيعي في محيطها. وهذا هو ما صنع الخلل الأكبر. فنتج امامنا جيل لم يعد يميز الا إزالة الفروقات والعوائق ومسحها بلا اكتراث لما هو سياسي الطابع او اجتماعي او تراثي او ديني كما رأينا هنا. 

على الصعيد الشخصي، أثمن دوما أي توجه شبابي باختلافه وانفتاحه، على الرغم من عدم فهمي او استيعابي لما يروجون له من أفكار- لأني ببساطة قادمة من جيل سابق، وببساطة أكثر كنت بلا شك احمل أفكارا اعتبرتها ثورية عندما كنت في جيلهم- لأكتشف ان تحدي الأعراف والقواعد والتقاليد ليس الا ثورة داخلية تشكل نضوجنا القادم قبل ان نتصالح معها. نتعثر ونقع خلالها كثيرا.  ولكني اعتقد بالتأكيد ان هذا مهم بخلق تنوع وتجدد وتغيير. فهؤلاء بالمحصلة شباب يريدون الاكتشاف والتعبير عن أنفسهم بطرقهم لا بطرقنا. وكنا دائما نضع ثقلنا واملنا ان هناك وعي ما مهم للغاية بهؤلاء الشباب لهويتهم الوطنية والتي لا يمكن ان تخرج منها الهوية الثقافية والتراثية والدينية. 

هؤلاء يريدون ان يراهم العالم مثلهم.. وهذا حقهم. ولكن ما جرى كان سقطة جعلت كل ما يحملونه من امال بتغيير مجتمعي عالمي يتهاوى كالحطام. لأن ما جرى لا يمكن ايعازه للجهل، فهؤلاء ليسوا بجاهلين، بل متعلمين مثقفين يميزوا جيدا ما هو صح وما هو خطأ. ومهما حاول العالم الذي يريدون الانتماء له من الانفتاح، فان ذاك العالم لا يمكن ان يخدش المسلمات بمفهوم المقدس بالنسبة للشعوب المختلفة. فلن نرى حفلة كهذه في كنيسة ولا بكنيس ولا بمعبد بوذي. هذا النوع من الموسيقى مكانه البؤر الواسعة والمغلقة لعالم الصخب والسهر. عالم ليس بالضرورة عالم معظم البشر، وهذا لا يقلل منهم ولا يزيد غيرهم. فكما يقال لكل مقام مقال. 

لا يمكن الا يكون كل من دخل من اجل الحفل قد رأى اللافتة التي تستقبل الزوار “مسجد ومقام النبي موسى”. فهنا تكمن المشكلة، سواء كانت غياب وعي او عدم اكتراث بقيمة المكان وإمكانية مساس مشاعر العالم بهكذا عمل. او التفكير “الصادق” ان المسجد والمقام لا صلة لهما بالساحة التي أقيم فيها الحفل. 

من الجهة الأخرى، ما الذي يقصد به بالترويج لعمل موسيقي كهذا وسط صراع محتدم في هذا الوطن على التاريخ والهوية عندما يرى العالم ان أبناء الوطن لا يكترثون لقيمة أماكنهم ذات الطابع الديني والتراثي في وقت نفس أبناء هذا الوطن يرتعبون ويحاولوا شد انتباه العالم ويستغيثون دوما من مغبة استيلاء إسرائيل على موروثنا الديني؟ 

ولكن مهما حملنا هؤلاء الشباب المسؤولية، فهناك مبدأ تردده السلطة بكونها الراعي المسؤول عن رعيته. 

وهنا تأتي المسؤولية المطلقة والمباشرة والواجبة المحاسبة على المؤسسة الرسمية التي لم تلفت انتباه القائمين على حساسية الامر، بل أكثر، وافقت بلا تردد. ومهما حاولت الجهة المسؤولة هنا، وهي الجهة التي أعطت التصريح- وزارة السياحة تبرير خطئها لأنها أولا لم تتحر الدقة عن نوع النشاط او الفيلم الوثائقي المزعم تصويره وبثه. وثانيا، لم تُعلم الجهات المعنية بالموقع وهي دائرة الأوقاف الإسلامية التي تتولى الحراسة.

وهنا عند التفكير بالحراسة والامن والاوقاف يصبح الامر أقرب للمزحة او السخرية السوداء، عندما نعرف ان وزير الأوقاف هو نفسه وزير الداخلية وهو نفسه كذلك رئيس الوزراء. فهنا المسؤولية الكاملة تقع في شخص رجل واحد وهذه الكارثة الحقيقية، في وقت كان يجب ان ينتبه على الأقل بطريقة ما الى ما كان على وشك ان يحدث. يعني اين التنسيق بين وزارة السياحة ووزارة الداخلية ووزارة الأوقاف ووزارة الصحة؟ الا تستدعي هذه الموافقات على هكذا فعاليات تصريحات امنية؟ 

فاذا ما تطلب اجراء هذا النشاط \ الحفل موافقة جهات لا يمكن الاستغناء عنها من اجل إقامة النشاط \ الحفل فكل هذه الموافقات ستكون تحت طائلة مسؤولية رئيس الوزراء الذي عليه ان يحاسب وزرائه: 

وزارة السياحة والصحة والداخلية والاوقاف. 

فهنا تبدأ الأسئلة التي يجب المحاسبة عليها، ولو كنا في بلد يحترم نفسه لتمت اقالة كل من في هذه المناصب بلا تردد لحفظ بعض ما تبقى من ماء الوجه. 

كيف لوزارة الصحة ان توافق على تجمع به العشرات وسط تفشي الكورونا والإجراءات الصحية الوقائية الصارمة المعلن عنها بعدم الاحتفال والتجمهر؟ 

كيف تسمح وزارة السياحة بان يتم استخدام الموقع لهكذا حفل\نشاط بلا تحري وتأكد واستشارة ومعاينة؟ وإذا ما كان الامر كما تم التصريح من خلاله بتصريح وزيرة السياحة انها لم تعط أي موافقة لان المكان ليس من صلاحيتها، فهذا عذر أقبح من ذنب. فإشارة وزارة السياحة واضحة وجلية كذلك على المكان. يعني لو كنت مكان الجهة التي استحسنت المكان وارادت ان تقيم فيه أي فعالية وذهبت هناك ورأت اللوحة على مدخل المقام بشعار وزارة السياحة لفكرت بتلقائية ان الجهة صاحبة الاختصاص هي وزارة السياحة. وهنا وبعد تأكد وزارة السياحة ان الشخص الذي يريد ان يقدم الحدث او العرض او النشاط يتناسب ما تقدم به لاحتياجات السياحة ويحافظ على المكان، فعلى الوزارة تبليغ الجهات المعنية الأخرى.

اما وزارة الداخلية والتي يتبع الحراسة فيها والامن بذلك المكان لها، فهل أعطت هي الموافقة؟ وعند الفحص تبين ان لا حراسة هناك أصلا، حيث تصادف، وهنا على الأرجح لسوء الحظ، ان حارس المقام السابق قد تقاعد ولم يتم استبداله بعد. وهذ طبعا سقطة مؤسساتية، أدت الى تفرد أصحاب النشاط\ الحفل بالتصرف. فجاؤوا مع عدتهم ومعهم ما يعرفوه من تصاريح أحدهم من وزارة السياحة والاخر من وزارة الصحة. 

بكل الأحوال يجب ان تمر كل تلك الأمور من خلال رئيس الوزراء الذي يشغل وزارتين من الوزارات المسؤولة بطريقة مباشرة أكثر على ما حصل. 

رئيس الوزراء يبدو كمن يحمل سلال بطيخ بيد وبطيختين في يد أخرى مقتنعا انه يستطيع السيطرة. والامر لا يحتاج الى محلل ذكي ولا تفكير منطقي ليفهم ان البطيخ بالعادة لا يمكن حمله الا بطيخة على حدا وباليدين. فكيف إذا ما حملنا بطيختين في يد و١٥ بطيخة أخرى في يد؟ فماذا لو كان يحمل وزارات لا بطيخ؟

هذه محصلة ما يجري من تهاوي وانهيار في كل شيء بالمنظومة المؤسساتية لدى مرافق السلطة. غياب الامن وتكريسه بيد مجموعات فصائلية، وحكم العشيرة الذي صار اقوى وأصلح والابقى امام ترهل حكم القانون وعدم تمكين سيادته. 

التفرقة الحزبية والطائفية والمجتمعية كانت نتيجة طبيعية في تداعيات ما حصل، فبينما يصبح الاحتفال بعيد الميلاد يستدعي فتوى شرعية بجوازه او تحريمه، يكون حرق شجرة العيد كما جرى في سخنين امرا بديهيا لمن تسوله نفسه التخريب والترهيب. 

ولان كل ما يمثل الزينة والاضواء صار فعلا ” نصرانيّاً”  (بعقول البعض) كان من البديهي وتزامناً مع احتفالات الميلاد أن يعتقد الناس أن ما يجري بالداخل حفلة تابعة لأعياد الميلاد. لأننا وبوجود مؤسسات ثقافية وسياحية ودينية فشلنا بأن نثقف أبناء الشعب الواحد ونوعيهم ونحثهم على ان لا فرق بين الانسان وأخيه الا التقوى. 

ولان مشهد أضواء في باحات الموقع كان خارجا عن المألوف والمتوقع، كان من البديهي كذلك التفكير أن من بالداخل مطبّعين وإسرائيليين. فتحوّل ما حدث حفل مسيحي وتطبيعي وشيطاني (بعقول البعض). في وقت كان من السهل تبرئة المسيحية وعيد الميلاد عند معرفة ان من اقام الحدث هي الدي جي الفلسطينية العالمية سما عبد الهادي التي على ما يبدو لم تتنبه الى ان التحليق في السماء العالمية يحط أحيانا على الأرض، كما يحتاج ارضا للانطلاق منها. وما اختارته او تم اختياره لها لم يكن ارضا تُمكِّن من عليها التحليق. فارتطمت على ارض الواقع لا سماء عالم موسيقي تبدو متفردة به.

فالموضوع برمته لا علاقة بالدين المسيحي ولا احتفالات الميلاد ولا المسيحيين. وقد يشفع وعي سما الثقافي ورسالتها في عالم التكنو فيما سجل لها بالسابق بالتأكد ان ما جرى لم يحمل نوايا سيئة ولكنه كان سوء تقدير لم تع مغباته. ولو كانت سما تعيش في مكان يحكمه القانون وتسوده الاخلاق لم تكن لتقع في هذا المكان الوعر، لأنه من البديهي ان يكون هناك نظام سيادي فاعل يحترم المواطن والوطن فيفهم ما الممكن وما غير الممكن. ويفهم ما هو الكارثي وما هو الاشكالي.

فما جرى اليوم من تداعيات مؤسفة وكارثية أكثر من ارتكاب خطأ غير مقصود، عندما تجمهر الناس للتعبير عن غضبهم عما جرى وعالجوه بكارثة… بل كوارث. 

نعم كانت إقامة النشاط خطأ جسيما. ووقفنا جميعا امامه صفا واحدا. وما جرى يستدعي الدعوة الى المحاسبة لا الحرق. فما كان خطأ جسيما من اشخاص اساؤوا التقدير ولم يقصدوا الإساءة، صار انتهاكا وتخريبا مقصودا من قبل الغاضبين. ما جرى اليوم من حرق وتكسير وتخريب بالمرافق الخاصة بالغرف أخطر بكثير من الحفل الذي اعلن الغضب بسببه. فما الذي حرقه هؤلاء؟ ما هي الرسالة التي ارادوها؟ هل الدفاع عن الاماكن المقدسة يتم بتخريبها وتكسيرها وحرقها؟ ام ان الغرف لا تمت للمكان المقدس بصلة؟ فاذا ما كان هذا تبرير للتخريب الذي حصل، فان ما قام به أصحاب الحفل مبرر. فبالحالتين لم يقترب احد من “المقدس” او المقام والمصلي!  

هل هكذا يعالج الخطأ؟ بارتكاب جنح وجرائم محتملة؟ 

هل إيصال الامر الى هذا المستوى من الهيجان والضغط والحرق الذي استدعى وقوف الاليات العسكرية الإسرائيلية على مداخل المقام وتدخلها لإطفاء الحريق وفض الإشكاليات والتجمهر مقصود من خلاله ترويع من اقام الحفل وسمح له ام يهيئ لتدخل إسرائيلي “مبرر” عما قريب؟ 

هل نسي هؤلاء الغاضبون انه وبالتحديد على بعد أمتار من كل الجهات الملاصقة والمحيطة والمتاخمة لهذه المنطقة تتربص المستعمرات وتشرع بتلك الاثناء تنفيذ خطة الضم؟ 

هل أرهبْنا من أخطأ لنعيش كارثة استيلاء على المكان لأننا لا نعرف كيف نديره ولا ندير أنفسنا؟

هل ما حصل اليوم كان مقصودا؟ فهل كان دخول هيئة او جمعية التأهيل من المخدرات عفويا وبالتالي فرض امر واقع جديد على المكان؟ وهل هي الجهة المعنية بحل الازمة؟ 

الحقيقة انني لم افهم كيف خرجنا من ازمة تحويل المكان الى فندق لنقع في ازمة أخطر وأصعب وكارثية بالفعل وهي تحويل الموقع لمركز تأهيل ادمان.

نعم، يبدو الطابع السياحي ” خبط لزق” بالموقع صادم لمن تعود وعرف المكان كمقام خالص. الا ان المكان كان دوما ومنذ نشأته الأولى وعلى مدار ٩٠٠ سنة خانا ومكان اسطبلات وموقع أنشطة شعبية مختلفة في أكثر الأوقات، تجددت مع القرون والسنوات. علينا التنبه دوما بجعل السياحة التراثية جزء من هويتنا الجمعية والدينية. ولكن هل من الصحيح ان يرجع المكان ليأوي مدمني المخدرات وتأهيلهم؟ 

لا اشك مرة أخرى، ان ما حدث قبل سنوات بعيدة كان وليد حاجة، وكان صحيحا ومهما حينها. ولكن لم يكن من الصحيح ولا الطبيعي ان يحرم اهل فلسطين من زيارة المكان بسبب هذه الوضعية. فمراكز التأهيل يجب ان يكون لها اماكنها الصالحة لها وما يتوافق مع احتياجات المرضى المدمنين، لا يجب ان تغطي احتياجاتهم او تتعدى على الأماكن العامة التي تتصف بما يتصف به هذا المكان.  

ولا اعرف ان كنا كمجتمع كشعب سنخرج من هذه الهوة وبأضرار غير جسيمة. ما نحتاجه هو سيادة حقيقية للقانون وهذا يعني اننا نحتاج أولا ان ننتخب من يمثلنا ويسن قوانيننا ويطبقها وان نضعه ونضع أنفسنا امام المحاسبة. 

لقد دخلت السلطة الفلسطينية وضع التفجير الذاتي، ولا نعرف متى سيكون الانفجار الأكبر التالي.

لطالما الفساد والغبن والمحاباة وسيادة الواسطة والعشيرة ورأس المال هي السائدة فلن نكون بخير. 

لو كنت مكان أحد المسؤولين بأي من المؤسسات الرسمية ذات العلاقة لاستقلت. ولو كنت مكان صاحب سلطة بينهم لقدمت كل من شارك من المسؤولين اقحام البلد والمكان والشعب في هذه المصيبة للمحاكمة.

مؤسف ومرعب حالة التدحرج الى الهاوية التي تشدنا الى قعرها أكثر في كل مرة. 

خبران مؤسفان ومحزنان ومخزيان خلال اقل من ٢٤ ساعة. اقر بأن حرق الشجرة على الرغم من قباحته ومسه بما هو مقدس وينفي مظاهر الالفة والتقبل بين ابناء الشعب الواحد بمختلف دياناتهم، يبقى اقل مأساوية وخزيا امام تسجيل فيلم وثائقي بحفل دي جي بمقام النبي موسى.
بين من نحارب تطرفهم الاعمى وبين من نتواجه مع طيشهم ولا مبالاتهم نقف امام نموذجين مدمرين لما نحن عليه من الضدية في كل شيء. صرنا الشيء وعكسه.
ما الفرق بين ما حدث في النبي موسى وبين تحويل اسرائيل للمقامات والمساجد لبارات ؟ مرة اخرى وخلال ٢٤ ساعة، اجد نفسي ابرر للاحتلال فظائع صنيعهم بِنَا. فوالله تخطينا وتعدينا قباحة فعل الاحتلال وشناعته .
كما لا يستطيع عقل فهم او تقبل فكرة ان يضرم سفيه متطرف النار في شجرة العيد. لا يستطيع عقلي فهم كيف تسول نفس اي عاقل فلسطيني بالاقدام على هكذا فعل لا يمكس وصفه الا بالدنس. لا مسؤولية ولا احترام لابسط قواعد الاماكن المقدسة. كنا نخشى على النبي موسى بتحويل الاحتلال له كمركز بالتعاون مع الاوقاف لعلاج المدمنين. لنعش ونراه بؤرة تسلية مكانها بالبارات والديسكوهات واماكن السهر الصاخبة.
وبالتزامن مع اعياد الميلاد ، كيف لنا ان نقنع من هبوا لفض هذا الصخب وانتهاك حرمة المقدسات من ان المحتفلين ليسوا ‘نصارى’؟
كم اساء من اقام الحدث وحضره وشارك به للمسيحيين وللعيد المجيد في وقت يحارب السوي منا من اجل لحمة اطياف هذا الشعب الممزق.
من جهة نتواجه مع تخلف وتطرف وجهل اعمى ومن جهة اخرى نتوا جع مع استهتار واستعلاء وغياب وعي يتجمع النقيدين ليشكلوا وحدة تهديد هدامة لهذا المجتمع.يتحد الجهل والتخلف والاستعماء والاستخفاف بالآخر او تحقيره لنغرق في وحل اغرقنا تحته وطن.