على درب مريم

وحين سلكت مريم درب الالام

قراءة في رواية على درب مريم

كتب : عزام الدقاق

ست مريمات شكلن رواية الكاتبة المبدعة ناديا حرحش . تلك المريمات ما بين مريم العذراء ومريم المجدلية ومريمات ناديا الاربع  اللاتي شقّتن عبر باب بحر التاريخ القديم والحديث وتحملن شرب مياه البحر المالح وصبرن على امل الوصول الى شط مدينة افلاطون لعل وعسى يجدن العدل والتقدير و يتمتعن بالعدالة الجندرية…… كانت رحلة قاسية ، متعبة ، ومحبطة الى حد بعيد ….ركضن نحو الافق حين لاحت تباشير المساواة والحرية ، الا ان الافق لا حدود له و لا يمكن ادراكه ، فكلما شعرت بانك قريب من مرادك يبدو الافق ابعد و تستمر المعاناة ……. وقبل ان يستسلمن ….. نسجن بقلم الكاتبة لوحة فسيفسائية رائعة مطرزة بقطب لها دلالات رمزية و اودعن اسرارهن في كلمات واحداث رسمنها  بذكاء في حواشي اللوحة التي تمت الى  تاريخنا و وجودنا الفلسطيني على هذه الارض المقدسة. …..  فتشدّنا هذه اللوحة الى قراءة الحواشي للاستزادة من هذا الدليل الشيق الذي يربط تاريخنا بحاضرنا من خلال ربط اسماءابطال الرواية  بالمواقع والمدن والقرى والسهول الفلسطينية والاحداث التاريخية

تبدأ الرواية بسرد قصص المريمات الاربع، لنكتشف  بان قصصهن تتشابك فيما بينهن وكأن قصة كل واحدة منهن لها ارتباط زمني ومكاني وروحي وديني بمريم اخرى. ثم نكتشف ان الاحداث التي تم سردها ،هي عبارة عن موروث ضخم من احداث  ثقافية واجتماعية وتاريخية وحتى سياسية نقلتنا عبر نفق الزمان ، ومن خلال المريمات، من العصور القديمة وعقائدها وتاريخها وادبها ، وصولا الى العصر الحديث  و احداث النكبة الفلسطينية والاحتلال ومرورا باوسلو و الاحداث في سوريا

 ما الجديد في هذه الرواية ؟؟؟ اعترف بانني حاولت ان اقرأ الرواية مرتين ، بعقليتين وشخصيتين مختلفتين.  اولهما قراءة سريعة كقراءة اي رواية، متلهفا لمتابعة احداثها و نهاياتها. وفي المرة الثانية للوقوف عند محطات معينة، سمحت فيها لخيالي ان اربط بينها وبين شخوصها، وبين شخصيات واحداث اعرفها او سمعت عنها ، وان اقرأ ما بين السطور والاحداث و الحواشي والاقتباسات الجميلة ، وهذه القراءة قادتني للبحث عن العناوين وفي الاقتباسات  الفلسفية والادبية التي اشارات لها الكاتبة، وحيث كان للكوميديا الالهية نصيب في هذه المحطات وهذا الامر فيه استزادة في المتعة ، لكنه مرهق بعض الشيء، و شعرت بان هذا البحث يبعدني عن السلاسة والبساطة و الجرأة العفوية في السرد الروائي ، وهنا لا بد ان اعترف بانني استمتعت بالقراءة الاولى اكثر ، لبساطة وجرأة السرد

 لا اعلم ان كنت مخطئا عندما شعرت بان ناديا هي الام الراعية لكل المريمات، او هي جزء من كل مريم ….  وبذلك يصبح عدد مريمات الرواية سبعة مريمات ………… لكن ما اصبحت اعلمه بعد القراءة المتأنية،  وانا مقتنع بذلك  بان مريمات ناديا حملن ولا  زلن يحملن صليبهن وهن ينزفن في صراع  ونضال مريرين  لاثبات وجودهن كبشر،  لهن كامل حقوق البشر ……… ومقتنع بان تخلف الفكر جعل المريمات في دنياهن و اخرتهن مجرد سلعة او مكافأة  لارضاء الذكر عبر العصور …..وما بعد نهاية الحياة على الارض…… وهنا تكمن مشكلة مريم الازلية….. وستبقى ما دام التخلف الفكري قائما ، وما دامت مريم في نظر الرجل ،هي صيد دسم و مشروع في غابته

لعل الرواية  بطريقة تشكيلها اقنعتني بان الاحداث او جزءا كبيرا منها هي تجسيد لحقيقة  بان قصص المريمات هي قصص حقيقية الى حد بعيد ، او تقترب من ذلك ….. او لانها ولدت من رحم واقعنا الشرقي،  ومن وجود  المرأة ونضالها وظلمها وتعاستها وفرحها في مشرقنا العربي ……

 الرواية هي  قصص لا يجرؤ الكثيرون  و الكثيرات من الاقتراب منها و ازاحة الستار عن خفاياها و تفاصيلها ، خوفا او خجلا …….. وتملكني شعور بان ناديا تحفظت بعض الشيء في سرد الاسرار والتفاصيل بحرية اكبر ….. واتفهم ذلك ، واتفهم حرصها

الرواية رائعة …..مع بعض العتب….. فالكاتبة فصلت صورة مريماتها لتعكس واقع النساء جميعا، فهن المظلومات دائما …. وان كنت  اوافقها  و اشاركها الرأي بان النساء تعرضن للظلم ومنذ بدء الخليقة. لكنني لا اشاركها غضبها على الرجال كل الرجال، ولم يتم انصافهم ، وكأنها وضعتهم جميعا في قفص الاتهام من خلال شخصيات الرواية،……. وان حاولت عدم اظهارذلك  بذكاء  او بصورة جلية في المضمون العام للرواية، بالرغم من بعض التلميحات والايحاءات لظروف بعض شخصيات الرواية  من الذكور ،  والتي قد تبرر افعالهم ،…..الا ان ما يترسخ من صور الرجال في هذه الرواية  ، هي صورة الرجل العابث و الكازانوفا ، و صورة  نمطية الرجل الذي لا يعيبه شيئا وهو فوق النقد وفوق الخطأ، في مقابل صورة المرأة المغلوب على امرها دائما، و التي ان ثارت ، وفضحت ثورتها لصدقها مع نفسها ، فانها ستكون اثمة في نظر المجتمع

مرة اخرى الرواية رائعة ، وتولد شعورا لدى القارئ بان لدى الكاتبة  الكثير لتسرده ،…….. الا ان شهرزاد سكتت عن الكلام المباح ، اما خوفا من شهريار او من مجتمعه المتخلف

 كل الاحترام  والتقدير للكاتبة ناديا حرحش .

عزام الدقاق

القدس

https://www.wattan.net/ar/news/305792.html?fbclid=IwAR0IXa_tPaFXDlb1opu4MpM6zbpTMtRSNKBUyvHt5Fi3Ut5j3O_JlGmdaik81247739_365168391017237_5231163041453703168_n

يحدث ما يحدث لنا حياة تلو الحياة وممات تلو الممات لأن على الاشياء ان تحدث، وعلينا نحن ان نحدث معها. وفِي حدوثها وحدوثنا تمتلئ ثقوب الروح فلا يعود يتسرب من بين ثناياها الفرح. تلك هي مريم وذاك هو دربها .. ودربنا. أخذتني رواية صديقتي الكاتبة الجريئة ناديا حرحش لأبعد من ما كنت اتخيل ! فكم من المسافات نقطع في دروبنا احيانا دون ان نحك أطراف روحنا؟ رواية “على درب مريم” تحك أطراف الروح البعيده وتضيء المناطق المعتمة فيها .. تحملنا الشخصيات وتشابك خيوط حياتها الى الغربه .. الغربه التي نحملها معنا أينما ذهبنا. للرواية تأثيراتها الكبيرة بنظري على العقل والقلب والروح وعلى مستويات عدة تتناغم في تطورها داخلنا مع مسارات الرواية والطبقات التحليلية فيها . فمنذ بدايات بداياتها تخاطب شخصيات ناديا العقل وكيف نرى ونحكم على الأمور من منظوراتنا المكبلة بتعاليم الأديان والمجتمعات. وفي ذات الوقت توجع القلب باستعراضها لمساحات الأحلام التي نرى بألم شديد كيف تحملنا بعيدا عن ساحات المعركه الحقيقية. أما رحلة الروح فتلك هي أساس ووجهة الدرب الذي تضعنا مريم عليه لنجد في نهاية المطاف ان لا وجهة هناك سوى الدرب ذاته. لن ادخل في تفاصيل الروايه لان على القارئ ان ييدأ الرحلة دون زاد. لكن ناديا بأسلوبها الروائي الشيق تركت لنا نوافذ الى هذا العالم من خلال اقتباسات أدبيه مضيئه تحاكي تفاصيل الروايه بكل مساراتها. وفي خضم الغربة التي تحيط بمريم في احدى المحطات نرى ذاتنا تتفتت بين صور دانتيه التطهيريه والعالم الكئيب لميلر واورويل من جهة، ومريم وصراعها لإيجاد صوتها الحر وإسماع قصتها لذات العالم من جهة تانيه. وعلى طول المسافة بين الفراغ والأمل تظهر لنا اصل الحكاية. فالأمل لا يكون بتغيير العالم لمكان أفضل، لا! الأمل هو بملىء الفراغ داخلنا.. لانه فعلا وببساطة .. فقط بملئ الفراغ الداخلي بمفهوم الحرية وتجلياتها ، يصبح العالم الخارجي مكان أفضل ! انا ارى بان الروايه لها ابعاد اكبر بكثير من كونها نقد لاذع للفكر الأبوي وذكورية المجتمعات مثل ما تشير تحليلات بعض القراء. الرواية تحمل في طياتها عذابات البشرية الكامله المتمثله في والناتجة عن الفهم الخاطئ لفلسفة الحق .. الحق في العيش .. الحق في الامتلاك .. الحق في السيطرة .. الحق في تحديد ما هو الحق .. الحق في الخضوع .. الحق في التضحية… الخ… كل الأبطال في الروايه، إذا صح تعبير ابطال، هم شركاء وضحايا لهذا الفهم .. نساء ورجال .. فالرواية تأخذنا لبذور الفكر الأبوي والأعماق المظلمة التي بنيت عليها الأديان وفلسفات التعامل بين البشر في كل المجتمعات مع حفظ خصوصيه المجتمع العربي في ذلك. وفي نفس الوقت تضيء الروايه زوايا الروح في استحضار اجمل النصوص الأدبية وأعمقها مما يجعلنا ننظر لأسوء التجارب الإنسانية على الإطلاق بعين البحث والتحري .. كيف ولماذا ..

 

https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb335183-327222&search=books

 

رواية على درب مريم

للكاتبة نادية حرحش

سعد عبد الهادي

 

أبدأ الحديث بأن أؤكد أنني أتحدث كقارئ متذوّق للأدب وليس كناقد أدبي، وخصوصا بحضور كاتب مبدع مثل الأستاذ أسعد الأسعد.

أدهشتني المبدعة نادية حرحش بروايتها، كيفية تناول الموضوع، التعقيدات أو يمكن أن أسميها التشابكات التي بنت عليها الحبكة المكونة من مجموعة حبكات، وما شجعني على الكلام أنني أحببت أن نناقش معا الرواية، من حيث البنية ومن حيث المضمون.

رواية “على درب مريم” هي أدب وفلسفة معا، شعر ونثر، استذكار لتاريخ وميثولوجيا

أحسست أن بها رؤية متكاملة العناصر، بسياق واضح توحي أحيانا بأنها رؤية مسبقة، مما يجعلك كقارئ تتوقع ما سيأتي بالرواية، فتفاجأ بحدث أو نتيجة ليس كما توقعت، بطريقة أخرى هي أشد وأقسى، بل تصدم في أغلب الحالات.

ما تفسير ذلك؟ سأشير له قليلا كما أفهمه أنا، ولكنني آمل أن توضحه الكاتبة أكثر…

بدون شك تعاني المرأة بمختلف الطبقات من تمييز نوعي عميق وشديد الأثر، يتجلّى بالعديد من المظاهر، من الزواج المبكر، الى الزواج غير الناضج وغير الواعي، الى الزواج غير المتكافئ، الى أن نصل الى زواج نعتبره بداية واع ولكن يظهر أنه مخادع، بمعنى أن تكتشف المرأة صدمات واقع بعد الزواج تختلف عن التوقعات.

هذه الأنواع مرت علينا بمريمات الرواية وأو صديقاتهن وأو أخواتهن. ولكل من هذه الأنواع هنالك نتائج وخيمة من نوع ما، وفي أغلبها كان الدين ستارا يخبئ خلفه الكثير.

في الرواية دمج لعدد من أدوات التعبير تستحق التأمل من الجميع، نقادا ودارسين وأدباء، وكذلك منا نحن القرّاء من كل اتجاه. لدينا وجهات نظر أتوقعها تهمّ الكاتبة، وأظنها لهذا السبب دعتني للكلام.

وعليه فإنني سأبدأ بتقديم إضاءة لبعض ما أدهشني، وأتوقعه سيدهش الكثيرين الذين أشجعهم على قراءة الرواية .. التي هي بالحقيقة عدة سرديّات في رواية.

أولا: روايات في رواية

لقد قررت الكاتبة أن ما كتبته رواية وليس روايات، مع أنها سرديات لعدة مريمات، ثلاث نساء تجمعهن بعض العناصر ولكنهن مختلفات، وظروفهن على تشابهها الا أنها مختلفة. تمكنت الكاتبة من جمع المشترك بينهن ليصبح السياق سياق رواية متكاملة العناصر، بحيث تكاد تشك أنهنّ مريم من طينة واحدة، بل انها زادت الأمر تشابكا بأن المريمات في كل سردية هن أكثر من واحدة، مما يجعل مريمات السردية الواحدة يحتجن تفهّم عميق للقارئ، وخصوصا عند ربطه بمريمات التاريخ العذراء والمجدلية.

العذراء والمجدلية حكاية الأزمان المُختلفة، هل هي ثنائية مُختلقة من الأساس، لكي تبرر الوجود نفسه، فكيف لنا أن نبجّل مخلوقا ان لم نصنع آخر نشكك به، وكيف لنا أن نفهم عذريّة وطهارة بشر، ان لم يكن هنالك من نشكك بطهارته وعذريّته.

وكما هو بالأسطورة: العذراء تقابلها المجدلية، في كل سردية من السرديات الثلاث هنالك مريم أخرى أو أكثر تقابلها، صديقتها التي هي معها أو التي تعاود مقابلتها صدفة أو قصدا، تفاجئها أو تذهب اليها، تتماهى معها أو تتناقض معها، تفهمها وتتفهّمها…

ثانيا: العلاقات بين النساء أنفسهن وبين المرأة وذاتها

نرى في الرواية صوتا نسويا صارما ومعتدا بذاته، يخرج عن العباءة المعتادة بالأدب ويختلف عن العديد من الأصوات الروائية النسائية تحديدا. الأسلوب والتناول يعطي السرد الكثير من المصداقية، ذلك ما أعطى الرواية مصداقية ومشروعية بطروحاتها كونها تعبير جلي عن النساء في زمان ومكان الرواية.

ان صوت نادية حرحش، كما هو صوت شخوص الرواية وصوت الأسطورة في تجاذبها مع الواقع ومع الزمن الحاضر في الرواية، أضحى بعدا آخر في متنها النصي ومتنها الروائي، والأهم في ذهن قارئها المفترض، الذي أصبح عاملا فاعلا بحد ذاته بين أحداث الرواية القابلة للإسقاطات المتعددة على الوقائع. لقد وضع النص الذي بين أيدينا كل العناصر أمام القارئ المتمعن، المعلومات التفصيلية أحيانا للواقع، مع الأسطورة بدلالاتها من أكثر من مصدر، مما يمكن هذا القارئ من تكوين رؤية خاصة به، واستنتاجات مبنية على فهم كامل لكل ما بين يديه.

تتنوع نظرة الكاتبة لعلاقات النساء، كلّهن يؤثرن ويتأثرن ببعضهن، ولكن تحتفظ كل منهن بخصوصية وحالة إنسانية معينة، فاذا لم تتمكن أحداهن من الخلاص من الظلم والاستباحة، تتمكن أخرى من الخلاص بطريقة ما ولو بالخيال، وثالثة تنتقم بأن تخرج عن المألوف وتمارس علاقات لا تختلف بجوهرها عن العلاقات التي تدينها الكاتبة للرجل، ولكنها تضعها بسياق تفسيري أو تبريري يجعل القارئ يكاد يتفهّم الظرف والسبب، بينما في حالة الرجل لا نراها تضع أي عذر مقبول أو غير مقبول، بل تفضح الكاتبة ادعاءاته بصورة لا تدع مجالا للشك بضرورة إدانته تماما.

وعليه نستنتج النقطة الثالثة التي سأتحدث بها.

العامل المشترك الأبرز: قسوة الذكور أفرادا ومجتمعا ذكوريا

وهنا سأبدأ باحتجاجي على التعميم، يمكن أن تبحث بالمندل عن ذكر جيد يحترم ذاته أو لا تقوده شهواته. أوافق بالطبع على وجود مثل هذه الحالات وقد يكون بكثرة، لكنني أعترض أن تكون هي السائدة دوما.

الاشكال الفلسفي في هذه الحالة، العلاقة التبادلية بين الطرفين، قسوة طرف، يقابلها سكون واستسلام لطرف ثان لا أراه مبررا بالكثير من الحالات، ولا أريد أن أبالغ أو أفهم خطأ بأن ما أقصده: لو لم توجد امرأة مستكينة لما وجد رجل شرس، ولكن هذا بالتأكيد تفسير لتعدد الحالات وكثرتها أو لنقل لضعف مقاومتها.

على صعيد تكنيك السرد، نرى تركيبية في الحالات المتعددة التي تحملها متون الرواية، إن تضافر الحبكة بصورة عامة نرى فيه تركيبًا جميلًا؛ حيث الصنعة الأدبية بادية في الرواية، وغير متكلفة مما يضيف ابداعا واضحا.

يقع القارئ لهذه الروايات بين المريمات الكثيرات، في دوامة مفتوحة تديّره بين عدمية العيش في المدينة وانعدام المعيار الأخلاقي فيها، بعيدا كل البعد عن رداءة المشهد المجتمعي، والاجتماعي، والسياسي، فالسؤال الحقيقي هنا هو سؤال العدالة، كيف تعرّف المدينة بناتها، وكيف تعرّف النساء المدن الكثيرة.

والسرد هنا لا يحمل زخم الأحجية، ولا إثارة الغموض، بل يقف عندها القارئ مترقبًا ما الذي سيحدث، فتلبي الكاتبة فضوله سريعًا، بما يشبه التوقع أحيانا وبعيد عن توقعه المباشر أحيان أخرى، ولا يصل إلى النمطية، فتبقى بين بين، القارئ مشدود بما يكفي، فضولًا وإيقاعًا.

اللغة المحمولة عليها الرواية بسيطة، واضحة، مباشرة، نرى فيها بعض الثقل أحيانًا، وخصوصا بربطها بالنصوص الأسطورية الميثولوجية، لكنها تظل لغة معاصرة رشيقة خفيفة ممتعة القراءة، لا تسلب النص حسّه السردي ولا تسلب القارئ متعة اللغة الجميلة.

نرى، هنا، أن الرواية قد تكون تلخيصا لماهية الكاتبة، وهويتها الفكرية، والجندرية، والإنسانية. وفي ذلك صدق وفيه ما يستحق القراءة مرتين، لا مرة واحدة، مرة من أجل الحكاية ومرة من أجل استكشاف ما وراءها.

رواية “على درب مريم” للكاتبة “نادية حرحش”

ثلاث روايات في رواية، أو ثلاثة مسارات في رواية محمّلة بالتاريخ والسياسة واللجوء والواقع الاجتماعي . الكاتبة ذات القلم الجريء وهي تخضّ الواقع تواصل في “على درب مريم” قذف الحجارة إلى سطح الواقع لتحرّك بركته. أواصل العيش مع شخصيات “نادية حرحش” في “على درب مريم” : أستطلع حدودها وثقافتها وأقف على صبرها وصدمتها وتحمّلها عبث الآخر ونزقه وشذوذه. شخصيات عديدة ذات أبعاد وأخرى ذات انفصام، وأنا أتساءل: هل ستكون “نادية” هنا بمضامينها الجريئة قلما آخر يصب في الرواية النسائية التي تثير الضجيج قبل الدراسة: دراسة المحتوى والرسائل المرسلة بلغة انتقاد وتعبير طال السكوت عنه؟ “نادية حرحش” هنا تدخل “غرفة نومنا ” (أصل التعبير لتوفيق زياد) وتكشف المسكوت عنه! أقرأ وأفاجأ وإن كنت أعلم شيئا عن تلك “الأسرار” القائمة في مجتمعنا… شخصياتها تحمل جبالا من المعاناة والقهر وأحداثها صادمة. أخذتني الكاتبة بأسلوبها الجديد وهو يذهب إلى زوايا الحياة فضعتُ (!!) وارتبكتُ وتشتّتُ! دخلتُ معها إلى “غرف نومنا” وتابعتُها وهي تنشر “أسرارنا” المخيفة المخفية رغم انتشارها لكننا نشيح بوجوهنا عنها وعن علاجها. لا أظنّ أنّ قراءة واحدة موزّعة على جلسات تؤهل قارئها ليقول في العمق ما ينتظر منه أن يقول. هي كتبت حياتنا ببؤسها وأحلامها المكسورة ولم تنس الاحتلال وهي تغوص في الواقع الاجتماعي بل طافت العالم بمدنه وتاريخها. توقفت مليّا عند أسلوب الكاتبة الثلاثي في هذه الرواية: الاقتباسات وما يشبه العناوين المستقلة عن النص، ثم النص، وأخيرا هذه الإشارات التوثيقية الحقيقية للقرى والمدن الفلسطينية الممسوحة عن خارطة جغرافيا اليوم وهي تواصل حياتها بأسماء شخصيات الرواية، وهذا أسلوب غير مسبوق يسجل للكاتبة. والرواية تشكّل خارطة وعي وجغرافيا ولغة روي وتحليل مسلكيات الشخصيات نفسيا واجتماعيا بالاستفادة من علم النفس والاجتماع والفلسفة والتاريخ. جاءت لوحات الرواية نابضة سريعة متلاحقة واستعانت الكاتبة بالمونولوج والفلاش باك الفني ولغة السرد البسيطة الأليفة فيشعر القارئ وكأن الكاتبة تحكي معه وجها لوجه فتبوح وتسرّ وتخبر بأسرار شخصياتها.كما استعانت بالمونتاج السينمائي الفني لتكتمل لوحتها الروائية العامة بما يضمن تقديم شخصياتها بقدر عادل على الأرض وفي التعريف بها لقارئها. هذه رواية ثقيلة في الحركة الروائية وهي تكشف المستور المسكوت عنه وتغوص في دواخل شخصياتها النسائية وتتناص مع ثقافة أنتجتها قرائح مبدعين قديما وحديثا فتقدّم مادة دسمة لا يمكن استيعابها بقراءة سريعة لأنّ الفكر الذي تقدّمه جادّ يجب استقباله بجديّة وشغف المعرفة واكتسابها. قلم “نادية حرحش” في روايتها هذه يكسر القوالب المتكلّسة باحثا عن أفق أرحب وحياة تليق. حبذا لو تخلصت من تلك الأخطاء اللغوية التي شوّهت نقاء لوحتها.

نادية
تحية مريم المجدلية عليك،،،
أما بعد..

ليلة الأمس أنهيت قراءة روايتك “على درب مريم”، وهذا ما حصلت عليه من روايتك.

كيف تلعبين بعقارب الزمن هكذا، القارئ لك يشعر أنكِ عشتِ في كل زمان وكل مكان، حيث أنك تنتقلين من زمان الى أخر بسلاسة في أحداث الرواية، فمن زمن مريم المجدلية والدة المسيح عليه السلام الى المفكرين مثل افلاطون وغيرهم، اضافة للشعراء مثل دانتي خاصة فيما يتعلق بالكوميديا الآلهية وصولاً الى التاريخ الحديث للقدس وذكر حروب غزة وظهور داعش والكثير من الأحداث القريبة التي شهدها الجيل الحالي، بهذا التنقل السلس جعلتِ القارئ كريشة في قطار الزمن.

فوق كل ذلك أجد نفسي أُبحر في الفلسفة والدين والتاريخ والكيمياء وعلم الفلك والنجوم والجغرافيا، فقد إنغمست قدماي كثيراً في تراب هذا الوطن دون وعي، أنا المرفوضُ الأمني عند الاحتلال أجد نفسي أكسر كل الحواجز وأزور كل البلدات والقرى والمدن المحتلة، ويشهد الله أنني سمعت وزرت قرى فلسطينية محتلة لم أسمع عنها في حياتي إنما حملتني الراوية إليها كطفل رضيع يبحث عن حليب أمه.

الشخصيات في الجزء الأول محيرة لدرجة اختلاط الماء بالنار دون أن يؤثر احداهما على الأخر، سواء كان بالدين والشكل والمضمون الكلي وكأن الانفصام طُبع عليها، حتى في نهاية كل شخصية هي نهاية غير متوقعة تصدم القارئ.

أما شخصية مريم في الجزء الثاني من الرواية كانها قادمة دون تذكرة عبور للحياة، هل مريم كانت قرباناً لإم تحاول ان تداوي جراحها وتكفر عن ذنوبها بإعادة المشهد مع ابنتها!، مريم هذه كانت تمثل اضطهاد المجتمع ونظرتهم، في مجتمع لا يفقه في الشرف سوى غشاء البكارة، حتى لو وصل الأهل أسمى الدرجات العلمية يتوقف عقلهم وانفتاحهم عند هتك جدار البكارة للفتاة، في روايتك قمتِ بتعرية المجتمع بشكل كامل حتى أصبح يذهب ويعود وهو عارٍ دون خجل وبكل وقاحة، أما أنا فكنت على رصيف الوطن أنظر إلى الجميع وألعن حظي أنني ولدت في هذه البلاد.

وفيما يتعلق بمريم في الجزء الثالث كانت بريئة في طفولتها، وما أن صُدمت بزوجها حتى باتت تقسم أن كل الرجال سواء، ورغم ذلك بقيت تبحث عنهم في علاقاتها حتى تكتشفهم وتعرف إن كان اعتقادها الذي آمنت به بعد زوجها هو صحيح، أم أن هناك رجلاً واحداً قادراً على كسر هذه الايمان وهي ملاقاة بين أحضانه، الشخصية الثالثة كانت مليئة بالأسئلة، تصارع دوامة الحب الحرام والحلال، الشوق واللاشوق، الوعي واللاوعي، كل هذه التناقضات تصول وتجول داخل مريم، ومريم هذه تجوب البلاد طولاً وعرضاً بحثاً عن كيانها ولن تجده ايضاً، ولكن الحق يقال هذه مريم أقرب ما تكون الى الحقيقة وأصدق واحدة من شخصيات الرواية.

مريم في الجزء الرابع كانت تلك الام الفلسطينية التي لم تُنجب، سهرت وربت وضحت بأجمل أعوامها ليصل غيرها إلى السعادة، كانت مريم هذه مُنصفة في الحديث عن حياتها الخارجية أكثر من ما يدور في داخلها، وكأن التاريخ مر ونسيها على عتبات الحاضر تنتظر.

أعتقد أن روايتك موجهة لرجل واحد على هذه الكرة، تريدين أن يكتوي بلهيبك، أنتِ لا تكرهينه أنتِ تُحبينه بجنون وإليه كتبتِ هذه الرواية، فأنتِ متثاقلة على الرجل بطريقة لا توصف وكأنه الشيطان وأن المرأة هي الملاك البريء من كل شيء، وحتى لو تم انصافه في الجزء الأخير من الرواية، أرجوكِ اعذريني على هذه الأحكام ولكن هذا ما استنبطه من بين سطورك.

أكثر ما يؤلم في حالتي كقارئ أنني لا أعرف القدس ولم أمشِ في أزقتها، فأتوه في الرواية كثيراً وكأنني أسير على درب الآلام والاحتلال معاً، ولكن الحق يقال بروايتك هذه طرقتِ جدران الخزان الذي لم يطرقه أبطال غسان كنفاني في رجال حول الشمس، وأعدتِ التاريخ الفلسطيني إلى جذوره بأسماء الرواية بطريقة مذهلة.

دمتِ

رواية   ” على درب مريم ”

للكاتبة نادية حرحش… تركيبة أدبية رائعة ؛

رأيتُ في الرواية جبًلًا صلبًا شاهقًا جسّدتْ فيه الكاتبة أفكارًا ونظريات فلسفيّة منها السماوية ومنها الإنسانية. سارتْ بنا نادية في روايتها كنهرٍ من الحكايات الإجتماعية، السياسية والتاريخية، حتى أنَّ أدب الرحلات لم يخلو في روايتها. إنها حكايات، شخوصها كأنهم أشجار سامقة، تحمل كل شخصية منها اسم مدينة أو بلدة أو قرية عربية فلسطينية تمَّ تهجيرها أو هدمها أو إزالتها عن الوجود، وذلك في لفتةٍ فنيّةٍ أدبيةٍ جميلة، تُضفي على الرواية روح الوطنية. وتَهُبُّ على القارئ، بين الصفحة والأخرى، هبّات ألم، حُزن، مآسي وقليل من الفرح. أما الخلاصة في كلِّ قصة، فكانت دائمًا موجعة، وخواتم الأمور في الرواية هي مُحزنة !

المونولوچ ( حديث الذات ) هو ما غَلَبَ على مجريات الرواية، فكانت هناك التفاصيل؛ نادية تقرأ التاريخ، تنفر من السياسة، تُفَصِّل الأماكن وتصِف الذكريات منها الجميلة ومنها البائسة. أما الجرأة في الكتابة، فهذا ما عهدناه في الكاتبة، قلمها أقوى من لسانها، وتملكُ الشجاعة في الصراحة.

هناك في الرواية، من الأسرار والخفايا، ما رفضتُ أنا تقبّله عبر سنوات عمري كلها. عالمٌ سيءٌ جدًا يعيش من حولك، إلاّ أنّ أديبتنا أبتْ إلاّ أن تُجَرّعنا من هذا العالم وتُسقينا خَمرَ فساده، لنحسُّ بما يدور من تحت أقدامنا.

نادية عَبَرَتْ إلى قلب القارئ من أربعة إتجاهات، لتستقر في غرفه الأربع؛

مريم المسلمة المتشبثة بالنقاب والحجاب والجلباب تارة، وتنساق حسب رغباتها ونزواتها الجنسية والهوائية تارة أخرى.

ومريم النصرانية، ودرب آخر من الإعترافات المتتالية في الكنيسة، لغسل ذنوب متلاحقة. وتُلفت إنتباهنا إلى أنّ الحُب والزواج يجب أن لا يقف أمامهما الديانات.

أما مريم اليهودية، فتفصل لنا نادية بين اليهودية كحركة سياسية، وبين الإسرائيلية صاحبة التوراة.

وهناك مريم الأجنبية التي فقط تعشق الحياة بكل ما فيها.

تكلَمتْ كاتبتنا بالمجهول والرموز والإيحاءات، لكنها كانت تَنغُز بحكاياتها الواقعية عما يدور خلف الكواليس في حياتنا. كما فَنَّدتْ كل ديانة ومذهب، كل رأي أو مفهوم عقائدي، وارتأتْ أن تمسك العصا من المنتصف، دون نزاعات أو صراعات أو حروب عقائدية أو سياسية، لتتركَ الباب مفتوحًا أمام القارئ ليضع رأيه الخاص نصب عينيه وإقتناعه الشخصي والروحاني.

رواية  ” على درب مريم ” تُحيطها أجواء فلسفية ممتعة للقارئ، ينجذب إليها من قصة إلى أخرى ومن حبكة إلى حِبَكٍ أخرى عديدة. كل ذلك في ظلال آلهة الحُب عشتار. عِشنا في عالم (الفيل الأزرق) تلك الرواية المليئة بهستيريا الإنسان، ونقلتنا نادية إلى (الفيل الأرجواني) وهستيريا الأديان!!!!

الرواية إضافة نوعية للمكتبة العربية جديدة التركيبة، ثقيلة، وتحمل فكرًا نابضًا يلمسه القارئ بين السطور.

نمر القدومي / القدس

مركز يابوس الثقافي

 قراءة في رواية “على درب مريم”  للدكتور الأديب أسعد الأسعد خلال حفل إطلاق الرواية في مركز يبوس الثقافي بالقدس

https://youtu.be/rEii-TZiMq4

جئتكم من عند مريم، التي التقيتها في حواري القدس. قد لا تصدّقون طالعي، ولا عجب في ذلك، فأنا أيضا أكاد لا أصدّق.

التقيتها في أزقّة القدس القديمة، ولا تزال في خاطري، حجارة تتزيّن بها، وتنتظر قراءة طالعها هي الأخرى، فذاك الياقوت، وذاك الزبرجد، والفيروز وغيرها من الحجارة أمعنت في الغوص بسراديب دانتي ومعلمه أبي العلاء المعري وما قبلهما وما بعدهما.

في حواري القدس، وانا ابحث عن مريم وقبل ان التقيها، اخذني العم سمعان الى قرى الجليل، حيث بدأ المسيح رحلته نحو السماء، بعد ان نصحني باتباع درب مريم.

كل امرأة تحمل في داخلها ملامح مريم، عندنا مريمات كثيرات، ليس فقط زوية، ريحانيه، سلمه، تمار، مندا، حنين وداليا وزينات واخريات كثيرات، لكل واحدة قصتها، لكنهن جميعا مريم بشكل او بآخر وكل الرجال ميرون، بشكل او بآخر.

نادية حرحش، هي أيضا مريم، مريم النابلسية، المقدسية، الجليلية، الخ تنقل عبر دروبها، حاملة همومها، هموم المريمات، من أمها الى زميلاتها، الى صديقاتها الى نماذج من الشبان الذين ارتبطوا بنساء مختلفات، ومارسوا عليهن قسوتهم، الممزوجة بعقدهم، عقد الرجل الشرقي عموما، والعربي خصوصا، والفلسطيني إذا ما أردنا تخصيص الامر أكثر، وأقرب الى الواقع.

هنا تأخذنا “مريم حرحش”، الى زوايا الجليل ودروبه، عبر قرى وضيع عديدة، بهوامش تحمل تفاصيل تلك المناحي، وشرحا لحالها، وما حل بها، معاناة مريم من اضطهاد الاحتلال واضطهادها من الرجل والمجتمع.

تتحدث مريم، مدركا ان حديثها يأخذك إلى دروب سلكتها، وكأنها تتحدث عن نفسها في سيرة مريمية، مفعمة بالأحداث وتفاصيل حياة، محملة بانحناءات ومنعرجات مختلفة ومتعددة، وان كانت لا تخلو من ابداء رأي او انحياز لموقف ما، رغم جرأتها في بعض الأحيان، لكنها لم تستطع إخفاء تحفظها وعدم الابتعاد كثيرا في تفسير احلامها، ورؤاها، كأنني امام مذكرات يومية، تناولت أروقة التاريخ وسراديبه البعيدة، مفعمة بأحاديث فلسفية، تكاد تلامس كل ما علق بالديانات القديمة، وعلاقتها بالبشر، سواء الذين امنوا بها او الذين لم يؤمنوا.

باختصار هو بوح امرأة منبعثة من نور ملفّع بالخطايا. امرأة حقيقيّة، تبحث عن جملة موسيقية لم تفهمها، في لحن حملها إلى عالم من الوعي والإدراك للحقائق، فاق ما تحمله النجوم من معان وأسرار، وانعكاسات ما يدور على الأرض وفي باطنها.

 ولأن الرجال هم الذين كتبوا التاريخ، فقد خرج الإنجيل تحديدا منحازا للرجل، فألصق بالمرأة كل أنواع الشرور، رغم ان المرأة كانت دائما بطلة الحكايات والروايات في كل ما جرى من أحداث في التاريخ، وهي أيضا العاهرة التي كرّستها كل الروايات على الرغم من صكّ البراءة الذي أصدره الفاتيكان قبل أكثر من نصف قرن، إذ بقي القديم على قدمه، كما في الديانات والمسلّمات في الكتب المقدسة، التي وصلتنا. تتجسّد هذه الدلالات في جداريّات النوتردام في باريس، من رعاة أركيديا لبوسان، الذي عاش في الجليل ردحاً من الزمن قبل انتقاله الى فرنسا، ام مريم المجدلية فقد ظهرت في باريس على شكل امرأة دعاه الفرنسيون مادلين. وهناك حي كامل باسمها، وقد امتنع الفرنسيون عن اظهار صورة لمادلين او للمجدلية، ولا يُعرف السبب.

تواصل مريم الحديث في دفتر مذكراتها، هكذا رأيت وارى كذلك، فتشير الى النساء في فترينات أمستردام، حيث يجلسن بانتظار الرجال الباحثين عن متعة النظر الى اجسادهن ومفاتنهن، وتتساءل لماذا لا يقف الرجال عراة في فترينات كما النساء العاريات في فترينات أمستردام؟!

ولا تزال مريم هي ذاتها المجدلية، تارّة في غزة وتارّة في طبريا، وتارّة في حواري القدس. لكنّها اليتيمة، واللاجئة، التي تعاني اليتم والهجرة، رغم أنّ أهلها ما زالوا أحياء منتشرين في المدن والقرى والضّيع المختلفة. لكنّها لا تزال تحتفظ بذاكرة قوية لسير ذاتية لمريمات مختلفات ومتعددات، لكن كلّ واحدة منهنّ مريم: السيدة مريم، والسيدة العذراء، والمجدلية. ربّما تتشابه حكاياتهن، في بعض منحنياتها لكنّها في النهاية تتشابه الى حدّ بعيد، ليس في الشكل، ولكن في مضامين تلك الحكايات، ولعلّ أهمّها ذلك القمع الذكوريّ الذي يتحكّم في رسم معالم حياة ومستقبل كلّ مريم.

تتهاوى الذكريات وتتراجع مع القصف والانهيارات المتتالية، انهيارات المباني والأحياء، وانهيار البناء الأسريّ الصغيرة منها والكبيرة.

ففي الحروب تتساقط الجدران، وتتقلّص المسافات بين الناس، وتكاد تنمحي الفوارق، وان كانت الانهيارات نسبية. فتلك عائلة فقدت ولداً، وأخرى فقدت ولدين، تلك تعيش في سقيفة أو ما تبقّى من مأوى لها كان يسمّى بيتا جميلا تزيّن سقوفه رسومات من الجبس فلم تبقِ القذائف غير جدران عارية وقد تطايرت اللوحات التي كانت تتزين بها واستعيض عن السقف الاسمنتي بألواح من الزينكو تسندها حجارة قد يؤدي سقوطها أحيانا الى موت عامر ويحي وبما أسماء أخرى من قائمة تطول، أسميناهم شهداء.

في الحرب تختلط المشاهد، ولا يعود هناك فرق كبير، بين بيوت حي الرمال الارستقراطي وحارات مخيم الشاطئ القريب، كل شيء قابل للانهيار، حتى الذكريات يصيبها ما يصيب البيوت، التي تنهار، نحاول لملمة محتوياتها وتفاصيلها التي تناثرت، ونحاول ترميمها، عبثاً. فهناك تكسّرت محتويات البيت، ولا يمكن إعادة ما تكسّر، كما الذكريات، إن تكسّرت، كيف يفيد ترميمها؟ عندها لا نملك غير تجاوزها، والسعي لنسيانها.

يتواصل سرد ما علِق بذاكرتها، وتنتقل من مريم الى أخرى، حتى وإن تبدّلت الأسماء، فهذه صفا، وهذه مندا، وتلك سيرين، وتلك مجد، وهذه فرديسيا وهذه لم اعد اذكر اسماءهن من كثرتهن. لكنّ قصصهن، تذكّرني بقصص عاهرات باولو كويلو حتّى أنّي لم اصدّق انّ ذلك يجري في بلادنا وفي مجتمعنا.

لكلّ مريم قصة تختلف عن الأخرى، وان تشابهت نهاياتها، والرجال كذلك، في دفتر مذكرات نادية حرحش، الذي ازدحم بأخبارهم وأخبارهن، وإن امتلأت صفحات دفترها بأخبار وحكايات العهر والضياع لرجال ونساء شغلهم الشاغل القنص واصطياد الآخرين. غير أننا أمام مذكّرات تناولت مختلف مناحي الحياة في فلسطين، كما أن تاريخ العائلات وانتقالها من مكان لآخر، كان واضحاً في سرد حكايات مريم. حكايات المريمات، بمسمّيات عدة، فتلك الأم دالية، وزوجها بدر بيك، وتلك سنديانة وهذه حنين، وسارة، وغيرها وغيرها. هذ في القدس وتلك في غزة، وتلك في بيروت، ودمشق والقاهرة وأخرى في الإسكندرية.

صورة متعددة لمريم، وأخرى لفارس ونجد وعمّار وبدر بيك وجهاد وميعار السوري وغيرهم وغيرهم.

حين تنتهي من قراءة ” مذكّرات مريم” بلسان نادية حرحش، تكتشف أنّ ما قرأته أخذك بعيداً عبر تاريخ فلسطين، قبل وبعد، من خلال قصص نقلت لنا أخبار مريم والمريمات وحكاياتهن على لسانهن.

احتلال لم يرخِ ظلاله فحسب، بل أنه تدخّل في معظم الأحيان بتفاصيل حياتنا وحياتهن بالطبع.

غير أن الاحتلال وقمعه، ليس بالضرورة مبرراً لقمع المرأة في مجتمعنا، واستمرار دفعها للثمن او بالأحرى لثمن حال ليس لها دخل فيه..

مريم لا تزال ضحية مجتمع يُحمّلها ما لا طاقة لها به، حتى أصبحت النصف المُعطَّل.

تحية لمريم،

أقصد نادية، وتقديري العالي لعملها وإبداعها الجديد الذي أعتبره إضافة تستحق التقدير والاحترام، وخصوصا في هذا الوقت بالذات.

أسعد الاسعد.