مقالات ادبية

باراك أوباما والأرض الموعودة

رحلة أوباما وصولاً إلى البيت الأبيض

(الجزء الأول)

منذ صدور كتاب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قبل أسابيع قليلة، وردود الفعل تتزاحم مع الفضول نحو ما كتبه وعمن كتب. وفي مكاننا هذا من “الأرض الموعودة” التي نعتقد ان العالم يدور حولها ومن اجلها، قفز الكثيرون من اجل قراءة ما دلى به أوباما من انطباعات وكشف من اسرار عنا. فبدأ الاعلام العربي والإسرائيلي بتناول ما قاله أوباما عن الرئيس الفلسطيني ووصفه بصاحب الشارب الخفيف والشعر الأبيض الذي يفضل مصالح أبنائه على وطنه. ونائب إسرائيلي كتب بنقد لاذع متهماً أوباما بالانحياز. 

بدأت قراءة الكتاب بنفس النية. أردت القفز الى ما خصّه أوباما عنّا. وكأنّ النميمة صفة إنسانية تبدأ بأمريكا وتنتهي إلينا بتلقائية. 

ولكن لم أستطع الّا قراءة الكتاب الذي كتب بحرفية مدروسة ومشاعر إنسانية لا يمكن تجاوزها منذ الاهداء والمقدمة. 

ولأن الكتاب يحتوي على ما يقرب الألف صفحة، فالكتابة عنه قد تحتمل التجزئة كذلك لأهمّيّته. وعليه سيغطي هذا المقال القسم الأول والثاني من الكتاب (الفصل الأول لغاية الفصل التاسع) حتى فوز أوباما بالرئاسة الأمريكية.

صحيح أنّه يمكن للمرء تجاوز قيمة قراءة تجربة انسان مثل أوباما. قدرة المرء ان يبقي مشاعره الإنسانية بنفس القدر الذي استطاع فيه أن يحكم الدولة الأقوى في العالم لمدة ثماني سنوات يبدو للإنسان الطبيعي مستحيلا. بالنهاية لم يأت أوباما من مكان بديهي لسدة الحكم في بلاده. فهو مثال على ان أمريكا هي بلد الاحلام. وهو الامر الذي يشدد عليه، فيقول في الصفحات الأولى انه أراد ان يعكس بهذا الكتاب للشباب ان العمل والامكانيات والوصول يحدده الفرد. أيا كان. أراد ان يجسد بتجربته مثالا لإمكانية الطموح للشباب الذين لم يولدوا بمعالق ذهبية تملأ افواههم. وترى بين السطور رجل يؤكد ان العمل الرئاسي ليس أكثر من وظيفة لها ما لها وعليها ما عليها. 

أنسنة كل شيء حوله… هذه قوة أوباما… إصراره على الأنسنة فوق كل الاعتبارات، والتكلم بصدق وشخصانية. فلا يتردد بالتعبير عن مشاعره المخيّبة لدى اعتلاء ترامب الحكم، ولكنّه مع ذلك تنفّس الصعداء بصحبة زوجته مؤمناً انّ أمريكا بعده ليست كأمريكا قبله، فعمله طوال ثماني سنوات على اصلاح ما خربه سالفه من صعوبات اجتماعية واقتصادية كان العمل الأهم في حقبة أوباما. 

يتكلّم أوباما عن الظروف الحاليّة التي رافقت فترة إنهاء الكتاب من وباء الكورونا وقتل الشرطة المجحف للمواطن الأسود فيقول: 

“إنّ النضال ليس جديد بالطبع. لقد حدّدت التجربة الأمريكيّة من نواحي كثيرة. إنّه جزء لا يتجزّأ من الوثائق التأسيسيّة التي يمكن أن تعلن في نفس الوقت أن جميع الرجال متساوين ومع ذلك تعتبر العبد ثلاثة أخماس رجل.

من الممكن إيجاد تعابير في الآراء المبكرة، كما هو الحال عندما يشرح رئيس القضاة صراحةً للأمريكيين الأصليين أن حقوق قبائلهم في نقل الملكية غير قابلة للتنفيذ لأن محكمة الغازي ليس لديها القدرة على الاعتراف بالمطالبات العادلة للمحتل.”

ويضيف: “في قلب هذه المعركة الطويلة هناك سؤال بسيط: هل نهتم بمطابقة حقيقة أمريكا بمُثلها العليا؟ إذا كان كذلك، هل نؤمن فعلاً انّ شعاراتنا للحكم الذاتي وحرّية الفرد، المساواة بالفرص والمساواة أمام القانون، تطبّق على الجميع؟ أم أنّنا بدلاً من ذلك ملتزمون بالممارسة وليس بالنظام الأساسي، بحجز هذه الأشياء لقلّة مميّزة؟”

ويضيف متسائلاً إن كان الوقت قد حان لأن يرمي الأمريكيين هذه الأسطورة، و”الاعتراف بأن كل تلك الشعارات ليست الا ثانوية، أمام واقع الفتوحات والقهر، نظام طبقي عنصريّ ورأسماليّة جشعة. والادّعاء غير ذلك ليس إلّا تواطؤ في لعبة تم تزويرها منذ البداية.”

وهنا، ليتأكّد القارئ العربي والفلسطيني والإسرائيلي أنّ الأرض الموعودة ليست أرضهم يقول أوباما: “بينما كنت أكتب هذا الكتاب، وبينما تأمّلت فترة رئاستي وما جرى منذ ذلك الحين، عندما سألت نفسي إذا ما كنت متوتراً جداً في التحدث عن الحقيقة كما رأيتها، وحذِراً جداً سواء في الكلمة أو الفعل، مقتنعاً كما كنت، انني من خلال مناشدة ما أطلق عليه لينكولن “الملائكة الأفضل” من طبيعتنا، كانت لديّ فرصة عظيمة لقيادتنا باتجاه أمريكا التي وُعدنا بها.”

ولكن بكلّ الأحوال، لا يريد أوباما التخلّي عن حلمه بأمريكا للأمريكيين كما للعالم.

بين توقعات أمّه أعظم تجلّياتها بأن يصبح ابنها رئيس جمعيّة خيريّة، وجدّه بأن يراه قاضياً، كان نصيب أوباما أن يحكم العالم. 

حياة أوباما الاستثنائية باعتياديتها، او بالأحرى أقل من الاعتياديّة، لعائلة اقل من متوسطة، وأقل من مختلطة، وأم ربّته بتحدّيات المرأة المطلّقة مرّة ومرّتين تجعله هذا الرجل الاستثنائي بوقوفه شامخاً كشجرة متجذّرة من أتربة معاناة الحياة. كذاك البستانيّ الذي عمل بحديقة البيت الأبيض ووصف عروق يديه كأغصان الشجر. وكأنّهما خرجا من نفس التراب ليلتقيا بمكان تجذّرا به رغم الظروف المعاكسة لوجودهما هناك، رئيس للبيت الأبيض وبستانيّ يعانق حلم جنسه بأنه يمكن أن يكون الفقير رئيساً لأعظم جمهورية بالعالم وليس فقط بستانيّ اجير.  

ذكّرني حديث أوباما عن طفولته وأسئلته بينما كان يكبر بإدوارد سعيد ومذكّراته “خارج المكان”. ادوارد سعيد وتربيته النخبوية- نوعا ما- التي ساهمت بتشكيله لما اسّسه لنفسه من شخصية ستؤثر على مر التاريخ على الهوية الفلسطينية عندما يناقشها أحد، وشعوره طوال حياته انه كان خارج المكان من حياة لا تنتمي لمن هو حتى وجد ضالّته بالاستشراق. هكذا أوباما يصف نفسه بشعوره: ” انّ غرابة تراثي والعوالم التي ترعرعت عليها، كنت من كل مكان ولا مكان، مزيج من الأجزاء غير المنسجمة مثل خلد الماء او وحش متخيّل محجوز ببيئة هشّة، لم أكن متأكد الى أين أنتمى. أحسست، أنه وبدون ان أفهم لماذا أو كيف، وانه بدون ان اقطّب حياتي ببعضها وأُموْضع نفسي خلال بعض المحاور المتينة، قد أنتهي بعيش حياة اعتيادية أعيش بها وحيدا”. 

مع كل كلمة، أجد نفسي امام تلك اللحظة التاريخية التي كسب فيها أوباما الانتخابات الرئاسية. أذكر تلك اللحظة وكأنّ العالم توقّف حينها. كنت في طريقي الى عملي بالجامعة عندما سمعت الخبر على الراديو. توقّفت جانباً وصرخت: نعم نستطيع. وصرت أضحك كالبلهاء ووصلت الجامعة وأنا أصرخ وأعانق زميلاتي وكأنّني ربحت اللوتو. وكأنّ أوباما صار رئيس فلسطين. وكأنّ العالم تحرّر من عبوديته للرأسمالية… فنعم نستطيع تحقّق ليكون حقيقة لا شعار. 

أقرأ هذه السطور وتعيدني ذاكرتي بلا توقف الى هناك، الى اهتمامي وفضولي للمكان الذي جاء منه هذا الرجل، للأم التي انجبته وكبّرته. للمحيط والظروف.. لمشاعره الحقيقية بينما كان يكبر زمنا قبل أن يتخيّل أصلاً انّ هناك مكاناً للحلم في حياته أكثر من تخيّله لنفسه بصورة ذلك الوحش الذي ذكره آنفاً. 

وكأنّه يقول لنا.. تجرّأوا على الحلم… فأنا كنت المستحيل. 

وفي طريق محاولته لشقّ حلمه غير المدرج في وعيه بعد، استمرّت مسألة العرق والطبقات لتشكّل له معالم أسئلته التي بدأ معه منذ شعوره الطفوليّ بعدم انتمائه لأيّ مكان. فكان بداخله الرجل المثالي الذي أراد ان يغيّر العالم ليطرح الأسئلة والحلول التي كانت لا تكاد تبدأ حتى تنتهي الى عبثية.  

كان وعيه بإقصاء حقائق لترجيح حقائق أخرى محكماً بالتحكم من جانبه، لكي يرجّح “فكرة” أمريكا، “وعد” امريكا لتكون الحقيقة التي شكّل عليها طموحه المدرك منه وغير المدرك. اخرجت إنجازات اوباما الصغيرة بالعمل المجتمعي بينما كان يشق طريقه نحو حياته العملية ما كان يدور برأسه الى الخارج. 

الفصل الثاني يبدأ بميشيل زوجته التي تعرّف عليها عندما كانت ابنة ال ٢٥ سنة، تمارس المحاماة بنفس المكان الذي كان يتدرّب فيه صيف تلك السنة بشيكاغو. وربّما كما يقال وراء كل رجل عظيم امرأة. فلقد كانت ميشيل بلا شك جزء أساسيّ من الاقتراب من جعل حلمه بالمستقبل الذي خاف مشاركته خارج حلمه ممكناً. فكانت المرأة الداعمة له والند امامه والواثقة به. المرأة التي جعلت من الزواج حصناً آمناً ومتيناً لرجل تربّى على يقين ما بأنّ الزواج ليس الا مؤسسة هشة سرعان ما تتركها المرأة لتزول. 

في هذا الفصل تموت والدة باراك كذلك بعد صراع سنوات مع السرطان. ويشقّ هو طريقه في عالم السياسة بعزم وتخطيط وقدرة هائلة على التنظيم والكثير من الهزائم أحيانا وكسب أكبر من التوقعات أحيانا، ويصير أوباما عضوا في الكونغرس عن ولايته. ويصف بالكثير من الفرح خبر حمل ميشيل الأوّل ومن ثم فرحته بان يكون أباَ وما تبع ذلك من مرحلة الامومة والابوة من صعوبات على علاقتهما الزوجية. وما تلى ذلك من قرارات اعتبرها أوباما كانت خاطئة، وتمثّل ذلك بقراره الذهاب الى مجلس الشيوخ وخسارته الكبيرة في ذلك السباق.

بالفصل الثالث، يلملم أوباما جروح الخسارة، مطالباً دعم ميشيل بينما الطفل الثاني كان على الطريق. دعم أراده كزوج بشأن حياتهم الزوجية لا حياته المهنية. مبتعداً خلالها عن الطموح السياسي الذي عكر عليه صفو الرجل الذي أراد ان يغيّر العالم بينما كان يبني حلمه. 

بعد أعوام قليلة عاوده حلمه بالتغيير. حلم بناء سياسة تجسر انقسامات أمريكية العرقية والدينية. وكلّما تعمّق حلمه ليصير فكرة، لم تعد النتائج الصغيرة مهمّة له. كان لا بد من أن يحصل التغيير على مستوى أكبر. وهنا قرر الذهاب الى مجلس الشيوخ. والفرق هنا بين محاولته الأولى بالكونغرس وقراره الان بالمحاولة بمجلس الشيوخ كان نيّته الداخلية، فبالمرة الأولى كان طموح السياسة هو ما دفعه، وبهذه المرة كان طموح التأثير والتغيير على كافة الطبقات هو الدافع. وهنا تبدأ رحلة النجاح و”حبّات الفاصولياء السحرية” بالتنبيت الضخم والمهيب. رائعة جداً الفقرات المتعاقبة لرحلة الوصول الى مجلس الشيوخ بفوز ملفت. يشعر القارئ وكأنّه داخل مغامرة، جزء من مسابقة، تتوقف الأنفاس فيها من أجل معرفة النتائج.. ثم تنفس الصعداء أمام نجاح كان عنوان حملته” نعم نستطيع”. 

ولكن رحلة مجلس السيوخ تأخذ منحنيات أمام تحقيق حلم التغيير، فبعد الانتهاء من نشوة وصول أمريكي من أصول افريقية الى مجلس الشيوخ لأوّل مرّة بتاريخ أمريكا، كانت مواجهة مأساوية السياسة وأفعالها متجسداً امامه بحدثين: إعصار كاترينا وكارثية الحرب في العراق من دمار وقتل أبرياء، ليجعل من التغيير الواجب الحصول أكثر إلحاحاً. 

الفصل الرابع يدخل أوباما بمغامرته نحو الترشح للرئاسة- رئاسة الحزب الديمقراطي. ممتع الى حد الذروة وصفه كيف اقترح عليه زملائه بمجلس الشيوخ من الديمقراطيين الترشح، وكيف نظروا اليه كأنّه أمل لمرحلة تحتاج اليه أمريكا بصورة ملحّة، باختلافه، بلونه، بعمره، بقدرته على التأثير. ومرة أخرى تقف ميشيل معضلة في قراراته. لا يمكن للمرء القراءة بلا التفكير بأوباما كرجل بيت- زوج قبل أي شيء. أهمّية زوجته بوجودها كداعم أساسي له. يتكلّم عن طرحه الفكرة أمامها بعد مقابلته لتيد كينيدي الذي يجري معه حديثاً مهمّاً عندما يسأله: “هل تعرف كم هم الرجال بالمجلس الّذين وقفوا أمام المرآة ورأوا رئيسا؟ وسألوا أنفسهم هل لديّ ما يجب لأكون؟ ولكن الأمور لا تجري كما هو مخطّط لها، إنّما تأخذ طريقها بذاتها”…ويتابع: ” لو كنت مكانك لما خضت الأمر باكرا. ولكن أستطيع أن أقول لك هذا، إنّ القدرة على الإلهام هي نادرة. لحظات كهذه هي نادرة. ممكن أن تفكّر أنّك غير مستعد بعد، وأنّك تستطيع أن تقوم بهذا على راحتك. ولكنك لا تختار الوقت. الوقت يختارك. إمّا أن تمسك بما يمكن أن يكون فرصتك الوحيدة، أو تقرر أنك تريد العيش مع المعرفة أنّ الفرصة قد فاتتك.” 

ولكن حواره مع ميشيل يأخذ منحى شائك. فتواجهه الأخيرة بطموحه الذي لا حدّ له، وبحياتهما التي أخذت منحى لم تكن لتختاره. ولكنّه يتوقّف أمام معضلة أخرى بمحاسبة نفسه ويسأل الآن سؤالاً آخر: ” لماذا جعلتها تمر بكل هذا؟ هل كان غرور فقط؟ أم أنّه ربما كان أمراً أكثر ظُلمة- جوع فطريّ، طموح أعمى مغلّف بلغة الخدمة الشفّاف؟ أم أنّني كنت لا أزال أحاول إثبات نفسي ذا قيمة لأب هجرني، أم العيش نحو تطلّعات عيون أمي البرّاقة من ابنها الوحيد، وأن أحلّ ما تبقّى من شكوكي الخاصّة من كوني وليد عرق مختلط؟ ” 

ويتابع لاحقا عن الأسباب التي دفعته لخوض سباق الترشح للرئاسة مؤكّداً أنّه مهما كانت طيبة إيمانه، فانّه لم يسلّم إلى شعار أنّ نداء الله هو ما جعله يترشح.” لم أستطع الادّعاء أنّني كنت أتجاوب مع دفعة خفيّة من الكون. لم أستطع الادّعاء أنّني كنت في خدمة الحرّيّة والعدالة المطلقة، أو أن أنكر مسؤولية وضع عبء كبير على عائلتي.”

” قد تكون الظروف فتحت الباب أمام سباق رئاسيّ، ولكن لم يكن هناك ما وقف أمامي ليجنّبني إغلاقه.”

تستمر رحلته قبل القرار من إفريقيا وعودة إلى أمريكا، ليصحى فجأة أمام حلم أفزعه ويوقن أنّ ما يؤرقه ويخيفه بالفعل كان قد تعدّى الخوف من الخسارة او المواجهة، وإن كان يصلح أو لا يصلح، وإنّما حقيقة أنّه يمكن أن يكسب. 

 عند قرار أوباما الأخير بالترشح تسأله ميشيل عن الجديد الذي سيقدمه كرئيس أمام الديمقراطيين الآخرين الجيّدين، فإذا لم يوجد لديه ما يقدّمه فلا داعي للمحاولة. فتسأله: لماذا تريد الترشح؟ 

ويجيبها: ” لا يوجد ضمانات لما حلمت به من تغيير، ولكن هناك ما أنا متأكّد منه. أعرف أنّ الولايات، العالم سيبدأ بالنّظر إلى أمريكا بطريقة مختلفة. أعرف أنّ الأطفال في هذه الدولة- أطفال سود، هسبانيون، أطفال لا يجدون أنفسهم منتمون- كلهم سيروْن أنفسهم بطريقة أخرى، كذلك، ستُرفع آفاقهم، وستتوسّع احتمالاتهم… هذا لوحده يستحق.

ولقد اقتنعت ميشيل بجوابه. ولكنّه في أعماقه فهم كذلك، أنه إذا ما فاز، فهذا يعني أنّ فوزه بمجلس الشيوخ لم يكن محض صدفة. وانه إذا ما فاز، فهذا كذلك يعني أن ما جرفه نحو السياسة لم يكن مجرّد حلم عابر. ولكن أنّ أمريكا التي آمن بها كانت ممكنة، أنّ الديمقراطية التي آمن بها ممكن تحقيقها. 

أنه إذا ما فاز، فهذا يعني أنه ليس الوحيد الذي يؤمن أنّ العالم لا يجب أن يكون مكاناً بارداً غير متسامح، حيث القويّ يفترس الضعيف، ونتحّول حتمياً الى قبائل وعشائر متخبّطين ضدّ المجهول متجمهرين بالظلمات.

“إذا ما تحققت هذه المعتقدات، فانّ لحياتي معنى، وعليه أستطيع أن أمرّر هذا الوعد، هذا التوجّه بالنّظر إلى العالم، إلى أطفالي.”

وهنا أيقن أوباما أنّه قد تخطّى ذلك الخط غير المرئي الذي لا رجعة عنه، وأنّه حتماً سيغيّر حياته إلى الأبد، بطريقة لم يتخيّلها بعد. بطرق قد لا تعجبه. وعليه فلا مكان للتردد ولا التراجع. 

القسم الثاني 

الفصل الخامس، يشارك أوباما السباق للترشح الديمقراطي برحلة مليئة بالأسفار بين الولايات والتعلّم. يسهب من خلالها بوصف تقنيّات الحملة ومن كان وراؤها من مساعدين ومستشارين. ويتكلّم عن تأثّره بكلينتون الرئيس وزوجته الأولى وعن انطباعاته الإيجابيّة نحو أداء كلّ منهما ضمن وظيفته. وتبدو قصّة هيلاري كلينتون أقرب الى وجدانه وتعاطفه كأم وامرأة وكزوجة. وتحضر هيلاري بإسهاب كمرشّحة محتملة امامه، ويرجّح للقارئ سبب تخطّيه التّحدّي أمام هيلاري بسبب تواجد ال كلينتون المتتالي بالبيت الأبيض والحاجة لما سيقدّمه المرشح الديمقراطي للرئاسة، ناهيك عن الحرب التي كانت معلنة ضد شخص هيلاري. ولكن بقي لهيلاري أمامه حضور جعله دائم إعادة التفكير بأفضليّتها عليه. وتأكيد مستشاريه كانوا على الدوام  أنّ ما يهم الناس ليس من يتفوّق على الآخر أكثر ببعض المواضيع، ولكن إيصال الرسالة الخاصة به للناس بالمواجهات الرئاسية. الأهم هي القيم الأولويّات التي يحملها. 

رحلة تجنيد الموارد لحملته الانتخابية مليئة بالقصص الملهمة للتعلّم منها. وهنا، تعود الأنسنة لتأخذ حيزاً مهمّاً بطريقة أوباما بالتعامل. فيتكلّم عن كل شخص بفريقه بدء من نشأته، وكأنه كل تفصيل هو عامل مهم بتركيب ما أصبح عليه فريقه بحملته.

ويمكن التوقف أمام تأمّل أوباما بالسياسة الخارجيّة الامريكيّة اثناء حملته الانتخابية للحزب، حيث تجلّى لأوباما اختلافه عن منافسيه الآخرين بالحزب. يقول: “هذه الأمور كانت مؤشراً الى الدرجة التي تقود من خلالها السياسة الخارجية واشنطن الى الخلف، بأخذ العمل العسكري أوّلاً بدون اختبار الاحتمالات الدبلوماسية، متأمّلين الآداب الدبلوماسية لمصلحة بقاء الوضع على ما هو عليه، تحديدا عندما يتطلب الأمر ذلك. هذا كذلك كان مؤشراً الى الدرجة التي يفشل بها صنّاع القرار بواشنطن دوماً أمام الشعب الأمريكي.”

الفصل السادس، يعيش أوباما مع فريقه نشوة بعض الانتصار على مستوى الحزب لتستمر المنافسة على من سيكون مرشح الحزب للرئاسة. وتعود هيلاري لتأخذ حيزاً من اهتمامه وتأثّره- بالإضافة لكونها الأقوى أمامه. ربّما تعاطف الموشك على الخسارة، المختلف، الحامل لرسالة ما، هيلاري ودفاعها بكونها امرأة، وهو وقضية العرق التي استحوذت عليه. يكمل مشوار الخسائر والمكاسب في السباق، وترجع عبارة ” نعم نستطيع” التي أطلقها مستشاره في حملته بمجلس الشيوخ لتأخذ شعار ما هو قادم. فيقدم أوباما ما اعتبره أهم خطاباته بتلك الحملة قائلا: ” عندما قيل لنا أننا غير مستعدون، قلت: أوَيجب ألّا نحاول، أو لا نستطيع، أجيال من الأمريكيين ردّدوا بهتاف واحد: نعم نستطيع.. بدأ الجموع بترديد العبارة كما في إيقاع طبلة، وربما لأوّل مرة منذ ان اقترحها آكس كشعار لحملة مجلس الشيوخ، آمنت تماماً بقوة هذه الكلمات الثلاث.”

في وقع خسارته بولاية هامبشير، يتكلّم أوباما عن قدرته على التحمّل التي كان يعزيها لتنشئته بهاواي، حيث تحمّل درجات الحرارة العالية يجعل من المرء أكثر قدرة على التعايش مع الضغوطات الكبيرة. إلا أنّه يتوقّف هنا مطولاً أمام جدّته، ويعطي اسما للقوّة التي مُنحت له- جدّتي- ويصف رحلة جدّته منذ ولادتها وتأثيرها عليه بالكثير من الدفء والتقدير والإعجاب. 

وتستمر المباراة المحتدمة بينه وبين هيلاري، ومع تداعيات التحذيرات كان إصراره يتزايد: “أردت أن أثبت وجهة نظر بالفوز. أردت إثبات هذا للسود، للبيض- للأمريكيين من كل الألوان- أنّنا نستطيع تجاوز المنطق القديم، أنّنا نستطيع أن نحشد أغلبيّة العمّال حول أجندة تقدّمية، بأنّنا نستطيع أن نضع أموراً كنقص فرص التعليم واللا مساواة بمركز الحوار الوطني ومن ثمّ نوزع البضائع. ومن أجل تحقيق هذا، كنت أعرف أنّني بحاجة الى استخدام لغة تتكلم مع كلّ الأمريكيين وتطرح سياسات تلمس الجميع- تعليم عالي المستوى لكلّ طفل، نظام صحّي جيّد لكل أمريكيّ. كان عليّ احتضان البيض كحلفاء لا كمعوِّقين للتغيير، وأن أساعد الأفارقة الأمريكيّين في صراعهم بمنحنى أوسع من أجل مجتمع أكثر عدلاً وكرماَ.”

تستمر الحملة ويستمرّ الحشد على مستويات مختلفة تبرز في هذا الفصل المستوى الديني وعلاقته ببعض رجال الدين المهمّين. 

في الفصل السابع، يستمر أوباما بحصد الفوز على هيلاري ويدخل دور الإعلام أكثر من حيث الهجوم والإشاعات التي حاولت النيل منه على مستوى العرق. وهنا يعود بالحديث عن دور ميشيل بدعمه. حيث تعود هي لتظهر ببعض الحملات بعد أن كاد الفوز يتحقق. وهنا استخدم الإعلام ميشيل ضده باستخدام شائعات مزعجة وباستخدام تعابير أعلنت عنها وتم استخدامها ضد الحملة. إلّا أنّ أوباما يلوم نفسه وفريقه على هذا، لأنّه كان يجب أن تكون ميشيل مدرّبة ومستعدةّ لمواجهة الجماهير كما حصل معه بتدريبات كثيرة. 

في المقابل، مع كل حصد للنجاح، كانت الأموال تتزايد، وبالتالي كان فريق أوباما يتزايد. وكانت وتيرة الحملة تتزايد مع اقتراب الانتخابات. فيصف أوباما تنقلاته من مدينة الى اخري بنفس اليوم، والتجمعات كانت متواصلة. ولكن التهديدات صارت أكبر وأقرب على حياته. وهنا تدخلت الحراسة الشخصية في رحلته. ومع تقدم أوباما كانت هيلاري تتراجع، ومع حلول شباط من ٢٠٠٨، كانت النتيجة تكاد تكون محسومة لصالح أوباما. ولكن هيلاري لم تكن ابدا من النوع الذي يمكن ان ينسحب، حتى في خضم الفوضى التي حلت بحملتها بعد اقتراب نفاذ أموالها. ” انها مثل مصاص الدماء” تذمر بلوف. ” لا يمكن قتلها.” 

يضيف أوباما: ” مثابرتها كانت رائعة، ولكن تعاطفي معها توقف عند ذلك الحد.” 

يتكلم أوباما في هذا الفصل كذلك عن الأخطاء التكتيكية التي حصلت ببعض المدن. فكان هناك تركيز في مناطق كان يجب التوقف عند حد ما، وبالعكس في مناطق أخرى. في حين كان الحزب الجمهوري يحسم مرشّحه، كان الهجوم من قبل هيلاري عليه يتزايد. ويذكر أحد الطرائف التي لم يستطع حتّى الابتسامة لها لدى عودته من سان أنطونيو الى شيكاغو عندما قدم أحد مساعديه نظريّة، انهّم كلهم قد توفّوا وعندما وصلوا الى الحساب، كان قدرهم أن يستمروا بنقاش- مواجهة- هيلاري الى الأبد.” يقول أنّ أحدا لم يضحك، لأنّ الأمر بدا وكأنهّ أقرب إلى الحقيقة. 

وتستمر المواجهات على مدار الشهرين القادمين لتتصاعد مع هجوم إعلامي نال من كاهنه – رايت-. هنا يقول أوباما: ” بينما يوجد هناك لحظات بالسياسة، كما بالحياة، يكون التجنّب فيها، إن لم يكن الانسحاب، هو القسم الأفضل بالبسالة، هناك أوقات أخرى يكون الاختيار الوحيد أن تحصّن نفسك بالفولاذ وتذهب للكسر.”

يشير هنا؛ الى ما اعتبره أكبر خطأ في حملته الانتخابية، عندما ذهب الى سان فرانسيسكو وسئل عن الطبقة العاملة ببنسلفانيا التي لا تعطي صوتها للجمهوريين. وكان جوابه انّ إحباط هؤلاء من الإدارات السابقة سواء تلك التي كان بها بوش او كلينتون لم تهتم بهؤلاء البسطاء. وأضاف: ” كان كل شيء تمام الى أن أضفت: وعليه ليس من المفاجئ أن يشعروا بالمرارة، فهم يتشبثون إمّا بالأسلحة أو الدين أو الكراهية تجاه من هم ليسوا مثلهم، أو مشاعر مناهضة للمهاجرين، أو مشاعر مناهضة للتجارة كطريقة للتعبير عن إحباطاتهم.”  هذه الكلمات تم استخدامها ضد أوباما ككلمات أغاني لوقت طويل. ومع تزايد الحملة ضد الكاهن – رايت- الذي وصل مع أوباما كذلك الى طريق مسدود، خسر هنا أوباما حليفاً مهمّاَ. 

إلّا أنّه أعاد بعض الانتصارات عندما لم يوافق على خفض سعر البترول، وهنا، كانت طريقته غير المتوقّعة بالرفض تصبّ في مصلحته- بكونه صادق امام الناخبين. 

ومع حسم النتائج ليصبح المرشح الديمقراطي للرئاسة، يجلس أوباما مع نفسه ليعيد بعض الحسابات ويرتّب أفكاره. زوجته، طموحه، والخوف القادم الأكبر، المسؤولية التي تقف أمامه: الشعب الامريكي. 

“على الرغم من كل شيء، لقد منحوني فرصة. من خلال ثرثرة وازعاج السيرك السياسي، سمعوا ندائي لشيء جديد. حتى عندما لم أكن دوماً في أفضل أحوالي، اآنوا بما هو الأفضل بي: الصوت المصرّ على أنّنا مع كل اختلافاتنا، نتّحد دوماً كبشر. وأنّنا معاً، رجال ونساء أصحاب نوايا حسنة، نستطيع أن نجد طريقاَ لمستقبل أفضل. وعدت نفسي ألّا أخذلهم.”  

الفصل الثامن 

تنتهي الحملة بفوز أوباما وتعكّر بصفو الحزب الديمقراطي بعد المعارك الطاحنة مع هيلاري، ألّا أنّهما يتصالحان وتنضم هيلاري الى فريقه. 

يبدأ العمل على التخطيط للانتخابات الرئاسيّة. يتكلّم عن إعجابه بالمرشح الجمهوري ماكين، الذي يعتبره الأفضل بين الجمهوريين لما يمثّله أوّلا كشخص محارب، وثانياً لأفكاره الخاصة بالتغير المناخي والهجرة. كان معجباً به على الرغم من عدم التقرب له خلال فترته بمجلس الشيوخ إلّا أنّه كان يرى به الإنسان الثاقب التفكير، مضحّي، سريع بثقب الادعاء والنفاق من الجانبين. محبّ للظهور الإعلامي، سريع الغضب، إلّا أنّه لم يكن من النوع المنظّر. كان يحترم عادات مجلس الشيوخ كما كان يحترم كذلك مؤسّسات الدولة والديمقراطية. ويؤكّد أنّه لم ير منه أبداً موقفاً عنصرياًّ أو عرقيّاً كما هي العادة لدى السياسي بين الجمهوريّين، وأنه شهد له أكثر من موقف أبدى من خلاله شجاعة سياسيّة حقيقيّة.  ولم يكن كثير الاعجاب بمن أطلق عليهم المجانين من حزبه، وعليه اعتبره الكثيرين أنّه جمهوريّ بالاسم فقط. بكلّ الأحوال التنافس مع ماكين كان أكثر فرصًا بالنسبة لأوباما في ال ٢٠٠٨، من ذلك الذي كان عليه ماكين في حملته ب ٢٠٠٠. 

الّا أنّ التنافس لم يكن بالهيّن: ماكين البطل المخضرم أمام سناتور إفريقي قليل الخبرة لم يخدم بالجيش أو حتّى بأي مكتب تنفيذيّ.

تبدأ رحلات أوباما الخارجيّة هنا، فتكون محطّته الأولى أفغانستان والعراق. يعطي رأيا بكارزاي الذي كان يمكن أن يثير إعجابه ويصدّقه لولا التقارير عن الفساد المتفشّي وسوء الإدارة في حكومته. 

ثم رحلته الى العراقي واللقاء مع نوري المالكي الذي كان قد حصل على الانتخابات من خلال اتفاقية بين القبائل السنية في غرب الأنبار. كان ماكين قد فسّر هذه الإنجازات على أنّها كسب للمعركة. إلّا أنّ أوباما رأى الأمر مختلفاً، وأن التدخّل الأمريكي المثقل بالعراق منذ رحيل صدّام حسين بلا أيّ دليل على وجود أسلحة الدمار الشاملة، وانتخاب حكومة ديمقراطية، كان قد حان وقت الانسحاب. وكان عليهم ان يتخلّصوا من القاعدة بالعراق، والتأكّد من استمرار التواجد العسكري، المخابراتيّ والماديّ. وبدء سحب القوات وارجاع العراق لأهلها. يصف أوباما المالكي كما يلي: ” كان قاسي الهيئة، تقريباً “نيكسونيّ” الوجه من حيث الطول، لديه ظل الساعة الخامسة الثقيل، وتطليعة غير مباشرة. كان هناك سبب لكونه مضغوطاً، فوظيفته الجديدة كانت صعبة وخطرة. كان عليه أن يجد التوازن بين مطالب قوى الشيعة المحليّين التي انتخبته، والشعب السنّيّ الذي سيطر على البلاد في زمن صدام. وكان عليه كذلك أن يدير الضغوطات المرتدّة من قبل الأمريكيين ا”لمحسنين” وجيرانه الإيرانيّين. وبالتأكيد إنّ علاقة المالكي بإيران التي عاش بها كمنفى لسنوات عدّة، كما العلاقة غير المستقرّة مع بعض المليشيات الشيعية جعلت منه لعنة للسعودية ولحلفاء أمريكا الآخرين بمنطقة الخليج.” بكل الاحوال يبدو أنّ أوباما أيقن بعد زيارته للعراق وحديثه مع الجنرال بتراويس أنّ إنهاء الحرب لن يكون بهذا القدر من السهولة لانغماس المصالح الأمريكية هناك.

رحلة أفغانستان والعراق تؤثر بأوباما “الؤنسان” الذي دخل العراك السياسي لإيمانه إنّ هناك إمكانية حقيقيّة بالتغيير. بإلغاء الفروقات بين البشر وتحسين ظروف العيش وتخفيف الظلم. على الرغم من تصويره لمشاهد الأطفال التي بقيت برأسه إلّا أنّه يبدو كان على يقين كذلك أنّ المعارك التي ستنتظره بالخارج قد تكون أكثر إشكاليّة بالتحكم بها من تلك بالداخل من حيث القدرة على التغيير.  

وقبل رحلته التالية لإسرائيل والضفة الغربية يضع نفسه امام التساؤل التالي: ” هل أنا مُعَدٌ لأن أكون قائد عالميّ؟ هل لدي المهارات الدبلوماسية، المعرفة، القدرة على التّحمّل، سلطة القيادة؟  هذه الرحلة تم ترصيدها من أجل الإجابة على هذه الأسئلة، والاختبار الدقيق على المسرح الدولي.”  فكان اللقاء الثنائي مع الملك عبد الله بالأردن، جوردون براون بإنجلترا، ساركوزي بفرنسا، وميركل بألمانيا حيث تحدّث هناك امام ٢٠٠ ألف شخص بساحة النصر ببرلين. 

بإسرائيل التقى اهود أولمرت رئيس الوزراء في حينه، ومحمود عباس وحاول قدر استطاعته فهم المنطق والمشاعر وراء هذا الصراع المستعصي على الحل. يصف بعبارة ذهابه إلى سديروت وسماعه من الاهل عن رعبهم من الصواريخ المنطلقة من غزة. وفي رام الله سمع من الفلسطينيين عن إذلالهم اليوميّ بالمعاناة على الحواجز الإسرائيليّة. 

اعتبر أوباما أنّ المسألة الإسرائيليّة الفلسطينيّة تتطلب أكثر من تعامل دبلوماسيّ بمهارات عالية. ويذكر زيارته للحائط الغربي (البراق) كمثال او كحجّة ربّما. حيث ذهب مع بزوغ شمس صباح ٢٤ تموز من ذلك العام محاطاً بالمضيفين الإسرائيليّين، المساعدين، البوليس السري، وكاميرات الإعلام، ووقف أمام الحائط ودعى الله بخشوع ودسّ ورقة بها صلاة واستدعاء من الله بحفظه وعائلته … وسط الكثير من الأوراق المدسوسة بذلك الحائط.. معتقداً أنّ ما كتبه كان بينه وبين الله، لتتصدّر الصحافة الإسرائيليّة باليوم التالي قبل أن ينتشر في “أبديّة” الانترنت. والتبرير الذي يعطيه هنا أنّه -على ما يبدو- كان أحد المارّة قد حفر الحائط ليأخذ مقصوصة الورق الخاصة به. وهنا يقول: “الخطّ بين حياتي الخاصة والعامة كان قد بدأ بالذوبان. كل فكرة أو إيماءة الآن صارت مسألة اهتمام دوليّ. تعوّد على ذلك قلتُ لنفسي. إنّها جزء من الصفقة.” 

لا يمكن فهم تعليق أوباما على ما حدث هنا الّا التهكم بين فكرة البوليس والمساعدين والمخابرات المرافقة ومقدرة عابر طريق ان يأخذ الورقة بهذه البساطة! 

يعود أوباما من رحلته بشعور عودة رائد فضاء. يقرّر أن يأخذ عائلته في رحلة إلى هاواي. ليعيد بعض الاعتياديّة لحياته العائلية، فيكرّس الوقت لبناته ويصف كيف باتت تكبر كل منهما بسرعة فائقة. ويشعر ببعض اللوم الداخليّ عن كل تلك اللحظات التي لا يمكن إرجاعها بعلاقته مع عائلته بسبب انشغاله. ويسأل نفسه إن كان هناك حكمة في هذه الصفقة التي أدخل نفسه بها. 

يعتبر أوباما هذه الأيام التي قضاها مع عائلته بهاواي هي الأفضل، على الرغم من خسارة حملته بعض النقاط أمام ماكين بالاستطلاعات. 

جاء الوقت لاختيار نائبه. ويقف أمام مرشحين أحدهما جو بايدن. يصف بايدن بالكثير من الإيجابيّة. عن طبيعته المرحة والإنسانيّة، الفرق الكبير بالعمر (١٩ سنة)، حيويّته. ولكن من سلبياته هو حماسه الزائد عندما يأتي الأمر للكلام، فإذا ما كان لخطابه ١٥ دقيقة من الوقت كان يأخذه ٣٠، وإذا كان نصف ساعة فلا يمكن التخمين متى يمكن أن يتوقّف. عدم مقدرته على فلترة نفسه بانتظام أوقعه بالمشاكل. على الصّعيد المحلّي اعتبره أوباما ذكيّاَ، عمليّاَ، وملتزماَ. تجربته بالسياسة الخارجية كانت واسعة وعميقة. أهم ما يميّز جو هو أنّ لديه قلب- استطاع أن ينجو بالكثير من الصعوبات والكوارث التي المّت بحياته. سنة ١٩٧٢، بعد أسابيع قليلة من انتخابه بمجلس الشيوخ قتلت زوجته وطفلته بحادث سيارة، وتعرّض ولديه لإصابات.ويتكلم عن زوجته الثانية بكل ودّ وتقدير وقدرتها على جمع العائلة. 

بالنهاية يقع اختيار أوباما على بايدن، تحديداً بسبب الفروقات بينهما وليس بسبب التقارب. رأى أنّ فروقاتهما ستملأ الفراغات التي تساءل الناس عنها بشأن أوباما، تحديداً بمسألة الخبرة والعمر. 

تدخل ساره بالين، التي اختارها ماكين لتكون نائبته بالتحدي، لتتهاوى بسرعة أمامه بعد وقت قليل.

هنا يأخذ القارئ بتفاصيل ما يحدث بالحملات الانتخابية بأبعاد أكثر من المعارك والاحتمالات، ولكن كل ذلك التحليل الدقيق لكيفيّة تقدير الحسابات والفرص بلا شك مفيدة جدّاً بقدر متعة قراءتها. 

بالمحصّلة، حقّق لي أوباما في هذه القراءة اعتلاء الادرينالين المصاحب لهذه اللحظات… بحياة لا نعرف بها معنى للانتخابات. فآخر انتخابات شهدت بها بعض الكواليس كانت انتخابات مركزيّة فتح السادسة او الخامسة… والله أعلم.

الفصل التاسع

يبدأ أوباما هذا الفصل بالحديث عن الشّقّة التي اشتراها مع ميشيل ببداية التسعينات، وشرح ما يعيشه معظم الناس من ظروف الحياة بتوزيع الدفعات بين قروض شقة وقروض دراسة وتعليم أبناء ونشاطات. ثم يتدرج الى التحضير للمواجهة العامة الأخيرة بينه وبين ماكين. 

يفهم القارئ هنا قوّة أوباما التي جاءت من رحم معاناة الفرد العاديّ. لا يمكن أن يفهم معني عبء القروض والخوف من الخسارة ألّا من يشقى ويعيش هكذا حياة. ولكنه هنا كذلك، كان يعتقد أنّ التغيير الذي سعى إليه ممكن التحقيق. كان يستطيع أن يرى طبعاً ما يراه الجميع من صعوبة الوضع الاقتصادي التي تعيشه بلاده، وعليه كان مقتنعاَ انّه بوضع استراتيجيات عمل صحيحة يمكن أن يعيد التفكير الجمعي بدور الحكومة وإقناع الناس بأنه يمكن العمل سوية على تخطّي هذه المرحلة. إلّا أنّه لم يحسب أنّ هناك ازمة اقتصادية مهولة بانتظاره.

يأخذ هذا الفصل الكثير من المشاهد والمواقف وحبس الأنفاس، وكأنّك تشاهد مسلسل هاوس اوف كاردز أو الرئيس أو غيرها من المسلسلات والأفلام ذات الصلة. لقاء أوباما ببوش وهزيمته لماكين بذلك الاجتماع ، ولعب بعض الإخفاقات لدى حملة ماكين لصالحه، ومرّة تلو المرّة تعبير أوباما الصادق جدّاً لما يجول بداخله من مشاعر. 

موت جدته ليلة القاء خطابه الأخير قبل إعلان النتائج. لحظة الفوز والحوار الذي دار بينه وبين أفراد عائلته. حماته وهي تنظر أمام الشاشة غير مصدّقة، وهو يتخيّل كيف يمكن أن تكون مشاعر المرء الذي عاصر نفس الأحداث بسياق آخر مختلف تماماً مليء بالظلم والعنصرية. 

تغمرني الدموع وأنا اقرأ ما جرى في تلك الليلة من أحداث. أضحك لذاكرة تجتاحني للحظة فوز ما عاصرته كفلسطينية… فوز محمد عساف بمحبوب العرب.

وكأنّ اقصى ما نستطيع الانتصار له هو فوز بمسابقة غناء…. 

الحصاد المر هو عنوان كتاب للمؤرخ الفلسطيني سامي هداوي الذي ولد في القدس سنة ١٩٠٥ وعمل في سجلات الاراضي في فترة الانتداب البريطاني . حكايته الشخصية هي حكاية نصف الشعب الفلسطيني الذي تم تهجيره من بيته وارضه بعيد اعلان الدولة الصهيونية لوجودها . “الحصاد المر” قد يكون من اهم الكتب التي وثقت التاريخ الفلسطيني الحديث من كافة المحاور والاتجاهات بطريقة استثنائية من حيث شموليتها بالرغم من كثرة الكتب التي كتبت وتكتب كل يوم في الشأن الفلسطيني . فكلمة شمولي هي كلمة تليق بهذا العمل . ما استوقفني ولا يزال المقدمة التي كتبت قبل ما يزيد عن ثلاثة او اربعة او ربما خمسة عقود ، هذا يعتمد على اذا ما كان الكاتب قد وضع المقدمة في الطبعة الاولى . ولكن حتى لو كان قد كتبها قبل عقد واحد ، كانت ستكون اشبه بالنبوءة . ليس بالنسبة للشأن الفلسطيني ، ربما لأن الشأن الفلسطيني انتهى سياسيا ولم يبق منه الا أطياف شعب . ولكن الشأن العربي والطموح الصهيوني فيه . …منذ نشأة الدولة الصهيونية. مما لا شك فيه لأي متطلع على تاريخ السياسة الاسرائيلية بأنها ممنهجة ومخطط لها منذ قيام الدولة . فلا يوجد صدف في حراك اسرائيل بمخططاتها للمنطقة . كل في هذا النظام يعمل ضمن شبكة متماسكة الخطوط تؤدي في اطرافها دائما الى مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايا كان اسمه او انتماؤه الحزبي. لو كنت قرأت هذه المقدمة قبل عدة اعوام لكنت قلت في نفسي ان هذا الرجل يبالغ ويبني كلامه على نظريات المؤامرة . إسرائيل الكبرى هي نظرية مؤامرة نحن العرب اخترعناها . فاسرائيل لا تستطيع العيش فينا نحن الفلسطينيون باحتلالها لنا ، فكيف لها ان تطمح في الدول المجاورة . كل ما تريده هو اقتصاد مريح لها وسط تطبيع سلمي يسمى سلام . الا ان وقوفي هنا جعلني اقرأ كل كلمة واعيدها مرارا واجسدها تلقائيا في كل تلك المشاهد التي تحيط بنا من كل الاتجاهات في السنوات الاخيرة . تعلمنا في الصغر ان اسرائيل تطمح فيما تسميه اسرائيل الكبرى والتي تصل اطرافها من النيل الى الفرات . وعلى العملة المعدنية الاسرائيلية هناك خارطة ترسم خطوطها هذه المساحات التي لا تنتهي بخارطة فلسطين . وفي جانب هذا الادعاء تعلمنا ايضا اننا سنرمي اليهود في البحر اذا ما سمح لنا . ادعاء سمعته من قبل اليهود برعب منهم للحظات في السابق كنت اظن انهم يصدقونه. وسمعته من قبل الشيوخ على المنابر المختلفة في الجوامع وشاشات التفزة العربية باختلافاته في السابق. يبدآ سامي هداوي مقدمته بالتكلم عن المرة الاولى التي تم فيها استعمال التقسيم كحل في المنازعات في التاريخ عندما لجأت امرأتين الى الملك سليمان للتحكيم في منازعتهما على طفل ادعى كلاهما امومته له. عندها حكم سليمان بتقسيم الطفل الى قسمين ، وحينها تبينت الام الحقيقية . وهي تلك التي رفضت التقسيم . قد تكون هذه القصة ادق ما يمكن وصفه بالنسبة لفلسطين فيما بين الصهيونيين والعرب . فرفض الفلسطينيون للتقسيم أتى من حبهم الشديد لما آمنوا به بقوة في ارض كانت هي لهم وطن . فكان من المستحيل لهم قبول عرض في اقل من كل الارض. لما يترتب عليه التقسيم من بتر لاعضاء الجسم تشوهه وتسلب منه الروح . فهذا حال فلسطين بعد التقسيم وما آلت اليه من احتلال لم يبق منها الا الروح النابضة في تراب هذه الارض. روح تنبض بفلسطين . المشكلة التي تكمن في ما يراه الكاتب ، ربما لانه لم يعش ليرى الانهيار العربي في ابشع صوره.فبرأيه ان العالم استوعب سوء ذاك القرار بعد عدة عقود ،لكن الوقت قد مر وزاد سوءا لا يمكن اصلاحه . فالمعاناة التشريد التي اصابت ولا تزال للشعب الفلسطيني تفاقمت في كل يوم وعلى مدار العقود . الا ان اسرائيل ، ولأنها لم تكن ابدا ام تلك الارض ظلت تبيع وتشتري فيها وتحيك ما طاب لها من قصص واحتالت ولا تزال على التاريخ في خلط ،خلط الامور وتعقدت لدرجة لم يعد يعرف العالم رأسه من قدماه في الشأن الفلسطيني الاسرائيلي . فالهدف الصهيوني من هذه التعقيدات والمتاهات كان مقصودا بداية لتشتيت العالم عن الجرائم التي ارتكبت ولا تزال في حق الفلسطينيين، في زمن وازن تلك الجرائم ما كانت النازية قد ارتكبت في حق اليهود من جرائم في اوروبا. ومن جهة اخرى ارادت اسرائيل الاستمرار بالاستيلاء على الاراضي وضمها . في وقت ابقت المراوغة في الامم المتحدة قائمة لتصبح القضية مسألة نزاع بين دول على اراضي. وكأن الشعب الفلسطيني لا ينتمي الى الفئة الانسانية عند تعداد الشعوب. فحولت اسرائيل القضية الى صراع عربي اسرائيلي عام في حين انه كان بالاصل نزاع عرب فلسطين واليهود. فالموضوع هو موضوع الانسان الفلسطيني وحقه في ارضه وعليها. فتحول النقاش مع السنين في الذاكرة التأريخية الى هروب للفلسطينيين من ارضهم الى هروب طوعي وكأن اليهود دخلت الى بيوت اختار شعبها الهجرة . وفقد الفلسطينين مع الزمن حتى حقه في اللجوء الى مكان امن ان استطاع في وقت الحروب التي شنت عليه. فتغيرت الرواية تدريجيا وتناقلت الى اللسان العربي والفلسطيني ليصبح الفلسطيني هارب وجبان ، ومحيت حقيقة لن يمحها التاريخ الذي كتبه الضحايا من شهداء ولاجئين لما حل بهم من قتل وسلب وترهيب . بداية كان الصوت العربي في المطالبة بالحق الفلسطيني موحد. فلم يرض العربي بأقل ما طالب فيه الفلسطيني العربي. ولكن مع مرور الوقت تشابك الامور هنا ، ونزلت العرب من صهوة حصانها وتدنت المطالب الى ما تمن به اسرائيل على الجميع. ونسي العرب ان هناك صراع اخر هو صراع عربي اسرائيلي قررته اسرائيل منذ قيامها . فاسرائيل منذ البداية كان من ضمن مخططاتها في التخلص من الفلسطينيين هو ايجاد وطن بديل لهم في دولة عربية مجاورة . وان كان هذا من لغو نظريات المؤامرة قبل عدة سنوات، فلقد اصبح يناقش على الطاولات اليوم في الساحات الاعلامية الاسرائيلية والمؤتمرات السياسية المختلفة . فلا يخجل الاسرائيليون من الطلب اليوم من الفلسطينيينو بالرحيل الى الاردن . او ايجاد دويلة في قطاع غزة توسع من حدود سيناء والعريش بمصر . طموح اسرائيل كان منذ قرار التقسيم في ايامه الاولى ، عندما اغتالت العصابات الارهابية الاسرائيلية فولك بيرنادوت وسيط الامم المتحدة عندما حذر في توصياته لما لم يتناسب مع اسرائيل حين كتب لمجلس الامن : ” انه من غير الممكن تجاهل ان الهجرة الغير محدودة للمنطقة اليهودية من فلسطين قد تؤدي بعد مرور سنوات الى تزايد ضغط سكاني وتأثرات سياسية واقتصادية تبرر المخاوف الحالية للعرب من التوسع العام لليهود في الشرق القريب .” واضاف : ” من المستحيل تجاهل ان موضوع الهجرة اليهودية الى المنطقة اليهودية من فلسطين تعني فقط باليهود والمنطقة ولكن تلك الخاصة بالعالم العربي المجاور .” فبينما تستمر اسرائيل بالادعاء برغبتها بالسلام ، فانهم يحضرون انفسهم دائما للحرب. فاذا لم يكن التوسع هو هدفهم المرجو ، يتساءل هداوي عما كان يقصده بن غوريون حين قال:” المحافظة على الوضع القائم لن تنفع. لقد جهزنا لدولة ديناميكية، تلتوي عند التوسع.” . فتأكد طموحه عندما قال في ١٩٥٣ : ” لقد تأسست اسرائيل فقط على جزء من ارض اسرائيل ،حتى اولئك المشككون لاعادتنا للجبهة التاريخية من الصعب ان ينكروا شذوذ الحدود للدولة الجديدة.” بينما لا يزال التاريخ القائم بين إسرائيل ومن يجاورها من البلدان العربية مبني على التعدي والاعتداء من قبل اسرائيل دائما ، على الرغم من إدعاءاتها الدائمة بالتظلم ولعب دور الضحية والأقلية . فلو راجعنا التاريخ بقراءة جديدة لتنبهنا بوضوح بأن الحروب كانت دائمة تشن من قبل إسرائيل . فهي التي تستفز في اغتيالات وخروقات جوية واعتداءات امنية وحدودية ، ومن ثم تطالب امام المجتمع الدولي بالسلام . والسلام الذي تريده اسرائيل كما يؤكد الكاتب يعني اعتراف الدول العربية بالسيادة الاسرائيلية فوق الاراضي المحتلة من قبل اسرائيل ، انهاء المقاطعة العربية ضد اسرائيل ، فتح قناة السويس للملاحة الاسرائيلية ، والإذعان لتحويل مجرى مياه نهر الأردن لإسرائيل بالرغم من الضرر الواضح في هكذا خطوة للمصالح العربية وحقوقها. هذه الطموحات في السلام ليست الا تأكيدا لوصول اسرائيل لطموحها بالنسبة لحلمها في اسرائيل الكبرى . تلك الامبراطورية التي تمتد من النيل الى الفرات. مما يبقي شأن اللاجئين الفلسطينيين شأنا عربيا خالصاتتحمل الدول العربية مسئوليته، بادعاء ارعن بان الشتات الفلسطيني سببه الحروب العربية ضد اسرائيل. فالحصاد المر الذي تعيشه الامة العربية اليوم هو حصاد زرعت بذوره الصهيونية وروته الايدي العربية. لا يزال البعض منا يدعي زرعا غير قائم ، والبعض منا أعجبه طعم حلاوة مغشوشة ممزوجة بنكهة صناعتها غربية نرتمي اليها عادة لاماننا بأن ما يجلبه الغرب لابد يسر القلب . وها هو الحصاد ينتهي ولم يبق منه الا المرار … وفي انتظار موسم جديد لم تعد لفلسطين فيه ارض تزرع ، الارض العربية قد حرقت وفسدت وفسدت تربتها . ترتوي الارض العربية تربتها بدماء شعوبها وجثثهم اصبحوا سمادها . والصهيونية تنتصر امام انهزاماتنا . ولا تزال الامة العربية تتلاهث وراء حلم صهيوني بلا وعي او إدراك ، يتحقق يوميا من دمائنا كشعوب وأراضينا وخيراتنا كأوطان . وفي ذكرى التقسيم نقف اليوم كشعب اكثر انقساما ، ونشهد في هذا اليوم في هذه الذكرى المولمة انقسام حركة فتح التي رقعت شعار التحرر قبل اكثر من خمسة عقود …نراها اليوم حزيا سياسيا يحارب من اجل مطامع افراده والتحرر الوحيد المرجو هو تحرير مقاعد سيادية لاصحابها.

بين محنة تولستوي ومحمد منير في البحث عن المعنى: كتاب اعترافات ومسلسل المغني 

ما أن فرغت من مشاهدة مسلسل المغني للفنان الكبير محمد منير بصعوبة وشعور سيء يملأه الغثيان من رداءة السيناريو وضعف التمثيل والرياء والادعاء والاستهتار بذائقة المشاهدين، حتى بدأت بقراءة اعترافات تولستوي، بعد ان كنت قد انهيت قراءة روايته المهمة الحاج مراد. الحقيقة انني لطالما اعتبرت ان تولستوي من اهم الكتاب شأنا لي كقارئة، فآنا كارنينا تتصدر قائمة أفضل الروايات التي قرأتها مهما زاد على تلك القائمة روايات. الا ان الحاج مراد كان مختلفا ولم تشدني بنفس القوة. وعليه شرعت بقراءة اعترافاته. ذكرتني اعترافات تولستوي باعترافات روسو تحديدا. هذه الاعترافات لأدباء ومفكرين بحجمهما تشكل ثورة فكرية بحد ذاتها. فكم يتوق القارئ منا الى معرفة ذلك الكاتب وراء تلك الروايات او الكتب المهمة، فنراهم متجسدين امامنا ليكسروا كل التماثيل التي صنعناها لهم ليخرج امامنا الانسان. ذلك الانسان العظيم والضعيف بنفس القدر بكل معنى الكلمة. 

رحلة البحث التي تؤتي هؤلاء الى مكان مهم وكأنه لحظة التقاء الحياة بالموت. تولستوي تجسدت له حياته بأسطورة قديمة بإنسان على شجرة معلق بأغصان ينتظر تكسرها ليلتهمه تنين ضخم، وعلى الأرض جرذين ابيض واسود يقضمان الجذع. وفي خضم الرعب من التنين المتربص يبصر عسلا على احدى الأوراق فيلعقه ليتلذذ به وينسى مؤقتا ما يتربص به ومن يقضم جذعه رويدا. التنين هو الموت، والجرذين هما الليل والنهار والعسل هو لحظات السعادة والانجاز بالحياة. 

بدأت رحلة تولستوي هذه (باعترافاته) وهو على مشارف الخمسين من عمره. يبدو ان بعمر الأربعين والخمسين يبدأ الانسان بالفعل باستجواب نفسه، معتقداته، وجوده وجدواه وعدمه. بل أكثر وصل تولستوي الى حافة الانتحار. وبدت له الأسئلة التي بدأ بسؤال نفسه عنها تتزايد كلما اعتقد انه وصل الى جواب ما. بدأ سؤاله بجدوى ما يقوم به كل يوم. ما الجدوى من افعاله وانجازاته وحياته نفسها لطالما ان النهاية هي دائما الموت؟ أصاب تولستوي الفزع الحقيقي من فكرة عدم الجدوى وحتمية الموت.

تستمر فكرة الانتحار بمراودته، ولا يمكن الا يلاحظ القارئ تأثير شوبنهاور عليه، وربما يكون السبب في عدوله مؤقتا عن فكرة الانتحار لاجئا بالمحصلة الى نتيجة مرآها “أن يعيش المرء كما عاش سليمان شوبنهاور — يعلم أن الحياة نكتة سخيفة يسخر منا بها القدر، ومع ذلك يواصل الحياة، فيغتسل ويلبس ويأكل ويتحدث إلى غيره بل ويؤلف الكتب، وكان ذلك بغيضًا إلى نفسي مؤلمًا جدًّا، ولكني بقيت على هذا الوضع”

ومع ازدياد وقوعه باليأس ازداد لديه الشعور بالحاجة الى الفهم. فهم ما يمكن ان يكون قد سها عنه. فبدأ يتلمس الأجوبة في كل فروع المعرفة والعلوم التي اكتسبها الإنسان، مصرا على إيجاد اجوبته وكان كالرجل بين فكي الموت يبحث عن النجاة” ولكن عبثا كانت محاولاته..

واستمرت هذه الحالة سنوات، بعد ان أيقن ان الأسئلة بحاجة الى ايمان لكي يعيش. ولكنه ما لبث البدء بالبحث عن الله. ولكن فكرة الانتحار بقيت تخرج امامه كلما هدأها. ولكنه انتهى دائما الى قناعة حقيقية  

“بأن معرفة الإيمان — كالإنسانية كلها وما لديها من عقل — تتدفق من ينبوع عجيب، ذلك الينبوع هو الله، أصل الجسم الإنساني والعقل الإنساني، وكما أن جسمي هبط إليَّ من الله فكذلك هبط إليَّ عقلي وإدراكي للحياة”

وبنهاية الامر تيقن ان ما “يتعلق بعبث الحياة مهما تكن حتمية بحكم المنطق” قد لا يخلو من الخطأ مهما اتفق عليه جموع المفكرين. ومهما اوصله عقله الى عبثية الوجود وبالتالي حتمية الانتحار، كان هناك دائما، بداخله “الإحساس بالحياة” يعمل كقوة ترغمه على التمسك بأهمية الحياة التي يتمسك هو بها كغيره من الملايين بكافة الطبقات المعرفية والاجتماعية. فوصل الى ان المعرفة العقلية التي يعرضها الحكماء والعلماء بطرقهم الخاصة تنكر معنى الحياة، بينما تقف الإنسانية بأسرها المؤلفة من جماهير الناس البسطاء الى يقين بمعرفة أخرى لا تستند الى العقل بل الى الايمان.  تلك المعرفة هي الله. معرفة لا يقبلها العقل! وعليه تيقن انه لن يستطيع من خلال المعرفة العقلية غير انكار الحياة. وبالمقابل، في الايمان، لا شيء غير انكار العقل، الذي يمثل بالنسبة له استحالة أكبر من انكار الحياة. ولكن حيث اكدت المعرفة العقلية على ان الحياة شر، وعرف الناس هذا كذلك، عاشوا ولا زالوا يعيشون على الرغم من معرفة الجميع ان الحياة تخلو من المعاني وهي شر مستطير. ولكن الايمان اظهر له، انه كم اجل ان يفهم معنى الحياة لا بد ان يطرح العقل جانبا – والعقل هو نفسه الذي من خلاله فقط يمكن إدراك ما في الحياة من معنى. وعليه فان الإجابات التي يقدمها الايمان مهما كانت ملتوية بعيدة عن العقل، الا انها لها ميزة كبرى بتدخلها في كل جواب علاقة بين المحدود واللا محدود، وهي العلاقة التي يمكن أن يكون لنا بغيرها حل. في الجواب، كيف لي أن أعيش؟ وفقًا لناموس الإله، ما النتيجة الحقيقية التي تنجم عن حياتي؟ العذاب الأبدي أو النعيم الأبدي، ما معنى الحياة الذي لا يقضي عليه الموت؟ الاتحاد مع الله الدائم: السماء.. ومهما تكن الصيغة التي وضعت فيها سؤالي فإن هذه العلاقة كانت دائمًا تظهر

وهكذا كانت طريق خلاصه هي بالإيمان! الايمان هو الوحيد الذي يعطي الانسان الأجوبة على الحياة. الايمان يمنح قوة على فهم مغزى الحياة وادراكها. الايمان هو وحده قوة الحياة.

مع كل كلمة وعبارة كنت أقول في نفسي كم هو عظيم وجريء هذا الرجل، كمن سبقه في الاعترافات. ذكرني برحلة نيتشه في زرادشت. كيف عاش نيتشه هذا الصراع في وقت مبكر أكثر بكثير من حياته، لان الحياة لم تكن لتمنحه الكثير من الوقت. ويعزي هنا تولستوي الى عزوفه عن الانتحار لشعوره بأن أفكاره لم تكن سليمة صحيحة. وكأنه قرر الانزواء بداخله الى ذلك الجبل البعيد كما الحكماء من قبله ليتسنى له معرفة المعنى التي تخلو من الحياة “فقد بقي في دخيلة نفسي شك غامض في عدالة الحكم الذي وصلت إليه”

قبل توغله بسؤال الوجود والمعنى، كان تولستوي قد بدأ مكاشفة نفسه باعترافات دنيوية أسهل. ولكنها بالحقيقة أصعب عند مواجهتها مع الناس. 

تولستوي كان يطلق على فعل الكتابة التي كان يمتهنها وتمرسها فنا. تذكرني كلماته بالمثقفين في بلادنا العربية الذين نشأوا على الادب الروسي وترعرعوا على الفكر الماركسي. انتهى الفكر وبقيت ممارساتهم. يؤمنون كما امن تولستوي واقرانه في شبابه من معتقدات فكانوا يعتقدون أن الحياة في جملتها تتطور، وأننا نحن رجال الفكر نلعب أكبر دور في هذا التطور، وأن الفنانين والشعراء من بين رجال الفكر هم أصحاب النفوذ الأكبر، مهمتنا في الحياة أن نُعلِّم الناس، فإن سأل سائل هذا السؤال المطروق «ماذا أَعلَم، وماذا أستطيع أن أُعَلِّم؟» أجابوه أن هذا — بناء على نظريتهم — أمر ليس من الضروري أن يُعرف، فالفنان والشاعر يعلم غيره دون أن يشعر بذلك، وكانوا يعدونني فنانًا وشاعرًا من الطراز الأول، فكان من الطبيعي جدًّا لي أن أعتنق نظريتهم، فكنت كفنانٍ وشاعرٍ أكتب وأُعلِّم دون أن أدري أنا نفسي ماذا أعلم، وكنت من أجل ذلك أتقاضى الأجور، فأستمتع بشهيِّ الطعام وبالمأوى والنساء والمجتمع، وظفرت بالشهرة التي دلَّت على أنني كنت أُعلِّم شيئًا له قيمة كبرى.”

مسلسل المغني ورحلة محمد منير ببحثه عن إلهامه التائه وسؤاله عن جدوى الوجود واهمية اغانيه، يشبه ما وصفه تولستوي انفا. يشبه فئة المفكرين عندنا، الذين على ما يبدو لم ينتهوا ابدا الى اعترافات تولستوي، وما قاله له رجل فاضل من معارفه عندما قص عليه كيف خسر ايمانه. قصة بسيطة الى ابعد الحدود. رجل يمارس طقوس العبادة كما تعود عليها منذ صغره بالتزام صارم، حتى رآه اخاه الأكبر بعد سنوات كثيرة اثناء سياحتهما معا وقال له: 

“اف منك الا تزال محتفظا بهذه العادة؟” فلم يجبه ولكنه انقطع منذ تلك الساعة عن الصلاة. ليس لسبب غير انه وثق بان اعماله في هذا الموضوع لا معنى لها. ويقول: “على هذا المنوال سارت أكثرية الناس ولا تزال تسير حتى اليوم وانا أقول هذا عن أبناء طبقتي، وأولئك الذين يهمهم الإخلاص لحقيقة عقائدهم، وليس الذين يتخذون من الدين وسيلة للربح والوجاهة: مثل هؤلاء هم بالحقيقة غير مؤمنين لأنه إذا كان الايمان وسيلة للربح المادي فهو عند التحقيق ليس بالإيمان الحقيقة البتة. 

وأبناء طبقتنا هؤلاء يلخص مركزهم كما يأتي: – ان نور المعرفة والحياة قد اذاب قصور الايمان المصنوعة من الشمع في اعماقهم من اثار القصور المتهدمة. ولكن الفريق الاخر ظل متعاميا عن هذه الحقيقة فلم يشعر بها.”

مشهد يشبه التراس منير في المسلسل، ورحلة منير نفسه التي عكسها او أراد لنا المسلسل ان نعرفها. حالة من الهيام والتيه في بحث عن عمق سحيق للحقيقة، ولكن السبيل الأخير لا يتغير. احتاج منير بلا شك الى تلك الرحلة الا انه لم يعترف بشيء، ظل يلف ويدور في دوائر تيهه وتعبه، الا انه لم يصدق في شيء. شأنه شأن الفنان والمفكر العربي. فهل رأينا قط مبدع او فنان عربي يعترف بهكذا شفافية او مصداقية؟ 

مهما اعترف مشاهيرنا، ومهما كشفوا من حقائق، الا انهم يفعلون ذلك ليبرزوا ذاك الشق العظيم الساعي الى الكمال فيهم. وان تجرأوا تجرؤوا على كشف غيرهم لا كشف أنفسهم لتكون فرصة المكاشفة هذه في التركيز على وجهة نظرهم من القصة التي بها اخر بلا شك. 

فهل رأينا قط فنان عربي يعترف بهكذا عبارات؟ 

فتولستوي قدم اعترافاً بحقيقة كتابته التي حفزها الظفر بالمال والشهرة. وكشف علاقته بالكتاب بمقتبل حياته الذين استقبلوه بالنفاق، واعتناقه لآراء المؤلفين الذين خالطهم والتي بموجبها استمد تبرير انحلال حياته. ويضيف: 

“وهذه العقيدة في معنى الشعر وفي تطور الحياة كانت دينًا وكنت أحد المبشرين به، والتبشير به كان محببًا إلى نفسي يدر عليَّ مالًا وافرًا، وعشت على هذه العقيدة دهرًا دون أن أشك في صحتها، ولكني بدأت في العام الثاني — وفي العام الثالث خاصةً — من هذه الحياة أشك في نزاهة هذا الدين، كما بدأت أن أفحص حقائقه، وكان أول ما دعاني إلى الشك أني بدأت ألحظ أن المبشرين بهذا الدين لم يكونوا جميعًا على رأي واحد، فبعضهم يقول: نحن خير المعلمين وأكثرهم نفعًا، فنحن نعلِّم المطلوب، ويعلِّم غيرنا الأخطاء، ويقول بعضهم الآخر: كلا! نحن المعلمون الحقيقيون، وإنما أنتم تعلمون الخطأ، فهم يتنازعون ويتشاجرون ويتسابون ويحتالون ويخدع بعضهم بعضًا، وكان بيننا كذلك كثيرون لم يعبئوا من أصاب ومن أخطأ، ولا يهمهم إلا أن يحققوا أطماعهم بهذا الضرب من النشاط الذي نشطناه، وقد اضطرني كل ذلك إلى الشك في صحة ما كنا نعتقد فيه”

وقد افهم لما راودتني فكرة الربط ما بين الاعترافات الخاصة بتولستوي ومحمد منير بالمغني. كان هناك فعلا حقيقيا يريد منير ان يستنير من خلاله في متاهته بلا شك. وقد تختلف الظروف والسياقات كما هو بالفعل، فمنير لا يحيا زمن الفكر الحقيقي الذي عاشه تولستوي، ويعاني ما نعانيه اليوم من انحدار محيط بنا للأخلاق والمفاهيم والفكر. فتبدو كلمات اغانيه ببساطتها وعمقها فلسفة بحد ذاتها. 

وقد أعطي المسلسل أكبر من قدره بمحاولتي التحليل بعمق أكبر، لأنه بلا شك، كان هناك ما أراد منير ايصاله، لكن سوء الإنتاج من اوله الى اخره كانت نتيجته مزعجة، فما جرى مع منير في مسلسل المغني قد يكون جسده الممثل الشاب محمد عادل الذي قام بدور كينغ المعادي، الذي قام بدور مهووس يتخيل نفسه الكينج محمد منير. والحق ان أداء هذا الفنان ودور كان أفضل ما قدمه هذا المسلسل. الا ان الدور والمعني تاه كما تاه محمد منير نفسه في الغرض من المسلسل. وهنا كنا الامر يبدو كما وصفه تولستوي برحلته الخاصة ربما على هذا النحو تحديداً عندما تبددت له حالته العقلية بصورة تصور حياته بمهزلة سخيفة يمثلها معه شخص آخر، حاقد عليه، كائد له.  مضيفاً: “وبدا لي أن هناك في مكان ما شخصاً يلهو بمشاهدة الطريقة التي عشت بها ثلاثين أو أربعين عامًا: وأنا أتعلم وأتطور وأبلغ رشدي جسماً وعقلاً، كما يلهو بمشاهدتي — وقد بلغت الرشد العقلي فصعدت إلى قمة الحياة حتى انبسطت أمامي جميعها، ووقفت فوق تلك القمة كالأبله أرى بجلاء أن الحياة فارغة لا شيء فيها، ولم يكن ولن يكون فيها شيء ما، وقد سره بالفعل مرآي.”

ولكن، بينما لم يدر تولستوي ان كان ذلك الشخص الذي يسخر منه موجدا او غير موجود، وعليه حاول ان يرى الحقيقة بلا خداع. بقي مجنون منير بالمسلسل كما بقي منير نفسه منفصلا تماما عنه. لم يحدث أي ربط بينهما، فتركه منير بهوسه الذي كانت نهايته بمصح للمجانين، واستمر هو (منير) بتيهه من اجل خلاصه والهامه بطريق منفصل مستمرا على الرغم من يقينه بلهو الاخرين وخداعهم وسخف الحياة وقسوتها، وكأن امراً لم يكن.  

تبدو محنة تولستوي متشابهة مع تلك المحن التي يمتحن بها سابقيه من مفكرين. ذكرني بالمنقذ من الضلال ورحلة الغزالي بأسئلته الوجودية وايجادها بالصوفية، وضلالة الحائرين لابن ميمون، وقد تكون كلمة محنة أقرب بحقيقة توغل تولستوي بمحاسبة الذات بمحنة ابن حنبل الشهيرة. بينما حاول أولئك الحصول على اجوبتهم من خلال الاعتقاد الديني، استطاع تولستوي رفع الغطاء عن الدين والتمسك بالله. فتوقف امام نفسه وراجعها لوحده، وكان العمال والفلاحين بالنسبة له، وحياتهم، وبساطتهم، وما عرفه على انه الايمان هو مفتاح يقينه. 

حاول منير ان يجسد نفس المعاني في بحثه، وهروبه الى الأماكن البسيطة وسط البسطاء، وقد تكون رداءة الإنتاج الفني شبيهة بحقيقة التشويهات الحياتية، بين ما تقدمه التفاهات وما تدحض باستثمارات شكلية لجمالية اصولنا. 

وهنا كانت محنة المشاهد بالمسلسل، الا ان اليقين ان منير فنان نوعي بقي رصيده المهم. فإنتاجه الفني غزير وعظيم ومما لا شك فيه سيبقى لأزمنة قادمة. ولكن يبدو ان ما جرى مع منير قريب من الوصف مع جاء على لسان تولستوي الذي لم تعد تخدعه مسرات الحياة الموهومة. وتشبيه تولستوي لنفسه وكأنه وضع في زورق دُفِع به من ساحل مجهول، ووجد نفسه مع مجاديف لم يُمرّن على استخدامها وحده، ليجد نفسه وسط تيار يجرفه على هواه مع اخرين امثاله. كل يكافح او يسلم او يترك بطريقته. وحاول متابعة من ظنوا انهم يسيرون مع تيار ما، الا انه حين صوب بصره الى الوراء ورأى عدد لا محدود من الزوارق تنطلق عبر النهر بقوة وبغير انقطاع، تذكر الساحل والمجاديف ووجهته وشرع صوب الساحل ضد التيار. ذلك الساحل كان الله، وتلك الوجهة كانت التقاليد، والمجاديف هي الحرية التي أعطيت للسير نحو الساحل والاتحاد مع الله. 

ومنير في تيهه حاول الرجوع الى مكانه الأول اسوان، والاصغاء الى الفلاحين والبسطاء ورجع اليه الالهام. بينما اصغاء تولستوي الى أحاديث الفلاحين تكشف له من خلاله العلم بالإيمان وادراكه للحق. 

وقد تكون اغنية النهاية في مسلسل المغني، كما اغنية المقدمة الأهم والأفضل والابقى في ذلك المسلسل. قد يحتاج منير الى اعترافات تبقيها اغانيه لا مسلسلات تسويقية تجحف بقيمته. 

مش لايق عليا إني ابكي وسط ما بغنّي                       ولو مطر الدموع خنّي تلحقني بسمة امل

انا عايش في سجن جراح والعالم قصادي براح               وبغني عن الافراح وهغني لو ايه حصلي

 انا رافع رايات عشقي بدور ع اللي مش ملقي             يحارب كدبهم صدقي لو مهما يطول الاجل 

مش قادر أعيش وخلاص المي غير الام الناس                  البس قصة الإحساس وعارف إني البطل

تولستوي (١٨٢٨–١٩١٠)

 اعترافات تولستوي (صدر ١٨٨٢) 

ترجمه الى العربية  محمود محمود  سنة ١٩٤٧

لا يوجد هناك شك على مدى عبقرية طه حسين. وقد ينطبق عليه الآية القرآنية “إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء”.

خلال قراءتي لكتاب طه حسين في الأدب الجاهلي، تجلّى أمامي الغزالي. وأعترف ان هذا ليس بإيجابي لأني ناقدة شرسة للغزالي. ولكن أقر بأن الغزالي من أكثر الناس عبقرية مروا بالتاريخ الإسلامي وتركوا أثرا أبديا. وأكاد أقول أن طه حسين ترك نفس الأثر. ولكن بينما أراد الغزالي جعل احياء علوم الدين الكتاب المرجعي بعد القرآن، أراد طه حسين مسح الأدب العربي ما قبل الفترة الاموية الى الأبد ، وبدء الأدب العربي مع لحظة نزول القرآن. والاثنين من العلماء يصعب الوقوف امامهما، لأسباب عديدة، لم يعد من الصعب فهمها.

في الآونة الأخيرة أقف كثيرا امام موضوع الاستشراق وتأثيره على المفكرين العرب، وبالتالي على الواقع العربي الحالي. وإذا ما اعتبرت الغزالي عراب انحطاط وضع المرأة في الفكر العربي الإسلامي، فإن طه حسين عراب مسح الأدب في تدرجه الطبيعي، وبالتالي التشكيك بعدم اصالته، وبهذا التشكيك بأصل كل ما يمت للأصل العربي من منتج تراثي اصيل.

طه حسين تبنى نظرية التشكيك لديكارت، ويعيد التأكيد في كتابه أنه ليس استشراقي. كلامه عن الأدب وسرده لا يمكن الا وان تمسك بوجدان القارئ. هنا مرة أخرى، يذكرني بالمنقذ من الضلال للغزالي. فعندما يضع الكاتب نفسه في حالة بوح شخصية، لا يمكن الا ان يكسب تعاطف القارئ مهما دس بين السطور من سموم (هنا أرجع لأعمال أخرى لطه حسين كالأديب والأيام).

حيث يأخذك الكاتب حيث يريد هو لا حيث تريد انت كقارئ. يحدد مسار تحليلك بما يريده منك ان تراه وتعرفه.

في الأدب الجاهلي، يسرد طه حسين التاريخ والاحداث والامثال بمتعة وتشويق والكثير من المعلومات والمصادر والمراجع. يحلل ويمحص ويحاور، ويضع التاريخ العربي امامك بحرفية رائعة.

نظرية طه حسين باختصار، انه أراد ان يشكك بوجود الادب العربي قبل الفترة الاموية. أي ان كل ما عرفناه ووصلنا من الادب او الشعر الجاهلي ليس الا صنيع الفترة الاموية، وذلك لأنها كانت فترة قوة وتحدي وتقديم للدولة الإسلامية لما سنعيشه كمسلمين لاحقا. يصل طه حسين في تشكيكه الى التأكيد بأن الادب الجاهلي غير موجود. فكل ما نعرفه من تاريخ عربي هو زعم ما قاله القدماء الذين تم اختراعهم بالفترة الأموية.

ولكنه …لا يشكك بوجود النبي وبالتالي القرآن والسيرة. أي ان طه حسين يقرر محو فترة بعينها والتجاوز عن فترة تالية. على الرغم من ادعائه ان الفترة الاموية هي فترة صناعة الادب، الا انه يستثني القرآن والسيرة.

هنا تسقط نظرية طه حسين بالنسبة لي، لأن تحسبه من واقع سيتم عقابه فيه إذا ما اقترب من التشكيك بالقرآن سيضعه للمساءلة. وفي نفس الوقت، لا يمكن لصاحب عقل عادي الا الشعور بالفجوة التي يخلفها لك كمحصلة. فسقوط الادب الجاهلي يسقط القرآن بالمحصلة. الا ان إصراره ان القرآن هو الكتاب العربي الوحيد بالفترة ما قبل الاموية يضع القرآن مكان القدسية البحتة التي تغيب المنطق على الرغم من نهجه لنظرية التشكيك التي لا يمكن العمل بها بلا منطق. إخراجه للقرآن من المنطق التاريخي لتطور اللغة العربي وادبها، يجعل فكرة الاعجاز والتحكم بعقول الافراد المتمسكين باللا ممكن الا من خلال المعجزة ضرب من التحايل على الجموع البسيطة.

هنا ارجع الى الغزالي، حيث ما يعرفه العوام يجب ان يكون محدودا بما يمليه عليهم الخواص.

كإنسانة مؤمنة، أعتبر ان الايمان بالله وبالتالي بالدين المنزل على كمسلمة مصاحب لما يدركه المنطق. فالرسول اتى للناس بما كان متداولا وقويا في زمنه. هذه هي قوة القرآن واعجازه. انه جاء لقوم كانت اللغة هي أقوى ما لديهم وما يتغنون بها من بلاغة. أن يأتي الرسول بقرآن على قوم لا يأبهون بالبلاغة والادب، يشبه من هو مبصر في بلاد العميان!

يحاول طه حسين تأكيد فكرة ان التنافس الذي حصل في الفترة الاموية بين الموالي من الفرس وغيرهم الذين حاولوا التنقيص من العرب وتجهيلهم وفرض ثقافاتهم وما يعلمون به من علوم ومعرفة، وبين المسلمين من الأصول العربية كالجاحظ الذي استمات في محاولاته لتثبيت البلاغة العربية والادب منذ الجاهلية.

بينما ينفي اللغة العربية في صيغتها التي نعرفها عن اليمن، الا انه لا ينفي وجود الكنعانية والقحطانية، والتي بالفعل انتجت “بعض” الشعر، ولكنها مبعثرة وتبقى نماذج محددة، وان اثبتت شيء، تثبت فقط انها إسلامية قبلية. أي من البديهي ان تكون كتبت بعد الإسلام لا قبله.

امرؤ القيس يبقى معضلة بالنسبة لطه حسين، لا يستطيع ضحده او التشكيك فيه او مسحه… ولكن …امرؤ قيس الكندي، القحطاني، اليماني، بالرغم من الاتفاق عليه، الا ان نسبه يبقي مكان تشكيك لطه حسين. وهنا مرة أخرى قد ينتصر طه حسين ولكنه في نفس الوقت يثير تساؤلا أكبر، ان عمليه التشكيك هذه تجعلنا نشكك بالآخر، بالرسول هنا … فتاريخ الرسول ممكن ان يكون أكثر تشكيكا، فكيف يفصل الأمور بجعل هوة ما بين الرسول وما كان قبله وصار بعده. وكأن القران طفرة بالتاريخ العربي وجاء من فراغ مطلق مليء بالظلام.

فما الذي أراده طه حسين؟

بعد التشكيك، يرجع ليجزم بالتأكيد على ان بعض الشعر الجاهلي لا يمكن التشكيك فيه. يخيفني طه حسين في هكذا توجه بالرغم من الجرأة الكبيرة والمعرفة الواسعة. هو درب الأشاعرة في اثارة التيه لا التشكيك كمحصلة. لأن الشك مهم في صنع المنطق واشغال العقل، الا ان التشكيك من اجل مأرب يراد به مأرب اخر، من اجل تثبيت مطلق لا يمكن التشكيك فيه ولكن مباح التشكيك في ما حوله فهذا لا يشكل الا حالة من التشويه لا التشكيك.

أقرأ المزيد من أعمال نصر أبو زيد ، لا للتقرب بالضرورة من فكره ، ولكن هكذا تكون احيانا الامور في مقدرات القارىء. علاقتي بما أقرأ تشبه كثرا علاقتي بالقدر . أترك ما هو مقدر من القراءة ليأخذ مكانه في اجوائي. وليس هذا صدفة محضة طبعا ، الدخول في عالم الفلسفة الإسلامية كالدخول من بوابة لا تلبث تفتحها حتى تصادف طريق؛ بوابات اخرى كثيرة لطرق تريد ان تخوضها جميعا . مما لا شك فيه ان دراسة الفلسفة الإسلامية بها إدمان ، لا يرويه الا المزيد الكثير . لربما ارتباطنا الوثيق كمسلمين بموروثنا الديني المرتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ متداخل بزمن حدده الدين بأفراده وأحداثه . فصار أبطاله جزئا من هذا الموروث الذي اختلط فيه الايمان بالفكر حتي اصبح عقيدة لا يمكن فك خيوطها المحتكمة واختلطت الثقافة بالاسطوره. يصف ابو زيد القرآن بأته منتج ثقافي ، ويشرح ذلك بقوله : ” ان القول بأن القرآن منتج ثقافي يمثل بالنسبه للقرآن مرحلة التكوين والاكتمال ، وهي مرحلة صار النص بعدها منتجا للثقافة . بمعني انه صار هو النص المهيمن المسيطر الذي تقاس عليه النصوص الاخري ، وتتحرز به مشروعيتها . ان الفارق بين المرحلتين في تاريخ النص هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها ، وبين امداده للثقافة وتغييره لها” . هذا التشخيص أدخل آبو زيد في حرب غوغاء شنت ضده، ان دل على شيء ،دل على استفحال الجهل في العقول المتحكمة في صناعة الرأي المسلم ، وكما يؤكد آبو زيد انه ” اذا كان دواء الجهل يكمن في المعرفة التي بابها القراءه ، فان دواء الافات العقلية المستعصية هو في المصحات النفسية . وكم من الناس يحتاج الى علاج آفة الجهل المستعصي على المعرفة والقراءه والبحث “. ويؤكد أبو زيد ان هناك قاعدة مهمة وسط متاهات الضياع والغدر ، فإن” الأفكار لا تموت-وإن طالت يد الغدر حياة أصحابها وسمعتهم مس كرامتهم- فإن “الفكر” أعظم ما كرم الله به الإنسان على مخلوقاته كافة-يواصل رحلته،متصديا للتكفير كاشفا القناع عن وجههه القبيح،الجهل والخرافة والتزييف،إنه التفكير في زمن التكفير،عصا موسى التي تلقف ما خيل السحرة للناس من سحرهم وافكهم ، ولا يفلح الساحر حيث اتى ، والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. التفكير في زمن التكفير كان ولا يزال القضية التي تسطر طريقة ادائنا في التعامل مع قضايانا المختلفة . القضية في جوهرها كما يصفها ابو زيد هي ” قضية صراع بين نمطين من التفكير .يعبر كل منهما عن موقف من الواقع الراهن السياسي الاجتماعي الاقتصادي من جهة، وعن موقف من التراث الديني الاسلامي بصفة خاصة من جهة اخرى”. فالنمط الأول يمثل “نمط الثبات والتثبيت والدفاع عن الماضي والتشبت بقيمه وأعرافه مهما كانت النتائج التي يفضي اليها ذلك من تزييف الحاضر وسد طريقنا أمام المستقبل”. فالثبات في هذا الصدد يعني بقيم تقاوم التغيير وتنفر من التطور، وهذا التشبث بهذه القيم “يعكس بشكل لافت الدفاع عن مصالح قائمة في بنية الحاضر،مصالح يهددها التغيير ويقضي عليها التطور”.فيقدم أصحاب هذا النمط من التفكير “لتبرير مواقفهم ،تأويلا للتراث الإسلامي وفهما له يجعله ناطقا بهذه القيم. اي يقومون باستخدام التراث الاسلامي بل والاسلام نفسه ،استخداما نفعيا ذا طابع سياسي براجماتي بالدرجة الاولى” . بسبب هذا النمط، تحول الاسلام مع مرور السنين على حد تعريف ابو زيد الى “منظومة تركت القيم الروحية الروحية والاخلاقية التي تتخلل كيان الفرد والمجتمع ،الى مجرد د يافطة سياسية لحشد الجماهير واستغلال البسطاء وابتزاز انصاف المتعلمين وتحريك عواطف كثير من المهنيين .” هذا التحول ادى الى تولي القيادة الدينية لمن “هم اقل علما ووعيا واكثرهم في الوقت نفسه قدرة على الفعالية الحركية السياسية ،لأن العبرة لم تعد “فهم”الدين ،بل “استخدامه” .” اما النمط الثاني هو” نمط التركيز على الفهم واستنباط الجوهري والدفاع عن التطور لمعانقة المستقبل”. وهنا يكون تركيز من يتبنون هذا النمط على الفهم . فهم التراث والدين معا . بلا اي محاولة لاستبعاد الدين ولكن يغلب على خطابهم الاتجاه النقدي لا البراغماتيكي. فيسقط هذا النمط القدسية عن التراث. ولكن يتمالتعامل معه على انه فكر بشري مستمد من التاريخ الانساني الخاضع للنقد كما فعل ابن خلدون مثلا. فيدرسون تاريخ الفرق الاسلامية والاتجاهات الفقهية والكلامية والفلسفية من المنظور النقدي نفسه لا القدسي غير الخاضع للتأويل او التفسير. ومنا تبدأ الحرب المعلنة على التفكير النقدي والنفور منه الى حد التكفير. ما قام به ابو زيد هو الحراك على ثلاث محاور : دراسة التراث دراسة نقدية ، ونقد خطاب “الاسلام السياسي” لانه يحول الدين الى مجرد وقود في المعارك السياسية ،ومحاولة تأصيل وعي علمي بدلالة النصوص الدينية. يمارس بهذا معركته على ارض المعرفة بإنتاج الوعي ،وعلى ارض التعليم بزرع الوعي في عقول الطلاب. يؤكد ابو زيد ،انه عندما يقوم الخطاب الديني برفع مبدأ “لا اجتهاد فيما فيه نص” في وجه العقل ،” انما يقوم بعملية خداع ايديولوجي ، لان ما كان يعنيه القدماء بالنص هو الواضح القاطع الذي لا يحتمل الا معنى واحدا،والنص بهذا المفهوم في القرآن الكريم نادر . واما سائر الايات فهي تحتمل التأويل والاجتهاد. واما في الحديث النبوي، فهو اندر ، لان معظم الاحاديث النبوية نقلت بمعانيها لا بألفاظها ،بالاضافة الى ما دخل الاحاديث من التزييف والانتحال”. يرى ابو زيد ان الخطاب الديني المعاصر هو” المسؤول الى حد بعيد عن حالة التخلف التي يعانيها العالم الاسلامي منذ ان توقف الاجتهاد وشاع التمسك بالتقليد. فهناك” فرق بين “الدين” و”الفكر الديني” الذي لا يكتسب من الدين قداسته ولا اطلاقه ، بل هو اجتهادات بشرية لفهم النصوص الدينية وتأويلها” . وعليه ، “فان مناقشة اراء الفقهاء القدماء والكتاب الدينيين المحدثين ومحاكمة فكر اولئك وهؤلاء على انه تعرض للدين ، انما هو ضرب من الاجتهادات الذي يؤجر صاحبه اجرا اذا اخطأ ويضاعف له اذا اصاب”. ان طرح ابو زيد يمثل خطرا على الوجود السياسي ،بل والاجتماعي للخطاب الديني السائد والمسيطر. لانه يحاول طرح وعيا مغايرا بالدين وعلميا. يقول ابو زيد في كتاب نقد الخطاب الديني ، “ان الخطاب الديني المعاصر :الياته ومنطلقاته الفكرية ،قررت ان الخلاف بين “الاعتدال” و”التطرف” في بنية الخطاب الديني ليس خلافا في النوع ، بل هو خلاف في الدرجة،وكان من اهم الادلة التي استندت عليها لاثبات هذا الحكم ان كلا الخطابين يعتمد “التكفير” وسيلة لنفي الخصم فكريا عند المعتدلين ، ولتصفيته الجسدية عند المتطرفين”. فالتطرف هو جزء جوهري في نسيج الخطاب الديني المعاصر ، لان” منهج “النقل” يفضي الى الاتباع وكلاهما يناهض “آلابداع” ويعاديه ، بل ويسعى للقضاء عليه ، ولا يتحقق ذلك الا بالتكفير العقلي الذي يفضي بدوره الى التصفيه البدنية ،الى القتل بالقنابل والرشاشات”. يتساءل ابو زيد اذا ما كان من قبيل المصادفه اللغوية ان ترتد المادتان اللغويتان “كفر” و”فكر” الى جذور واحدة؟ من منظور اللغة على حسب تأكيده ، فان هذا ليس منطقيا. “فالفارق في ترتيب الحروف بين الصيغتين فارق دال على ان التفكير حين نقلب على نفسه يصبح تكفيرا. هنا يفقد كل خصائصه السابقة ، كما فقدت الكلمة خصائصها الصوتية عن طريق هذا التقديم والتأخير. ويتحول الى جهالة عمياء لا هم لها الا القتل . ولا فارق ان يكون القتل بالكلام او ان يكون بالسلاح ، ما دام الجهل متجذرا في بنية العقل في الحالتين” . يؤكد ابو زيد على انه “لا خلاف ان الدين –وليس الاسلام وحده يجب ان يكون عنصرا اساسيا في اي مشروع للنهضة ” .الخلاف الاساسي هو حول المقصود من الدين، هل الدين هو ما يمارس من جانب كل المسلمين بكافة الاتجاهات من ناحية ايديولوجية ، اي عبادات وطقوس؟ ام الدين هو ما به من قوة دافعة نحو التقدم والعدل ،بعد تحليله وفهمه بما ينفي عنه الاسطورة ؟ المشكل في كل هذا الجهل المركب كما يؤكد ابو زيد ،انه–سواء حسنت النوايا ام ساءت ،فان هذا الجهل يصدر عن” تصور لطبيعة عفا عليها الزمن، وصار من مخلفات العصور الماضية، سواء تلك الني كانت ترتع في بقايا الفكر الاسطوري ،او تلك التي حاولت تجاوز مرحلة الفكر الاسطوري ، ودخلت نهج التفكير العقلاني” . لانه وفي النهج الاسطوري ،فإن اللغة لا تنفصل عن العالم الذي تدل عليه ،اي ان هناك علاقة متطابقة بين اللفظ والمعنى . “وما تزال بقايا هذا النهج الاسطوري في تصور اللغة موجودة حتى الان في كثير من المظاهر التي يمكن تلمسها في حياتنا الاجتماعية”.

 

 

رحل المفكر والفيلسوف الايطالي امبرتو ايكو ، وسبقه بايام الصحفي والمفكر المصري محمد حسنين هيكل . وبينهما رحل الامين العام السابق للامم المتحدة بطرس غالي.

ثلاثتهم عاصروا القرن الماضي مع بدايات ازماته وكانوا بلا شك جزءا من الحراك سواءا بالمواجهة او المجابهة.

وثلاثتهم بطريقة ما تم بلعهم وسط السلطات …اكان بوعي ام لا ..ليس مهما . فهناك مما لا شك فيه مكيدة تعرف السلطة حيكها في الاغواء .

اذكر عندما كنت صغيرة ، كتاب لهيكل . كان ضمن الكتب المعدودة التي احتوت قراءات امي . فكبرت وهذا الهيكل يشكل هامة بالصحافة والتحليل السياسي الذي يتوقف بعده الجميع . وعندما وعيت اكثر ، لم يكن ما عهدته في زمن امي … لكنه بقي مؤرخا شاهدا على مجريات العصر وتقلباته وتفاعلاته. كنت اتساءل ، كيف يعرف كل ما يعرفه ، ولا يوجد هناك تأثير حقيقي للصحافة .

وبطرس غالي كان مثالا اخر لي في صغري . رجل عربي في الامم المتحدة . لا بد ان بوجوده سيكون للحق ترجيحا ما بقضيتنا الباحثة عن عدل. وانتهى غالي ولم تنته القضية . وكنت اسمع ومن ثم احيك المؤامرات مع نفسي مما اسمعه عن المؤامرات . اكان السبب زوجته يهودية الاصل؟ ولكني كنت كذلك احلم بفكرة “الولايات العربية المتحدة” التي طرحها وانتهي ليكون فيما بعد كذلك، حافظا لعصر شاهد عليه …ولم يكن لوجوده اثر ولا لمكانته تأثير مقابل جل ما عرف وشهد.

اما ايكو ، فلم تكن اهميته لي بسبب الرواية الاشهر له “اسم الوردة” ،ولكن كتبه النقدية ومقالاته هي التي دائما ما اثارت قريحة المعرفة عندي. هناك نزعة فلسفية معاصرة احسستها دائما بنهجه ،جعلتني دائمة الفضول نحو ما يكتب. وطبعا ، احببته اكثر عندما كتب بالشأن الفلسطيني الاسرائيلي .

كنت ولا ازال ،اكن الكثير من التقدير للكاتب والانسان الذي يكرس القضية الانسانية بعدالتها ويجعل منها قضيته . سواء كتب بموضوع محدد ام لا . سواء كان نقاشه ادبيا بحتا ، او سياسيا بحتا ، الا ان هناك ما تلمسه وبوضوح جلي بالنزعة الانسانية في كلماته .

لذا .. كان ايكو ممن نصبتهم ابطالا في عالم خيالي الادبي ، واجلسته على نفس الطاولة المستديرة مع نيتشة وكازانتزاكس وجبران وساراماغو وارسطو وابن رشد وحسن البرغوتي وغيرهم في قائمتي غير المتناسقة لمن لا يفهم نزعتي الخاصة بأنسنة البشرية.

هيكل لم يكن ممن اثاروا فضولي .. فلقد تحول للاستاذ الكبير والاكبر بالتقادم وبتقربه وعي او بلا نحو رجال السلطة ، وفي نظري صار ممن يمثلون السلطة .

افكاري هذه القاسية ، لا تبنى بالضرورة على وقائع . فقد يقدم الرجل اعظم ما يمكن تقديمه للعالم . ولكن يكفيني كلمة زالة ليصبح وكلامه هباءا منثورا .

مرت عني مقالات هيكل في زمن وعيي للقراءة بلا توقف ملفت . مقالات وكتب مهمة عن حرب ٦٧، قناة السويس، عبد الناصر، المفاوضات السرية والمعلنة، التداعيات المختلفة في عالمنا العربي، هو وكيسنجر ، الثورات ، عهود الملوك والعسكر . كنت اتساءل عما افقده في عدم اهتمامي بهذ الرجل في كل مرة كنت اقرآ تقديمه لكتاب لكاتب احبه ، كادوارد سعيد ومقدمته في “غزة-اريحا” ، او نوعم تشومسكي و:ماذا يريد العم سام” ، ورجيه جارودي في “الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية” .وكان اخرها الحلقات التي بثتها قناة الجزيرة “مع هيكل” ، والتي حدث فيها عن الحاضر السياسي ورؤيته لمستقبل الصراعات في المنطقة.

في يوم من ايام القدس الثقافية ، والتي يتباهى الكتاب في المجيء اليها لعرض اخر منتجاتهم الادبية ، حل امبرتو ايكو ضيفا على المعرض . تلك الاشكالية التاريخية الاخلاقية اليوم .كيف يأتي كاتب مخضرم اعماله الادبية والفكرية فيها تصريح واضح لحقوق الانسان والعدالة ليأخذ جائزة او يشارك في احتفالية حتى ولو كانت ادبية في بلد محتل . كيف تتكلم امام من ينتهكون حقوق الانسان ، وانت ممن ينتقد هذا بجرأة؟

كان كتاب “مقبرة براغ” ، والذي تحدث فيه عن المؤامرات التي حكمت التاريخ الانساني . جرائم الكنيسة والغطاء خلف التدين .ارتكاب الجرائم بالنهار واضاءة شموع المناولة بالليل . تناول موضوع بروتوكولات صهيون . كتاب اعتبر من اهم تحف ايكو الادبية . ولم يكن ليمر بسلام لدى القاريء الصهيوني الذي احس وبسرعة بانه ممن اشير اليه بالتورط بالمؤامرات الكونية على الانسانية . ومع هذا تم تكريمه عليه من قبل الجالية اليهودية في القدس .

لم اكن بعيدة في تبريراتي لشأن المقاطعة كل البعد عن تبريزات ايكو نفسه بالزيارة . فكان لقاؤه بالنسبة لي لقاءا تاريخيا . فهو احد المختارون من الاهم في مكتبتي ، وكتبه لا تخلوا ابدا من برنامج قراءاتي. وبررت دعوتي بأنني سأكون ضمن الجالية الايطالية . لم يكن هناك شأن اسرائيلي . والحقيقة ان هذا ما كان . فلقد كان اللقاء على هامش المعرض في عشاء خاص للجالية الايطالية . ولعلم القنصل العام (الذي كان صديقا مقربا لي) بشغفي بايكو استغل الفرصة لدعوتي معهم.

جلست استمع لكلامه ، وكان الانبهار يتناثر . مهما قال من كلام .كان هناك حقيقة واحدة. كيف تبرر وجودك هنا ؟ كيف تتماهي معهم بنقاش عن الحقوق والعدالة والانسانية وانت تعرف تماما انهم ينتهكونها من نفس هذا المكان ؟   ولا انكر ان بكلامه كان هناك نقدا مبطنا للصهيونية . كان قد بدا عليه الخوف والتوجس . فهذا الكتاب كان به اتهاما له بمعاداته للسامية . وكنت انا هناك .

مما لا شك فيه ، انه لم يخطر ببال ايكو ان فلسطينية ستكون بين تلك المجموعة . فاثار سؤالي الاضطراب في نفسه . عندما وجهت له ما تساءلت به مع نفسه .

بتلك اللحظة فهمت معنى التهاوي نحو السلطة . ولم اغضب منه ولم اكرهه. ولكنني ارجعته الى انسانيته العادية الطبيعية . مسلمة ان الانسان بطبعه الضعف . والسلطة مفسدة . حتى ولو كان عبق الكتابة هو ما يزين افاق الانسان .

كان كتابه الجديد بحوزتي مع العديد من الكتب الاخرى لاحصل على توقيعه . التفت الي صديقي الايطالي متباهيا بأن احضر الكتب ليوقعها ، ولكني كنت قد اخفيتها في ظلمة حقيبتي . لم ارد توقيعه .

قد يكون ما جري فيه الكثير من المبالغة من ناحيتي . الا اننا تبادلنا نظرات كان في مجملها اعتذار لضعفه . لعدم تماسكه الاصيل بين ما يكتب عنه وبين ما يقوم به . على الرغم من نقده الحاضر . الا ان وجوده كان من المستحيل ان يكون مبررا … له هو تحديدا . لانه لم يكن رجلا عاديا . فلقد كان مفكرا حقيقيا ..تناول هذه المواضيع مباشرة وغير مباشرة .. فلما اهوته سلطة لا يحتاجها ؟ لما خاف من معاداة لما ما ليس فيه ؟ لما ارتعب من الحق ولقد كان حاملا شعلته ؟

ليس هباءا ان “الكلمة” هي اصل هذه الحياة . ان بالكلمة تخرج المعاني الى النور . ان النور فتيله كلمة….

الكلمة حق لا يمكن الرياء فيه ….

وقع هؤلاء الكبار في فخ الرياء بلا قصد ربما … ولكن بإغواء من السلطة ونحوها …فتهاووا…. حتى صار كلامهم هباءا منثورا ….

وماتوا اليوم …. وقد يكون لكلامهم فقط وجود يمكن لملمته في لحظة انتهى دورهم وبقي كلامهم ليكون كلمة حق لم تستطع اجسادهم بحياتهم الدنيا عكسه… فلقد رفع الجسد وبقي القلم لتكون الكلمة هي الاساس.

كانت رواية “أشياء رائعة” للروائية المصرية الحائزة على جائزة نجيب محفوظ لهذا العام، بين الروايات المنتظرة بين رفوف مكتبتي لقراءتها حين يشاء القدر لها ذلك. 

علاقتي بقراءة الكثير من الكتب اربطها بالقدر. لا أعرف إن كان هذا أحد ضروب الجنون المرافقة لحياتي، ولكن القراءة بلا شك، تشكّل جزء من محاور القدر عندي. فكثيراً ما أجد نفسي اقرأ كتاباً لم اخطط لقراءته ولكنه ارتبط ارتباطاً وثيقاً بما يتطلب حالي. قد تكون هذه مجرد صدفة أو ربما تكون محور ما يسمى بالتجاذب. فأفكاري وعقلي الباطن يتجاذبان في لحظة ما، ويجعلاني امسك كتابا ما. 

ورواية “أشياء رائعة”، احدى الروايات العديدة التي قد تكون حصلت على مكان على رفوف مكتبتي بلا سبب محدد، أكثر من ترشيح لبائع. 

المهم، كانت سعادتي فائقة لوجود رواية كاتبتها قد حظيت للتو بجائزة بقدر أهمية جائزة نجيب محفوظ. كنت كمن وجد كنزاً بوجود عمل بين كتبي لكاتبة أصبح أحد أعمالها متصدرا للعمل الادبي في مصر. وكانت فرصة مهمة بأن أقرأ عملا اخر حتى أستطيع الحصول على الرواية الحائزة على الجائزة وهي رواية- ثلاثية “أولاد ناس”.

رواية “أشياء رائعة” صدرت في طبعتها الأولى عن دار الآداب سنة ٢٠١٠

لا أعرف إن كانت الرواية المصرية ونجيب محفوظ متلازمتان. ولا أعرف إن كان تأثري بفكرة الجائزة هو ما جعلني أفكر بهذا الاتجاه. وبعد اول صفحات شعرت وكأنني بداخل فيلم مصري ليثبت شعوري ربما. 

تحكي الرواية قصة امرأة، فلاحة مصرية، أرملة، تركها زوجها مع ثلاث أولاد. أمها حولها تؤنبها واخوة لها قاطعوها لقوّتها وأهل زوج يتربّصون لها لأن ما تركه زوجها بالنسبة لهم حق لهم لا لها. قد تكون فكرة جلوس المرأة على عرش الذكورة هي مفتاح الرواية. اختيارات المرأة بأن تكون أمّاً على ان تكون أي شيء آخر، حيث تمنحها الأمومة لقب الشهيد الحي، والملك المتربع على عروش الأبناء الى الابد. الام التي تفني حياتها بشبابها من اجل ان تربي ابناءها وحدها- الارملة- فتترك الفرص كلها من اجل ان تحظى بالنهاية على الطاعة التي استحقتها بسبب تضحيتها.

” ولم يكن هناك اختيار في حالتها. كان الدور قد كتب لها، وكانت أمّاً متسلّطة ومجنونة وقاسية وحنونا وتفعل المستحيل من اجل أبنائها وكانت اما تسيطر على كل شيء. ويوم ان تتزوج. تفقد سطوتها وقدسيتها، ويوم ان تتزوج تكون امرأة ولا تكون قديسة،

والعقل يقضي ان تبقى على عرشها ولا تتنازل عنه والعقل يقول انها الان ملكة، وغدا إمبراطورة، ولو اغضبها أحد أولادها تصيح: ضحيت من اجلكم بكل شيء. كيف ستقول هذا إذا تزوجت؟ كم من شهيد راح ضحية غروره ولم تكن تختلف عن كل الشهداء. كانت تريد المجد والعلو.” 

في الجانب الاخر من القصة يقف رجلان، من يقبل بأن يطلق عليه اسم اللص، وهو فاحش الغنى، يريد الخلود ببناء مقبرة. والعالم، الكاهن، المهندس الذي وُكّل له بناء الصرح الخالد. كلاهما ارادا الخلود. كالأبيض والأسود في مكافحة ما يعرفانه الحق. اللص والعالم. يحاربان الفساد بالانتقام من بعضهما، لنرى ان الفساد كالأبيض والأسود كل يراه بطريقته. وما بين اللونين من انفصال هو مكان دفع الثمن. فالفاسد الكبير يبقى ويدفع الثمن دائما الفاسدون الصغار. لننتهي الى نتيجة حتمية تؤكد وتوجب الفساد وكأنه دمغة حياتية لا مفر منها. لا يهم ان كنت ابيضا ام اسودا، غنيا ام فقيرا، عالما ام تاجرا، فلاحا ام مدنيا. فالفساد سمة تلاحق الانسان طالما عاش.

لا اريد التكلم عن الرواية بتفاصيلها، لأني لا اريد حرقها. فلقد رافقتني على مدار عدة أيام وكنت متلهفة لأعرف ما ينتظرني من تفاصيل. الاحداث كانت مهمة، ولكن الأهم في هذه الرواية هو كل ما لم يكتب. كنت اتخيل نفسي اشاهد فيلم محمود ياسين وفاتن حمامة لوهلات كثيرة، ولكن الابداع تمثل في كل ما شعرت به “أسماء”، لا اعرف ان كانت أسماء تمثل كل امرأة تركها الزمن لتكون اما تربي ابناءها وجدها. بين استعطاف واستذئاب. بين حب واستغلال. بين تفاني وانانية. تضحية وشهادة: 

قد يكون من المضحك ما شعرت به او تذكّرته عندما كنت اقرأ الرواية، رافقني الشعور الذي كان لدي عندما قرأت ثلاثية ٥٠ ظل للون السكني. على الرغم من ان “أشياء رائعة” لم تأت بكلمة خارج النص ولا تعبير مباشر يوحي بإثارة الغرائز، الا انها كانت مليئة بالإثارة. لم يكن هناك حاجة للكتابة، فتركت العنان لخيالنا بحياكة ما لم يكتب من تفاصيل. الحقيقة انها كانت بغاية الروعة. 

ذكرتني بوصف في احد مقالات ادوارد سعيد عندما وصف رقص تحية كاريوكا قائلا: “وكما في مصارعة الثيران، يقوم جوهر فن الرقص الشرقي الكلاسيكي العربي ليس على كثرة، بل على قلّة، حركات الفنانة. وحدهنّ المستجدّات، والمقلّدات البائسات اليونانيّات والامريكيّات، ينخرطن في درجة مريعة من الهز والتقافز هنا وهناك، معتقِدات أنّ هذه الحركات هي “الجاذبية الجنسية” وصخب وعجيج الحريم.”  

وكما حملت الرواية للقارئ بين الصفحات في بدايات لكلّ فصل بما سّمته الكاتبة “كتاب الموتى والاحياء” وهو عبارة عن مداخل لما كتب على جدران المقبرة التي صمّمها “دكتور حازم” أحد ابطال الرواية. يقول: “والدي كان دائما يقول ان هناك ثلاثة أشياء لا يستطيع الرجل التحكم فيها طوال عمره. ولا يستطيع العالم تقصي الأسباب العلمية لها. هكذا قال ابي.. وابي كان يعرف كل شيء. فالرجل لا حيلة له في وطن يجهله ويعشقه، وامرأة يشتهيها ويختلج جسده امامها، وتاريخ تعاد كتابته كل يوم من صديق وعدو وتاجر وعالم وجندي وملك ودولة وامة وشرق وغرب وما بينهما..” 

 كانت النهاية كما البدايات مفتوحة للتفكير على الرغم من تسابقي من أجل الوصول الى النهاية، الا انني شعرت بالغبطة لعدم اغلاقها كما توقعت، او كما تمنيت. وكأن انتصار “أسماء” لخاتمة رائعة كان انتصارا لكل امرأة تعيش حياتها. كما نهاية الرواية تشبه النهايات في حياتنا… نهاية مفتوحة تبدأ بالحياة وقد تستمر بالانفتاح على الموت. 

” في بلدي أيها اللص الذكي نقدّس الأمّ، ونتضرّع لها كآلهة الفراعنة. في يدها الخير. وبيدها تعطي البركة وبيدها تُسقط لعنتها فيعمّ الجفاف والقحط والفقر. وأنا.. أعرف أمّاً مصريّة. بهرتني وسحرتني وأحكمت سيطرتها على روحي. وكانت تغدق على أطفالها بحنانها وقسوتها ترعبهم. وأحياناً يا لص يا نذل يا سارق الموت والقبور. نخاف المرأة وكأنّها شيطان يقضي على كل أخضر ويابس. كالجراد تغمر العمر وتدفن الأمل. لا بأس.”

رواية “أشياء رائعة” مليئة بالتأكيد بالأشياء الرائعة. 

في مقال سابق كتبت عن “هواجس المتفرد بنفسه”، للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو. في خضم قراءتي عن الفيلسوف الكبير تحدّيت نفسي ربما، او هكذا فكرت، بالغوص في اعماله. كان من السهل قراءة “العقد الاجتماعي” ومقالاته المهمة عن المساواة. و”الاعترافات” كما “هواجس الرجل المتفرد بنفسه”، لا تزال تشكل جرأة وشفافية غير مسبوقة في كتابة المذكرات او السير الذاتية. ولكن قراءة “اميل” كانت تختلف عن كل ما عرفته من قراءات. كيف يمكن ان يشدك عمل بهذه الضخامة وهذا الزخم بالمعلومات بمتعة وعطش لا يسده الا المزيد من جرعات الكتاب بأجزائه الخمسة. الجواب لهذه الكيف يكون بكتابة لعمل قدمه مفكر فيلسوف مفعم بالإنسانية. هذا هو الاستثنائي بطريقة قلّ ما نجدها بمكان واحد بهذا الزخم من كل شيء. 

مما لا شك فيه ان روسو تأثر بالكثير من عظماء التاريخ، من افلطون لأرسطو، ومن ابن رشد لابن خلدون (ربما). وكانت درايته بالأديان من الانجيل للقرآن جلية.

 ولأن “اميل” هو الانسان الذي انشأه روسو بمخيلته ليقدمه للكون. يبدأ الكتاب بمولد “اميل” وقدومه للحياة وينتهي بصوفي وعلاقتهما كنتيجة حتمية. ليؤكد على الرغم من إمكانيات القراءة النقدية في تركه لتربية الانثى وتركيزه على الذكر انه: “ويلٌ للعصر الذي يَفقد النساءُ فيه نفوذَهن، فلا يكون لأحكامهن عملٌ في الرجال! وهذه هي آخرُ درجةٍ من الانحطاط، وقد أكرمَتِ النساءَ جميعُ الشعوبِ التي كانت على شيءٍ من الأخلاق، وانظُروا إلى إسبارطة، وانظروا إلى الجِرمان، وانظروا إلى رومة، إلى رومة التي كانت مقرَّ المجد والفضيلة، لترَوْا ما كان لهن عند هذه الأمم من مقام. وفي روما كان النساءُ يُشِدْن بمفاخرِ أكابرِ القُوَّاد، وكن يبكين آباءَ الوطن جهْرًا، وكانت نذورهن أو حِداداتُهن الموقوفة عليهم أعظمَ ما في الجمهورية من حُكْمٍ احتفالي، وكانت جميعُ الثَّورات الكبيرة تَصدُر عن النساء، ومن ذلك أن نالت رومةُ الحريَّةَ بفضل امرأة، وأن نال العوامُّ القنصليةَ بفضل امرأة، وأن انتهى استبداد الحكام العشرة بفضل امرأة، وأن أَنْقَذَ النساءُ روما المحاصَرَة من يدِ طليلٍ. ويا أيها الفرنسيون من ذوي الشهامة، ماذا كنتم تقولون عندما ترَوْن مرورَ هذا المَوْكِبِ المثيرِ للضحك كثيرًا في أعْينِكم الساخرة؟ كنتم تقابلونه بصرخات الهزوء. ويا لاختلافنا في النظر إلى عينِ الأشياء! ومن المحتمل أن يكون الحقُّ بجانبي وجانبكم، وألِّفوا هذا الموكِب من حِسَانِ الفرنسيات تجدوني لا أعْرِف ما هو أكثرُ حشمةً منه، ولكنكم إذا ما ألَّفْتموه من رومانياتٍ كانت لكم كلكم عيونُ الفُولْسك وقلبُ كُورْيولان.”

لا اشك ان نظرتي للامر قد تقد مضاجع النسويات، فبناهية الامر روسو كان مفكرا ذكوريا يرى بالرجل افضلية بالخلق من الأساس. ورأى كابن تيمية بانه لا داعي لهدر الوقت بتعليم المرأة لأن عقلها لا يتسع للكثير من استيعاب المعلومات والمعرفة لانه هذا امرا خلقت فيه. 

عجيب كيف يتفق الرجال على الرغم من اختلاف أماكن وزمانهم وخلفياتهم الثقافية والايديولوجية عندما يكون الموضوع خاص بالمرأة. فمهما كان الرجل المفكر قريبا من المساواة ومؤمنا بوجوب إعطاء المرأة فرصة لأن المجتمع السليم يحتاج الى امرأة سليمة، كما فكر من قبل افلاطون وابن رشد وروسو على نفس الطريق، او كان على غرار ارسطو والغزالي وابن تيمية ولوك مؤمنين بسطوة الجنس الذكري بالخليقة على جنس الانثى فلا تساوي بالخلق أساسا، حيث روح الرجل اكثر اصطفاء عند الأكثر تعصبا واقل مقدرة عند الأقل تعصبا. 

ولكن في “اميل” هناك فرصة للتعقل ربما، فبين البداية والنهاية هي بدء الخلق ونهاية الانسان، وفيما بينهما تنشئة الطفل بما يقربه من الطبيعة بالتربية. أي ان التربية مبنية على الطبيعة. 

في “اميل” قام روسو بوضع تفاصيل مراحل التربية لنمو الانسان منذ ان يخلق. ويتكلم بشرح مستفيض عن طور نمو الانسان على الصعيد الجسدي والعقلي.  كتاب إميل يعد مصدرا أساسيا في الفكر التربوي وصيحة جريئة، وثورة مستمرة منذ زمنه الذي حارب حينه انحلال الاخلاق وبسط نفوذ الكنيسة وصايتها على المجتمع، كما هو الحال في أيامنا بعد قرون من بسط وصاية الديانات باختلافاتها وأماكن تواجدها على المجتمعات. كما يعتبر الكتاب اسهام حقيقي في ترسيخ دعائم الحرية من خلال عملية التحليل. حيث رأى ان مسألة فساد الأخلاق داخل المجتمع لها تأصيلا في التربية. فيعتبر ان الأسلوب الذي يعتمد على الحفظ والاستظهار لأفكار بالية فاسدة، تجعل من الطفل آلة طيعة في مجتمع منحل وتهبط بمستوى قدراته إلى الحضيض. في مقابل ذلك يقترح أن يكون التعليم بمثابة تجربة سعيدة في حياة الطفل، تنمي قدراته وتعتني بصحته وخلقه وذكائه وقدرته على الخلق والإبداع والابتكار

يعتبر روسو ان الفطرة الإنسانية هي ركيزة التنشئة السليمة.

 فالإنسان يخلق مع فطرة وإرادة. وارادته تجعله يعرف ويتعلم. وكل ما دون هذا هو تشويه للخلق الأساسي لما يجب ان يكون عليه الإنسان. 

اميل هو الطفل الذي سيكون روسو معلمه ومرافقه في مختلف تطورات نشأته التي يصر روسو على ان يجعلها طبيعي\ بقدر ما هو ممكن.

ركيزة التربية التي يتبعها روسو مع اميل تعتمد على تعزيز التجربة لترسيخ المعلومة ومعرفة جدوى العلم عن طريق الاستكشاف العملي 

والبحث عن الحاجة للاستخدام وجدواها، في دعوة غير منقطعة للتأمل في الطبيعة والتفكير عوضا عن القراءة. 

الكتاب الوحيد الذي يرشحه روسو لأميل في سنوات طفولته الأولى هو روبنسون كروزو، لأنه سيحث الطفل على الاستكشاف والبحث عن حاجاته والتأمل بمحيطه ويقوي من ارادته. 

ذكرني اميل بمحاولة روسو بجعله روبنسون كروزو الصغير بحي بن يقظان الذي طالما حاول الفلاسفة العرب المسلمين من قبله احيائه من ابن سيناء الى بن النفيس. 

ولكن قبل الذهاب مع اميل من خلال روسو الى طرقات حياته بينما يكبر، لا يمكن الا التساؤل مرة تلو المرة عن روسو الذي اعترف بمذكراته انه كان له من الأبناء خمسة، وضعهم جميعهم في بيوت رعاية اللقطاء. فهل كان اميل تعويضا لروسو عن ابوته التي تركها خمس مرات؟ 

بين تأكيد وتشكيك لاعتراف روسو بوجود خمس أبناء له، يبقى التساؤل مرافقا للقارئ. فهل كتب روسو اميل ليكفر عن فعله برمي أبنائه؟ ام ان الأبناء كانوا من صنع مخيلته التي كانت بحاجة لإثارة بهذا القدر لكي تشعل مكامن الفكر لتنتج اميل؟ 

اميل يأتي في خمسة أجزاء ترافق القارئ بحياة اميل وينهيها بالجزء الأخير بصوفية. وقد يكون الجزء الخاص بصوفية مربك بقدر الارباك الذي يصيب القارئ بينما يحاول فهم سبر عقل روسو وهواجسه. فكما علاقته بالأبناء وتقديمه هذا العمل التربوي الثوري بكل المفاهيم، تكمن علاقته بالمرأة ونظرته لها. قد يكون أقرب الى افلطون بنظرته للمرأة من ارسطو. فتراه كالسهل الممتنع، يقدرها ويجلها ويقدمها كانسان خالص لا يكمل الرجل فقط، ولكن وجودها كوجوده موجود من اجل اكمال دورة الحياة في أحسن صورها. لكل دوره ومكامن قوته وضعفه، وتفوقه على الاخر والعكس. ولكن لا يخفى عن القارئ نظرته التي تشوبها صفة الخيانة للمرأة والتي اخذت حيزا لا بأس به في علاقة اميل مع صوفية. 

من المهم فهم حياة روسو وشخصيته من اجل قراءته، لان كتاباته شخصية مهما امتلأت بالفكر والعلوم. واميل هكذا، مزيج من حياته الخاصة التي تعلم من اخطائها وتأملها في كتابه، وتجسيد لأفكاره بالعقد الاجتماعي ومقالاته بالمساواة وغيرها.   

ولكن، كما وجب التنويه، يجب التأكيد ان اميل ليس بالكتاب العادي. فعلى مدار أكثر من خمسين ساعة من القراءة لم تفارقني للحظة الدهشة والاستمتاع والاستفادة. ولم ابرح التساؤل في كل مرة، كيف لا يدرس اميل بالمدارس والجامعات ولا يرافق الأمهات والاباء والمعلمين والتربويين على مدار تغيرات حياتهم؟ 

هل يمكن ان يكون السبب بكل بساطة ان أفكار روسو بإميل على الرغم من انها قد تبدو للوهلة الأولى ككتب ” كيف تربي ابنك” هي بالحقيقة أفكار تؤسس لثورة على كل ما نعرفه من تحكم البشر ببعضها البعض من اجل الحفاظ على استهلاكية وسيطرة ممنهجة تجعل المرء يعتمد اعتمادا كليا على اخر، يبدأ هذا الاخر باعتماد الطفل على امه وابيه، ويستمر مع كل خطوة يأخذه نحو الحياة بالاعتماد على كتاب او مدرسة او معلم او دين او قبيلة او دولة، بينما يخلق الانسان ليكون ابن الطبيعة التي تنتجه. 

يبني روسو فكره في التنشئة الإنسانية على امرين، الفطرة والإرادة. الفطرة هي التي تجعل الانسان يبحث ويكتشف والإرادة هي التي تجعله يؤمن ويقرر ويسعى. من هنا يأتي يقينه بوجود الله، فلا يهم ان تثبت له ان الله موجود. هو يعرف ان الله موجود، لان فطرته وارادته قادتاه الى هذا اليقين. هكذا يبني الانسان باحتضان فطرته التي اعطته له الطبيعة لان الطبيعة هي خير للإنسان، وكل شيء بالطبيعة خلق الله جميل الى ان تمسه يد الانسان. فالطبيعة هي المعلم الرئيسي للإنسان. من خلالها يستطيع الطفل ان ينمي حواسه ويكتشف محيطه ويعي احتياجاته ليكبر قليلا ويبدأ البحث متأملا بالأسباب ويضع امام نفسه الأسئلة المتعلقة بالدين والوجود. وبين تربية إيجابية وسلبية تكمن التربية التي يريدها روسو لإميل. فالتربية هدفها بالنسبة له هي التنمية الكاملة للفرد وليس فقط اعداده ليكون مواطنا صالحا او مهنيا ما. “علينا أن نختار بين صنع إنسان وصنع مواطن لأنه من غير الممكن صنعهما في الوقت نفسه”.

قام روسو بهذا الكتاب بوضع والتقاط المفاصل المهمة والمختلفة بأبعادها البسيطة والعميقة بالتربية، بالإضافة الى الخوض بالقضايا والاشكالات المهمة التي تثيرها التربية في علاقتها بالمجتمع والثقافة والسياسة كنتيجة حتمية ممنهجة لحياة الفرد. فيحملنا روسو بينما يمسك بيد اميل في دروب تربيته الى ازمنة مختلفة تتأثر بها التربية وتؤثر عليها بتصورات وأفكار نقدية كانت ولا تزال تشكل محاور مهمة وبنيوية في معضلات التربية التي موست علينا ونمارسها. وقد يبدو من العجب ربما، ان تكون أفكار روسو هذه التي كتبها في القرن الثامن عشر، لا تزال فاعلة ويطالب أصحاب الفكر الحر تطبيقاه او الاحرى يتمنوا لو تطبق في مجتمعات اليوم. 

ان نتخيل ان أفكارا عمرها تجاوز ال٤٠٠ سنة تشكل اليوم مطلبا او تمنيا لمن يحاول ان يربي ابنه او يأمل في مجتمع أقرب الى انسانيته والطبيعة، متحررا من أعباء الاعراف المتوارثة بأشكالها المختلفة والمعقدة. 

“ولد الإنسان حرا وهو في كل مكان مكبل بالأغلال” أصبحت هذه العبارة شعار قرن بأكمله- قرن التنوير- واليوم تزداد هذه العبارة قيمة بينما نرى ثورة أخيرة تتمثل بما نشهده في أمريكا بهذه الاثناء كمثال.

.

ماري وولستونكرافت

رائدة النسوية الأولى  

في خضم انغماسي بقراءة جان جاك روسو وكتابه اميل، الذي تكلم فيه بإسهاب عظيم عن التربية، وجدت فيلسوفة و مفكرة معاصرة لروسو تدعى ماري وولستونكرافت، كتبت في معرض رد ونقد لجان جاك روسو على كتابه “اميل”، كتابا بنفس الحجم ربما من الصفحات والقيمة يدعى في ” الدفاع عن حقوق المرأة”. أطلقت النار وشنت حربا لاذعة على روسو التي كانت تكنّ له بلا أدنى شك عظيم التقدير، الا انها رأت في “اميل” عملا تتحكم فيه ذكورية البنى التي يتحكم فيها الحضارات والتي بسببها تنهار المنظومة المجتمعية. فتلوم ماري كاتب اميل بتركيزه على تربية الذكور في كتابه المهم، وتقوم برد على طريقتها بهذا الكتاب، الذي تضع فيه ربما ما تركه روسو، وتركز من خلاله على تربية الاناث. 

ذكرتني وولستونكرافت بابن رشد وكتابه تهافت التهافت في معرض رده على الغزالي وكتاب تهافت الفلاسفة. ما جرى بين وولستونكرافت وردها على جان جاك روسو كان في القرن الثامن عشر. فتعتبر وولستونكرافت من رائدات الحركة النسائية بلا أي شك بالإضافة الى كونها فيلسوفة. 

ولدت ماري وولستونكرافت في لندن سنة ١٧٥٩ وتوفيت سنة ١٧٩٧. تعتبرها الحركة النسوية مؤسسة للفكر النسوي في موجاته المختلفة التي ازدهرت في بدايات واواسط القون العشرين. واعتبار وولستونكرافت مؤسسة للحركة النسوية ليس فقط دعاية او مبالغة، لان ما قدمته في الدفاع عن المرأة وحقوقها كان غير مسبوقا، وجرأتها في تحدي عالم الفلاسفة الذكور وفكرهم والرد عليهم لا يزال كذلك غير مسبوق في جرأته وعمقه. بنت وولستونكرافت دفاعها عن المرأة بكونها مستقلة بكينونتها ولم تسع لتأخذ مكان الرجل ولكن اتاحة الفرصة للمرأة لتكون انسانا مستقلا له وجوده في الكون كما الرجل. اعتقدت بوجود المرأة الذي اعطته لها الطبيعة حقا لها تمتد من خلاله حريتها.

وهنا اكدت انها تريد للمرأة ان تكون قوية ومستقلة لتكون حرة وليس لكي تستقوي على الرجل. ارادت للمرأة ان تكون قوية من اجل نفسها وليس من اجل الاستقواء على الرجل وعلى غيرها. وعليه رأت ان المشكلة هي بالتعليم. 

تقول: ” إن أخطاء النساء راجعة كلها – تقريبا – إلى إنكار حق المرأة في تعليم مساوٍ لتعليم الرجل، وإلى نجاح الرجل في اقناع المرأة بأنها لُعبة جنسية قبل الزواج وحِلية للزينة وخادمة مطيعة وآلة للإنجاب بعد الزواج. ولكي نُعطي الجنسين فرصاً متساوية لتنمية عقولهم وأجسادهم لا بُد أن يتعلم الأولاد والبنات معاً (حتى مرحلة الإعداد للوظيفة أو المهنة) وأن يتلقوا المناهج الدراسية نفسها، بل وأن يشتركوا في الألعاب الرياضية نفسها، في حالة إمكانية ذلك. ولابد أن تجعل كل امرأة من نفسها إنسانة قوية البدن وذات كفاءة عقلية لتتمكن من كسب عيشها بنفسها عند الضرورة… وعلى أية حال فعاجلاً أو آجلاً ستلعب الوظائف البيولوجية والفروق الفسيولوجية بين الجنسين دورها. إن قيام المرأة بدورها كأم مفيد لصحتها، وقد يؤدي ما ذكرنا آنفاً إلى أن تصبح الأسر أقل عدداً وأقوى صحّة … إن تحرير المرأة بشكل مثالي يعني اتحاداً – على قدم المساواة – بين أم متعلمة وزوج متعلم.”).

ما لفت انتباهي خلال قراءتي والتي قد تكون بلا شك مكرسة لاستنباط ما ابحث عنه لأغراض بحثية امرا اظنه في غاية الأهمية. في وصف وولستونكرافت للمرأة وتصرفاتها ونقدها. كذلك في معرض رفضها لطرق التعليم ودعوتها لأساليب جديدة من حيث الاختلاط بالمدارس لتنشئة أفضل للذكور والاناث، تجعل الذكر فيها رفيقا للمرأة لا سيدا. يقدر فيها عقلها لا ينتظر تقارب مصالحة تعدها العائلات. وكذلك التركيز على مراد التعليم المهمة والاقل أهمية، والمساحات في الغرف الصفية وغيرها. فكرت كيف نعيش اليوم في مجتمعنا هذا بتلك العقلية التي كانت تحاربها وولستونكرافت قبل ٣٠٠ سنة. تحكم الرجل بالمرأة من حيث الميراث، وخضوع المرأة لأبيها ثم لأخيها وإذا ما كانت محظوظة لزوجها. دور الزوجة في الجفاء والحقد، ومن ثم فكرة تحول الخاضع اما الى عبد او دكتاتور في وصفها لتصرفات المرأة في المجتمعات الراقية. 

فكرت كيف جاءتنا المدارس في بدايات القرن العشرين على اشكال مختلفة، ولكنها تصب في محور واحد مع الحملات التبشيرية، لتكرس تحديدا ما كانت ترفضه وولستونكرافت من تداعيات التخلف الذي دب بأوروبا. 

كيف استوردنا ما تخلص منه الغرب خلال ثلاثة قرون لنكرسه في تربيتنا. 

الأفكار التي كانت تحاربها وولستونكرافت هي نفسها التي نعيشها اليوم. 

وولستونكرافت كانت بلا شك استثنائية. كانت متحررة، ثورية، ندا لعظماء معاصريها. ولكن لفتني في خضم ثورتنا ضد الذكورية تحميل ذنب التحكم بالمرأة الى “محمد”، وبالإشارة الى الخنوع كانت تصف المرأة\ة الشرقية بالأميرة الخاضعة، متناسية تماما الحضارة الذكورية التي ورثتها أوروبا وكرست لها خلال قرون من بطريركية الكنيسة التي شوهت صورة المرأة كما شوهت صورة كل من خرج عن الصندوق الذي اعدت وشكلت حدوده الكنيسة، وصولا لزمنها الذي كان ضحيته روسو الذي حارب طريقة الكنيسة في اعداد الانسان والتحكم به، او بالأحرى التحكم بعلاقة الانسان بالله. 

استغرب كيف نعيش اليوم الأفكار التي كانت تحاربها وولستونكرافت بالأمس، ونسميها اليوم بانها مخلفات دينية او شرعية خاصة بديننا، بينما تبدو في تفاصيلها من خلقات العصور الوسطى الأوروبية فبيل عصر النهضة. 

من انحياز القانون للرجل إلى قانون حق الابن البكر في ميراث أبيه، وحق الأب في وقف ممتلكاته على نسله أو أقاربه من الذكور، وذكرت أن الأعراف والعادات أشد قسوة على المرأة من القوانين فهي تُدين – وتُعاقب – المرأة للحظة واحدة فقدت فيها طهارتها، رغم أن الرجال يظلّون محترمين بينما هم منغمسون في الرذيلة.

وصفها للمرأة في حينها تشبه المرأة اليوم في مجتمعنا 

وراحت المؤلفة في كتابها تعدّد أخطاء النساء في زمانها: نزوعها إلى الضعف والجبن مما يغذي دعوى الرجل في التفوق والسيطرة ويُسعده، وإدمان لعب الورق والثرثرة والقيل والقال والتنجيم والتأثر العاطفي والتفاهة والاهتمام الزائد بالملبس والغرور. الطبيعة والموسيقا والشعر والكياسة، كل ذلك يميل إلى جعل النساء مخلوقات للإحساس.. وهذا الإحساس أو الشعور إذا ما زاد عن حده أضعف – بشكل طبيعي – قوى النفس الأخرى ومنع الفكر من الوصول إلى المرتبة التي يجب أن يشغلها… لأن التدرّب على الفهم والاستيعاب – كما تشير لنا الحياة – هو الطريق الوحيد الذي قدّمته لنا الطبيعة لتهدئة عواطفنا وانفعالاتنا ورغباتنا الجنسية.

وربما كما اليوم يتم بناء الإسلام على ما جاء به الغزالي وابن تيمية، لا بد ان هذه المرأة قد تعلمت عن الإسلام من خلال هؤلاء.

كانت وولستونكرافت بلا شك تحررية، ولكنها في محاولتها الرد على روسو ربما في استرضاء ما لرئيس الأساقفة الذي خاطبتها بمعرض اقتراحه للتعليم الأساسي للمرأة. ولكن بأقل حدية او مواجهة كما فعل روسو، حيث طالبت في كتابها اعلان حقوق المرأة كجزء من اعلان حقوق الانسان.، كانت هي نفسها تحاول الترويج لأفكار روسو بإعادة أصول التربية الى الطبيعة. الا انها اختلفت معه ووجدت مجالا للندية في حياديته بموضوع المرأة ووصفه لصوفي- المرأة التي يلتقيها اميل بكاتبه بالفصل الأخير وتشكل أبهى صور الانثىبنظره. ه. 

ماري وولستونكرافت، كغيرها من الكثير من النساء اللامعات على مر العصور، اشتهرت بعد موتها بالتركيز أكثر على حياتها الخاصة وعلاقاتها أكثر من التركيز على أهمية اعمالها، ولكنها مع هذا بقيت علامة أساسية في عالم النسوية.

تذكرت مي زيادة بينما كنت اقرأ هذا الكتاب المهم. ما قدمته مي زيادة من اعمال عظيمة لا نعرف عنها بإسهاب الا صالون مي وعلاقتها بجبران خليل جبران.

محمود درويش: الايقونة الرجل 

اثار مقال للكاتب الكردي سليم بركات أكثر من زوبعة في فنجان، عندما تناول في عبارة بدت عابرة في مقاله عن حديث دار بينه وبين الشاعر الفلسطينيّ الراحل محمود درويش عن الابوّة. سليم بركات كان يتكلم عن هواجسه كأب مستقبلي تنتظر زوجته مولودهما الأول، ومحمود درويش تكلم عن أبوّة لابنة لا يعرفها، كانت ثمرة علاقة مع امرأة متزوجة. 

انتهت العبارة وبدأت العبارات العابرة لتوجّسات حملها الخوف والرعب من قبل محبّي ايقونة الشعر الفلسطيني محمود درويش بمعرفة انّه كان مجرد رجل خطّاء. ليس من شأني أن أحاكم محمود درويش على علاقاته، ولكن ليس من الغريب أبداً أن يكون محمود درويش قد عاش حياته بعلاقات عابرة وغيرها مع الكثيرات. فمحمود درويش لم يعش حياته بساعات أيّامه المتعددة جالساً فقط وراء مكتبه يكتب لنا الشعر بما طاب لنا سماعه، ويقضي يومه كناسك. كان رجلا له حياته التي لا نعرف عنها الكثير. 

حياته طبعا كانت شأنه وليست شأننا. ولكن محمود درويش تحوّل الى شأن عام أقرب الى الايقونة المتفرّدة، ولو كنّا في زمن آخر بمكان آخر لمنحْناه صفة القدسيّة. 

في هذه الأيام أقرأ لجان جاك روسو، ولا يسعني الا التفكير بحياته الخاصّة. في معرض رد لكاتبة معاصرة له (القرن الثامن عشر)، لا تقل أهمّية ربما، تدعى ماري وولستونكرافت على أعماله وتحديداً عن نظرته للمرأة، فكّرت كيف كانت تصاغ العلاقات بين المفكّرين وتتشكّل. اجتاح ذاكرتي للحظات كذلك الكاتب الأمريكي هنري ميلر وعلاقته بالكاتبة الفرنسية  انيس نين في بدايات القرن العشرين.. أجريت مقاربة سريعة برأسي بين الحالتين، وقلت في نفسي، كيف انّ المثالين قدّما للبشرية أعمالاً خالدة، أحدهما كان يحاول ان يعيش حياة الرهبان بلا عباءة الرهبنة، والآخر كان ماجناً يقتنص الفرص للحياة. بالحالتين كانت الاعترافات مدوّية وعظيمة بنفس القدر. مدوّية بجرأتها، وعظيمة بقدرة أصحابها على الاعتراف. اعترافات جان جاك روسو بأنّه أنجب خمسة من الأبناء تركهما في بيوت لقطاء، ومع هذا لم يتردد بكتابة اهم كتب التربية. واعترافات هنري ميلر بتشعّب علاقاته ومجون حياته الخاصّة، ولكنّه تمنّى دائماً الإخلاص. ولكن مهما حاولنا النفور ونفرنا من حياة خاصة لهكذا شخصيات، لا يمكن الّا أن نقدّر أعمالهم التي تُعتبر خالدة بأحقّيّة. 

فلا ترْك روسو لأبنائه بالملاجئ قلّل من قدْر فكْره الذي نتعلّمه ونُعلّمه حتى اليوم، ولا حياة هنري ميلر على الحافّة جعلت من كتبه اقلّ قيمة واتّزاناً. وبالحالتين كلاهما أيقونات في بلادهما وفي عالم الفكر والأدب والفلسفة. 

فهل يختلف الحال مع محمود درويش؟ هل يُنقص من قيمته وجود ابنة لا يعرفها ولا تعرفه؟ 

هل محمود الإنسان هو شأننا الخاص كمعجبين؟ 

لا داعي لطرح جواب مباشر، لأنه ربما لا توجد إجابة واحدة هنا. فلكلّ رؤيته وما يفكّر به كصحيح. بالمحصّلة، لفد تحوّل محمود درويش الى أيقونة ممنوع الاقتراب منها وخدشها. فمحمود درويش لم يعش كإنسان عاديّ، ولم يمت كذلك كعاديّ بالنسبة للكثيرين. 

هل يحق لسليم بركات أن يقول ما قاله من بوح لسرّ رجل مات؟ 

هل كان الأمر سرّاً؟ 

بالحديث المتصوّر الذي دار بين الرّجليْن، كان بوْح درويش أقرب لأن يكون معلومة عابرة. لم يبد انّه ائتمنه على سرّ، وإن كان كذلك، فهل على السر أن يموت بموت صاحبه الأيقونة؟ 

منذ أن رحل محمود درويش ونحن نشهد ربّما يومياً، روايات وقصص وصور وأحاديث عن أناس كانوا بعلاقة مع محمود درويش. هناك جيش من الشعراء والكتّاب والمفكّرين يحاولون ربط اسم درويش بهم ولو في جملة. فهل أراد الكاتب سليم بركات شهرة أكثر؟ 

لست هنا كذلك بصدد الحكم، ولكن لا يبدو سليم بركات انه بحاجة الى ذلك. 

فهل ما قام به خطأ وفضيحة؟ 

مشكلتنا أنّنا نقدّس البشر لدرجة التأليه، ثم ندّعي أنّنا لسنا بوثنيّين. 

محمود درويش كان انساناً، ارتكب الأخطاء ووقع بالخطايا بلا شك. علاقاته الخاصّة تحوّلت في معظمها الى شأن عام. 

هل كان على سليم بركات ان يكتب ما كتبه في حياة محمود درويش؟ 

هل كان على محمود درويش الاعتراف بفعله؟ 

بالمنطق، هل من الممكن ان يخرج محمود درويش وهو على قيد الحياة ليعترف لنا بأنّ له ابنة من امرأة متزوجة؟ هل كنا سنرحمه ونرحم المرأة والابنة؟ هل كنا نتوقع ان يذهب محمود درويش الى الرجل زوج المرأة ويعترف له بفعله ويأخذ ابنته مثلاً؟

العلاقات الإنسانيّة أمر شائك ومعقّد. والبشر مع الأسف ليسوا آلهة ولا قدّيسين.

قد لا يوافقني الكثيرون ولكن رأيت في مقال سليم بركات في معرض الحديث عن محمود درويش في هذه الجزئية أمراً عادياًّ، من رجل كان على علاقة طيّبة وقريبة من درويش. 

المرأة وابنتها ليستا معرفتان. وهذا ما أبقاه محمود درويش لنفسه ولم يبح به. ربما. 

أتساءل عن أخلاقيّة الفعل نفسه، ونتيجته – بوجود ابنة أو ابن- وردّة فعل المجتمع تجاه هذا الأمر. قبل وقت قصير، مرّت امامي قصة مشابهة لرجل ايقونيّ في التاريخ الفلسطينيّ، استشهد في بيروت. لهذا الرجل ابنة، على الرغم من انه لم يتزوج في حياته. سألت نفسي كيف يتعامل المجتمع كذلك بازدواجية بالمعايير في هذه الأمور. فلو كانت هذه الابنة من سيدة عربية فلسطينية مسلمة، هل كان لهذه الابنة فرصة في الظهور وإعلان نفسها؟ 

وهنا في حال قصّة محمود درويش. لو كانت الابنة هذه من علاقة مع امرأة لم تكن متزوّجة، هل كانت هذه الابنة ستظهر على الملأ؟ 

نرى هذه القصص كثيراً في دول أخرى، الكثير من المشاهير الذين ظهر لهم أبناء، تستحضرني بهذه الاثناء بالوما بيكاسو، ابنة بيكاسو من علاقة قد يكون نسيها. ولكن حقها بكونها ابنته ظهر ومهما اختلفنا فهو حقّها ولقد اخذته. 

في مجتمعاتنا لا يحاسَب الرجل على فعله، ويُترك وزْر الفعل على المرأة. ولكن هنا، نجد مثالا ًآخر لهكذا قصص تكون بها المرأة متزوّجة. لنتنبّه ربّما، أنّ العلاقات تقوم على شخصين. وفعل الخيانة يقوم به شخصين. فمهما مقتنا التصرف وأشرنا الى المرأة بالخيانة، فهناك رجل خائن في المعادلة، والعكس صحيح. 

قد تكون هذه المرأة كما محمود درويش دفعت ثمن الخيانة لرجل آخر لا يعرف- أو ربّما يعرف- فهنا نقف أمام عبارة حقيقية جدا: “البيوت اسرار”. ولكن تبقى الجريمة في حقّ الابنة، التي تربّت وكبرت ولم تأخذ حقّها بكونها ابنة محمود درويش. وطبعاً، هناك رجل مخدوع ربّى ابنة رجل ربما قدّره وأحبّه ورافقه وأدخله بيته تكراراً في تفاخر…

موضوع إنساني بجدارة، متكرر، ويعيد نفسه في قصص جديدة في كلّ مرّة. ضحاياه الأكثر حظاً هم أولئك الذي تعثّر بهم الحظّ ولم يعرفوا أنّهم أبناء هؤلاء.