gender نسويات

المسلسل التركي “اتوس”- روح الأخلاق

تتسابق المسلسلات التركية فيما بينها وعلى الساحة العربية والدولية في السنوات الأخيرة لتنزع استحسان المشاهدين من شتى الأصقاع. 

وكما تتربع المسلسلات التركية على كافة المنصات، اخذت كذلك مكانها على نتفلكس. 

اعترف ان متابعتي لما تبثه نتفلكس يشوبهاً دوما الحرص والشك. فلا تخلو شكوكي من نظريات المؤامرة بما يتعلق بنوايا ما يراد حقنه لعقولنا المسلوبة من أفكار جديدة تشكل عالمنا الحالي، فتزيد من انفصامنا وتشتت امخاخنا وتلوث ما لا يزال نظيفا من مبادئنا. ولكن تبقى نتفلكس أكثر امانا لكونها منصة غير عربية، أي اننا نستطيع دوما فصل نواياها عن واقعنا، فنأخذ ما طاب لنا منها، ونرمي ما لا يعجبنا ونرفض ما لا تستسيغه عقولنا وقلوبنا. فهي بالنهاية ” اجنبية” لا تأتينا بقالب وعناوين واجندات محلية تدخل علينا عنوة. 

ولكن بالمحصلة، تبقى الكثير من برامجها مثيرة للجدل. وقد يكون المسلسل التركي اتوس- روح الأخلاق اخر الجدل المثار من قبل ما تعرضه نتفلكس. 

المسلسل مختلف عما نشاهده يوميا عبر شاشاتنا من مسلسلات تركية اثرت بلا شك بمجتمعاتنا على كافة الأصعدة بالعقدين الأخيرين. فصار التركي أقرب لوجداننا، وصارت تركيا مصدر الالهام والمكان الأقرب لتحقيق الحلم العربي بنكهة إسلامية تركية. جمال بشر وطبيعة. مدينة على مرمى تذكرة طائرة. نظافة واكل ووجه حسن. 

صارت تركيا عنوان الجمال ومصدر الموضة، فيستطيع المرء ان يلبس ما يراه على الشاشة وان يغير شكله على حسب ما يفتنه من محاسن، فزراعة الشعر وشد الوجه وشفط الدهون وتغيير الوجه على حسب الطلب يمكن ان يأتيك في حزمة واحدة وبسعر منافس وعلى حسب ما تستحسن عيونك ورغباتك مما تشاهد على الشاشات. 

صارت تركيا ببيوتها وشوارعها ومضيقها ومطاعمها ونجومها حلم الانسان العربي المقتدر… والاقل قدرة. 

وجاء هذا المسلسل ليكسر كل ما بنيناه من حلم عن تركيا… وعن العلمانية.. وعن الرأسمالية… وعن التدين… وعن الفقر… وعن كل ما حاولنا جمعه من تناقضات وتجاوزه. وقدم لنا العمل بالإضافة الى قدرات ادائية قمة بالروعة. فلا يمكن تجاوز الابداع والاتقان لكل فنان شارك في هذا العمل. عمل مبدع ومتقن بكل ما تحمله هذه الكلمات من معاني. لا يمكن تجاوز لحظة واحدة من الثماني حلقات بلا الاستمتاع والانبهار بالأداء المتقن والمتميز بالفعل لكل ممثل قام بكل دور ومشهد. 

الحقيقة ان ما يكسره المسلسل ليس فقط ما أردناه من حلم جديد عن تركيا، ولكن عن كل ما يمثل طريقة حياتنا اليوم كمجتمعات شرقية على وجه التحديد. فلم يعد صراع العصر صراع اقطاعية يحكمها الأغنياء مقابل فقر يسحق المساكين. ولم يعد صراع رأسمالية يحتكرها رجال الأعمال مقابل شيوعية يقودها المفكرين من اجل الفقراء. ولم يعد الامر صراع دولة إسلامية امام علمانية. 

فاليوم اختلطت كل الأمور من مبادئ ونقيضها ليتمثل الصراع بين حجاب ولا حجاب. يستطيع المرء وضع كل ما يخزنه عقله من تعقيدات وعقد ويفرغه امام نقيضه المحجب إذا كان بلا حجاب، وغير المحجب إذا كان بحجاب. 

وسواء كنت غنيا ام فقيرا، علمانيا ام متدينا، متعلما ام جاهلا، متقدما ام متأخرا، فتقييمك يأتي من شكلك الخارجي الذي يغطيه اما حجاب رأس او صندوق غير مرئي يغلف الرأس بمعتقدات مغايرة. 

يكشف لنا المسلسل طبقة أخرى لا تراها عيوننا سواء بالمسلسلات او اثناء السياحة في تركيا. طبقة نلمحها ربما ولكن لا نعيرها أي اهتمام، فعيوننا لا ترى الا ما عكسته لنا المسلسلات وما روجت له لنا السياحة خلال العقدين السابقين عن تركيا. 

ما نهرب منه في واقعنا اليومي من حياة يغلفها حجاب. حجاب رأس نركز عليه، وحجاب رؤيا يحدد لنا مجال تركيزنا. صراع الحجاب بينما يمر العالم من فوقنا ومن تحتنا ويمزقنا أشلاء نقيم فيها حياتنا وكوننا وهوياتنا من خلال حجاب. 

بينما يصير الفقير أفقر، والجاهل أجهل، والغني اغنى، والمتحكم أكثر تحكما، والمسحوق أكثر سحقا. تشتد فقط اوازر الفرقة بين الطبقات وتلتحم من اجل الاقتتال والكراهية والانحطاط. 

كل طبقة بمحتجبيها تسير نحو نفسها ضد الأخرى وتمارس كل ما تكرهه في الطبقة الأخرى بالخفاء. وبالمحصلة سواء كنت بهذا الحجاب او ذاك، فالحياة الإنسانية لا تفرق بين الاحجبة، ولا بين الطبقات الاجتماعية مهما كانت، غنية، فقيرة، متدينة، علمانية، منفتحة، منغلقة، متعلمة، فقيرة، متنورة او جاهلة. الحياة الإنسانية متوحدة في تجاربها لا تفرق. الانسان بمشاعره هو نفس الانسان. عندما يحب وعندما يكره. عندما يخضع وعندما يتمرد. عندما يرتدي حجاب وعندما يخلعه. 

أبو مازن هذه السيدة العراقية تُظلم على مرأى العين: عيبٌ ما يجري بحقّها بحقّ العروبة والإنسانيّة  

“تحمّلت وصبرت ومشيت بكل شي طلبتوه مني وصابرة وماشية بإجراءات وانا ابني بعيد عني.. 

انا أم.. يا ناس يا عالم انا ام… حسبي الله على كل من يحرم ام من ابنها. حسبي الله على كل من يوقف قرارات محكمة

انا ليش محرومة من ابني”

“انا صابرة وصابرة وصابرة ولكن ابني بعيد عني.. لا قادرة اشوفه ولا اسمع صوته امسكه ولا اشم ريحته ولا اعرف إذا هو زين او لا “

“كلكم عندكم بنات واولاد.. اتقوا الله بي حرام عليكم “

“منشان الله اتقوا الله.. كافي… من اول يوم وانا جيت فيه وانا بتبهدل.”

قرار محكمة مضروب بعرض الحائط…. قرار حضانة مضروب بعرض الحائط… ليش.. هناك شيء غلط… نحاول نحل نجيب الناس ما حدا بيلتزم.. وين الخلل… انا اطلب لجنة تحقيق.. اين الخلل؟ 

اطلب من سيادة الرئيس بإنصافي.. انا بخطر.. 

انا محرومة من ابني.. قرارات تضرب بعرض الحائط… من المسؤول؟ 

عندما لا يهتم المحافظ بقرارات المحكمة؟ 

سيادة الريس انا ابوي مش موجود انت ابوي. انت اب… أبو مازن انت اب.. اناشدك كاب…

“انا مظلومة وقع علي الظلم.. انا إذا صار بي شي برقبتك.. لأنه هؤلاء لا يخافون من الله لا في قانون بردعهم ولا قرارات بتردعهم ولا ناس بتمون عليهم” 

“سيادة الرئيس انا دخيلة عليك”.

بهذه العبارات المُدْمية ختمت السيدة مريم العزاوي استغاثتها الأخيرة للرئيس الفلسطينيّ من جديد.

منذ شهور وتناشد السيدة العراقية مريم العزاوي كل الجهات الممكنة من اجل إرجاع ابنها الطفل لحضانتها. لم يبق باب الا طرقته، وفي كل مرة كانت المرأة التي اعتبرت نفسها بين أهلها وناسها في فلسطين تخرج باستغاثة لكل من يمكن ان يكون وليّ امر بالمعروف من اجل انصافها من رجل امن على باب النيابة لغاية التوسل الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس. 

استغاثت باسم العروبة وباسم النخوة وباسم العدالة وباسم القانون وباسم الإنسانية بإعادة ابنها الطفل الى حضنها، وفي كل مرة تلقت السيدة تأكيدات من اعلى المستويات السيادية بحل الامر وإعادة ابنها لحضنها، ولا حياة لمن تنادي. 

الحقيقة، ان هذه السيدة تجهل على ما يبدو اننا لا نعيش بدولة سيادة. نحن نعيش بكيان فاسد لا يحكم فيه الا الفساد من كل الاتجاهات. 

فاعذري سيدتي الرئيس الذي لا حكم لوعوده ولا سيادة لقانونه. فالفاسد في هذا البلد هو صاحب السيادة. 

في كل يوم يمرّ هناك كارثة سببها استفحال الفساد الذي أدى لانهيار النظام المؤسساتي الذي شمله انهيار أخلاقي. 

مجرد ان تصل هكذا قضية لتدخل رئيس ورئس قضاة ورئيس وزراء فهذه كارثة، فكيف يكون الوضع عندما لا يحكم رئيس دولة ورئيس وزرائها ورئيس قضاتها على انفاذ القانون؟ 

هذه السيدة استنفذت كل الطرق القانونية الفلسطينية والعشائرية والانسانيّة من اجل حضن طفلها. ومع هذا لا انصاف من قانون لا يمكن تنفيذه، ولا سيادة لأصحاب سلطة لا يحكمون على رجل ووالدته بإعطاء ابن حكمت المحكمة بحضانة امه له. 

اين نحن يا سيادة الرئيس؟ 

اين السيادة من هذه العبارة؟ 

لو كانت هذه السيدة من دولة أخرى هل كان هذا مصيرها؟ 

ارحموا دموع امّ تشتكي ظلمها.. . ارحموا امرأة غريبة ظنّت انّ فلسطين هي بلادها. 

ارحموا امرأة تبكي حرقة ألم حرمان لا مبرر له الا التعنت والعناد.

ارحموا استغاثة امرأة جاءتكم مستجيرة من ظلم وقع عليها من أهل داركم.

عيب بحقنا جميعا ما يجري مع هذه السيدة. 

عيب أن تهدد امرأة لجأت لكرم الانسان الفلسطينيّ ونخوته وتناشد من اجل حمايتها. 

أين السيادة سيادتكم؟

“لو امرأة فلسطينية بالعراق لكانت اهتزت كل شوارب العراق من اجل إنصافها” 

 “وينكم يا فلسطينيين اريد ابني حسبي الله ونعم الوكيل.”

جرائم قتل النساء لم يعد للشرف حجة عليها.. فالأنثى بطبيعة الحال مستباحة

ما الذي يحصل بمجتمعاتنا؟ هل ما نشهده مجرد لوثة أخلاقية معترضة، أم أنّ حياتنا كانت هكذا دائماً، وما يحدث من مصائب نراها تقترب منّا يوميّاً سببه وسائل التواصل التي قربت البعيد، وكشفت المستور، وفضحت ما يدور بداخل الصدور وبالحفر والآبار ومكبّ النفايات؟ 

كنّا نهتز رعباً وغضباً عند السماع عن جريمة قتل تذهب ضحيّتها أنثى. لم يكن هذا الامر بعيداً، وكانت وسائل التواصل كما اليوم في زهوّها. قبل عام فقط، او قبل عامين فقط، او قبل ثلاثة أعوام على الأكثر، كانت هذه الجرائم ترعبنا، تؤرق منامنا، تجعلنا ننتفض، ونصيح في أعلى صوتنا مطالبين بالحماية وتفعيل القوانين. 

اليوم، قد نهتم أو لا نهتم لجريمة بشعة أخرى. لم نعد نميّز إن كانت الضحية أنثى أم ذكراً. فالجرائم على قدم وساق. ولكن تبقى جرائم العنف المجتمعي الاعتيادية أسهل للاستيعاب، على الرغم من بشاعتها ومأساويتها، الا انّها تصبح مفهومة مع كل يوم مع وضع كالذي نعيشه: انعدام الأمن والأمان، انتشار الأسلحة، وانعدام التربية، وتفشي السموم والمخدرات، وسوء الأحوال الاقتصادية وانهيار القيم الاجتماعية حيث كل شيء مستباح. فلا رقيب ولا حسيب. ولا أخلاق رادعة ولا قيم نحمل عليها مغبة هكذا انهيار. 

بينما أحاول الا يكون تركيزي على جرائم قتل النساء فقط، لأنه بالمحصلة، الجريمة هي الجريمة. والقتل هو القتل. وروح الانسان التي تزهق هي الخسارة الحقيقية بلا تفضيل لجنسها. ولكن، لا مع هذا، لا يمكن تجاوز ما جرى خلال يومين من جريمتين سمعنا عنهما بلا التوقف مرة أخرى أمام بخس حياة الأنثى في هذا البلد. او ربما لعل اقتراب الامر منا ارعبنا اكثر.. فهذه قصص ممكن أن تكون قصص قريبة منّا. ممكن أن تكون قصصنا أيضا.

 كان الخبر الأول العثور على جثة امرأة عشرينية ملقاة في قعر مكان عند منطقة سكنية في رام الله، لنقرأ نعياً من قبل مسرح عشتار لفنانة عشرينية تدعى وئام الديري وقد توفيت في ظروف غامضة. 

شابة كانت قبل لحظات معدودة مفعمة بالحياة، يتم ايجادها ملقاة بين النفايات في حي سكني وتسمّى ظروف وفاتها بالغامضة. الشابة من غزة، وتعيش لوحدها، وعليه لملمة الأمر بقضية انتحار قد يكون المخرج الأنسب كما تناولت الانباء. 

ذكّرتني القصة بقضية المغدورة نفين عواودة، التي قتلت وتركت من خلفها كل الأدلة التي تدل على قاتلها من خلال صفحتها على الفيسبوك، ومع هذا كان الانتحار هو سبب الوفاة الأول بإعلانات الجهات المختصة بادئ الأمر. وعندما لم تستطع الجهات المسؤولة تأكيد الانتحار لاستحالته في حالة نفين العواودة التي دفعت حياتها ثمناً لكشف فساد اداري بمدرسة كانت تعمل بها، لتجد نفسها مطاردة ومهدّدة وطريدة من كل مؤسسات الدولة والمجتمع، وكان دليل إيجاد قاتلها وملقط الحواجب، وانهاء الأمر بمنشد وعطوة عشائرية بداية النهاية لما يجري اليوم. 

كثر القتل منذ رضي اهل نفين العواودة بأخذ ديتها ذهباً واموالاً. وكثر التعدي منذ صار ثمن كل ضحية منشداً ووجهاء ينهون الأمر بفراش عطوة وسدر منسف ومساحة على فنجان قهوة.  صارت العطاوي مهنة، والقتل له ثمن، ولكل أمرئ دية. 

صرنا نعلل القتل ونعطي الأسباب بلا حاجة لتوليفة جهات مسؤولة بإيجاد ملقط حواجب كدليل خارق للعادة. لا يحتاج المرء سببا أصلاً لكي يقرر أن يقتل انثى. فالأسباب كلها ممكنة ومتاحة، والأهم انّ القاتل سيفلت بلا شك من العقاب مقابل مبلغ من المال ان كان للقتيلة أهل أو سند. 

وإذا ما كانت الانثى شابة وغير متزوجة وتعيش في بلد غير بلدها، فهي إمّا منتحرة أو فعلت فعلاً مشيناً دعا القاتل ليقتلها، قد يكون القاتل أباً او اخاً او عاشقاً أو خطيباً أو صبي المخبز أو البقال أو سائق سيارة أجرة… قد يكون عابر سبيل. ولكلّ منهم ولأيّ منهم الحق في قتلها، لأنّه لا بدّ أراد أن يمحو عار ما. عاره أو عارها أو عار المجتمع أو عار ما يراه هو عار. 

وئام قتلت أو انتحرت أو ربما وقعت في تلك الهاوية لن نعرف. لأننا نعيش في حالة انعدام حقيقي للأمن والأمان. القانون صوريّ، الا لما تحتاجه السلطات، وتنفيذه مع وقف التنفيذ الا لمن تريد السلطة بسط النفوذ عليهم من البسطاء. والأمن منعدم إلّا لمن يملك السلاح. ولا يملك السلاح الا المتنفّذ، ولا متنفّذ الا صاحب سلطة.. سلطة مال او سلطة رسمية فصائلية. وأولئك يمتلكون إحقاق ما يريدون أو ما لا يريدون من قانون. 

امّا إذا كانت الضحية متزوّجة أو مطلقة، فللرجل قتلها بوضح النهار وبالعلن. فلا داعي لأن يخفي نفسه أو جريمته، يستطيع بكل بساطة أن يوقفها بوضح النهار معترضاً سيارتها بوسط الطريق ويهجم عليها طعناً ويقتلها ويكمل طريقه. هذا ما جرى مع وفاء العباهرة ابنة ٣٧ سنة والأم لخمسة أو أربعة أطفال في بلدة عرابة البطوف. 

كم مرّة سمعنا عن هكذا جرائم في السنوات الأخيرة؟ كم زوج قتل زوجته؟ وكم أخ قتل اخته؟ وكم أب قتل ابنته؟ قصة اسراء غريب صارت عادية. منذ شهور قليلة قتل احدهم خطيبته خنقاً واغلق الموضوع وكأن أمراً لم يكن. فتصبح الضحية المقتولة هي المجرمة التي استحقت قتلها.  وقصة نفين عواودة تعتبر ترفاً بالمقارنة بالقصص الكثيرة الأخرى، تلك التي سمعنا عنها، والكثير مما لم نسمع عنه. ماذا يعني أن تقتل امرأة أخرى؟ دفن عار وراحة ابدية لأهلها، وربما بعض المكاسب المالية. 

وصلنا بالفعل إلى نقطة قاتمة في مصيرنا كبشر. فما أبخس الحياة الإنسانية وما أشد كفر البشر عليها. 

تلك الضحايا من النساء… ألا يخاف القتلة باسم الدين والشرع والشرف ومَن يحميهم ويدعمهم ويتستّر عليهم، من يوم حساب تُسألُ فيه: بأيّ ذنبٍ قُتِلْتِ؟

أمّا نحن الضحايا المستقبليّون ما عسانا إلا أن ننتظر دورنا في طابور القتل والعنف وسفك الدماء… فلا أمن ولا أمان ولا حياة، لمن يحاول أن يكون إنساناً في هذا البلد السليب.  

قصة قصيرة 

الدنيا آخر وقت 

استعد الوالدان كعادتهما يوم الجمعة لاستقبال الأبناء والبنات. الأحفاد والحفيدات. غداء اليوم تم نقاشه بتروي مساء الامس. الزوجة تريد ضلعة، والزوج يريد رقبة. في نهاية الامر اتفقا على رقبة وضلعة. فيوم لقاء الأبناء الأسبوعي هو يوم مقدس. يستحق الضلعة والرقبة والرأس والكوارع والأفخاذ وما طاب للأبناء. ففي حياة الانشغال اليومية يبقى يوم الجمعة هو يوم الوصال والتواصل. يوم الطعام الوافر والضوضاء حتى أسبوع قادم اخر من الهدوء النسبي في رتابة الحياة. 

بالعادة لا تحب الزوجة هذه اللقاءات الأسبوعية، فهي مجهدة ومقلقة، وتغلق إمكانيات الاستمتاع بيوم الجمعة مع الصديقات. والزوج يفكر أن تكلفة عدد من كيلوات اللحم في زيادة او نقصان لا يؤثر على أحد الا جيبه. وبضع الدنانير هذه قد توفر في قطعة ارض جديدة. دينار على دينار يبني هذه القصور ويؤمن الأراضي الشاسعة… ليؤمن البنين والبنون في المستقبل. لا داعي للقلق، سيتم إرضاء البنات في شيء ما، يهمس في صمته. فالحمد لله كثيرا على نعمة المال والبنون. فلقد جهد كل منهما وبذل حياته من اجل الاستمتاع بنتاج حياتهم المليئة بالتضحيات من اجل ان يكبر الأبناء.

يخرج الزوج كعادته بعد ان يختم جزءا من أجزاء القرآن. عادة يومية على مدار عشرات الأعوام لا تتغير. التقرب من الله من خلال قراءة القرآن يزيد ثوابا وايمانا. وها هي الصفحات تشهد يوم القيامة بعدد قراءتها. وان غاب عن الملائكة العد، لا قدر الله، فها هي كل ختمة للقرآن مدونة بالتاريخ واليوم. فلا مجال للخطأ. هذه كفيلة بإدخال رجل الجنة. حسبة دقيقة تزيد في ميزان الحسنات. 

يخرج لشراء الحاجيات قبل صلاة الجمعة. يجلس بالصلاة بورع وايمان. يدعو الله بان يكون مكانه محفوظا بالجنات. يستغفر الله كثيرا، يبكي من كثرة الخشوع، يزيد في الصلاة والركعات، فركعات إضافية بالمسجد بعشرات الحسنات الإضافية. 

لا بد ان هفوة ما قد مرت بحياته، وها هي الصلاة وقراءة القرآن والزكاة واطعام البنين والبنات وتعليم الغرباء في ميزان الحسنات لتمحي أي من الهفوات. 

الزوجة هناك تستعد للغداء. وصلة من الاتصالات بين الصديقات والاقارب للتأكيد على يوم الجمعة العظيم. الصلاة والاستغفار، والبكاء من الخشوع. 

هي أكثر تقدمية في ايمانها من زوجها التقليدي، تؤمن على طريقة محمد شحرور. تصلي وتمارس العبادات والتقوى على طريقته. فالله بالمحصلة يحاسب على ما في القلوب.  

كم يتعب الاهل من اجل أبنائهم… 

كم يحترقوا وكم يبذلوا حياتهم…. 

همهمت الزوجة في نفسها قليلا متذمرة من تعب الطبخ والنفخ.. ولكن لا يهم.. كلها مرة بالأسبوع.. 

ختم الامومة والابوة موضوع بإحكام. 

لا يمكن ان يشكك أحد في هذه الامومة التي استباحت نفسها وضحت بشبابها من اجل ان يكبر الأبناء والبنات والعيش من اجل هكذا يوم يجتمع به الجميع على طاولة واحدة أسبوعيا. 

كم تفتقد الكثير من العوائل لهذه اللحمة. 

كم يحسدهما القريبون والبعيدون على هذه الصورة العائلية العظيمة. 

جاء وقت الغداء ولم يأت أحد بعد. 

كانت الزوجة قد تذمرت قليلا في الأسبوع الماضي، هل يعقل انهم اخذوا على خاطرهم وقرروا ان يأتوا فقط على موعد الغداء. 

أحسن.. قالت في نفسها…سيأتون بالأسبوع القادم بكل تأكيد او ما بعده او ما بعده.. سيأتون بالتأكيد. 

رجع الزوج من الصلاة والخشوع يملأ قلبه. تعب وحرارة، وكورونا في المحيط.. ولكن لا يهم… الله بحمي. 

استلقى قليلا حتى يأتي الزائرون الأحباء. تناول القرآن من جانبه وقرر انه بحاجة الى ثواب جديد، لعل هناك هفوة لم ينتبه اليها اليوم مرت من حياته الورعة. 

ما أجمل العيش من اجل الثواب في خضم الايمان. 

رنت لاحد الأبناء، ولم يرد. 

هاتفت الثاني والثالث والرابع… ولم يردوا. يا لعقوق الأبناء وجحودهم قالت في نفسها.

قام الزوج من قيلولته وقد زاد الى ثوابه جزأين من القراءة القرآنية. وطلب الطعام. 

اين الأبناء؟ 

يا لهم من مستهترين. ماذا سنفعل بكل هذا الطعام. سنوزعه على الفقراء والمساكين. 

لم يفكر أحدهما للحظة ان هناك مسألة ما … 

كظمت الزوجة غيظها من الاستهتار ووضعت لزوجها والعاملة المنزلية صحنا من الغذاء، واستمرت في محاولة الوصول الى الهواتف المغلقة. 

قررت هي كذلك تناول الطعام. 

صورة للفيسبوك مع المائدة سيبدو جميلا لهذا اليوم. 

صورة للرقبة والضلعة مشوية بعناية مع الصنوبر واللوز على السطح والرز الشهي على الجوانب. وعاء سلطة كبير، وصحون كثيرة امام المائدة الكبيرة. 

صورة جميلة جدا توجتها عبارة: جمعة مباركة.. تفضلوا 

قلبت حائط الفيسبوك في جولة سريعة حتى تبدأ اللايكات والتعليقات بالقدوم الى صورتها الجميلة وطبيخها الشهي في يوم جمعة العائلة.

وبدأ الزوج بمتابعة حسابه على الفيسبوك بينما يأتي موعد صلاة العصر 

صورة لاحد الأبناء.. لابن، لابنين، لثلاثة، لحفيد، لأحفاد…. 

صورة للأبناء والاحفاد مع جدتهم حول مأدبة غداء بسيطة في بيت المسنين

19225031_10209819807466982_4628562800398464991_n

نتكلم كثيرا عن الثقافة ، ونربطها بتاريخنا وحضارتنا . فهي بالنهاية انعكاس لحاضرنا الذي نحمل عليه ما ادركناه من التاريخ .

ولكن في خضم ما يجري من خلط لكل معايير حياتنا بين دين وتدين . بين عرف وتقليد . وبين ثقافة وعادات . ادى هذا الخلط فقط الى انحدار اكبر في قيمنا ومعاييرنا نفسها . وبطبيعة الحال ، فان حالة الانحدار التي وصلنا اليها لم تأت من فراغ . اتت من تفريغ الثقافة التي بنينا عليها امجادنا من مضامينها وتركها متأرجحة على املاءات قواد هذا الزمان .

وصلت الى بريدي الخاص قبل ايام صورة لمجموعة من الشابات اخذت في الستينات من القرن الماضي ، في باحات قبة الصخرة . صورة عند رؤيتها ذكرتني بأمي وبسنوات عمري التي اخذت على مدارها صورة كهذه بنفس المكان وابنتي التي في عمر الشابات في ذلك الزمن من الصورة . الا ان هذه الصورة اختلفت عن اي صاورة ممكن ان نراها في السنوات او العقود الاخيرة . فالشابات “عاريات” ،”كاسيات” ، “متبرجات” في تلك الصورة ، “مخلات” بقانون وعرف المكان المقدس. في مقابل تلك الصورة. فكرت ببناتي اللاتي يغتنمن فرصة زيارة المكان والتقاط الصور . ارتدائهن لغطاء الصلاة واللباس المغطي للجسد من اوله الى اخره بفضفاضية واجبة والتحسب من ظهور اي خصلة للشعر . لأنه وفي لحظة ظهور شعرة ما ، او قطعة من الجسد لا قدر الله ، سيهجم متطوعي المطوعون الذين لا تعرف من اين يخرجون عليك ليردوك الى طريق السترة والحشمة.

ولم استطع ايضا الا ان ارى نفسي بتلك الصورة الجماعية الحالية بينما احوال ان وبناتي التقاط الصور وابدأ بمراهقتي المتأخرة في محاولة الظهور جميلة بالرغم من الغطاء المفروض على رأسي لأسترق بعض الخصلات من شعري ، فتنهال بناتي علي بالتحذير والتصويب خوفا من ان يقترب مني مطوعا او مطوعة فينهالوا علي بالشتيمة .

وعودة الى الصورة التي تظهر منظرا عاما في فترة الخمسينات والستينات ، تشبه ما نراه بالافلام من تلك الفترة . تشبه كذلك الصور لفتيات جامعيات بنفس العمر بمصر وسورية وكابول والعراق ، عندما لم تكن الساق الظاهرة حرام ، ولم يكن الشعر فتنة ، ولم تكن الاماكن المقدسة حكرا على دور الافتاء، ولم يكن الازهر فيها مدعوما بعد من الخزينة الوهابية.

ولأني ادعي بعض التخصص الشحيح في هذه الخاصية ،بسبب دراستي وبحثي في مووضوع المرأة بالقدس تحديدا في بداية القرن العشرين من خلال صورة بعينها ، وجدت من هذه الصورة فرصة لاضاءة عن اهل هذه البلاد في وقت تجوب المكان صورا لنساء يعرضن صور طبيخهن في ساحات هذا المكان .

كيف تحولت الحالة الثقافية في صورة المرأة من متحررة، متعلمة، مستقطبة لفرحة مستقبل بالحياة (كما في تلك الصورة)، الى ربة بيت ، محجبة،تجلس واولادها على باحات الحرم ، تقوم بواجبها تجاه الله والعائلة بلحظة واحدة.

والصورتان وللمتلقي قدمتا نفس الفكرة المتعاكسة عن سبب عرض الصور ، ان الصورة الاولى “اقرب الى الاباحية، لمجرد انهن غير محجبات يرتدين تنانير بذلك المكان ) تعكس طبقية واستهتارا ، والثانية تعكس بساطة الطبقة الكادحة والمرأة المسلمة التقية.

عندما نظرت الى الصورتين بالوهلة الاولى، توجست من تلك القديمة لفكرة كيف تم اخذ صورة هناك هكذا “بتبرج ” وبلا غطاء . ولكنني عندما امعنت بالصورة ، اخذتني الى مكان ، كانت به الحياة هكذا . لم يكن الدين تدينا اعمى . كانت الثقافة بمفهومها الاصيل لا تنعكس على المرأة التي كانت تنطلق نحو تحررها بعد سنوات عجاف عالمية واقليمية كباقي نساء العالم والمنطقة . لم يكن الدين فيها مخيما على الرؤوس والعقول ، وكان خيار اللباس شخصيا لا فريضة ، وكان ابعد تمييزاته بذلك الذي يخص المدينة عن القرية لا غير. كان الموضوع موضوع عادة لا عبادة . فكل يلبس على حسب عاداته.

وفي الصورة الاخرى للمرأة التي تقلب طنجرة المقلوبة وترى اطفالا بالخلفية وصحن الصخرة بقبتها زاهيا ومشرقا ، تبتسم للوهلة الاولى لانها تعكس حقيقة صرنا نألفها في المكان وشكل المرأة الحالي. محجبة ، تقوم بواجباتها الدينية والدنيوية على اكمل وجه.

وفي المحصلة ، ان احدى الصور هذه تمثل انحطاطا للمرأة ، والاخرى تشكل رفعة لها .

وبالنسبة للمتلقي الماسك بثقافته ( بعرف التقليد ) فان صورة المرأة بدون غطاء رأس في ساحة قبة الصخرة هي صورة منفرة من زمن الانحطاط. وصورة المرأة بطنجرة المقلوبة هي تعبير عن عفة وبساطة المرأ ةالمسلمة .

 

وبطبيعة الحال في الوضع الطبيعي ، يجب الا تمثل اي من الصورتين اكثر من خلفية الصورة وزمانها وحال الواقفين امام الكاميرا . في وضع طبيعي يحمل الانسان دينه وايمانه في قلبه ، ويمارس طقوس عبادته في خلوته . الا اننا نعيش في زمن صارت فيه العبادة عبودية لاعراف جمعية لا يفهم المتلقي فيها الا التلقين والترديد . والتاريخ المختلف عن اي صورة نمطية يتم بناؤها اليوم هو اما تاريخ مزيف محرف ، او تاريخ منحط خلصنا الله منه .

فلم تعد هناك ثقافة ، ولم نعد نستطيع العيش بلا اعراف وضعية صارت هي عنوان صلاحنا او فسادنا . الدين حسب ما يرونه هو فقط الطريق الحق ، واي خارج عنه يكون مرتدا او من الروافض او الخوارج …بكل الاحوال قتله مبرر.

فالخارج عن العرف خارج عن طريق الله الذي اراده اتباع بن عبد الوهاب لنا .

 

https://youtu.be/CHPfTbQZYQ8

التقيت بلا موعد او توقع مع رجل بسيط . بينما شرح لي بشغف عن بذور القرع والخيار ووصف لي عناقيد البندورة بحسن انتاجها ، كان كل ما تكلمنا عن الصور ضحك قائلا : ان لا اتصور لكي لا تحترق الصورة مشيرا بضحكة الى لون بشرته. وكنت ارد عليه بنفس الدعابة مشيرة الى لون بشرتي : اكيد بفهمك لاني شقراء. ترددت دعابة حرق الصورة والفلاش لاتبين ان بين ذلك المزاح كانت هناك جدية موجعة. استرسلنا بالحديث وبعدها استأذنته بالتصوير والتسجيل لان ما قاله كان قد فاق ما اتخيل من قصص كنت دائما افكر ان موضوع الاقصاء والعنصرية فيها نسبي وتشبيهي فقط. فنحن لا نعيش بعنصرية الاسود والابيض …. او هكذا فكرت ….

مؤلم ، جريء، حقيقي لدرجة تجعل من الصورة بالفعل تحترق.

اوجعني وابكاني هذا الحديث …. اسقط عن وجهي حتى قناع عنصرية متأصلة حتى ولو عشت بانكار وتنكر ورفض لها

جرى اللقاء في قرية وادي فوقين – احدى قرى غرب بيت لحم . وادي فوقين قرية تتزاحم حولها المستعمرات من كل الاتجاهات، وتشكل جزء من كتلة عصيون الاستيطانية .


مظاهرة تم قمعها برام الله بالامس لحزب التحرير ضد سيداو.

سيداو اصبحت العدو المباشر والاساسي للشعب الفلسطيني ‘التحريري’ . وكأن كل ما يمر بِنَا ثانوي وعابر امام الخطر الاكبر والاعظم … سيداو الشريرة الشيطانة. سيداو التي ستنهي بتمريرها تحكّم الحماة اليوم والكنّة غدا.

وكأن العالم يمر امامنا ونحن اخترنا الوقوف بمحطة النسيان . بمحطة مخصصة لشعوب مر عنها التاريخ وكانت نسيا منسيا.

أتأمل بمشهد التظاهرة والقمع وافكر كيف وصلنا الى هنا . الشعب بسيداوييه واعدائهم ضد الحكومة . السيداويون ربما سعدوا بالمشهد واعداء سيداو المحررون لما قد يصير اليه المجتمع المثالي العظيم اذا ما ام تمرير قوانين الكفر والانفلات تم قمعهم فصاروا هم المظلومون فعلا. وهكذا تتوالى المشاهد عندنا ، يوم عليك ويوم اخر عليك .

ما توقفت عنده كثيرا كانت النساء الصارخات ضد سيداو . دفاع مستميت وتسقط سيداو كان لسان حال النساء.

فكرت ما الذي يجعل امرأة عاقلة تطالب باسقاط سيداو؟ او قانون حماية الاسرة؟ ما الذي تتحصن به ويحميها ؟

موقف الرجال المناهضين لهكذا اتفاقيات مفهوم ، فالرجل منهم يخشى من فقدانه لتحكمه وسيطرته المطلقة على المرأة سواء كانت ابنة او اخت او زوجة او ام. وقد يعيش الرجل في ازدواجية مرضية تجعله يقتنع ان كل النساء عاهرات الا امه. لأن ما يعطيه له المجتمع من حقوق احادية في كل ممارساته ستقف امه خلفه دائما للدفاع عنه . فهو يحق له الحي والعلاقات وتعدد الزوجات والمصاحبة والسهر والشرب وكل ما يصنع منه رجل، واذا ما حصلت مصيبة فالمرأة ايا كان مكانها معه فهي الملامة. صايعة ضايعة بلا تربية وتستحق غضب الله وعليه تستحق ان يطبق عليها شرائع الله التي يرتئيه الرجل مناسبة . فمهما حصل امه هناك لتحميه وتبرير ساحته من اي جريمة بحق امرأة لا تستحق الذكر اصلا…وسيقف وراءها مجتمع كامل مهلا موافق مثبت على موقفها بالدفاع عن ابنها.

وهنا ينتهي دور الام دائما او يستمر … دورها ايصال ابنها الذكر الى ذروة التحكم . فسرعان ما تستميت لتزويجه لتستطيع ان تروي ظمأ عيشة انتظرت فيها هذه اللحظات ، ان تتحكم هي بدورها بكنة… وهكذا … تدور الدوائر حتى تصير الكنة حماة.

في ابسط امور القوانين المتعلقة بظلم المرأة الممارس بالمجتمع وهو متفق عليه تحميه الشرايع التي يقف من يرفض سيداو معه هو حق المراة في الميراث . كنت اسال نفسي بينما انظر لتلك النساء هل اسقطت حقهن بالميراث وتنازلت عنه ؟ ام هن نساء قد سقط الحق عنهن بظلم سابق او حالي ويردن ضمان اخذ حق عن طريق الزوج في اخذ حق اخواته؟

يقال دائما ان المظلوم يكون اكثر ظلما اذا ما دارت الدوائر، فعل هذا ما يحدث ؟ ما الطي تريده المرأة من تلك النساء ؟ هل مقبول لها ان يأتيها خبر مقتل ابنتها او ضربها وتعنيفها ذات يوم ؟ لنقل انهاه ترى ان الزوج هو الرب المعبود في البيت واوامره هي اوامر الله ، الا تفكر ببناتها ؟ ام انها لا ترى من دائرة الظلم الواقع عليها الا المنة التي سيأتي دورها لتشارك هي بالاستبداد في حقها .

مجتمعنا مليء بالحموات وكناين . لم يعد به امهات واخوات وبنات..

مجتمعنا لن تنصر اناثه ولا ذكوره سيداو … تقوى الله الغائبة عن افراده هي مصابنا الجلل. لو كان المجتمع يطبق كلام الله لارتقى باناثه وذكوره..

وصلني فيديو – ولن اشاركه- واعترف ان مشاهدته كانت مريبة. ولا اعرف الى أين سيأخذنا هذا التيه والتهالك. ولا اعرف ان كان هناك مكان للتمني او رفع الصوت او المناشدة للمسؤولين من وزارة شؤون المرأة ووزير الداخلية  ووزير الأوقاف والأديان رئيس الوزراء بالتحقيق بما جاء بهذا الفيديو. لأنه اذا صح ان هناك تذكرة مكتوب عليها ما هو مذكور وان جهات اجنبية هي وراءها فنحن نتكلم هنا عصابات متاجرة بالبشر ، واذا ما كان كل ما جاء بهذا الفيديو مجرد اختراعات لحقائق وافتراءات على شركة باصات رام الله لتشويه الجمعيات النسوية فإن هذا كذلك مصاب جلل. وعليه، يتوجب التدخل في قانون الرقابة الالكترونية – بدلا من ملاحقة الناس وتكميم الافواه  وحظر حرية التعبير بما يتعلق بالمساءلة والفساد- من اجل إيقاف هكذا أفعال تشوه الحقيقة وتحرض على الجمعيات النسوية وتعرضها للخطر ، وتثير الرعب والريبة في نفوس الاهل  وتدعو للفتنة. 

لأول وهلة ظننت ان هناك تحذير ما من سلوكيات او مظاهر تهدد المجتمع. الصوت والفيديو ذكرني بفيديوهات داعش عندما ظهرت بتقنيات عالية كانت توحي للمشاهد ان تلك الفيديوهات قد اعدت باستوديوهات هوليوودية من حيث التصميم والاخراج والمحتوي. 

الفيديو هذا يبدأ بتذكرة باص مكتوب عليها عبارة يتم تداولها بباصات رام الله. فتحت فمي للحظة لأعرف ما هي المأساة. الحقيقة لا اصدق كل ما جاء من ورقة وتداولها، فالورقة اشبه بفكرة الخطوط الساخنة.  وكيف تتسع تذكرة الباص لكل هذا الكلام؟  يعني حاولت فهم شكل التذكرة والكلمات والحجم. المهم المكتوب على الورقة هو التالي: في عائلتي هي المرة الاولى التي تقوم فيها فتاة ما قمت به وهذا الفعل هو الخروج من المنزل وذلك رفضا لمشاكل أهلي الآن سأسكن وحدي لقد تلقيت دعم جمعية نسوية في رام الله.

الحقيقة ان هذا النوع من الجمل التي تبدو وكأنها مشفرة ومدبلجة لا تصدر من جمعية اعتيادية كانت نسوية او غيرها. ما هذه الفضفاضية في التعبير، وما هو الفعل الثوري الذي يتطلب التدخل بأن تخرج امرأة من بيت اهلها رفضا للمشاكل؟؟ ذكرتني العبارة بالمناشير التي كانت تنزلها اسرائيل من السماء في عدوانها على غزة. ذكرني بالعبارات المشابهة التي تراها على مدخل ايريز تطلب من الخارج من غزة ان يتصل بهم من اجل تزويدهم بمعلومات عن ارهاب يعرفون عنه. 

لا يحتاج العاقل ان يتفكر كثيرا بهكذا تذاكر او وريقات ليعرف انها مدسوسة من جهة لا تمثل اي جمعية نسوية او فلسطينية اصلا. 

الجمعيات النسوية وغيرها من العاملين على مواضيع العنف والحقوق لا تعمل بهذه الطريقة. الخطوط الساخنة واماكن حماية الاشخاص من العنف سرية بالعادة ولا يتم تداول الحديث عنها هكذا ولا تستخدم هكذا لغة . 

يعني من يقرأ هذه العبارة يتخيل نفسه يشاهد فيلما اجنبيا للمراهقين التي يعيشها المجتمع الغربي. تخيلت فتاة مراهقة يربكها مشاحنات والديها فتريد الهروب من المنزل. 

منذ متى توفر اي جهة محترمة الدعم او المساعدة بهذه الطريقة؟

إذا ما وجدت هذه الورقة بالفعل، فانا اطالب بتحقيق حقيقي وجدي من اجل معرفة من يقوم بهذه الافعال، لأنه كما يقول المتحدث بالفيديو هذه طرق تؤدي بلا شك الى بيوت دعارة. فمن يوزع هذه الوريقات لا بد انه يتاجر بالبشر وليس جمعية نسوية او غيرها. 

تفسير المتحدث للعبارة يمكن ان يكون بكل بساطة صحيح: إذا كنت تعانين من مشاكل فلا داعي ان تتحمليها. ووضع في خلفية صوته صورا لشاب يمسك بمعصمه بعصبية وفتاة على كنبة، وشابين (امرأة ورجل) يتجادلان.

وكأن المفهوم ضمنا هو ما جاء بكلمات الورقة حرفيا. وكأن المرأة عندما يصل بها الامر الى الهروب من البيت (ان حصل) تهرب لمجرد عصبية اخيها لوهلة وجدال عادي بينها وبين زوجها. يعني في اسوأ احواله نحن نتكلم عن عنف لفظي نوعا ما.

عندما سأل المتحدث بالفيديو شركة باصات رام الله وكانت في خلفية صوته كذلك صورة جماعية لسائقي الباصات، سنفترض انها لشركة باصات رام الله، وهنا اقول ان الصورة للحقيقة جميلة وتعبر عن شركة باصات راقية.

واسئلته كانت: لماذا كتبت شركة باصات رام الله هذا الكلام الجدلي على تذكرة باص خصوصا في فلسطين والذي يدعو المرأة للخروج الى الشوارع على تذاكرهم؟ المغزى وما الهدف من ذلك؟ وما دور الجمعيات في فلسطين ومن يمولها؟  

وكانت الاجابة على حسب قوله كالتالي: هناك شركات اجنبية غربية تدفع لنا مقابل ان نكتب مثل هذا الكلام على تذاكرنا. 

ويقول لنا المتحدث: اذن عرفنا الآن من هو وراء هذا الكلام. جهات غربية تدفع اموالا مقابل ان تطبع تلك العبارات والقصص على التذاكر والكارثة انهم يستهدفون الشباب والاناث بشكل خاص ويروجون لجمعيات تداعب من ارادت ان تخرج من البيت اي ان الرسالة الصحيحة هو افساد المرأة والبنت العربية والفلسطينية بالخصوص. يريدون اخراجها للشارع وايهامها بالحرية المزيفة وان تفعل بحياتها ما تريد. بكل بساطة لأنه حتى الان العاهرات يأتون من خارج البلاد اي فلسطين، ولكنهم يريدون تحقيق انجاز محلي. (في خلفية الحديث صور تشبه كليبات محمد رمضان وديسكو وافلام بوليسية) 

ثم يقول: اذن اسرائيل تعمل على محاربة المرأة الفلسطينية بطريقة خبيثة جهنمية. (هنا تتحول الخلفية الى امرأة محجبة تمشي مع اطفالها وتحمل كيس امام مجموعة من الرجال الواقفين. تبدو الصورة في مكان مهدم او بناء متروك ويمر كذلك مجموعة من الجنود اثناء سيرها نحو مجموعة الشباب الواقفين) 

ويكمل مع الخلفية: فالمرأة الفلسطينية شكلت عقدة للكيان الصهيوني لأنها تبني اجيالا وتجري المقاومة في عروقها، لذلك ظن انه يجب استهدافها لأنه إذا فسدت المرأة سيفسد الجيل القادم ومن اجل ذلك ظهرت الجمعيات النسوية الفلسطينية. 

وهنا اتساءل واتوقف كثيرا امام هذا التشويه الممنهج. ربط الاحتلال بالجمعيات النسوية هو ليس فقط خلط الحابل بالنابل بما سيتبين أكثر في بقية الحديث، ولكنه جريمة حقيقية بحق العمل النسوي والجمعيات النسوية التي نشأت قبل نشأة الاحتلال الذي يتكلم عنه. 

هل تعلم  ان الجمعيات النسوية في فلسطين بدأت مع بدايات القرن العشرين، وتشكلت لتكون قوة حقيقية في النضال ضد الانتداب البريطانيين وكانت سببا في الكثير من المرات بإخضاع قوات الانتداب ومطالبات باطلاق سراح للأسرى ومطالبات حقوق؟ هل سمع عن مظاهرة النساء في هبة البراق؟ وهل سمع عن دور النساء من خلال الجمعيات اثناء ثورة ال ١٩٣٦؟ هل سمع عن رفيقات القسام وزهرة الاقحوان؟ هل سمع عن جمعية السيدات العربيات والاتحاد النسائي العربي والفلسطيني؟ 

هل تعرف نبيهة ناصر وطرب عبد الهادي وميليا السكاكيني وزليخة شهابي واديل عازر وكلثوم عودة ونعمتي العلمي وعنبرة الخالدي وماتيل مغنم واسمى توبي وساذج نصار وزهية النشاشيبي وميمنه القسام وحلوة جقمان وودعة قدورة وعصام الحسيني ومفيدة درويش وماري شحادة ووجيهه الحسيني ووحيدة الخالدي ونمرة طنوس وفاطمة اليشرطية وسيرين حسيني وفكرية صدقي وحلوة زيدان ووحياه بلبيسي وفدوى طوقان ومي زيادة وسلمى حسيني ونجوى قعوار وصبا فاهوم وسميحة خليل ووداد ابو الحج وفاطمة ابو السعود وشهنده الدزدار وهند الحسيني وسميرة عزام ومهيبة خورشيد وناريمان خورشيد وعصام عبد الهادي وسميرة ابو غزالة وسلوى ابو خضرا ومديحة نسيبة وفضيلة دزدار وجورجينا عطاالله ومادلين راحيل وسميحة نسيبة وماري اوي؟ 

الجمعيات النسوية الفلسطينية نشأت وتطورت وساهمت بتطور المجتمع الفلسطيني على كل الاصعدة بتلك النساء وغيرهن قبل ان يقوم للاحتلال الاسرائيلي قائمة واستمر عملها بعد الاحتلال كجزء من المقاومة وبناء المجتمع ؟

الخباثة – على حد تعبير المتحدث- هي بإفساد المجتمع وحرفه عن واقعه بالقول ان: الجمعيات النسوية الفلسطينية لا تمثل النساء الفلسطينيات المسلمات. (الصورة بالخلفية المرأة المسلمة تقرأ قرآن)

الخباثة هي بربط سيداو وقانون حماية الاسرة بهكذا “تذكرة” ان كانت حقيقية، فيقف وراءها شبكات مافيا وعصابات تتاجر بالبشر. 

لم يكن لسيداو ولا غيره من القوانين اهمية لو لم تكن العقلية المختبئة بغطاء الدين لتمرير الظلم وتشريعه ليصبح شرف المجتمع وتماسكه مرتبط بامرأة تخرج من بيتها او امرأة لجأت الى القانون او طلبت المساعدة عند تعرضها لظلم مجحف. 

نحن في مجتمع لا تعترف فيه النساء بتعرضهن للضرب الا عند التدخل الطبي او غرفة المشرحة، ليتم ايضا التستر على الفعل تحت مسميات تأخذ المجتمع الى الهاوية. لا توجد امرأة في العالم تتحمل ما تتحمله المرأة الفلسطينية لأنها تربت على التحمل والمقاومة ومد اليد للرجل والطبطبة عليه لأنه معرض لانتهاكات ومخاطر احتلال بلحظة خروجه من البيت. المرأة الفلسطينية حملت العائلة وحافظت عليها وحمتها وقدمت أبناء وبنات تزينوا بعلمهم. 

لن تهرب فتاة من بيتها إذا ما كان هناك رجل عاقل في ذلك البيت. والعقل تقوى الله لا استباحة الانثى وغياب الرحمة وانتهاكها كأنها مخلوق اقل فهما وعقلا واستيعابا. 

لا افهم كيف نقبل لهذه الخباثة ان تدخل لمجتمعنا في وقت لا يوجد بيت فلسطيني لم تتعلم فيه الفتاة وتفوقت واثبتت نفسها وجدارتها وساهت في بناء هذا البيت سواء كانت زوجة او اخت او ابنة. لا افهم كيف يرقى اي انسان مؤمن وسوي بنفسه بينما ينظر الى المرأة وكأنه خطر يجب السيطرة عليه وينسى ان هذا الخطر هو أمك وابنتك واختك وزوجتك. 

لا افهم لماذا يؤرق الرجال في مجتمعنا امرأة تطالب بحقها.

المجتمع الصحيح والصحي هو المجتمع الذي يرى بالمرأة امه وزوجته واخته وابنته. قوة المرأة ورفعتها هي قوة الرجل ورفعته. كما انحطاط المرأة وانهزامها هو انحطاط للرجل وانهزامه.

بعد سنوات من تشكيل الأفكار في كيفية حصول المشاهد الحقيقية لحريم السلاطين، شاهدناها على الطريقة التركية والمصرية من خلال المسلسلات تباعا.دخلنا لنعيش النسخة الفلسطينية منها…

خرجت ارملة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن صمتها مؤخرا في حديث مع التلفزيون الإسرائيلي. لا بد ان خروج ارملة الرئيس الراحل الى محطة إسرائيلية ترتب عليه الكثير من الضغط، ولكنه غير مبرر، ومهما حاولنا التبرير، فلقد أطلقت على نفسها عيارا بالرأس. وربما علينا جميعا اخذ العبرة هنا، فعلى الرغم من كون ما قامت به السيدة سهى عرفات خاطئا جدا، الا انه يفسر الحالة العامة في الأراضي الفلسطينية من يأس حقيقي بما يخص دور السلطة بالحفاظ على امن المواطنين. ان تصبح إسرائيل هي ملجأ ارملة الرئيس الفلسطيني الراحل، ان عبر عن شيء، فإنه يعبر عن حجم الرعب والخوف الذي يعيشه الفلسطينيون في غياب منظومة قضائية وقانونية يمكن الرجوع اليها بنزاهة. فالحال على الأرض مرعب مع توغل الفساد والمفسدين في كل مناحي الحياة. 

عودة الى ما صرحت به السيدة سهى عرفات وتوجيه الاتهام في كل ما يجري من تهديدات على ما يبدو طالت عائلة السيدة سهى، حيث حملت المسؤولية لشخص بعينه وهو السيدة انتصار مديرة مكتب الرئيس الفلسطيني. وبدى الامر وكأنه حرب نساء. والرئيس كان بريئا وسط مؤامرة يبدو وكأن هذه السيدة هي التي تديرها. 

منذ تصريحات السيدة سهى عرفات وتهديدها بحرق الأخضر واليابس -على حد تعبيرها- إذا ما خرجت على الملأ بمذكرات الرئيس الراحل والناس تتكلم عن انتصار. من هي انتصار صار السؤال الأهم. 

كل من تعامل مع الرئاسة يعرف انتصار أبو عمارة وتأثيرها على القرارات وعلى كل ما يدور ويدار. توصف السيدة انتصار بأنها الرئيس الفعلي وان بيدها كل شيء، والاهم ان مرسوم الرئيس بشأن ديوان الرئاسة يدور حولها ولها وعنها- كما يقال أيضا-.

طبعا، تبقى الحقيقة كما نرى، وفق كلام نميمة – قيل وقال- لا نعرف عنها الا ما يخرج لنا من تهديدات الفرقاء في سلطة فتح وابتزازهم لبعض. 

لا اعرف لما عادت الى ذهني قضية ناجي العلي ورشيدة مهران التي يقال انها السبب باغتيال ناجي العلي. تخيلوا اننا تربينا على مفاهيم البطولة والشهادة والمقاومة ضد احتلال استعماري، ونستيقظ اليوم على حقائق مروعة يظهر فيها الاحتلال مجرد أداة لتصفية حسابات شخصية بين ارباب القيادة. 

وتبقى هذه القصص كذلك في عداد قصص النميمة الفلسطينية الممنوعة من التداول لأنها تمس بالرموز. وكأن القضية هي عبارة عن الرمز لا ما تحملها من واقع الحياة لشعب لا يزال يناضل من اجل التحرر من الاحتلال. وقد نرى هنا قوة الابتزاز عند التلويح بنشر الفضائح كما جرى في قضية ناجي العلي التي لوحت الحكومة البريطانية بفتحه امام العلن.

مرة أخرى نكتشف ان الشعب في واد والقيادة على مر زمانها في واد اخر. بل في عالم اخر لا يتصل بنا ولا نتخيل وجوده. وكأننا في حلم كلما طال تبين انه كابوس حقيقي. 

وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى نقع في فخ تحميل مسؤولية الكارثة التي نعيشها على شخص ما. وعندما يكون هذا الشخص انثى تصبح الحرب أكثر اثارة وابعد عن أصلها. فنقع جميعا بالتفاصيل التي لا ترتبط بأصل المشكلة. 

اليوم صار حديثنا عن “انتصار” و “سهى”، وفي كل يوم تتجلى حقائق أكثر عن المرأتين بطريقة أكثر فضائحية لينشغل الشعب أكثر بالنساء وكيدهن واساليبهن الملتوية، ونترك طبعا أصحاب المشكلة الأصليين كأنهم هامش. 

سواء كانت السيدة انتصار هي رأس حربة الرئيس أبو مازن او كانت هي الحربة نفسها، فالقوس الذي تحتاجه الحربة هو الرئيس نفسه. فلا مكان للسيدة انتصار ونفوذها وكل ما توصف به بدون الموافقة والمباركة والدعم الكامل من الرئيس. 

يتم وصف انتصار وكأنها الوحش الكاسر المسيطر وكأن الرئيس مجرد لعبة تتحكم هي به. إذا ما كانت هذه حقيقة لم لا تترأس انتصار حركة فتح، لم تحتاج ان تختبئ وراء الرئيس بينما تستطيع هي نفسها ان تكون الرئيس. 

طبعا، انتصار جزء مهم بهذه المنظومة، ولكنها لا تتعدى كونها سكرتيرة – مع احترامي للوظائف كلها وتشديدي على أهميتها الكبيرة. ولكن السكرتير في كل مكان هو من ينفذ أوامر رئيسه بالعمل، ولا يمكن ان ينفذ امرا بلا موافقته المطلقة. وإذا ما كان الرئيس ضحية انتصار الماكرة، فأين الناس الاخرين من حوله واين عائلته؟ 

معروف – ما يقال – عن الرئيس أبو مازن انه رجل عائلة. لا يسمح بأن يقترب أحد من أبنائه وعائلته. ورأينا ما جرى مرارا وتكرارا. فاذا ما اردت ان تسقط قائدا عظيما في فتح، كل ما عليك فعله ان تدبر له مكيدة او تسجل له جملة او تنقل خبرا للرئيس بأن ذاك القائد العظيم قد ذكر أحد أبناء الرئيس او عائلته بسوء. وانتصار مهما قربت ليست الا صندوقا اسودا في هذه الطائرة الرئاسية. قيمتها تظهر فقط عند تحطيم الطائرة. ولكن الأهم هو نجاة من في الطائرة وتأمينهم، والصندوق الأسود كما أجزاء الطائرة الى حطام. فما يهم  هو داخله، لا قدرة حفاظه على نفسه. 

ولنقل ان انتصار هي الشخصية النافذة التي يتم وصفها – وهي كذلك على ما يبدو- وهي بلا شك مسؤولة وجزء من منظومة الفساد التي نعيشها، فمن يصدر الأوامر ومن ينفذ لا يختلفان عندما نضع الأمور في ترجيحات الحق والباطل، الفضيلة والرذيلة. في موضوع ديوان الرئاسة، هل المشكلة بالقرار نفسه وتفاصيل القوانين المنبثقة عنه ام المشكلة بكون انتصار صاحبة المصلحة او هي رئيس الديوان الذي نتكلم عنه؟ 

ما يتم تداوله من رمي مصائب ما نعيشه من فساد متفشي على ظهر شخص بعينه هو الكارثة، ولفتني أكثر، ولا اريد هنا، كما لا أحب الخوض في الأمور النسوية، لكن لا يمكن عدم ملاحظة ما يجري. فلو كانت انتصار منتصر هل سيكون الامر مختلفا في الهجوم؟ ان يتم تهديد او الحديث عن انتصار واخلاقها “المشبوهة” في سياق الربط بعلاقتها بالرئيس او غيره، والحديث عن بناتها وكأنه باللحظة التي يكون فيها الموضوع “انثى” تصبح الاخلاق في غيابها هي الأساس. 

انتصار مذنبة – والتهمة واضحة ومباشرة وجاهزة لكونها امرأة- في علاقتها بالرئيس. ولكن اين الرئيس؟ اليس هو المذنب الأول والاهم والاكبر فيه هذه المعادلة؟

انتصار- كما يقال- تحابي عائلتها في الوظائف، وتقوم بالسيطرة على موارد السلطة وتتحكم بالأموال المنقولة وغيرها، فهل تقوم بهذا وحدها؟ ما تقوم به من اتهامات ضدها – نميمة- لا يمكن لشخص واحد ان يقوم بها، انتصار جزء من منظومة لا يمكن ان تقوم بما تقوم به بلا موافقة كاملة من الرئيس ومع فريق كامل للقيام بكل ما يتم القيام به من اتهامات فساد. 

ولكن كيف لنا ان نفهم الفساد في عرف الرئيس الذي تحدى امام اهم المنابر الدولية بأن يكون هناك فسادا في السلطة؟

والامر نفسه على سهى عرفات. منذ ان فتحت فمها بتصريحها بشأن الامارات والهجوم عليها يخلو من اخلاقيات من يدافع عن قضية. وكأن مشكلة عرفات كانت بسهى. فلو كانت سهى بهذا القدر من المأساوية بحق عرفات، هل كنا سنراها وابنتها تعيشان في منفى؟ 

سهى كانت اول من دفعت ضريبة الفساد التي انشأها رئيس السلطة الأول. منظومة يتكلم عنها كل من يعايش ويعاصر ويتعامل مع “فتح” في إدارة كل شيء واي شيء. وما جرى بسهى سيحل بانتصار وعائلة الرئيس الحالي بلحظة غيابه، ولن يكون لهم وسط القيادة الجديدة مكان. لأن القيادة هي نفسها، تعيد تشكيل نفسها بنفس النهج والأدوات. بالنهج العرفاتي الذي يتم التفاخر به على السنة الكبار في فتح جميعهم، وكأن أبو مازن يختلف في شيء. 

المشكلة ليست في انتصار ولم تكن يوما في سهى وان كانتا جزء من المشكلة. المشكلة بالمنظومة المشكلة للقيادة الفلسطينية التي لا تتغير وتزداد سوء وقبحا مع مرور الزمن. 

انتصار وسهى ـ على سبيل المثال لا الحصر- تشكلان كما غيرهما من كل ربيب في السلطة ما نراه ونعرفه ونسمع عنه ونعيشه من منظومة ترتزق على السلطة ويكبر ليرى بنفسه القائد المفدى.

وان قلنا اننا نعيش في زمن لم يعد للحقيقة الا ان تتكشف وسط أدوات التكنولوجيا الحديثة، فهذا لا يغير شيئا الا مرارة شعورنا، لأن النظام الحاكم للقيادة الفلسطينية قادر على قصم الناس بين مشكك ومؤيد، ويستطيع ان يرمي في كل مرة بامرأة لتكون اضحيته. فكما تم استغلال قانون حماية المرأة واتفاقية سيداو لتجيير المجتمع في ذكوريته العارمة للالتهاء عما يجري من تمرير قوانين وتغييرات وسط قيادة تتسابق وتتزاحم وتتقاتل من اجل السطو على رئاسة قادمة، فاستخدام انتصار كأنها رأس حربة الرئاسة لا يختلف بعملية الالهاء الحاصلة. 

استخدام كل من سهى وانتصار في عملية تكسير الرؤوس الحالية من اجل التقليل او زيادة الفرص لكل من المرشحين الفرقاء بنفس الدائرة هو استمرار لما عودتنا عليه فتح.

مؤسفة حقيقتنا…

لا مكان لأنثى على مسرح الحياة: من عشتار الى أميرة… من إسراء الى نورا

المشهد الثقافي الفلسطيني والمشهد السياسي والاجتماعي يصب في نفس الخانة. خانة واحدة لم تعد تعرف الا التطرف والاقصاء والانقسام والفرقة والحقد والاغتراب.

كل يعيش في انقسامه وفرقته واغترابه، وكل يعيش بإصرار لأن يكون هذا المكان له ولعشيرته وفصيله وعائلته فقط. صرنا نتزاحم على مكاننا في حيزنا العام والخاص، ولم يبق للاحتلال في حياتنا الا المزيد من التحكم بنا على حيز نتزاحم على السيطرة عليه بينما يسيطر الاحتلال على المكان كله ويتركنا في زوايانا كالفئران نتجادل على قطعة جبن عفنة: هولندية او سويسرية، والجبنة لا تصلح للأكل ولا علاقة لها بالأجبان. 

نعود مرة أخرى لنطلق نداءاتنا التشجيعية او المليئة بالشجب بهاشتاغات ممكن ان تعمل “ترند” لنقول “كلنا فلانة أو علانة”. كلنا ضحية قتلت او ضحية يتم التنمر عليها. وعندما نمل من السجال والقتال والدفاع والهجوم وعرض كل ما نملكه من معلومات او مسبات نهدأ لنلتفت لما يقوم به الاحتلال ونصرخ ضد الاحتلال لشهيد او لأسير او لمصادرة ارض او هدم بيت.

امورنا كلها متشابكة ومتهالكة ومتآكلة، لم نعد نعرف ان كان هناك ما يمكن إصلاحه في هذا النسيج البالي. 

بينما ننتظر ببلادة تصفية أخيرة لقضيتنا الفلسطينية في مشهد قد يكون الأخير، كمن يشاهد مسلسلا في اجزائه الكثيرة وقد وصلت الاثارة فيه الى ذروتها مرات كثيرة ومللنا، وعليه ننتظر الموسم الأخير لننتقل في تركيزنا لمسلسل اخر. فلم يعد في هذا المسلسل ما يمكن اجتراره من احداث وإعادة اختلاقها لتتناسب مع ذائقة المشاهدين وتشدهم اليها.

مسألة الضم التي تبدو وكأنها ستكون تحصيل حاصل بين يأس شعبي من أي صلاح في سلطة فاسدة وبين سلطة تنتظر دعما لموقفها الدائم بانتظار لتفعيل مفاوضات بإملاءات مع كل صاحب قوة ونفوذ واموال يضخها في جيوبها، فتلهي الشعب بشعارات وزحف وجمهرة ويصفق الشعب في بعضه ويسكت يأسا في بعضه بانتظار كارثة تحل عليه فتلهيه من جديد. 

والكوارث صارت يومية، وحدّث ولا حرج. 

إذا ما كان المسلسل الفلسطيني في موسمه الأخير يشتعل بالمشاهدات والاحداث، كما في المسلسلات التركية التي نظن ان المسلسل قد شارف على الانتهاء فلم يعد هناك احداث يمكن افتعالها، فنرى تزاحم جديد يخرج من كل اتجاه تكون عين المخرج فيه والمنتج على المشاهدات ليقرر ان كانت الحلقة الأخيرة في دقائقها الأخيرة ستغلق المسلسل ام تجره الى موسم جديد. 

من الناحية السياسية لا افق لحل سياسي على الرغم من حل الرئيس للاتفاقيات التي لم نفهم ابدا ما عنى بكلامه بها. 

وكما في مسرحية الزعيم، لا يزال الرئيس ممسكا ببواطن القوة، فكلما ظن المشاهد ان الرئيس قد اقترب من الموت بسبب طعونه الواضح بالسن، كلما خرج لنا ببوادر حياة من جديد ليسقط فيها حسابات ومخططات المقربين منه المتربصين للحظة الصفر للجلوس على كرسيه. فالكل عينه على الكرسي وعينه الأخرى على التغير الإقليمي والسباق على استرضاء من سيتوج الرئيس القادم. والايدي والارجل بين دعس على المواطن وبين تكميم فمه. 

اما المرتزقة من أصحاب المقامات الموجودة والمحتملة فينتشرون بين ترعيب وترهيب وفتنة والهاء من جهة، واقتناص أخير لفرصة في تعيين او تثبيت او ترقية له ولأقربائه وعشيرته ومواليه. فمن جعل المتربصين نحو كرسي الرئاسة بالأمس بيادق مهمة اليوم سيجعلهم بالمستقبل مهمين كذلك. 

نحن شعب افراده المشكلين لحجم وطن يمكن ان يملئوا خريطة العالم إذا ما وزعنا حجم وطنهم الذاتي الشامل وقد تحتاج البشرية لكوكب اخر. 

والشعب بين كارثة جديدة ترعبه يفتح عينيه عليها يوميا لجريمة قتل جديدة، وبين توضيع للفكر ينحسر بين الحلال والحرام، الشريعة والقبيلة، ونصرة الإسلام القادمة من حفيد ارطغرل المزعوم او الالتفاف بصمت او علانية نحو أبناء صهيون. والهامش في الأغلبية محاصر في زوايا تملؤها الفئران التي تكبر لتكون جرذان تهدد بطاعون.

امرأة شابة – كان اسمها نورا- قتلت منذ عشر سنوات واستطاع قاتلها إخفاء جريمته وابنته بلا شك ولا ريبة من محيطها. جريمة تشكل حقيقة مدوية في بشاعة ما تشكله حياة الاناث في هذا الوطن. رخيصة، مستباحة، لا تعني أي شيء. للرجل كان ابوها او اخوها او زوجها او جارها او عابر طريق ان يتخلص منها بلا رقيب ولا حسيب. فالتهمة دائما جاهزة ليتقبلها الجميع ويخرس عن الخوض بها كذلك الجميع.

كم جريمة اخري نحتاج لنتأكد ان التغيير لا يأتي بالتمني ولا الاستجداء. كم نيفين واسراء ونورا ستلتحق بقوافل قتل الاناث؟ 

كيف يمكن ان نتغير او تتوقف دائرة القتل الغاشمة بينما نعيش في مجتمع انزل عشتار عن المسرح لأن جسد الانثى فتنة، واخرس اميرة لأنها تجرأت وخاطبت متحدث الحكومة متسائلة عن حق الفنانين.

كيف يمكن ان نعيش في مجتمع رجاله ونسائه المتلحّفين المتستّرين بالدين لا يرون من المرأة إذا ما تكلمت وظهرت الا عاهرة وفاجرة وجب قتلها او اغتصابها والتحرش فيها فعل مستحق؟

كيف لا والعذر المبيح بالقتل مقدم على طبق من فضة، تملؤه فناجين القهوة ودية اذا ما تقرر بعض القيمة للضحية او اهلها. 

ولكن… منذ سكتنا عن إيقاف رقصة على مسرح ترعاه وزارة الثقافة بحجة الدين والعرف والتقاليد، وتغاضينا عن إنزال عشتار عن المسرح، من الطبيعي ان تصبح الانثى مجرد عاهرة إذا ما كان الفن مهنتها. فذكورنا هؤلاء لا يعرفون عن النساء بعد امهاتهم الا تلك اللاتي يشتهون بالخفاء وراء شاشاتهم من فيديو كليبات بخيسة الى فن تروجه نتفليكس وتركيا اذا ما كان هذا الذكر في احسن احواله متطور..وما يخفى من مواقع اباحية فلا تُحدّث لكي لا نصيب العطب خرما اكبر.ا. 

الحق ان الانثى منا لا تحتاج الى ان تكون فنانة ليرى بها المعتوهين المتشوهين فكريا واخلاقيا زانية عاهرة، فما ينتجه المجتمع مؤخرا لا يرى الا الفجور والعهر والخيانة والعمالة والنصب والاحتيال والفساد وسيلة لبناء عروش الأوطان.

فلقد رأينا الهجوم على وزيرة المرأة والصحة وهن من “عظام الرقبة” لهذا النظام.

رأينا التكاتف والتلاحم كما رأينا الهجوم والتعدي على مجرد التلويح بقوانين حماية الاسرة. 

فلا عذر لمقتولة او مغتصبة او متحرشه او مضروبة الا استحقاقها لما حل بها… فالأنثى فتنة يجب ان تتستر او تخنق حتى تذبل او تفنى.

لا عذر لطفل قتله ابوه ضربا وتحرش به قريب وغدر فيه. 

.ولا عذر لضحية لأن الجاني ذكوريّ سلطويّ يحق له الاستباحة في كل شيء. والذكورية السلطوية لا يتفرد بها الذكور، فهي منظومة شاركت في تركيبها أنثى. فهؤلاء ربّتهم أمّ ربّما يعاملوها إن برّوا على أنّها مدخلهم إلى الجنة.ء.

وما علينا الا السمع والطاعة او الموت.