دقيقة صمت! اعتبروا يا مشاهدي المسلسلات

 

” دقيقة صمت” مسلسل سوري، عرض على الشاشات بشهر رمضان، جعل المشاهد يتوقف امام الكثير من دقائق الصمت، من اجل استيعاب لعبة الدولة والفساد.

عمل بلا شك جريء، يطرح فيه دائرة تصنيع الفساد الصغيرة في الحكومة (السورية في وضع المسلسل)، وكيف تتحكم هذه الدائرة الصغيرة القريبة من صنع القرار والتي تستخدم كل ما يطول يدها من عناصر دولة للوصول الى مبتغاها. مبتغاها السيطرة من خلال اعمال فساد تزيد في جبروت هذه الفئة التي يقع عليها بالمحصلة الامن العام للدولة.

هل يبدو هذا المشهد بغريب عن واقعنا الفلسطيني؟

من السهل جدا، او لعله من الاسهل تنقيح وتفتيت التركيبة المتحكمة بالشأن الفلسطيني، وبالتالي فهم كيفية التحكم بوضع البلد من رأسه الى أخمصه.

قبل أيام انتشرت وثيقة تحت اسم هيئة مكافحة الفساد وبتوقيع رئيسها مرفوعة الى الرئيس الفلسطيني. تتناول الوثيقة قضية تحقيق فساد بشأن أحد وزراء السلطة وأذرع الامن الأساسيين في السلطة الفلسطينية. الوثيقة واحدة من عشرات ان لم يكن مئات الوثائق المسربة من مكتب رئيس السلطة الفلسطينية لرسائل من مختلف الجهات والوزارات والشخوص. كل منها في الأيام العادية لشعوب العالم الطبيعي، قد تسقط حكومات. على مدار سنوات السلطة ونحن نعيش مع هكذا قصص تروي حكايات الفساد الذي يستمر بالاستفحال في جسد السلطة الفلسطينية. في مقابل هذا تسلط السلطة الضوء فجأة وتكرارا على فساد من نوع اخر في كل مرة، القبض والعثور على مشتل لزراعة أنواع المخدرات من حشيش وقنب الى اخره، اغلاق مطعم لفساد لحوم، وقهوة لفساد الفواكه والبرتقال، واتلاف مواد غذائية هنا وهناك …. الى اخره كذلك.

وصلنا الى مرحلة، صار الانسان العادي بالفعل يخاف ان يذهب فيها الى مقهى او يأكل خارج بيته. حتى اللحوم التي نشتريها صرنا نخاف ان تكون تالفة او من جسد حيوان ليس بقرة او غنمة.

التهاء يبدو وكأنه محكم بتوافه الأمور. نعيش فيما يبدو وكأنه نميمة مجتمعية متكاملة في وضع يتهالك فيه الجسد الفلسطيني المستفحل بأعضائه الحيوية بالفساد.

وان لم تكن الوثيقة المتعلقة بفساد الوزير المعني هي أكبر المصائب في وقت تقع ازمة الرواتب المتوقع ان تتفاقم في سلم أولويات او قلق الشعب الكادح، بينما انتشرت وثائق تؤكد ان الحكومة التي تدعو للتقشف قد ضاعفت رواتب وزرائها والمحسوبين عليها اضعافا وبلا مقدمات.

وقعنا في أزمة أكبر، وهي تبرير المصاب فيما يبدو وكأن الفساد واجب وطني، وان المعترض على الفساد خائن ومجرم.

ذلك الذي يمكن ان يزج فيه في غيابات غرف تحقيق السلطة يعتبر مجرما، وذاك الذي لا يمكن ان تطاله يد السلطة يعتبر عميلا.

من السهل تكذيب الورقة وانكارها. ما رأيناه في مسلسل دقيقة صمت لم يكن امرا خارجا عن المألوف. فكم من قضية شهدنا عليها بهتانا وزورا وكنا شركاء فيها عند سكوتنا كشعب.

قضية نيفين العواودة التي راحت ضحية صرخة حق من اجل فساد رفع الى اعلى المستويات، واغلق بحبكة باهتة ودليل ملقط حواجب، ولم نسمع يوما عن حيثيات تلك الجريمة بما سببها من فساد كان في دائرة سلطوية ما في حينها. تعتيم محكم، لا يستدعي سلطات عالية جدا في حينها.

مقتل الشاب الغروف الذي وجد مرميا على ارض فندق كبير في رام الله، واختفاء الكاميرات وتحويل الضحية الى مجرم، وتلبيس الجريمة للأضعف في حلقة فساد او اجرام لم نفهم ابدا من وراءها الا بتعبيرات واهية واشارات صارمة بالصمت وعدم الخوض في هكذا أمور.

أستطيع ان اجول في عقلي المحدود حول العديد من المصائب الحقيقية التي اصابتنا، وكانت الإشارات والوقائع واضحة وشبه صريحة نحو الفاعلين والمجرمين والفاسدين، ولم نشهد محاكمة واحدة ولا اقالة واحدة ولا تحقيق عرفنا بنتائجه مرة واحدة.

وصلنا اليوم الى مرحلة من تكميم الأصوات صارت فيها الوقاحة في توصيف من يتكلم عن الفساد او يشير اليه بأنه يخدم اجندات العدو، أي خائن، ويزج فيه بالسجن بالفعل ويكون عرضة للمحاكمة والتعويضات والمساءلة بدلا من مساءلة الفاسد ووضعه امام محاكمة واجبة.

قد لا يفهم ارباب السلطة من الفاسدين الكثر، بأن دق الخزان على الفساد ما هو الا محاولات حفيفه ووحيدة من اجل انقاذ هذه السلطة التي لا يمكن لدوامها ان يكون في هكذا وضع يستمر بالتدهور.

قد نصاب بالذعر واليأس والإحباط مع استمرار العنجهية في افراز المزيد من الفساد بلا مساءلة او محاسبة، وهذا بديهي. ولن استغرب ان يأتي يوم نصمت فيه بدل الدقية دهرا.

ولكن هذا الصمت سيكون هو نهاية هذه السلطة.

لن نحتاج الى تحريض ضدها، ولن يكون هناك مظاهرات لإسقاطها. فنحن نشهد كما شهدنا زورا بصمتنا لدقائق كثيرة عن الفساد الذي يكاد ان ينهينا، على بدء مرحلة النهاية.

في دقيقة صمت، استطاع أحد اركان الفساد الهرب لأنه كان الأقل تأثيرا وقربا من دائرة السلطة المحكمة، مجرد عقيد رفيع في بدلة عسكرية. وعليه وقع الباقون لأن هناك كان عنصرا غير فاسد، بدا تجرؤه على المواجهة خيالي، وربما متطلب درامي للمسلسل. في النهاية لا يوجد فساد دائم. وان دام يتعفن وتصبح ازالته مطلبا كونيا، لأنه لا يؤثر فقط على جسد متهالك واحد فقط، ولكن على المحيط. فان كان جسد السلطة الذي ينتشر فيه السرطان قد اقترب من التهالك، فان عدم هلاكه سيؤدي الى مضاعفات تخرج من الجسد المصاب فيروسات وبكتيريا تنتشر لتصبح وباء.

إذا ما كان طاعون الفساد قد بدأ بالتفشي، فلن يسكت الشعب المستكين كثيرا، فلا بحر يمكن ان نهرب اليه، ولا حدود ابعد من حاجز ممكن الوقوف امامها.

دقيقة صمت

الفلسطينيون بين مطرقة فساد السلطة وسنديان جبروت الاحتلال

Continue reading “الفلسطينيون بين مطرقة فساد السلطة وسنديان جبروت الاحتلال”

وقبل ظهور هلال العيد..جولة على مسلسلات رمضان

وقبل ظهور هلال العيد…جولة على مسلسلات رمضان

 

لا اعرف ان كانت الكتابة المتعلقة بمسلسلات رمضان إضاعة لوقتي ولوقت من يقرأ. ولكن بما انني اضعت ما يكفي في رصد المسلسلات، وذلك من اجل هدف اعتبره مبررا بالعادة، وهو فهم ما يدور حول واقعنا العربي في فقاعة الدراما، لأن الدراما تعكس بالتأكيد صورا حقيقية للواقع في محاولات للتجميل والتقبيح على حد سواء.

ولكن هذا العام، تداخلت مرة أخرى الفقاعات، بين تلك التي تضخها في سمائنا الدراما الرمضانية وبين واقع صعب حقيقي لم تستطع ملائكة الخير في رمضان ضبط شياطين الشر المنطلقة. فلم يمر يوم خلال الشهر الفضيل الا سمعنا وعلمنا عن شجار مدمى كانت نتيجته في أحسن الأحوال جراح وعطاوي وفي اسوئها قتل وموت. كم سهل قتل نفس الأخ في وقت يستبيحنا العدو الحقيقي، يتفرج علينا ويستهزئ بنا امام اعيننا ومن خلال مواقع التواصل المرصودة من اجل تشويه ومسخ أكبر. تناقضات عارمة فيما نحاول ان نكون عليه وبين أصل ما نحن عليه. فساد الحكومات وفصل جديد من فساد السلطة في موضوع الرواتب الوزارية والمأجورات والمواكب والسيارات، ليكون حساب حكومة آفلة لمصلحة منتفعين او متضررين لم يعد المهم ان نفهم. الحروب المؤلمة الموجعة التي لا يمكن للدراما ان تعكسها، اوجعتنا السودان اليوم، كما تستمر سورية بفتح الجرح الدامي بعدوان جديد عليها، وكأن إسرائيل صارت دولة المافيا التي لا يمكن ايقافها، فهي مؤجرة من قبل ملاك المنطقة أصحاب النفوذ والنقود. لم نعد نتأثر بعدوان الاحتلال الغاشم باي اتجاه. لم نعد نأبه للدم المسفوك ولم تعد الرحمة في نفوسنا الا على من نرأف بهم سياسيا وحزبيا وقوميا.

بين العنف بالحقيقة والبلطجة واستنزاف الشر، كانت المسلسلات انعكاس حقيقي. مسلسل زلزال وبطله محمد رمضان، لم يعجبه السيناريو المكتوب، واحتاج ان يستعرض في اخذ القوة بالذراع وسطوة البلطجة فكان لا بد ان يستعلي محمد رمضان النجم الأكبر على السيناريو والإخراج وتكون سطوة عضلاته هي الكوكب الذي يسطع من خلاله النجم. وعودة غريبة لنجمة خلعت الخمار ولم افهم كمشاهدة ان كان دورها بتلك البداهة ام انه مقدرتها الفنية.

مسلسل حكايتي، الذي طغت مشاهده على وجه ياسمين صبري الجميل، وتفوق الشر والعنف والقتل في حل الأمور. خير مطلق أقرب الى السذاجة يعكسه انتقام اعمى. استعراض دائم من اول مشهد ستفوق وجه ياسمين صبري فيه على المشاهد، وادائها بين موهبة او مقدرة حقيقية وبين استثمار في شكلها، وكأن اهم ما تستطيع الممثلة الحصول عليه ان تكون هيفاء وهبي. وفاء عامر من فنانة كبيرة الى مؤدية وفريق فنانين وفنانات لم افهم سبب سوء أدائهم، اكانوا يؤدون دوما هكذا، ام ان التركيز على النجم الواحد يجعل من باقي الممثلين مجرد كومبارسات؟

ياسمين عبد العزيز في مسلسل لآخر نفس لم تختلف عن ياسمين صبري من حيث فكرة البطل الواحد، وللصدفة ربما كان النجم المرافق هو نفسه في المسلسل الاخر. شر وداعش وعنف وشخصيات متداخلة وياسمين عبد العزيز تحاول بشدة ان تدخل في الدور الجدي الذي كانت تتقمصه.

غادة عبد الرازق في مسلسل حدوته مرة تفوقت على نفسها في تجسيد الشر، وقامت مرة أخرى بأداء قد اعتبره قياسا بالأداء الأخرى هذا العام بالرائع جنبا الى جنب مع ماجد المصري في دوره بزلزال.

على الرغم من عدم الاقناع في الحبكة وضعفها، الا ان اداءها كان متماسكا ليجعل من المسلسل ممكن المتابعة.

مسلسل زي الشمس ودينا الشربيني، كان به من التشويق ما يمكن الاعتماد عليه نوعا ما. ولكن مرة اخرى، بين تركيزنا على البطل الواحد وذوبان النجوم الاخرين امامه كان هناك ازمة، استطاعت سوسن بدر جمع نفسها خلال الحلقات، كما فعل احمد السعدني. لفتني أداء الممثل السوري جمال سليمان، الذي بدا كالعملاق لا معنى لوجوده او بالأحرى لاختيار فنان بحجمه لأداء دور محدود، جعل لكنته المصرية وكأنه يمثل لأول مرة. كان هناك استعراض لعملاق أكثر من القيام بدور ما بالمسلسل، وكأنه روبرت دي نيرو يقوم بدور ضيف شرف لمارلين مونرو، او ربما كما هو الدور أقرب للفنانة، جوليا روبرتس.

جوليا روبرتس كانت البطلة الخفية في المسلسلات، فدينا تشبهها، كما تشبهها احدى بطلات مسلسل صانع الاحلام، الذي سيدخلنا الى الدراما المختلطة. ولكن على سيرة جوليا روبرتس يجب التوقف قبلا امام الممثلة سارة التي قامت بدور البطولة بجانب احمد السقا في مسلسل ولد الغلابة، الذي لا يوجد داعي للكلام عن وهن الحبكة بين عنف وقتل غبي وهروب ساذج، بعد ان تبين ان المسلسل مسروق عن مسلسل أجنبي وسيواجه معارك سرقة درامية على ما يبدو، فالمسلسل المسروق مسلسل ذائع الصيت ولا يزال يعرض، وكان من السهل ان يتبين السرقة من المسلسل الأمريكي.

مسلسل صانع الاحلام من بطولة مكسيم خليل ولفيف من الممثلين جعلونا نشعر وكأننا في ورشة تدريب ممثلين على الأداء. مبالغة قاسية في الأداء واستعراض التقنيات وأداء بلا حياة. تقنية واستعراض لم يكن للقصة فيه أكثر أهمية من ادخال المشاهد او اشغاله في لولبة الاحلام، وقتل الكثير من الأسماك!! وجود الفنان السوري جهاد سعد في دور “صانع الاحلام” الحقيقي وراء الفنان الصاعد، قد يكون اعطى لأداء مكسيم بعض الحرفية، ولكن شتان ما بين الأستاذ والتلميذ.

في أداء ضعيف كان ظهور الفنان جهاد سعد بدور صغير بمسلسل دقيقة صمت مع الفنان عابد الفهد، استوقفتني نفسي للتساؤل عن فكرة افول النجوم. المسلسل بشكل عام جيد ربما، كان هناك أداء لمفت لنجوم غير أساسيين، في وقت لم يقدم عابد الفهد أي جديد بأدائه، وكأن هؤلاء النجوم وصلوا الى مكان متمركز بسماء لا يمكن الا تأمل حسنهم، فلا داعي ان يقدموا أي جديد او يتعبوا على أي دور.

لا يختلف وضع تيم حسن وباسل الخياط وقصي خولي كثيرا، مع الممثلات امامهم من سيرين عبد النور ونادين نجيم واخريات. استعراض خاوي يعتمد فقط على شكل الممثل منهم، لا مضمون لدور ولا صوت لأداء ولا طعم لتفاعلاتهم. عرض خاوي يعتمد على فراغ كبير يؤكد كم الخواء الذي بتنا العيش فيه.

تفوق البوتكس والفيلينغ والماكياج المفرط على الفنانات السوريات، وكأن باب الحارة صار مصنع انتاج بوتكس، استعراض بشكل “ابن عمي” لا يختلف عن استعراض الثلاثي الوسيم في البدلات والجينزات واللحى والشوارب الدقيقة (تيم -قصي- باسل). تشويه للشكل الذي تعودنا عليه من الدراما السورية تحديدا، والتي دخلت في سباق مع الشكل الخارجي للممثلات المدموغ بالبوتكس والماركات المزيفة او الحقيقية مع الممثلات اللبنانيات، وعرض للرجولة في استعراض كان الضرب والدلال توأمين. وكان مسلسل الحرملك مسك الختام في حالة المسخ الدرامية، مرة أخرى من خلال غرض لجمال سليمان وكوكبة من الفنانين والفنانات في محاولة لاستنساخ صورة ماسخة من ارطغرل وحريم السلطان في فانتازيا تاريخية الموقع وعصرية الوجوه واللكنات. وكأن الدراما السورية توقفت عند ابداع نجدت انزور بهكذا دراما وصار كل ما يخرج استنساخ لصورة على شاكلة اعمال انزور، بلا أي جهد الا بالديكور والمكياج واللوحات المجسدة بالفن المعماري التاريخي، بالإضافة الى التعري المبالغ فيه بمشاهد استغرب عرضها برمضان. محاولة مزرية لخلط ما يشبه الدراما في اعمال مرة أخرى يستعرض الممثل فيها مقدرته على الظهور وكأنه دون جوان اذا ما كان رجلا وكيم كارداشيان بصبغة هيفاء وهبي اذا ما كانت امرأة.

مأساة أخرى لم تختف من أي مسلسل، سواء لبناني او سوري او مصري. وكأن ضرب الممثلات جزء من العقد المبرم في المسلسل. تشويه لدور أي امرأة، وكأنها في ديباجة متكررة للجري وراء المال والشهرة والذل من قبل الرجل الصانع او المقدم للمال او الشهرة.

صورة أصبحت أقرب وكأنها النمطية لشكل المرأة.

قد يكون المسلسل الأفضل، هو ذلك الابسط، والذي قام ببطولته الفنان المصري الشاب كريم محمود عبد العزيز مع نجوم متميزين. او ربما اشتقنا للدراما العاكسة لواقع يعيشه الكثيرون ببساطة حقيقية وتلقائية. أظنننا اشتقنا الى العودة الى بساطة عيشنا بسوئها وخيرها.

مسلسل اسود، تابعت اول حلقتين وريما الحلقة العشرين، وكان من السهل متابعته فلم يجر أي تغيير مهم في العشرين حلقة، أداء مصطنع لدرجة الاستياء من كل من يقومون بأي دور بالمسلسل من البطل الخارق الى كومبارسات.

مسلسل أبو جبل، أضاف للفنان محمد شعبان اناقة لأدواره، واستطاع ببراعة ان يقدم دورا مختلفا عما تعودنا منه خلال المواسم السابقة.

بشكل عام، كانت الدراما المصرية اكثر تفوقا واقرب الى العيون بالاستطابة من نظيرتها السورية واللبنانية. كان هناك شعور ما في العديد من المسلسلات ان الفنانين المصريين استعادوا ثقتهم بادائهم واشكالهم، فلا يوجد هوس الوقوف امام الجمال او التجميل اللبناني، الذي اذى بطريقة محزنة شكل الفنانات السوريات في مغالاة كانت منعكسة على الوجوه واللباس والتعري ان تطلب الامر. محزن جدا كان وضع الدراما السورية هذا العام ، فلا تشبه ما عشناه من دراما ولا تعكس بموضوعية او واقعية ما يجري بسورية.

في المحصلة، بين استفحال الشر بتقمص الأدوار بطريقة بالفعل بشعة، من غادة عبد الرازق ومرة، واخوة والاقربون من محمد شعبان وحسن أبو جبل، وشقة فيصل والاخ الحقير المجرم، وابداع الشر وتشرره في دور ماجد المصري بزلزال، وحقارة ورد الخال بأسود، والاجرام المنهجي بدقيقة صمت، والقتل والمخدرات مع احمد السقا واولاد الغلابة وتغليفه برضى الام من خلال تيم حسن بجب، وانتقام اعمى لسكير قام به قصي وخيانة مغلفة بجمال نادين نجيم مبررة بحارس وسيم وكأن أدوارها دائما مرتبطة برجلين على الأقل يتقاتلان من اجلها. وبين سقوط مفاجئ لهذا الشر وحل لكل المشكلات، فالمطرب يجد فرصته والخياطة تصير مصممة أزياء الملوك وشريكة ارماني، والشرير يستيقظ ويتحول من دموي الى دم سائح…. باتت الدراما تشبه حياتنا على الفيسبوك. حياة واقعية حقيقية بشعة نعيشها وأخرى على الفيسبوك نجملها بصورة مفلترة ونصبغها بجملة فلسفية لعجيبة او فضيلة لا نفهمها ولا ننوي تطبيقها.

وكما بكل عام يتفوق رامز بمقالبه على الجميع….. لأنه يعرف من اين تؤكل الكتف، يصطاد الضحايا ويعرف مسبقا ثمنهم. كأولئك المهرولين من اجل صفقة موصومة بدماء ضحايا لا تنتهي معاناتهم ، الى المنامة من اجل بعض القروش..

ورمضان كريم …او عيد سعيد ….اعتمادا على القطر الذي ينتمي كل منا اليه!

سقطات الإعلام “المسقطة” من الجزيرة الى أمل عرفة

سقطات الإعلام “المسقطة” من الجزيرة الى أمل عرفة

 

 

ما جرى قبل أسابيع مع قناة الجزيرة، عندما بثت القناة تقريرا عن الهولوكوست، أرادت المذيعة من خلاله ربط ما تقوم به إسرائيل من فظائع وجرائم بما حصل أثناء الحكم النازي من فظائع سميت بالهولوكوست. الا ان سقطة مهنية قلبت التقرير على صاحبته وعلى القناة التي تردد دوما شعار الجرأة في عرض أخبارها والحقائق التي تركز وتروج لها. فكان طرح المذيعة للتقرير من خلال سؤال تشكيكي بحصول المحرقة (الهولوكوست) وكذلك التقليل من عدد ضحايا الهولوكوست، خارج من إطار الموضوعية، مما وضع التقرير امام ازمة دقة الحقائق والهدف من التقرير وبالتالي وضعت القناة امام تهمة “اللا سامية” مما اضطر القناة الي سحب وحذف التقرير وتوقيف المذيعة ومن كان وراء بث التقرير.

في الحقيقة، ان التقرير بدا جيدا بالبداية، باستثناء طريقة المذيعة بتقديم الحقائق بطريقة تشككية. فمنذ البداية كان المشاهد يتوقع نتيجة تهكمية تسخر من الحقائق التي بنت الدولة الصهيونية عليها تبريرا لوجودها، وتشكك بها. ما لا نفهمه نحن العرب او الفلسطينيين تحديدا، ان الهولوكوست صار حدثا “مقدسا” بالنسبة لليهود. شأن وجداني أكثر من كونه شأنا سياسيا، على الرغم من انه كان نقطة بداية المشروع الصهيوني. الا انه تحول مع الزمن ليكون أكثر وجدانيا للإنسان العادي لارتباطه بمآسي حقيقية تم اقترافها بحقهم. التهويل امر اخر، لا يعني ان المأساة لم تقترف. فبغض النظر ان كان عدد من قتل كان مليونا او خمسة، فهناك حقيقة ان هناك أناس قد قتلوا وعوائل مسحت وأخرى شردت واختفت. وعليه تكذيب الفعل الاجرامي الذي حدث لا يخدمنا، لأنه بالفعل حدث. وما قام به الصهاينة ليس بغريب، بغض النظر عن التأكيد بأنهم استخدموا المأساة الإنسانية الواقعة على الافراد والجموع من اليهود لأهدافهم الاستعمارية ونزعهم شعبا اخر من مكانه. فالتهويل كان طبيعي في وقت لم تكن وسائل الاعلام متواجدة بهذه الكثافة التي نعيشها اليوم، واستخدام المأساة الواقعة لمآربهم كان طبيعيا، لا أخلاقي بالطبع، ولكن اين الاخلاق بالسياسة؟

نعيش ما اقترفته الصهيونية بحق اليهود واستخدامها للهولوكوست كذريعة يوميا، عندما يتم تهويل المصائب من اجل كسب حزب، او تيار، او حكومة، او جهة، نقاط سياسية في شأن ما. نعيش هذا مع كل شهيد يرتقي، وتتسابق الأحزاب على ضمه الى قائمة “إنجازاتها” من تضحيات الوطن.

بين التهويلات التي يصنعها ويبهرها أصحاب السلطات، وبين وجود مأساة حلت بأفراد بعينهم وجماعات، تكون هذه المأساة هائلة بمصابها وأثرها على أصحابها، تكمن السقطات الإعلامية. فبالنسبة للساسة هذا عملهم… الكذب، والتبهير، والخداع، وصناعة الإنجازات على جثث الشعوب.

وما جرى مع الفنانة السورية امل عرفة شبيها بما جرى مع قناة الجزيرة ومذيعتها. قد يبدو الامر مثيرا للسخرية إذا ما انتبهنا الى وجود كل من امل عرفة والجزيرة على كفي النقيض من المواقف بالأصل. فالجزيرة سخرت نفسها للترويج ضد النظام السوري الحاكم، وكان لها يدا أساسية، بل ذراعا كاملا بمسار الحرب ضد سورية، وما تثيره من تقارير حقيقية ومفبركة على مدار سنوات الحرب، كان موضوع الحلقة التي بثها المسلسل التي تقوم به الفنانة امل عرفة.

قدمت الفنانة امل عرفة لوحة درامية في محاولة للفت الانتباه الى الفبركة التي قامت به جهات إعلامية بالاتفاق مع نشطاء في ساحات الحرب كما رأينا وشاهدنا من قبل الخوذ البيضاء.

فبركة الخوذ البيضاء من خلال الجزيرة او غيرها لمشاهد الحرب والدمار والقتل والدم، لا يعني ان المجازر لم ترتكب، وان الضحايا لم تقع. فمئات الالاف ان لم يكن الملايين قد راحوا ضحية للحرب بسورية. وما قامت به الخوذ البيضاء من تهويل يشبه ما قامت به الصهيونية من تهويل للمجازر النازية ضد اليهود. ولكن يبقى السؤال المهم: هل هناك ضحايا؟ والجواب للسؤال هو نعم. وعليه، فليس من حق أحدنا ان يكذب الجرائم المرتكبة.

نعيش هذا دائما في واقعنا الفلسطيني منذ جريمة قتل محمد الدرة ومحاولة الكيان الصهيوني فبركة القصة أحيانا، بجعل الوالد والابن يهودا قتلوا، او تكذيب القصة وتحويل الضحية الى اثم لم يترك مجالا لقناصه الا لقتله.

عندما تنال قذائف الدمار الإسرائيلي من مباني غزة فتأخذ معها الضحايا من أطفال وامهات واباء وعابري سبيل، وتحول إسرائيل الترويج بأن ذلك المبنى كان لعسكريين من حماس.

عندما تفنى عائلات وتمسح من الوجود في مشاهد الحرب المتكررة على غزة، بين إحصاء للضحايا قد يكون مبالغا فيه أحيانا، وبين استخدام إسرائيل هذا التهويل حجة، تتشابه الوقائع.

ما جرى مع امل عرفة، بينما كانت تحاول تسليط الضوء على كذب الخوذ البيضاء وامثالهم، جعلها تبدو وكأنها تسخر من الضحايا وجعلت الامر يبدو وكأنه كله لعبة او مؤامرة من هؤلاء. وكأن الضحايا لم تباد أصلا، وكأن الامر عاديا الا من فبركة هؤلاء.

اعترفت امل عرفة بسقطتها واعتذرت. وهذا ما توجب. فهي كما ذكرت، تعرف معنى الفقدان والخسارة. فكيف يكون شعور الفاقد لعزيز او غالي عندما يروج أحدهم ان ذلك الفقدان كان كذبة.

نعم الخوذ البيضاء مجرمين. كما الحركة الصهيونية مجرمة. هؤلاء وامثالهم يستخدمون دم الشعوب وجثث الضحايا لخدمة مصالح مدمرة في مكان ما اخر.

جرائم الخوذ البيضاء في حق الشعب السوري لا تسقط جرائم النظام السوري في حق الشعب السوري.

وجرائم النازية في حق الشعب اليهودي لا تسقط جريمة الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني.

بيان وزير العدل السابق بشأن الرواتب: عندما يصبح العذر أقبح من الذنب

بيان وزير العدل السابق بشأن رواتب الوزراء: ” عندما يصبح العذر أقبح من الذنب”

 

الحقيقة، ان الوضع مزري لدرجة تجعل من السكوت فضيلة. فماذا يمكن ان يقال في هكذا وضع يتم الاثبات بما أصبح ممنهج، نهب السلطة للشعب؟

وربما، نتحمل نحن الشعب مغبة ما يحدث من احباطات تقع على رؤوسنا من قبل هذه السلطة بمؤسساتها المختلفة، لأننا ساكتين عما يجري. فنحن في سكوتنا شياطين خرساء.

وبين ان يكون السكوت فضيلة وبين كونه فعل شيطاني، أتى بيان وزير العدل السابق بشأن التبرير لأحقيته وغفير الوزراء بتلك الزيادات، موضحا ما بدا جرما في اقترافه، إذا ما كان الفعل كما وضح شرعيا وقانونيا، حيث ان الزيادة تمت بمرسوم رئاسي وبخطوات قانونية.

قدم وزير العدل السابق بيانه بصفته محامي دفاع أكثر من كونه وزير- بالأصل -خادم عام- وكأن البيان يصدر من وزير سويسري يدافع عن حقه وزملائه بالعلاوات الاعتيادية المصاحبة لغلاء المعيشة.

اين كان الوزير عندما خرج الناس في تظاهرات الضمان الاجتماعي؟

اين كان في مظاهرات المعلمين المطالبين بزيادات قروش على معاشاتهم الشحيحة؟

اين هو من الموظفين المصطفين على امل نزول الراتب امام الصراف الالي من اجل نصف معاش؟

كيف يقبل الخادم العام على نفسه ويحارب من اجل حقه بينما يحجب وجهه سمعا ونظرا ونطقا عن إعطاء الحق العام للشعب. اين حق غلاء المعيشة للمواطن؟

كيف سمح وزير العدل ان يتضاعف راتبه لأكثر من نسبة مئة بالمئة بينما لم نسمع كلمة له ولم نر بيانا يعترف فيه بحق المعلمين في زيادة الأجور وفي رفض المجتمع لمشروع الضمان الاجتماعي؟

هل هكذا يتم احتساب العدل في شريعة السلطة الفلسطينية؟

في البيان الطويل الذي قدمه الوزير السابق، استطاع فيه ان يقدم تبريرات عبر فيها فقط، عن صدق مقولة “عذر أقبح من ذنب”.

في وقت تتراكم التسريبات بشأن فساد الوزراء السابقين (جمعا)، وبلا شك الحاليين، لأن الفساد الذي بدأه السابقون بتجاوزاتهم على المال العام لا يزال مستمر بالوزارات الحالية. مسكوت عنه اخر، لا يريد أي وزير حالي او سابق الكلام عنه (الا من كان خارجا عن السرب فلم يبق أصلا على رأس وزارة، او بالأحرى تم التخلص من كل الوزارة). ما نشاهده من تسريبات لبدل الايجار في وقت لا اظن هناك وزير لا يملك عقارا، ومع هذا لا يتوانى الانسان منهم على نهب المال العام وادراجه في رصيده، معتبرا ان هذا المال العام خاصا له. وموضوع السيارات موضوع اخر متكرر. والنثريات والتجاوزات وما نعرفه ولا نعرفه من خفايا الفساد المستشري بمؤسسات السلطة.

يعود بيان الوزير السابق ليضرب الطنين في اذني، هل رأى الوزير في بيانه الدبلوماسي علاقة بين خطة الحكومة المعلن عنها بشأن التقشف وبين زيادة معاشات الوزراء؟

قد يستمر كلامي وتساؤلاتي بنهج التهكم، ولكنه بالتأكيد الم يعتصر القلب عندما نجد أنفسنا مستمرين بهكذا واقع مفروض علينا، وشعور بالتقزز كلما فكرت كيف سمح هؤلاء لأنفسهم ان ينهبوا المال العام بينما تنزل العالم الى الشوارع مطالبة بحقوق يمكن سدها بجزء قليل من تلك التجاوزات التي سمحوا بها لأنفسهم على حساب لقمة الشعب وقوته.

تتحول السلطة يوميا، وبكافة أجهزتها ومؤسساتها الى عدو للإنسان الفلسطيني العادي. فتجاوزات الوزارات والفساد المستفحل في كل مرافق الحياة السياسية، اقترب الى مرحلة من الممكن ان يساوم الفرد فيها على بيته ورزقه ولقمته. الحقيقة انه قد وصل… لم يبق لدى السلطة الا ان تأخذ الشعب فردا فردا وتطحنه في ماكينة ما وتبيعه سمادا لمن يحتاج لسماد عضوي من تجار البشر والحجر، او تنهشه اذا ما جاعت.

حالة الاحتقان المتزايدة لدى الشارع مع كل فضيحة فساد جديدة، مرتبطة بتفاقم الفساد من حالة خاصة استثنائية متكررة ما، الى حالة جمعية من الفساد الذي نراه الآن في تسريبات المعاشات والسيارات والايجارات. فالرقم يضرب بعشرين، وليس لمرة واحدة او لفترة محددة، بل أبدي ويتم توريثه. وكل هذا من حساب الشعب. من قوته ومن رزقه ومن حقوقه.

ولكن هكذا تكون الحال… عندما نصل الى مرحلة ” ان لم تستح فافعل ما شئت”.

جزء مؤلم من حكاية” أم ببساطة حقيقة لواقع أليم

جزء مؤلم من حكاية” أم ببساطة حقيقة لواقع أليم

 

 

أمير تاج السر، الكاتب السوداني الرائع، رافقني على مدار شهور برواية رائعة بمذاق قلمه، مؤلمة بمرارة الحبر إذا ما خدع على غلاف الرواية، إذا ما خدع الناظر بين دم مفترض او شرابا أحمرا حلوا.

منذ أن بدأت القراءة المسموعة وقلت قراءاتي الورقية، وصرت أكثر انتقائية وحذرا في القراءة.

“جزء مؤلم من حكاية” هي الرواية الثانية التي أقرأها للكاتب السوداني الكبير. الرواية الأولى كانت مرشحة بجائزة البوكر وكانت حازت على المرتبة الثانية في القائمة القصيرة في العام الماضي. كانت تلك المرة الثانية التي اطرح على نفسي سؤال: كيف يتم اختيار الروايات الفائزة في هكذا جوائز؟ فعندما تقف امام رواية بحجم هذه الرواية، وترى رواية أخرى تفوز بينما لا تقترب حتى من قوة هكذا رواية في حبكة او صياغة او ترابط او غنى معاني وتعابير. ليس من السهل ان يصل الكاتب الى مرحلة يصبح فيها اديبا. وما قدمه امير تاج السر في تلك الرواية كان أدبا خالصا.

صادفت قراءتي لهذه الرواية، في وقت حازت رواية “سيدات القمر” على جائزة البوكر مان العالمية. ووقفت امام نفسي مرة أخرى بالتساؤل عن معايير اختيار الروايات لهذه الجوائز. أعترف انني أصل تدريجيا الى أزمة صريحة امام نفسي مع الفكرة الاستشراقية بكل ما نحيا. فالموضوع يصبح بمعاييره مرتبط بما يريد الغرب المستشرق من شكل للشرق بالأدب في هذا الصدد. فهل مصادفة اختيار الأقل جودة وصياغة وابداعا وترابطا وعاكسا او معبرا للواقع ومترجما او ناقلا للثقافة العربية من قبل هذه الجوائز، سواء كان موقعها بالشرق او بالغرب؟

على الاعتراف أيضا ان الذائقة الأدبية متفاوتة، ما يعجبني ليس بالضرورة رائق لذائقة غيري في القراءة. ولكن تبدو لي الازمة فيما يحصل من اختيار روايات في هكذا جوائز مريب وخطر للمستقبل. فهذه الاعمال ومن يقدمونها، سيكونون جزء من تاريخنا بعد سنوات طويلة. عندما نغيب كشعوب حالية عن الوجود، ستبقى هذه الاعمال لتقدمنا وتعكس ما كان حالنا عليه. وما يبدو ممنهج هنا، هو ما يقوم فيه الغرب بفكره الاستشراقي تثبيته ليصبح هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن اعتمادها بالمستقبل.

ما يجري من حروب في الشرق تطول الحجر والتراث والحضارات التي بقيت للآلاف السنين قبل ان تطال الانسان وتشرده الى المحيطات وما وراء البحار تبدو أكثر من خطة حرب يراد فيها فقط الاستيلاء على خيرات الشرق من نفط وغاز وموقع استراتيجي للتجارة والنقل. هناك ارث حضاري يتم تصفيته منذ بدء الحرب على أفغانستان مرورا بالعراق وسوريا والسودان ووصولا الى اليمن، ومحاولات لا تتوقف لانهيار إيران. فهذه البلدان ليست مجرد بلاد نفط وغاز او نزاعات للأصوليين والدكتاتوريات. هذه بلاد صنعت فيها حضارات شكلت ماهية العالم المتحضر في وقت لم يكن الغرب فيها أكثر من متسكع تائه غير فاعل في ملكوت الكون.

من اجل هذا على من يرون الصورة بأبعاد أخرى- ليست بالضرورة هي الصورة الصحيحة، ولكنها محتملة كغيرها من الصور والفرضيات- ان يتمسك بأصول الخير فيما نملكه هنا في الشرق.

في رواية “جزء مؤلم من حكاية”، قدم امير تاج السر ما هو اشبه بالعبقرية في خلق واقع متخيل من مدينة او مملكة، تحمل القارئ للتساؤل وربطها في مدينة او مملكة حقيقية نعيشها هنا. تحملنا من زمن بعيد كما هيأ لنا الكاتب في حبكتها، الا انها تعاصر تفاصيل حياتنا اليوم. فإذا ما كان الواقع المتخيل لرواية أديبنا كانت في القرن الثامن عشر، فلم يتغير من ذلك الواقع في حقيقته اليوم في القرن الواحد وعشرين شيئا الا تفاصيل العصر الحالي.

“مرحلي” القاتل المأجور الذي ينفذ بلا سؤال، وتعلم التعايش والاستئناس مع اشباح ضحاياه الذين لا يعرفهم. ” ديباج” العقل المدبر لجرائم يفترض انها قادمة وفق أوامر ومصادر أخرى، تجعلك كما تجعل “مرحلي” يظن ان هناك عصابة او جماعة متنفذة تقوم بقرار الاغتيالات. مجتمع عاهرات قذرات كانعكاس وحيد لما هو متاح، فقر يجعل من العدم أملا، ومن القاذورات وطنا، ومن معتدي على الأطفال عته، صاحب وسام الخلود من الملك. أساطير وأشباح تحط على القاتل المأجور ولا تقترب من المؤجر، فهو يبقى دائما بريئا بعيدا عن الشبهات حتى ولو كان اسمه في “قائمة الحقراء”.

تنتهي الحكاية بحقيقة موجعة ل “مرحلي” الذي رغم الشكوك وعدم الراحة وصحوة الضمير الغائب وظهور الاشباح وتعدد الإشارات والتنبيهات، بتنفيذ مهمة أخيرة طلبها منه “ديباج” تنتهي بالتخلص منه لأن قاتلا أفضل منه، متعدد المواهب ويطيع فورا وبلا تردد اثبت ولاءه الكامل. والاهم من كل هذا استرداده لما دفعه من اجر على مدار العقود!

” مرحلي يا اخ.. انت شخص جيد.. صدقني جيد ومخبول وغريب وغبي من طراز محبب. طراز نادر، انت في الحقيقة اذكى غبي أصادفه.

أنا أقول ذلك واكرره، لكن دائما هناك ما هو اجود من الجيد، وأفضل من الأفضل نفسه، وأكرم وانقى من الكريم والنقي، هناك شجرة مانجو تثمر بطريقة رائعة، وشجرة مانجو أخرى تثمر بطريقة أروع.. هناك نملة مجتهدة في لم قوتها، ونملة ثانية مجتهدة في لم قوتها، وقوت اخريات. هناك امرأة فائقة الجمال وامرأة تفوق فائقة الجمال، وانت تعرف ان كثيرا من الحيل التي تمتلكها وامتلكتها طيلة تلك السنوات، كانت ممتازة، خدمت جنوني، لكن ذلك لا يكفي.

كانت تأتيك رسائل للمهمات، وتنفذها بلا ابطاء، وتسأل أحيانا…واقول لك دائما، بكل بساطة: لا اعرف. لا اعرف يا اخ.. اقسم لك لا اعرف.

في الحقيقة لا يوجد سبب على الاطلاق، ولا يوجد أصلا من يدفع لي او لك لتسرق الروح من أحد، هو خطي الذي اجيد التحوير فيه. كما اريد، من دون أي مشكلة هي دنانيري التي املكها واعيرك إياها فقط، واعرف أني سأستردها ذات يوم وقد استرددتها فعلا، استرددتها اضعافا….

ستسأل. لماذا اختار أشخاصا مسالمين او حتى أشرارا، وادفع لقتلهم؟

لا سبب واضحا حتى لدي انا……”

جزء مؤلم من حقيقة نستمر بعيشها من أجل “اخ” يبيعنا الدنيا بوهم خادع كبير، معتمد على طمعنا وضعف نفوسنا من اجل بعض الدراهم التي نكتنزها او نسرف باستخدامها لما ينصحنا هو به او من اجل ان يأخذها منا من جديد برغبة او بخديعة لن يتردد بأن تكون روحنا هي ثمنها.

أزمة الرواتب الوزارية : مسؤولية وزير ام رئيس؟

أزمة الرواتب الوزارية: مسؤولية وزير ام الرئيس ؟

فشل نتانياهو بتشكيل حكومة جديدة بعد فوزه ( بتزكية رئيس دولته) بالانتخابات الاسرائيلية الاخيرة ، اثر معركة سياسية على المقاعد والوزارات استأسد فيها ليبرمان، وزير حرب حكومة نتانياهو السابق ، واراد هذه المرة ان يصبح نائبا لرئيس الحكومة مع حفظ خمس مقاعد لحزبه. لا يمكن عدم التنويه هنا الى ‘فكرة’ ليبرمان التي تجعل منه دائما مثل حصان طروادة في كل انتخابات . يبدو ان ضغوطه على نتانياهو هذه المرة كانت ستكلف نتايناهو بالاضافة الى خسارة معسكر اليمين الديني المتطرف والمستوطنين، أدت كذلك الى شرخ ظهر في داخل حزب الليكود .

من المزعج بصراحة الخوض في موضوع الانتخابات الاسرائيلية ، والسياسة الاسرائيلية . من المزعج التكلم عن فسادهم وعن قوانينهم وعن انتخاباتهم المتتالية وعن مشاكلهم وسيادة القانون عندهم . لانه بالمقابل ، يوجد -عندنا- والعندنا فارغ من كل شيء ، الا ارتدادات أصواتنا . فعندنا فساد لا يقابله سيادة قانون . عندنا حكومات لا يقابلها انتخابات تشرع وجودها . عندنا نزاعات وحروب سياسية لا تتعدى المكاسب فيها اكثر من تحصيلات يحصدها فرد بعينه. وفي نهاية كل أزمة تتصدر التجاوزات كلام الشارع، فيخرج الأب الرئيس ليحلها وينهي المسألة، مرضيا بها افواه الشعب المعرضة لان تثور.

لا اعرف ان كان للكلام اثر ممكن . ولم اعد اعرف كذلك ان كان هناك اي حل ممكن تقديمه لأي مسألة يتم طرحها . هل السبب هو استفحال الفساد لدرجة صارت شراييننا تضخ بدل الدم فساد يبقينا على قيد هذا الامر المعاش؟

فلم يعد للقضايا المهمة تعريف ولم يعد معروف ما هو المهم والأهم : كل ما يجري في حياتنا الفلسطينية ما هو ارتداد لأصوات تحمل في طياتها غضب وسخط كامن لا نعرف ان كان من الممكن ان يتحول لغضب جارف يبطل في يوم ما سطوة هذه السلطة .

لم يعد ارتقاء شهيد بنيران الاحتلال على الحواجز في أواخر رمضان اكثر من تعطيل لفرصة المرور من الحاجز للقدس… والتبضع في الأسواق الاسرائيلية بحجة الصلاة في الأقصى!

لم يعد الغش في اللحوم من قبل تاجر كبير اكثر او اقل كارثية من غش الحزب في شراء وتوزيع أموال الصدقات من اجل الفقراء.

بينما تغير اسرائيل حكومات وتسقط وزراء ، وتكيد المكائد صوب الشرق ومع الغرب، تتوقف حياتنا نحو توافه الأمور لنجعلها الأهم .

موضوع رواتب الوزراء وسياراتهم ومواكب المستحقات التي تتكشف لنا بعدكل هفوة او استياء من شخص كان مهما في تركيبة السلطة ولم يعد. ما المفاجيء في رواتب الوزراء ولماذا لم تتكشف هذه المعلومات التي كان من المفترض ان تكون عامة الى الان ؟ أين منظمات المراقبة وشبكات الشفافية ولجان الفساد؟ لماذا كل هذا الهجوم على ما اقترفه رئيس الوزراء السابق وكأنه كان منفردا بالسلطة والأب الروحي للفساد ؟

أين كان الشعب بينما كانت المواكب تجول أمام نظره والوزراء يتصرفون وكانهم وزراء دول حقيقية . أين كان وزير المالية السابق الحالي؟

الأهم من كل هذا هو سؤال جوابه واضح، من هو المسؤول الحقيقي عن التجاوزات المتكررة ؟ هل هي مشكلة تقع على عاتق شخص رئيس الوزراء بذاته وحكومته السابقة؟ لماذا لم نسمع اعتراض ولم نعرف عن هذا التجاوز في حينه، في وقت ضاجت الشوارع فيه من اجل قانون الضمان الاجتماعي وحقوق المعلمين . كم يبدو الامر هزليا، حيث انه تم الاستهزاء بهذا الشعب الذي ثارت ثائرته ولم تهدأ من اجل بعض الشواكل من المحفزات ورفضها ، وكان الوزراء في المقابل يجلسون فيما بينهم ليخرجوا بطريقة تضاعف من رواتبهم بالاف الدولارات.

ما أعلن عنه الدكتور رامي الحمدلله بالأمس عن الوضع يؤكد انه لم يكن صاحب القرار في هذا الامر، بل جاء القرار بناء على مرسوم او قرار الرئيس. وبين ما تكلم فيه الوزير السابق شوقي العيسة وبين ما جرى بالفعل ، يبدو ان الامر قد خرج الى ما هو أسوأ من طلب وزراء بما يرونه حقهم بزيادة المعاش من خلال طاولة اجتماع مجلس الوزراء الى ذهابهم الى الرئيس مباشرة لطلب الزيادة ، والأب الرئيس هو من يستطيع العطاء … ويعطي… ولانه كان صاحب اليد العليا في القرار فكان له قرار سحب هذه الزيادات الان.

فهل الرئيس مشكورا كان عادلا وأعاد الحق الى نصابه؟

التعيينات في كافة المناصب السلطوية التي تصدر بمرسوم رئاسي ، التجاوزات، الاستحقاقات، الدفعات، وغيرها من الأمور الكثيرة التي تأتي لنا على هيئة تسريبات، ليست الا قشور مأساة حقيقية نعيشها لا عنوان لها الا استفحال الفساد .

من السهل لوم حكومة رامي الحمدلله اليوم وتحميلها إخفاقات ونعتها بالفاسدة. واليوم ليس بغريب عن امس صار فيه سلام فياض بؤرة الفساد عند انتهاء ولايته( المؤقتة والانتقالية) ،وغدا سيكون محمد شتية حاملا لعبء فساد مستشري اخر واكبر لما تبقى من مص دماء هذا الشعب.

المشكلة ليست برئيس وزراء ووزراء(مؤقتون وانتقاليون) ، او بأعضاء سلطات عليا من اصحاب النخبة الحاكمة (دائمون يفتشون عن سر التحنيط ليضمنوا الأبدية).المشكلة الحقيقية عند الرئيس ، الذي لا يزال يتمتع بشرعية بسبب حجبه للانتخابات التي لم يعد اصلا هناك امل في انعقادها ، الا على هيئة انتخابات مجالس طلاب جامعية.

المشكلة بنظام فسد من الرأس حتى القدم ، فالرئيس في تجاوزاته المستمرة بصناعة قوانين وقرارت حسب مصالح شخص او أشخاص بعينهم، أوصل الشعب لدرجة يسطيع فيها كل متمكن من زيارة الرئيس الى الخروج من مكتبه بمرسوم به قرار لمصلحة ما . وكان الشعب ومصالحه تتجلى بهولاء. كان هؤلاء هم الشعب …. او ربما يعتقد الرئيس ان هؤلاء هم الشعب …. فيده تطول لتعطي ، ولسانه يحكم ليحجب ما يريد .

الرئيس يعطي والرئيس ياخذ… لم لا وهو الأب الرئيس. فالأب حق العطاء والأخذ وللولدان حق الطاعة والخنوع والشكر والحمد.

اذا ما كان الرأس فاسد ، فالقدم التي تحمل هذا الجسد فاسدة كذلك…

المشكلة لا تنحصر في رئيس وجالية مقربة ومنتفعة، المشكلة في شعب لا يرى بهذا الفساد الا فرصة اخرى متكررة لإخراج سموم دمامل طفحت من الجسد ، بلا تفكير بان الدمامل ليست الا عوارض مرض قاتل لا يتم استئصاله بالتخلص من دمل.

المشكلة الحقيقية تعيدنا دائما الى الرئيس . فهو الذي يصدر هذه القرارات ، على اعتبار انه صانع القرار وصاحبه- وهو كذلك- فهو الأب- وللأب حق على الرعيةوالولدان! وهو الذي يبطل القرارات او يجمدها عندما تطفح الدمامل الى الى الوجه!

الصحافة: الرأي والرأي الاخر، ام رأيي او هدر الدم؟

الصحافة: الرأي والرأي الاخر، ام رأيي او هدر الدم؟

 

لم أكن أتوقع ان يأخذ منشور قام بنشره أحد الصحافيين الفلسطينيين على صفحته، ناقلا منشورا لزميلة إعلامية تعبر من خلاله عن رأيها بشأن قضية العدل والمساواة بموضوع المرأة وطرحه الإسلامي، أن يأخذ هذا الكم من الاهتمام، كونه لم يخرج عن استخدامه لبعض العبارات الغاضبة المستاءة وتحويله للموضوع وكأنه حرب الله على الشيطان.

قررت ان الموضوع لا يستوجب الرد، لأنه لا يمكن ان نرد على التزمت بالتزمت. وكون التعليق الوارد من الصحافي مجرد تعليق يعبر عن شخصية شوفينية تحتقر المرأة ربما. ولكني تفاجأت من الهجوم الذي وقع على الصحافية التي نقل عنها المنشور بطريقة همجية داعشية. وكيف لا، فالمرأة تطرقت الى موقف الإسلام من العدل تجاه المرأة. فنتحول شعوب العوام الى ابواق تحارب من اجل حق يجب ان يدحض الباطل فقط عن طريق القتل والسفح. لغة مرعبة تذكرنا فقط بداعش واخوانها من تابعي الظلام والفتنة في مجتمعاتنا.

في ساعات قليلة، انتهى الموضوع من كونه وجهة نظر ما، يحتمل صوابها كما يحتمل خطئها. لم تصدر في المنشور ككلمة مسيئة واحدة او إشارة لكفر او الحاد. كان هناك تساؤلا حقيقيا لأمر نعيشه يوميا وعلى مدار العقود والقرون من ظلم لوضع المرأة تحت حماية “كلام الله”. فلا تفكر ولا تعقل ولا تساؤل. اتباع اعمى لما يريده سلطان الدين أيا كان.

القرآن الكريم لم ينزل على الرسول محمد عليه الصلاة والسلام من اجل ان يكون طلاسم. لم يأتي النبي برسالته لينغلق الانسان عل نفسه وان يتحول من عبودية الاصنام الى عبودية كتاب او شخص او فكرة.

لماذا علينا ان نعيش بترهيب تحت اسم دين جاء ليكون مفتاحا للفكر في زمن ملأته الظلمات والعادات الوثنية والظلم؟ لماذا نصر ان نجعل من الإسلام ظلم وظلام في وقت جاءت رسالته للعدل والنور؟

القرآن الكريم لم ينزل علينا بلغة مستحيلة الفهم او صعبة لا يمكن استيعابها. نزل في زمنين للرسالة الإسلامية بين مكية ومدنية، تجعل من تناوله للمواضيع تختلف وتتشكل على حسب الزمان والمكان والحاجة. كانت فكرة “امركم شورى بينكم”، وفكرة ” التفكر” هي مفتاح الإسلام في نهضته واقناعه للعالمين.

كيف وصلنا الى هذا الزمن ولا نزال نصر بأن نمسك من الكلام فقط ما تعودنا على ترديده وحفظه؟ ألم يرد منا الرسول الكريم ان نتفكر بما نزل عليه من آيات ونتساءل ونعترض؟

الإسلام دين السلم فكيف تحول الى ما نراه اليوم من داعش؟

داعش ليست أولئك المجرمون الملتحون المختبئون وراء أجهزة مخابرات الامبريالية لتفكيك الشرق والتخلص من الحضارات الاصيلة لهذا العالم، بل هي ما يختلج من أفكار مليئة بالكره والتزمت ووصد العقول بأفكار متحجرة، وتبث بالعروق دما صدئا وتنشر بالنفوس هواء متعفنا، يحجبنا عن النور الذي جاءنا الإسلام من اجله.

ما المشكلة في التشكيك وابداء الرأي الاخر؟

ما المشكلة في طرح أمور يراها البعض منا إشكالية؟

لماذا يجب ان تسقط الأصوات الأخرى وتحرق وتقتل وتدان، في وقت نعيش فيه زيف من يلبسون عباءات الدين؟

في الأزمنة السابقة لسنين ليست بعيدة، كانت الوسائل المتاحة محدودة. لم تكن المعلومات ممكنة الوصول اليها كما اليوم. كانت كلمات هذا مقابل ذاك لا يعرف الجواب عليها الا كتب على رفوف المكتبات التي لا يصلها الا العارف. اليوم وفي كبسة زر او لمسة شاشة نستطيع الوصول الى أي معلومة تخطر في بالنا نود فهمها أكثر والتبحر في أصولها إذا ما أردنا. فالعلم والمعلومة كما الدين لم تعد في يد صاحب علم بذاته.

الانسان المسلم اليوم وصل الى درجة من التطرف في تزمته او إلحاده غير مسبوقة. شباب بعمر الورود يتكلمون بالإلحاد ويسعون اليه. وليس هذا بغريب في وقت أصبح ما يمثل الدين نهج داعش.

لم ننس بعد جرائم سطرت مأساة وضعنا كأمة عربية، فبالأمس القريب قتل المفكر الأردني ناهض الحتر، كما هدر دم فرج فودة ونصر حامد أبو زيد. الا نسأل جميعنا اليوم أسئلة فرج فودة ونصر حامد أبو زيد؟ الا نسعى للإجابة على ما يخالجنا من أفكار وراء من يلبسون رداء الدين من عمرو خالد وعائض القرني وصولا الى الهباش؟  هل هؤلاء بالفعل من ائتمنهم الله بعد رسوله على رسالته للعالمين؟

عائض القرني باع الملايين من نسخ كتاب سرقه ولا يزال الكثيرون يتمسكون ب “لا تحزن”. بايع بن سلمان كولي الله ولم نسمع افواه تعترض ولا بوستات تهجم كما تم الهجوم بالأمس على الصحافية ناهد أبو طعيمه. لم تنقل كلمات مسيئة ولم تسرق معلومة وتنسبها الى نفسها ولم تكفر ولم تشكك. وافقت على تساؤل رجل بشأن موضوع حقوق المرأة في الإسلام – القرآن.

ولأني لا اريد الاختباء وراء هجوم، اعترف انني لوهلة خفت التصدي له، أني اتفق مع ما صدر من كلام في ذلك المنشور بشأن وضع المرأة وغياب العدل والمساواة في شأنها بالإسلام، وما ورد بالقرآن ليس منصفا للمرأة. والمشكلة ليست بالقرآن، ولكن المشكلة والمصيبة فيمن يفسرون القرآن ويسنون الشريعة وكأنهم وكلاء الله بعد الرسول على الأرض. وطبعا، لن يعترف العالم المتزمت بامرأة غير متحجبة لتتكلم عن الدين، حتى ولو كانت هذه المرأة متخصصة بالدراسات الإسلامية من فلسفة وقانون وابحاثها تتركز على شأن المرأة. لأن المرأة في قولها كما عبر الأخ الصحافي في منشوره لا تشكل في كلامها أكثر من “صيام نسوان”.

فلا لتكميم الأصوات تحت ذرائع البطريركية المتبجحة الملتحية المستخدمة لكلام الله تمائم وصكوك غفران تزيد من الظلم وتنشر الفتن وتحث على العنف .

سلاح الحق هو القوة: اليورو فيجين وانقلاب السحر على الساحر من فريق هاتاري الى تامر نفار و”راجع عالبيت”

 

 

 

 

لن تكون الكلمات مجرد تناثر لرذاذ في الهواء، فهناك ما هو للحق من قوة لا تستطيع ان تتغلب عليها قوى الظلام ولا الشر مجتمعة.

قوة تمسح في لحظات الخنوع والخوف والمسوخ لتجعل للحق شكلا لا يكون الجنس ولا العرق ولا الميول ولا اللون الا وسيلة لتحقيقه.

هذا ما واردني من مشاعر منذ جاء اليوم المنتظر من “خطيئة” مسابقة الاغنية “اليورو فيجين” واستضافته في إسرائيل.

عندما قامت “عربية” باسم لوسي أيوب بتقديم اغنية الشارة للمسابقة الدولية بترويج لإسرائيل على انها دولة السلم والسلام، وانتهاء باغنية تامر نفار “راجع عالبيت” بذكرى النكبة.

في وقت تزامن فيه اعلان المحاكم الألمانية تجريم حركة مقاطعة إسرائيل، جاء ما كان من المفترض ان يكون دعما موصولا لإسرائيل من استضافة المهرجان العربي ليؤكد ان نيران الظلم لا يمكن الا ان تصبح في يوم رمادا ليتطاير في عيون الظالمين والخانعين.

تكاثفت جهود كثيرة من اجل ادحاض هذا المهرجان وكسر جماح تبجح إسرائيل في وقت تزامن معه اعتداء سلطات الاحتلال العسكرية على غزة. فكان الرد الأول من قبل مجموعة فلسطينية بادرت بعمل بديل للمهرجان، قاده فنانين شباب مثل بشار مراد وتامر نفار. لم تكف حركة المقاطعة من الحث على عدم المشاركة في المهرجان، ولكن كان الفريق الأيسلندي بمثابة القطعة الثلجية التي تدحرجت لتتفجر في لهيب المهرجان عند استغلالهم للحظة اعلان النتائج ليخرجوا بأعلام فلسطينية بقلب القاعة المليئة بمناصري الصهيونية. قد يكون الفعل رمزي للبعض، وقد يكون بلا أي أهمية، لان وجودهم كان فيه من الاعتراف بدولة الاحتلال، داعما لهم بكل تأكيد. الا ان ما قاموا به، كان دليلا أكيدا على ان الحراك نحو مقاطعة إسرائيل، يسير على خطى جيدة، فليس المطلوب ان يكون الانسان جزء من حركة المقاطعة، وليس من الضروري ان ينهج وفق قواعدها. يكفي ان يكون الانسان في موضعه رسولا لدحض الظلم واعلاء كلمة الحق.

قد يدخلنا النقاش الى دائرة مغلقة من الجدوى او عدمها، كما النقاش في شأن مشاركة الفلسطينيين بانتخابات الإسرائيلية. كجدوى ان يكون الفلسطيني نائبا في الكنيست ليدحض سياساتهم ام ليكون بيدقا يحركونه وفق مصالحهم. الا ان ما جرى باليورو فيجين هذا العام، يؤكد ان الاحرار في العالم متواجدون، وان القضية الفلسطينية قضية عادلة، بالرغم من سوء ادارتها من قبل الساسة الفلسطينيين.

الدرس الذي يجب ان نتعلمه هنا، ان الوسائل من الممكن ان تختلف في نهجها او طرحها او ممارستها. لا اريد الدخول بفتوى “شدة” او “صرامة” حركة المقاطعة، التي يجب ان تستمر في نهجها، ولكن يجب ان تستوعب أيضا، ان الحراك من اجل دعم القضية الفلسطينية ليس مقتصرا عليها ولها. فهناك من يؤمنون بنصر القضية الفلسطينية بطرقهم الخاصة. قد نختلف في كيفية رؤية الأمور، ولكن، هنا نرى ان في هذا الموضوع، هناك اختلاف للطرح كليا من قبل الفنانين. فليس بغريب طرح الفريق الايسلندي من حيث المشاركة بأغنية كانت كلماته ضد الاحتلال ومن ثم رفع العلم الفلسطيني، كما مشاركة تامر نفاع في المهرجان البديل “جلوبال فيجين” تزامنا مع اغنية ” راجع عالبيت”

قد تكون أدوات هؤلاء الفنانين مختلفة تماما عما نفهمه نحن الجيل “الاقدم” والمختلف ثقافيا ربما، واجتماعيا عن هؤلاء الشباب، الذين يرون الدنيا وقضاياها بمنظار مختلف. وسواء اعجبنا نهجهم او فنهم او كلماتهم او اشكالهم ام لم تعجبنا، فهم أصحاب طاقات مؤثرة تخدم في حالاتهم المختلفة قضيتنا، لأنهم بالفعل يؤمنون بأن هناك حق لا بد بالمطالبة به كما بكلمات اغنية مغني الراب الفلسطيني تامر نفار، وباطل لا بد من ضحده والاستياء منه كما في كلمات الفريق الايسلندي.

في سياق اخر، سحبت قناة الجزيرة-أي جي + فيديو تم نشره على قناتها العربية قبل أيام عن الهولوكوست بعد انتقادات شاسعة كسرت الانترنت باتهام القناة بالا سامية. الامر الذي جعلني أفكر بجدية احتياجنا كعرب وكفلسطينيين بدراسة حقيقية لما هو مجدي استخدامه من اجل التركيز ونصرة القضية الفلسطينية. فبين ما قامت به الجزيرة من تقرير يحاول فيه دحض الهولوكوست (او هكذا تم الترويج للأمر من قبل الحراك الصهيوني) وبين ما قام به الفنانون الفلسطينيون كما بأغنية تامر نفار للجلو بل فيجين، تبقى الحاجة للتفكير بما نحتاج اليه من تغيير في دفاعنا ومناصرتنا لقضيتنا، بعيدا ربما بقدر المستطاع عما تم التعود عليه من أساليب دفاع وهجوم لم تعد مفيدة. لربما نحتاج ان نركز على المستقبل بينما نتمسك بحقنا، كل ما يعرف وما يفهم وما يستطيع ان يقدمه من اجل قضيته، بلا محدودات تفرضها سياسة او أحزاب.

لأن الرجوع للبيت حق…. لا يمكن المساومة عليه مهما طال الزمن واستبد الظلم وسرقت الحقوق.

 

“راجع عالبيت.. انا راجع عالبيت

وين ما بقدر اغسل غبار الوقت عن ايدي…

انا راجع عالبيت

لو تسحب الأرض من تحت اجري

انا بوقع لفوق

بطفي الضي بغمي عيني بوقع في البيت

من ناحيتي الدنيا تتطربق من تحتها لفوقها

المفروض إني أصل البيت

اشلح الضجة وما اسمع صوتها

المفروض انعزل من الفوضى

واني اصغي لأجمل نوتا

صوت مفتاحي يلف القفل

والمفتاح يلف يلف يلف

ولكن في اشي ناقص

فيش بيت بدونك

بحط المفتاح بالقفل

والمفتاح يلف

لكن في اشي ناقص

فش بيت بدونك

حلمت أنك عدت البلد

شعب بحالوا انطرد من بلاده

عم بحاول يرجع

في أي لغة نحكيها

فيش ضي بعيونك

رجعت لما سرقوا لحظاتنا

رجعنا لوين ما سرقوا لحظاتنا

وأخوي بعدك ناقص

نحن لم نبك ساعة الوداع

فلدينا لم يكن وقت ولا دمع

ولم يكن وداع

العيون متأملة

افاق مغبرة

بديش ويز

انا عندي وان ويي

رجعة بلا روحه

الطريق وحده

الزمن يلف يلف يلف وانا راجع عالبيت “

رمضان وكشف المقدس للمدنس

رمضان وكشف المقدس للمدنس
من الصيام الى السحور: بين مسلسلات وافطارات، أزمات وحوادث وطوش

يقولون دائما، ان القدس مدينة مقدسة، والدنس فيها لا يطول. الا ان الأمور تداخلت في سنواتنا الأخيرة، ليختلط الحابل بالنابل، والدنس بالمقدس. وكما التنسيق الأمني تحول من العمالة الى المقدس. وهكذا المقدسات تتحول تدريجيا الى سوق ربحي تدنسه المصالح تحت اسم المقدس.
ليس من قبيل الصدفة ان يتم تسليط الضوء على الأوقاف الإسلامية في الآونة الأخيرة، فالقدس بمحيطها القديم في معظمه تحت ملكية الأوقاف او وصايتها. وقد تكون خطط الاحتلال اليوم تتكرس في التركيز على الأوقاف بعدما انتهت من تركيزها على الأشخاص في تسريب العقارات على مدار السنوات الأخيرة. فالأوقاف باتت المالك الأكبر للعقارات، وتحتاج قوى الاحتلال المختلفة التسرب اليها. نهج للاحتلال من اجل السطو والتملك والحيازة لم يتوقف ولم يتبدل منذ إقامة الاحتلال، الا ان الطرق تستمر بالتغير على حسب الطلب والحاجة.
في رمضان، التركيز المحلي أكبر نحو القدس، فهناك الأقصى وقبة الصخرة، والطريق اليها هي معضلة حديث اليوم.
بدأ رمضان بالطوش المعتادة مساء على أطراف المدينة المقدسة بين الباعة المتجولين او أصحاب البسطات، وانتشار مكثف للشباب على الطرقات أدى الى مشاحنات عنيفة تدخل بها قوات شرطة الاحتلال في كل مرة لدرء المأساة من دم يمكن ان يذرف. الضحية كان درج باب العامود الذي تم منع الجلوس عليه. في الوهلة الأولى كان اللوم على الاحتلال، وكأنه اجراء تعسفي اخر- وهو كذلك- ولكن هذه المرة كان التصرف التعسفي به من الرحمة لتجنب تعليقات الشباب المحتلون للدرجات وتحويله لمقهى ومكان للتعليق والسب والبلطجة، مما جعل الكثيرون يتجنبون استخدام باب العامود للدخول الى القدس. وكأن القدس يجب ان تأخذ شكلا محجبا على حسب مراس هؤلاء تحت حجة رمضان. وكأن غير المحجبة تمشي في زي بحر امامهم. متناسين كلنا – اننا في شهر الصيام وغض النظر واجب فيه.
الهدف هو الوصول الى الأقصى للمعظم، وتحول الطرقات الى بسطات ليس بغريب، فنحن بشهر فضيل واحتفالي. هناك مجموعات تطوعية من الشابات والشبان تنتشر في بعض الأماكن لمساعدة القادمين الى القدس من اهل الضفة المنتظرين لهذا الشهر، في فرصة سنوية وحيدة، يدخلون فيها الى القدس، يشرحون ويساعدون.
وهنا نرجع الى دور الأوقاف، عندما يبدأ الزائر من استخدام مخرج المقبرة اليوسفية للوصول الى الأقصى. السؤال المبدئي هنا، كيف يسمح للبسطات ان تنتشر على مداخل المقبرة وفي طرقاتها؟ مرة أخرى أسأل، اين حرمة الموت؟ أين الاخلاق التي يجب ان نتحلى بها من سنن تربينا كذلك على انها من آداب زيارة المقابر؟
لا اعرف كيف تحولت المقابر مؤخرا لتكون البؤرة الوحيدة المتبقية للاستيلاء عليها؟ عندما ينبشون القبور ويسرقونها ويبيعونها، يرد المسؤولون بالأوقاف ان ما يجري ليس الا محاولة لاتساع عدد الموتى المتزايد. فهل السماح للبسطات هو أيضا إعطاء مكان لتزاحم الأسواق؟
عندما يصل الزائر الى الأقصى، الاف مؤلفة تصل الى الأقصى يوميا، وفي الجمع تتكاثف الجماهير من اجل الوصول والجلوس وتمضية اليوم في الأقصى، هل بات اطعام الصائم عند الإفطار اهم من مرافق الخدمات بالمقابل؟  فالا يجب ان تكون الخدمات والمرافق المقدمة حسب الجماهير التي تزور المكان.
بعد الصور للحشود العظيمة التي تجتمع من اجل “الله أكبر” واحدة في هذه الأيام المباركة، هل لنا ان نتساءل عن الحمامات والمرافق العامة المتاحة؟ المطوعون والمطوعات المتواجدون من اجل التأكد من عدم خروج خصلة شعر من تحت الحجاب أكثر من المسؤولين عن النظافة. الا يمكن التطوع من اجل نظافة المكان في هذه الأيام؟
النظافة من الايمان، لم تعد صفة من صفات المسلم. الايمان صيام ليوم عن الطعام، بينما الروائح من عرق وفم وتأفف وعصبية ومشاحنات تحت طائلة “اللهم إني صائم” هي ما يميز المؤمن الصائم.
هنا، نأتي الى احجية حياتنا كمسلمين، كيف تفصل الأوقاف دورها من حارس للمقدسات وتتحول الى ميسر الى خدمات عينية يحتاجها الوضع القائم، فتفقد السيطرة ويصبح عملها مجرد وكيل لمصلحة ما، تغيب عنها عمق عملها. فيصبح استيعاب الالاف هو المهمة بدلا من اتاحة الفرصة للتعبد والتأمل في رحاب بيت الله العظيم للمسلمين.
والمواطن بدوره ينحصر دوره في صيام عن الطعام، واسراف في الإفطار بين موائد ومطاعم وولائم، بينما الفقر يتفشى، والموت يخيم على الطفلة عائشة اللولو من غزة في مستشفى وحيدة منع الاحتلال أهلها من العبور.
والسحور صار فرصة للسرقات والتعدي في انتظار امساك لصيام جديد.
والمسلسلات الرمضانية تجسد في سخافاتها وانفصامها وابتذالها واقعا لحقيقة صارت تمثلنا…. مسوخ لفكرة لم نعد نعرف من أنفسنا الا انعكاسات واهية لما لا يمثلنا، ومع هذا نسعى بتلهث لنكونه.

%d bloggers like this: