مسافة أمان…. بر الأمان للدراما السورية

 

 

في قرعة مشاهدة المسلسلات الرمضانية، كان الوقوع في فخاخ المسلسلات السيئة كثير الاحتمالات. وبالعادة، هناك ما يشبه العدوى في رداءة الاعمال وبالتالي توقعاتنا من مجمل الاعمال والحكم عليها عندما يصادفنا عمل ما. كانت الخيبات كبيرة بالفعل من الدراما السورية في مسلسلات كثيرة، باب الحارة، الحرملك، الهيبة، الكاتب، خمسة ونص الخوخ. الاسراف في استخدام البوتكس والمساحيق التجميلية وعمليات التجميل التي لم يعد المشاهد يميز الفنانة الا من خلال اسمها. المبالغة المفرطة في استعراض أدوات التمثيل وكأن المسلسل ورشة تدريب على الأداء والصوت. تحول المسلسلات الى مركزية النجم الساطع الذي قرر ان يكون الكوكب المهيمن ليطفئ فرصة أي سطوع لنجم محتمل.

التركيز علي توافه الأمور من شكل وتبرج ومواضيع اجتماعية. العنف المفرط واستعراض العضلات والتعري وسياقات درامية لسيناريوهات “مضروبة” بين فكرة اصيلة ومحاولات لتعريب الدراما الأجنبية في شكل بدا ممسوخا. تقليد للمسلسلات التركية او استنساخ سيء لأفلام ومسلسلات او قصص اجنبية في سياق عربي.

تساءلت وتوقفت امام فنانين وفنانات قدمتهم الدراما السورية على مدار العقود وكانوا بالفعل كوكبة بالفن الممتع والمقنع، وتحولهم الى ما يشبه المعروضات على الدكاكين الغالية. محزن ومؤسف ومزعج ما كان في الكثير من المسلسلات.

ثم شاهدت مسلسل “مسافة أمان” بعد الاصرار من الكثيرين، لأن المسلسل فيه ما اريد مشاهدته، او اعرفه عن الدراما السورية.

وبلا شك، كان مسلسل “مسافة أمان”، بر الامان الذي وقفت عليه الدراما السورية كما عودتنا عليه قبل الحرب، وفي وقت كانت تتصاعد بنجومية حقيقية ملأت الفضاء العربي بأحقية.

تساءلت كثيرا ان كان سبب هزلية المشهد الدرامي السوري الذي تردد علينا بمواسم رمضان الاخيرة، كان سببه خروجه الى خارج سورية. والجواب كان بلا شك نعم. وهنا كان التفتيت السوري بين محسوبية على فلان وضد علان. فلا يمكن فهم كيف يقوم نفس الفنان بأداء رائع في مسلسل “ًصنع في سورية”، ويقوم نفس المسلسل بدور مائع استعراضي فارغ الا من الاستعراض في مسلسل “صنع خارج سورية”، وقد تكون الحرب السورية السبب في هذا بلا شك. ولكن ما جرى هذا العام في استعادة الدراما السورية دورها من داخل سورية في مسلسل ك “مسافة امان”، أكد مرة اخرى غيابات الحرب السورية والايدي التي لعبت بها لتشوهها، فأعادتنا بمسلسل كمسافة امان الى مكان ترينا فيه الواقع من خلال ما هو عليه، بلا مبالغة، بحقيقة مرة يمكن تحليتها لطالما الانسان السوري يحارب من اجل الحياة، بكوادر سورية. فما شاهدناه كان لوحة متكاملة لفنانين تسابقوا وتنافسوا من اجل تقديم عمل أفضل. لم يكن التنافس مبنيا على من يمثل أفضل ومن يستعرض أكثر ومن يظهر أكثر. التناغم الذي رأيناه في الادوار كان ملحمة حقيقية في اعادة ما تعودنا على مشاهدته بالدراما السورية التي لقت رواجا فيما بعد بالقطر العربي كأنموذج للفن الدرامي. ولكنها مع الاسف سقطت في بقع النجومية والشهرة والنجم الاوحد.

بالإضافة الى اللوحات الدرامية المتناسقة والمتكاملة التي قدمها فريق العمل من فنانين وفنانات بداخل حوار في مجمله متماسك وحبكة جيدة للغاية. من الممكن القول ان المسلسل ربما احتاج لوقت أكثر من الحلقات ليقدم فيه الفنانين والفنانات مساحات أكبر من التعبير، ولكن مع هذا وصلت الاحاسيس بطريقة مقبولة في بعض الاماكن التي تطلبت مسافات أكثر من التعبير.

كان هناك عرضا عالي الجودة للفنانين والفنانات، المعروفين المخضرمين منهم والجدد. الكل كان نجما ساطعا في المسلسل. كل الادوار كانت ادوارا اساسية حتى تلك التي ظهرت لمرات محدودة.

لم يكن هناك مبالغة في اللباس ولا في المكياج. لم نر عنفا ضد المرأة في استعراض المسلسلات الاخرى. كانت المرأة السورية في كل اشكالها رائعة، قوية، تناضل من اجل التعامل مع الحياة في صيغتها الجديدة.

تجارة الاعضاء والسلاح والادوية. اغتناء نخب جديدة على حساب الدم السوري. وفي المقابل دفع الحق في وقت تغيب فيه القوانين ويعم الفساد وتنتشر الفوضى. عائلات تضيع وتفنى وعائلات تتفتت وتتشتت مأساة في قلب مأساة، وشعب يقاوم من جهة، وافراد تركب على موج انتهاز الفرص تشكل تهديدا دائما لأمن اي حياة.

توقعات مستحيلة، وقصص نرفض تصديقها بمجتمعاتنا الشرقية. من انفتاح احيانا، ومن كم الجرائم الممكنة احيانا اخرى. ونعم… كل هذا بعيدا عما يجري بساحات الحرب، ولكن بلا شك تتأثر بها.

مسلسل نقدي للواقع بين الاجتماعي والسياسي. غاضب احيانا، وناقم احيان اخرى، وفي معظم الاحيان يذكر الانسان منا بمحاولاته المستمرة في صراعه من اجل البقاء والتأقلم. عندما يصبح الهروب هو الامان الوحيد، وعندما يصبح الصمود في المكان انتحارا مؤكدا، نحتاج عندها الى هذه المسافة من الامان.

في كل مشهد كنت ارى نفسي مكان الشخصية، كنت ارى ابنتي، كنت اشعر بحمل الحروب الكبيرة التي تستمر بالتثاقل على اصحابها.

في كل مشهد كنت بحاجة للتوقف مع الذات، والتفهم احيانا والغضب احيانا اخرى.

في كل مشهد كنت اقول لنفسي، اريد ان اعرف اسم هذه الممثلة وهذا الممثل.

في نهاية المسلسل، شعرت بمسافة امان ممكن ان ترجع سورية الى ما هي بالفعل عليه. لسورية ام الحضارات وحاضنتها. سورية التي تستجمع نفسها بإصرار وهي لا تزال قابعة بمآسي الحرب والمؤامرات عليها.

الفنانات سلاف معمار، كاريس بشار، نادين تحسين بيك، وفاء موصلي، حلا رجب، هيا مرعشلي، سوسن ابو عمار، لين غرة.

الفنانون قيس شيخ نجيب، عبد المنعم عمايري ايهاب شعبان، جرجس جبارة، وائل زيدان، انس طيارة، جلال شموط، خالد القيش، واخرون.

الفنانة شكران مرتجى بصوتها في كل حلقة.

المخرج ليث حجو، الكاتبة ايمان سعيد.

تهم الفساد بين الحقيقة أو التلفيق. ورد السلطة بين الصمت او التهجم . الى متى؟

تهم الفساد بين الحقيقة أو التلفيق. ورد السلطة بين الصمت او التهجم . الى متى؟

 

 

في كل يوم تسريب جديد لفساد سلطوي. مضاعفة رواتب وزراء، استحقاقات ايجارات، وتعيينات بسفارات، وملف تحقيق فساد، وتكاليف زراعة شعر مسؤول كبير.

أمام كل هذا تتم صفقات تسريب العقارات في القدس وتنتهي بمصائب ستنهي تاريخنا في المدينة المقدسة وتجعلنا مجرد اثر كما للحجارة اثار. وضم تلقائي للضفة بتزايد لوحدات استعمارية أخرى، وتحويل الحواجز الى معابر حدودية رسميا، وهدم بيوت على عينك يا تاجر، واجتياحات علنية وشبه يومية، واعتداء وصل إلى استهداف مركز الامن الوقائي. الاعتقالات حدث ولا حرج، والتطبيع العربي في أوجه، وصفقة القرن تتم اقتصاديا والسلطة في ذيل الصفقة.

بين الشجب والندب من طرف الشعب ضد الفساد المستشري بالسلطة، وبين ذلك الذي تقوم به السلطة بينما تيتم تصفية القضية بمهزلة لم يعد للسلطة حاجة الا وجودها في مناطقها المحدودة، مؤقتا ربما، او لمرحلة يحتاجها الاحتلال قريبا سيكون الفلتان الأمني فيها سيد الموقف.

بينما يمكن القول ان السلطة لم يعد لها أي قوة في الساحة الدولية والإقليمية من حيث التأثير على توجيه البوصلة نحو أي عدل فلسطيني، وبالتالي التصدي لجبروت الاحتلال وهجماته المتعددة الاتجاهات، فبالنهاية ما يجري على الساحة السياسية التي تخرج في حدودها عن مقاطعة رام الله ليس بغريب بعد ثلاثة عقود من مفاوضات رجلها واحد من قبل الفلسطينيين. ليس بغريب والامن الإسرائيلي هو المعضلة الأساسية لقوام السلطة الفلسطينية بالنسبة لرئيس السلطة الفلسطينية وبالتالي قوى الامن بأجهزته المختلفة. وليس بغريب والنزاع الداخلي ما بين حماس وفتح صار اهم بكثير من الاحتلال نفسه بالنسبة لشقي النزاع، ورجل المصالحة لا يريد مصالحة.

لا غريب بما يجري بالساحة السياسية الفلسطينية لأن من يمسكون زمام الامر صارت فلسطين بالنسبة لهم مصلحة فردية، شركة خاصة، مشروع عائلي، وأكبر اعداءهم بعد الحزب المنازع، المنشق من الحزب المسيطر. فالولاءات للأشخاص على حساب فلسطين والفلسطينيين. منذ صار الانسان من هؤلاء من قبل تابعيه “بحجم الوطن”. وكم من اشخاص صاروا اوطانا، بينما يضيع الوطن لعدو حقيقي لم ينته عن كونه احتلال لا يتوانى عن تصفيتنا بكل ما اوتي من إمكانيات، لنأتي نحن ونقدم له خدمات مجانية بانهياراتنا الداخلية وفسادنا.

ما يجري من تسريبات للفساد على مختلف الأصعدة، وعدم رد السلطة من قبل كل صاحب موقع رد بالطريقة الرسمية والجدية والتي تتناسب مع احترام الشعب، يزيد فقط من الطين بله. فمن غير المعقول ان يخرج علينا رئيس الوزراء بتحضيرنا من اجل جولة تقشف قادمة وتخفيض أكبر للمعاشات، بينما تتأكد تسريبات مضاعفة زيادة رواتب الوزراء وتتسرب وثائق لبدل الإيجارات بمئات الالاف من الدولارات بعد الزيادات المضاعفة، ولا نسمع منه كلمة واحدة بهذا الشأن، سواء تبرير او حسم للأمر او ربما الاعتذار للشعب الذي مل من تلقي هذه الضربات. بينما يموت جوعا من اجل وزراء ورجال سلطة. إذا ما صحت الأرقام التي يتم تداولها عن رواتب رجال سلطة تتعدى عشرات الالاف من الدولارات للشخص الواحد من صندوق استثمار، لبنك مركزي، لرواتب أعضاء المركزية، وغيرها، مقابل المغالاة فيما يتم تسربه او اشاعته لرواتب السفراء والدبلوماسيين، فهذا سيجعل الانسان الفلسطيني المتضرر من خفض راتب وخصمه وقطعه أكثر مقتا وبالتالي كرها وحقدا لكل ما تمثله السلطة. فهذه المغالاة في المبالغ التي يتم صرفها على حساب الشعب، تزمنا بطبيعة الحال مع إعطاء الفرص لأبناء واقارب وذوي واهل وجيران ومعارف اهل السلطة، يضع الانسان على فوهة بركان ستتفجر لتحرق الأخضر واليابس قريبا.

اخر التسريبات تتعلق بالسفارات، هولندا تحديدا. الحقيقة انني توقفت كثيرا لأفكر بكم مما قرأت كان صحيحا. وكم تصبح الحقيقة كذبة بلحظة يتم المبالغة فيها. كم من السهل الاتهام والطعن، وكم من السهل تلفيق الحقيقة وتضخيم الأمور واخراجها من سياقها.

ولكن، لأننا لا نعرف أي شيء، فلا وزير خارجية يخرج ليفسر لنا لماذا وكيف يتم تعيين الدبلوماسيين؟ فالقصص التي نسمعها مؤسفة، محزنة، ومجحفة بحق سمعتنا كفلسطينيين. ومع هذا لا نسمع أي تعليق رسمي بأي شيء.

قامت احدى الشخصيات التي تم ذكر اسمها واسم عائلتها من اب وام وزوج وعم كمثال لفساد السلطة والتعيينات العائلية، بنشر مقال تقول فيه انها تريد رفع دعوى امام النائب العام ضد من سرب ما سرب من انباء عن هذه التعيينات. عندما قرأت ما نشرت السيدة تعاطفت لوهلة، وفكرت انه من المحزن ان نصل الى هكذا وضع ولم يعد فيه أي مكان للثقة، والكل يشهر بالكل. وبينما بررت السيدة مناصب فعلية لعائلتها لاستحقاقهم مناصبهم من وجهة نظرها، وربما بالفعل هم مستحقين لهذ المناصب، تمسك بحقها بتكذيب ما تم تداوله من مبالغ، وكذلك بالنسبة لمنصبها هي بالحكومة.

بين المبالغة فيما تم نشره عن هذا الموضوع، وبين تمسكها بالظلم الذي وقع عليها بسبب هذه المبالغات، تبقى هناك حقيقة واحدة، هي ان الفساد هو سيد الموقف.

الفساد ليس برقم مالي كبير او صغير. الفساد يبدأ في كل لحظة لا يتم فيها الالتزام بما توجبه القوانين واللوائح والمعايير والمقاييس المطلوبة. وهذا بديهي في وضع لا يوجد فيه جسم يضع المعايير للسلطة ممثلا بمجلس تشريعي.

ان غياب الانتخابات هو المأزق الحقيقي الذي وضعت السلطة نفسها به، ولم تعد تستطيع الخروج من هذه الورطة.

فساد يغطي على فساد، والنتيجة هي تفشي لرائحة كريهة، تجعلنا كلنا شعبا وسلطة في نفس الهاوية، نمزق بعضنا اربا. نخون ونتهم ونقتل ربما.

وصلنا الى مرحلة صارت السلطة بالفعل ترفع القضايا ضد الشعب مقابل فتحه فمه وتفوهه بأي حقيقة.

من حق الشعب يا سادة ان يتساءل ويسأل ويطلب التوضيح. ومن حقه البديهي ان يطالب بالتحقيق ومحاكمة الفاسدين والمنتهكين. ومن واجب السلطة الجواب مساءلة ومحاكمة من له ضلوع بأي تقصير او انتهاك او فساد.

ولكن ما يجري الآن ان الشعب يسأل، والمسؤول يحاسب الشعب على سؤاله.

والعجيب ان رأينا المشهد يتكرر في سياق متتالي منذ بزوغ مسألة الرواتب. فبدلا من ان يقدم رئيس الوزراء او وزير المالية جوابا للشعب، اعتذارا، انسحابا، اي شيء. قام وزير سابق بتبرير وشرعنه ما جرى، وكأنه حق الوزير على الشعب بأن ينعم هو بينما يموت الشعب. وبينما تطالب الناس بالمساءلة وبالمكاشفة، قام وزير المالية بحجب تقرير الرقابة المالية التي يفترض ان يكون مفتوحا امام العموم. وفوق كل هذا تخرج أصوات تندد بالسؤال وتتهم الشعب بالتواطؤ ضد السلطة وخدمة اجندات اجنبية!

بينما تصرفت وزيرة المرأة تصرفا جعلت شخصها الاعتباري يبدو وكأن الوزارة شأنا عائليا بصورة بدأ فيها تعليق الناس مزحا خفيفا، حولت الامر الى ما كان اشبه بالمناكفة والندية بينها وبين الشعب وصل بها الامر الى المعايرة بين من هو أكثر تعفرا بالأرض وبين من هو الأكثر شرفا.

وبينما انتظرنا ردا لاتهامات لجنة الفساد بشأن وزير اخر للرئيس، تم اعتقال من نشر الوثيقة وطعن بصحتها.

وبينما توقع الانسان الطبيعي رد وزارة الخارجية على التعيينات العائلية وتفسيرها وتوضيح ما هو صحيح منها وما هو مبالغة، قامت ابنة الوزير برفع رسالة تهدد فيها باللجوء الى المدعي العام، وتعرض تظلمها وتبريرها بتأكيد ما نسب من تعيينات عائلية.

أي مدعي عام ستذهب اليه السيدة صاحبة الحق في اللجوء الى القانون؟ هل هو المدعي العام الذي تمت اقالته بعدما تم التأكد من عدم ايفائه لشروط التعيين بعد سنوات من الخدمة؟

لأي لجنة مكافحة فساد تستطيع ان تذهب وتشتكي على الشعب الذي اتهمها؟ اهي نفسها اللجنة التي قد تنكر وتتنكر للشكوى إذا ما طرأ أي طارئ.

من المؤسف ان يتحول صاحب السلطة الى اقطاعي لا يرى من الشعب الا رعاة يمكنه الدعس عليهم.

لقد سمحنا ان نداس من اجل ان يكون لنا وطن…. ولكن هذا الوطن انتهى ليكون افرادا لا يعنيهم من الوطن الا الأموال التي يضخوا بها في جيبهم من دماء وحياة هذا الشعب.

ما الذي يريدونه من الشعب؟ عليهم ان يحمدوا الله ان الشعب لا يزال يرى الاحتلال عدوه الوحيد. ويستكثرون على الشعب السؤال؟ عليهم ان يحمدوا الله اننا حولنا الامر الى نكات نضحك عليها ، ونميمة خفيفة نتسلى بها.

الى متى….

سيأتي يوم يهلل فيه الشعب زوال هذه السلطة إذا ما استمر الوضع على حاله.

اما من عاقل في هذه السلطة يرشدهم الى طريق انتخابات تشريعية فورية، لعل وعسى تضخ دماء جديدة ترجع ما تبقى من ثقة، ان بقي.. لهذه السلطة، لعلنا نستعيد ما يمكن اعادته من وطن. وطن لم تعد الأرض حدوده، بل الانسان الفلسطيني الذي لا يزال ينبض من اجل ذاك الوطن البعيد.

 

 

وزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” من باب العامود إلى تلول أبو العلايق. أين الوزارات الفلسطينية من ذلك؟

 

لا بد ان الجميع سمع عن باب العامود. أحد أبواب القدس القديمة الرئيسية، التي تشكل مدخلا حيويا للبلدة القديمة.

وإذا ما ذهب أحدكم الى اريحا، لا بد انه لاحظة إشارات عديدة تابعة لوزارة السياحة والآثار الفلسطينية تدل على تلول أبو العلايق (قصور هيرود) عند المدخل المؤدي إلى وسط أريحا (عند الدوار المقابل للجامع الكبير).

ولأننا منغمسون حتى أخمص أقدامنا ” المتعفرة” بتراب العيش، من الصعب علينا عمل أي ربط لما يجري. فتوقعاتنا لا تخرج عما تراه اعيننا. وردة فعلنا تنتهي بعدما ننتهي من التعبير عن انفعالنا، سواء بالاندهاش او الغضب او الحيرة او التظاهر إذا ما كان الامر قد وصل الى الحضيض وبالتالي صار صرير الاحتكاك مع اقدامنا أكثر “تعفرا”.

بعثت لي صديقة صباح اليوم نداء لمراسلة تلفزيونية فلسطينية تتساءل فيه عما يجري من خطط إسرائيلية لمنطقة باب العامود، حيث ان عمال الاحتلال التابعين لبلدية الاحتلال قد عزلوا المنطقة المجاورة لباب العامود والتي تؤدي الى باب الساهرة – شارع سليمان- حيث هناك حدائق على حواف الطريق التي يتوسطها مغارة سليمان ويتاخمها سور البلدة القديمة. عندما استفسرت المراسلة من العمال عن الموضوع، قالوا لها انهم ينوون تجديد الحديقة. وتساءلت المراسلة بطبيعة الحال عن نوايا بلدية الاحتلال فيما تخطط له.

وقبل البدء بطرح بعض التفسيرات “العلمية” لما تقوم به بلدية الاحتلال، تساءلت عن دور وزارة القدس، والاوقاف، والمحافظة عن ذلك. ما الذي يفعله كل هؤلاء ( المسؤولين)  في القدس، بينما تجول بلدية وقوات وسلطات الاحتلال بالمدينة وتصول؟

الجواب الفوري سيكون: ما الذي يستطيعون فعله؟ على الرغم من ان سؤالي ليس هذا؟ سؤالي ما الذي ينوون فعله؟ مشكلتنا اننا نتصرف بالأمر على طريقة المغلوب على امره، وعندما تقع الواقعة لا يأتينا الا أجوبة مصدرها العمال لتصبح هي الحقيقة العلمية التي نبني عليها ردة فعلنا. وهنا ما تقوم به الوزارة والمحافظة والاوقاف لا يخرج عن ردة الفعل، مثلنا! قد تكون هذه أكبر مآسينا في عدم تقصي الحقائق وتقفي أثرها. قد يكون ما تقوم به بلدية الاحتلال مجرد تجديد وتأهيل للحديقة بالفعل، ولكننا نعلم جيدا وشعورنا يسبقنا دائما بأنه لا يوجد ما هو فعل خير خالص من قبل الاحتلال تجاه المدينة وبالتالي تجاه تقديم خدمات أفضل لسكانها العرب.

بالحقيقة، ان الاعمال بالحديقة ليست هي الفعل المخيف الذي تنوي بلدية الاحتلال زيادة البطش في المدينة من خلاله، بالضرورة، الا انه قد يكون جزء من مشروع قد تم بالفعل ولا أحد يلاحظه. ما يريده الاحتلال الإسرائيلي  في باب العامود ومنذ سنوات هو تنشيط المكان سياحيا من اجل الإسرائيليين والأجانب، ليكون بالمستقبل، مكانا أكثر حيويا من الناحية الأمنية وبالتالي يصبح تدريجيا اقل حيويا من الناحية التجارية للفلسطينيين. وما يجري بالفعل هو خطة تجديد لمتحف باب العامود المتواجد تحت المدخل الرئيسي لباب العامود المتداول، فهناك تحت باب العامود، بابا رومانيا تم افتتاحه بالثمانينات، وافتتح به متحفا صغيرا لم يلق الكثير من الزيارات. وما تحاول سلطات الاحتلال عمله الان، ضمن خطط تطوير القدس “الكبرى” هو إيجاد طرق تحول به المكان الى معلما سياحيا من خلال متحف روماني بآثار تدعو اليها السائح الأجنبي والإسرائيلي، كما حصل في “قلعة داهود” في باب الخليل (المقابل للفنادق التي تم بيعها لجهات استيطانية من قبل البطريركية اليونانية)، وما يحصل تتابعا في طريق الواد المؤدي الى المسجد الأقصى من الاستيلاء على عقارات الى جانب (بيت شارون) وصولا الى الأقصى (كما حصل في العقار الذي سربه العطاري وعقل).

وإذا ما قررنا التسليم ان لمرافق السلطة الفلسطينية من وزارة ومحافظة واوقاف إسلامية لا حول ولا قوة في منطقة خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، بالتالي يجعلنا نفكر لماذا اذن على الفلسطينيين تحمل تكاليف أخرى لحقائب ومناصب لا فائدة منها (وهذا ليس موضوع النقاش)، لنعرج نحو أريحا ونسأل نفس السؤال في منطقة ترى العين فيها حكما فلسطينيا ووزارات فاعلة ومحافظ له السيطرة على المكان “النظيف” افتراضيا من إسرائيل.

في منطقة تلول أبو العلايق، وهي منطقة تقع فيها مناطق

(ب) و(ج). موقع تلول أبو العلايق بقي في المنطقة (ج) لأن إسرائيل اشترطت بقاؤه فيها بأوسلو، ويبدو ان المفاوض الفلسطيني لم يعبأ كثيرا للأمر. ما يجري في تلول أبو العلايق هو سيطرة مطلقة لوزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” التي انتهت للتو وبعد عدة سنوات من ترميم وتأهيل موقع قصور هيرود (الحشمانيئيون). عندما تصل الى المكان (بصعوبة) تجد لافتات كتب عليها باللغة العربية والعبرية والإنجليزية عن المكان في لوحات تفصيلية مختلفة. ولأن السلطات الإسرائيلية لا تزال مختلفة فيما بينها على  الجهة التي ستكون مسؤولة عن الموقع، فلم يكتب على اللافتات لمن يتبع هذا الموقع (بعد).

عندما تدخل اريحا ترى ان وزارة الاثار والسياحة الفلسطينية تدعوك لزيارة المكان (الذي من الصعب بالفعل ايجاده بالرغم من تعدد الإشارات وكبر مساحة الموقع).

بعد انتهاء وزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” والتي رصدت ٢ مليون دولار من اجل ترميم الموقع، قامت السلطات الاسرائيلية خلال نفس الفترة بترميم شارع لتسهيل الوصول الى المكان للسائحين الإسرائيليين، ولقد تم افتتاح رسمي للشارع قبل أسابيع قليلة حضره جموع من المستوطنين والمسؤولين من وزارة القدس والتراث “آلاسرائيلية” والاحتفال بالانتهاء من ترميم الموقع الاثري.

ما ينوي الاحتلال الإسرائيلي فعله بالمستقبل القريب، وهذا لا يحتاج للكثير من التحليل والتمحيص لمعرفته، على الرغم ان البنية التحتية ي اعداداتها واضحة لذلك، هو فتح شارع يصل مع مستعمرة “ميتسبيه يروحو” المتواجدة على مدخل اريحا (مقابل الكازينو والانتركونتيننتال)، وطبعا وصل الشارع مع المستوطنة المتواجدة على وادي القلط في طريق اريحا.

من الجدير قوله ان الشارع الذي سيتم فتحه سيمر من السجن المهول التابع للسلطة الفلسطينية بالمنطقة.

عندما حاولت ان استفسر من الناس الذين يسكنون بتلك المنطقة، كما فعلت المراسلة مع العمال، قيل لي ان هذه المنطقة كلها تسمى سفيكا (اسم عبري) وتعود ملكيتها كلها لليهود، ومن اجل هذا في كل مرة يتم البناء تدخل الاليات الإسرائيلية لتهدم، ولا يقترب أحد من السلطة الفلسطينية منهم في كل مرة يدخلون معدات بناء وغيرها. طبعا الرجل الذي سألته لا يعرف عن وجود تلول أبو العلايق الا الإشارات المتعددة على الطريق الى بيته، ولا يهمه من الاليات الإسرائيلية المتعددة الاستخدامات التي تجول بالمنطقة بلا مراجع ولا محاسب الا انها (صاحب حق امام الفلسطينيين الاخرين الذين ينهبون يستولون على أراضي ليست لهم- لسفيكا)!!!!!

عندما تبينت الامر من مصادر متطلعة على انتهاكات إسرائيل في الآثار بالأراضي الفلسطينية، تأكدت من مصدري (وهو باحث اثار إسرائيلي يرصد انتهاكات دولته في الأراضي الفلسطينية) من انه لا يوجد أي ملكية فردية ليهود في هذه الأراضي – وان الخطة الواضحة هو وصل الموقع الاثري الحالي مستقبلا بالمستعمرات المتاخمة.

ليس من الصعب تصور ما هي الخطة القادمة التي ستؤول عليها المنطقة: النبي صمويل غرب القدس، الهيروديان في قرى غرب بيت لحم (عصيون)، سبسطية شمال غرب نابلس، قبة راحيل ببيت لحم، قبر يوسف بنابلس، والكثير غيره مما نراه ونعيشه وصار واقعا مفروضا، وكثيرا ما صار واقعا مشرعنا من قبلنا.

يبقى سؤالي المحوري والاساسي، اين دور السلطة الفلسطينية ممثلة بوزارة السياحة والاثار ومحافظة اريحا مما يجري في تلول أبو العلايق؟

هل تم الترميم بالتنسيق والموافقة معهم؟ وأين الشعب مما يجري حوله؟

ثم نتساءل كيف وصلنا الى هنا…. تضليل للحقيقة ومسح للذاكرة وتغيير للجغرافيا يجري من فوقنا ومن تحتنا ومن حولنا.

ويبقى سؤال “خيالي” يغمغم على مخيلتي، لماذا تقوم وزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” بالترميم والتطوير في أريحا؟ أهذا يقع ضمن توسيع رقعة استيطان المدينة لمشروع قدس كبرى تصل الى “متسبيه يريحو” التي ستتوسع حدودها الى قلب أريحا تدريجيا؟ ….. كما التف الحبل على عنق القدس القديمة بتهويد ممنهج يبدأ من حائط البراق (باب المغاربة وسور الأقصى) ويمر بمدينة داهود (سلوان) الى قلعة داهود (باب الخليل) الى متحف (العامود) باستراحة عند مغارة سليمان؟ ثم يمتد الى قبر شمعون الصديق (الشيخ جراح) ويلتف نحو جبل الزيتون والطور ليمتد من العيساوية الى عناتا فحزما الى أريحا؟

يبدو ان المشروع الصهيوني تطور عن فكرة الدائرة الغلافية بضم معاليه ادوميم فقط وجبال اريحا المؤدية الى البحر الميت وامتد الى داخل أريحا مرورا بوادي القلط!!

من البطريركية الى الاوقاف، غياب المحاسبة وتغييب الوعي..وكلنا في المتاجرة بالوطن شركاء

من البطريركية إلى الأوقاف، غياب المحاسبة وتغييب الوعي.. وكلنا في المتاجرة بالوطن شركاء

ما يتم تداوله من أخبار عن تسريب عقارات تابعة للبطريركية اليونانية في قلب القدس، ليس بخبر جديد. البيع حاصل منذ سنوات، والمحاكم بين الجهات الاستيطانية التي اشترت العقارات والمستأجرين تقف وتتحرك في نفس المحطات منذ أكثر من عشر سنوات. في وقت كان من الممكن انقاذ الموقف، تخلت السلطة تماما عن مسؤوليتها في مساءلة ومحاسبة من كان يقف وراء هذه التسريبات. تكاثرت الأحاديث والاقاويل والشائعات حول تسريب العقارات التابعة للكنيسة وكان المتهم واحد، ومعروف، ومع هذا استمر هذا الشخص على رأس منصبه وفي أحد أزمات الفضيحة الخاصة بالبيع قبل وقت ليس ببعيد، كان الرجل يجلس كضيف شرف على كرسي المجلس الوطني الفلسطيني والاحتفاءات الخاصة بالسلطة في ارفع اماكنها. دعوات شرف على ولائم واستقبالات وتكريم. شخص بعينه كان مسؤولا عما جرى، ولم تجر بحقه أي مساءلة، على العكس تماما، وقف هذا الرجل جنبا الى جنب بصور كثرة مع الرئيس.

فلماذا نتكلم الآن؟ بعدما حصلت الجهة الاستيطانية على امر اخلاء؟

البيع تم والأموال وزعت وصرفت بين المنتفعين من باعة الوطن، سواء كان هذا الخائن يلبس عباءة دين ما او عمامة دين اخر او زي سلطة.

تسريبات العقارات بين تلك التابعة للكنائس وتلك التابعة للأوقاف تدق على أعمدة حمت القدس من التهويد الصهيوني على مدار احتلال المدينة. كان الانسان الساذج من أمثالي على يقين ان الاعمال الفردية لمن يبيع حصة في منزل او يزيف توقيع لتنازل او يقبض خلوا ويسلم، ستبقى في إطار الفردية ولن نتأثر طالما تتملك الأوقاف والكنائس المباني الأساسية وما يرافقها من مساحات وما يتبعها من منازل ومرافق.

ولكن الموضوع في مصيبته لا يتمثل في فرد خائن بعينه. ما يجري يؤكد ان منظومة الفساد في هذا الشأن جمعية. لا يمكن لفرد بعينه ان يتحكم ببيع هذه العقارات. وهنا الطامة الكبرى.

مما يواسينا بالعادة هو فكرة ان من يقوم بهكذا اعمال خائنة هو فرد. ولكن ما يجري او بالأحرى ما يتكشف لا يمكن لفرد ان يقوم به. هناك منظومة فساد كاملة في الكنيسة المعنية كما في الأوقاف، مترابطة مع السلطة في مركبها العام.

لا يمكن لفرد ان يتواطأ لوحده مع الجهات الاستيطانية. ولا يوجد مؤسسة او جهة لا تتبع بطريقة ما وبجزئية ما بشرعية وجودها بالمدينة للسلطة.

من السهل السب واللعن على الشخص المسؤول بالعلن امامنا. خرج الناس في مسيرات وتظاهرات ضده وطالبوا بإقالته منذ أعوام وتكرر الحال مع كل تكشف لتسريب يدمي القلب عند اكتشافه. ومع هذا، بقي الرجل في منصبه وحافظ على شرعنة وجوده. هل هذا يقول لنا شيئا ما؟

الحقيقة ان الأمور واضحة، فنحن نعيش بداخل منظومة فساد عفنة متكاملة.

ماذا تبقى من القدس إذا ما كان “حاميها حراميها”.

نكتب ونعترض ونخرج في بيانات ومسيرات ومظاهرات ولا سامع لمن ينادي، وكأنهم يعرفون ويفهمون تمانا ان اصواتنا خاوية لا تقدم ولا تؤخر، وراس مال عوائنا عدة أيام قبل ان يشغلونا بتفاهة ما لبضعة أيام أخرى وهكذا هو حالنا على مدار عشرة سنوات على الأقل من المشاهدة اليومية لضياع المدينة من هدم بيوت ومصادرات وترحيل واخلاء على مرأى وشهادة السلطة.

الملايين ضخت من اجل حماية العقارات، والنتيجة ان ملايين ضخت في المقابل في جيوب بائعي الوطن من هؤلاء الخونة وها نحن نجلس على عروش خاوية.

من الواجب الان النظر الى الامام، فيما يمكن إنقاذه قبل صفقة بيع او تسريب أخرى قادمة.

من السهل القول ان تبعية بعض الكنائس الى جهات خارجية، فاللوم اليوم كله على البطريركية اليونانية، وهكذا يمكن الادعاء ان المسؤول عن هذا يجلس في اليونان. وهكذا الامر لكنائس كثيرة أخرى. مع العلم ان هذا الامر مجزوء، لان السلطة هي المسؤول الحقيقي عن وجود أي جهة لأن المرجعية للسلطة.

والامر نفسه بالنسبة لموضوع الأوقاف.

لم اعد أتساءل لماذا لا تحرك السلطة ساكنا عن هذه الأمور. بالأحرى هذه الفظائع والجرائم بحق هذه المدينة. لأن المدينة تتسرب امام اعيننا. فهل هناك أكثر ذلا من ان يجول المستوطنون والجنود بساحات الأقصى هكذا؟

ننتفض للحظات، لساعات، نملأ نشونا بدماء شهيد يجعلنا أكثر وطنية، ونردد شعارات لاحتلال نريد اسقاطه، نعلم جيدا اننا جميعنا جزء من بيع هذه المدينة.

كل ساكت، كل يائس بعبارة ” ما هي مبيوعة” او ” ما الموضوع مخلص من زمان” او ” ما هو فلان وفلان باعوا”، او ” ما هي السلطة باعت وبتبيع ومتواطئة”. لأن الحساب يبدأ من عندنا، ولكن صار معروف لديهم بأننا سنردد بعض الاحتجاجات ليومين او أسبوع وننتصر لأنفسنا وننتهي بنشوة زائفة لسنوات ونلتهي بتفاهة ما لا محال.

إسرائيل نخرت في نفوسنا، وصار بيع العقارات وتسريبها والاستفادة منها تجارة، الشاطر منهم هو من يأخذ منفعة ما.

قبل شهر اثرت موضوع بركة البطريرك. لم اسمع تعليق ولا تصريح ولا بيان من الأوقاف او السلطة او أي جهة متورطة أو مسؤولة (لن اذكر اسم الجهة المسؤولة الأخرى لكيلا اتهم باني اشخصن الأمور- لأننا صرنا هكذا، نتبع دائما في مواقفنا لجهة ما، لا يوجد ما هو فعل خاص للوطن، الكل يحمل اجندة فيها مصلحة يستفيد منها من جهة ما).

التواطؤ بلغ لمرحلة صار فيها كل ساكت شريك في هذه الجرائم.

لن يرحمنا التاريخ بينما أضعنا هذه المدينة المقدسة وعيوننا تنظر.

لن يغفر لنا الله أيا كانت وجهة ايماننا به بينما نتاجر في أماكن خصصت في سبيل عبادته.

حان الوقت ان نرابط إذا ما أردنا ان نبقي لفلسطين درة تمثلها، ليس بالهرولة للحظة وراء تكبير يريد المنادي به إحلال صفقة ما او تفريغ غضب ما. إذا لم نحارب هؤلاء بمقاطعتهم ونبذهم وفضحهم واخراجهم من بيننا فلن تقوم لنا قائمة.

في كل مرة نعرف ان فردا ما او جهة ما او مؤسسة ما او أي كان ما.. ضالع او ساكت او متواطئ بصفقات تسريب أيا كان شكلها، فنحن شركاء.

العطاري باع العقار ولم نسمع لهذه اللحظة كلمة عن محاسبته، بينما يجول ويصول ويخرج ببيانات.

عقل باع وسلم كتسليم أسرى الحرب لأمريكا، ولم نسمع تعليق او تبرير او نية لتحقيق.

الأوقاف تؤجر وتجير لبلدية الاحتلال وسلطاتها الاستيطانية ولا يبذلون الجهد حتى للتوضيح.

ليس لأنهم كفروا ففجروا ففسدوا، ولكن لأننا سكتنا عنهم ولا نزال نعطيهم شرعية.

ربما حان الوقت ان نتوقف عن الذهاب لدور العبادة ونقاطعها حتى تتنظف من هؤلاء.

دقيقة صمت! اعتبروا يا مشاهدي المسلسلات

 

” دقيقة صمت” مسلسل سوري، عرض على الشاشات بشهر رمضان، جعل المشاهد يتوقف امام الكثير من دقائق الصمت، من اجل استيعاب لعبة الدولة والفساد.

عمل بلا شك جريء، يطرح فيه دائرة تصنيع الفساد الصغيرة في الحكومة (السورية في وضع المسلسل)، وكيف تتحكم هذه الدائرة الصغيرة القريبة من صنع القرار والتي تستخدم كل ما يطول يدها من عناصر دولة للوصول الى مبتغاها. مبتغاها السيطرة من خلال اعمال فساد تزيد في جبروت هذه الفئة التي يقع عليها بالمحصلة الامن العام للدولة.

هل يبدو هذا المشهد بغريب عن واقعنا الفلسطيني؟

من السهل جدا، او لعله من الاسهل تنقيح وتفتيت التركيبة المتحكمة بالشأن الفلسطيني، وبالتالي فهم كيفية التحكم بوضع البلد من رأسه الى أخمصه.

قبل أيام انتشرت وثيقة تحت اسم هيئة مكافحة الفساد وبتوقيع رئيسها مرفوعة الى الرئيس الفلسطيني. تتناول الوثيقة قضية تحقيق فساد بشأن أحد وزراء السلطة وأذرع الامن الأساسيين في السلطة الفلسطينية. الوثيقة واحدة من عشرات ان لم يكن مئات الوثائق المسربة من مكتب رئيس السلطة الفلسطينية لرسائل من مختلف الجهات والوزارات والشخوص. كل منها في الأيام العادية لشعوب العالم الطبيعي، قد تسقط حكومات. على مدار سنوات السلطة ونحن نعيش مع هكذا قصص تروي حكايات الفساد الذي يستمر بالاستفحال في جسد السلطة الفلسطينية. في مقابل هذا تسلط السلطة الضوء فجأة وتكرارا على فساد من نوع اخر في كل مرة، القبض والعثور على مشتل لزراعة أنواع المخدرات من حشيش وقنب الى اخره، اغلاق مطعم لفساد لحوم، وقهوة لفساد الفواكه والبرتقال، واتلاف مواد غذائية هنا وهناك …. الى اخره كذلك.

وصلنا الى مرحلة، صار الانسان العادي بالفعل يخاف ان يذهب فيها الى مقهى او يأكل خارج بيته. حتى اللحوم التي نشتريها صرنا نخاف ان تكون تالفة او من جسد حيوان ليس بقرة او غنمة.

التهاء يبدو وكأنه محكم بتوافه الأمور. نعيش فيما يبدو وكأنه نميمة مجتمعية متكاملة في وضع يتهالك فيه الجسد الفلسطيني المستفحل بأعضائه الحيوية بالفساد.

وان لم تكن الوثيقة المتعلقة بفساد الوزير المعني هي أكبر المصائب في وقت تقع ازمة الرواتب المتوقع ان تتفاقم في سلم أولويات او قلق الشعب الكادح، بينما انتشرت وثائق تؤكد ان الحكومة التي تدعو للتقشف قد ضاعفت رواتب وزرائها والمحسوبين عليها اضعافا وبلا مقدمات.

وقعنا في أزمة أكبر، وهي تبرير المصاب فيما يبدو وكأن الفساد واجب وطني، وان المعترض على الفساد خائن ومجرم.

ذلك الذي يمكن ان يزج فيه في غيابات غرف تحقيق السلطة يعتبر مجرما، وذاك الذي لا يمكن ان تطاله يد السلطة يعتبر عميلا.

من السهل تكذيب الورقة وانكارها. ما رأيناه في مسلسل دقيقة صمت لم يكن امرا خارجا عن المألوف. فكم من قضية شهدنا عليها بهتانا وزورا وكنا شركاء فيها عند سكوتنا كشعب.

قضية نيفين العواودة التي راحت ضحية صرخة حق من اجل فساد رفع الى اعلى المستويات، واغلق بحبكة باهتة ودليل ملقط حواجب، ولم نسمع يوما عن حيثيات تلك الجريمة بما سببها من فساد كان في دائرة سلطوية ما في حينها. تعتيم محكم، لا يستدعي سلطات عالية جدا في حينها.

مقتل الشاب الغروف الذي وجد مرميا على ارض فندق كبير في رام الله، واختفاء الكاميرات وتحويل الضحية الى مجرم، وتلبيس الجريمة للأضعف في حلقة فساد او اجرام لم نفهم ابدا من وراءها الا بتعبيرات واهية واشارات صارمة بالصمت وعدم الخوض في هكذا أمور.

أستطيع ان اجول في عقلي المحدود حول العديد من المصائب الحقيقية التي اصابتنا، وكانت الإشارات والوقائع واضحة وشبه صريحة نحو الفاعلين والمجرمين والفاسدين، ولم نشهد محاكمة واحدة ولا اقالة واحدة ولا تحقيق عرفنا بنتائجه مرة واحدة.

وصلنا اليوم الى مرحلة من تكميم الأصوات صارت فيها الوقاحة في توصيف من يتكلم عن الفساد او يشير اليه بأنه يخدم اجندات العدو، أي خائن، ويزج فيه بالسجن بالفعل ويكون عرضة للمحاكمة والتعويضات والمساءلة بدلا من مساءلة الفاسد ووضعه امام محاكمة واجبة.

قد لا يفهم ارباب السلطة من الفاسدين الكثر، بأن دق الخزان على الفساد ما هو الا محاولات حفيفه ووحيدة من اجل انقاذ هذه السلطة التي لا يمكن لدوامها ان يكون في هكذا وضع يستمر بالتدهور.

قد نصاب بالذعر واليأس والإحباط مع استمرار العنجهية في افراز المزيد من الفساد بلا مساءلة او محاسبة، وهذا بديهي. ولن استغرب ان يأتي يوم نصمت فيه بدل الدقية دهرا.

ولكن هذا الصمت سيكون هو نهاية هذه السلطة.

لن نحتاج الى تحريض ضدها، ولن يكون هناك مظاهرات لإسقاطها. فنحن نشهد كما شهدنا زورا بصمتنا لدقائق كثيرة عن الفساد الذي يكاد ان ينهينا، على بدء مرحلة النهاية.

في دقيقة صمت، استطاع أحد اركان الفساد الهرب لأنه كان الأقل تأثيرا وقربا من دائرة السلطة المحكمة، مجرد عقيد رفيع في بدلة عسكرية. وعليه وقع الباقون لأن هناك كان عنصرا غير فاسد، بدا تجرؤه على المواجهة خيالي، وربما متطلب درامي للمسلسل. في النهاية لا يوجد فساد دائم. وان دام يتعفن وتصبح ازالته مطلبا كونيا، لأنه لا يؤثر فقط على جسد متهالك واحد فقط، ولكن على المحيط. فان كان جسد السلطة الذي ينتشر فيه السرطان قد اقترب من التهالك، فان عدم هلاكه سيؤدي الى مضاعفات تخرج من الجسد المصاب فيروسات وبكتيريا تنتشر لتصبح وباء.

إذا ما كان طاعون الفساد قد بدأ بالتفشي، فلن يسكت الشعب المستكين كثيرا، فلا بحر يمكن ان نهرب اليه، ولا حدود ابعد من حاجز ممكن الوقوف امامها.

دقيقة صمت

الفلسطينيون بين مطرقة فساد السلطة وسنديان جبروت الاحتلال

Continue reading “الفلسطينيون بين مطرقة فساد السلطة وسنديان جبروت الاحتلال”

وقبل ظهور هلال العيد..جولة على مسلسلات رمضان

وقبل ظهور هلال العيد…جولة على مسلسلات رمضان

 

لا اعرف ان كانت الكتابة المتعلقة بمسلسلات رمضان إضاعة لوقتي ولوقت من يقرأ. ولكن بما انني اضعت ما يكفي في رصد المسلسلات، وذلك من اجل هدف اعتبره مبررا بالعادة، وهو فهم ما يدور حول واقعنا العربي في فقاعة الدراما، لأن الدراما تعكس بالتأكيد صورا حقيقية للواقع في محاولات للتجميل والتقبيح على حد سواء.

ولكن هذا العام، تداخلت مرة أخرى الفقاعات، بين تلك التي تضخها في سمائنا الدراما الرمضانية وبين واقع صعب حقيقي لم تستطع ملائكة الخير في رمضان ضبط شياطين الشر المنطلقة. فلم يمر يوم خلال الشهر الفضيل الا سمعنا وعلمنا عن شجار مدمى كانت نتيجته في أحسن الأحوال جراح وعطاوي وفي اسوئها قتل وموت. كم سهل قتل نفس الأخ في وقت يستبيحنا العدو الحقيقي، يتفرج علينا ويستهزئ بنا امام اعيننا ومن خلال مواقع التواصل المرصودة من اجل تشويه ومسخ أكبر. تناقضات عارمة فيما نحاول ان نكون عليه وبين أصل ما نحن عليه. فساد الحكومات وفصل جديد من فساد السلطة في موضوع الرواتب الوزارية والمأجورات والمواكب والسيارات، ليكون حساب حكومة آفلة لمصلحة منتفعين او متضررين لم يعد المهم ان نفهم. الحروب المؤلمة الموجعة التي لا يمكن للدراما ان تعكسها، اوجعتنا السودان اليوم، كما تستمر سورية بفتح الجرح الدامي بعدوان جديد عليها، وكأن إسرائيل صارت دولة المافيا التي لا يمكن ايقافها، فهي مؤجرة من قبل ملاك المنطقة أصحاب النفوذ والنقود. لم نعد نتأثر بعدوان الاحتلال الغاشم باي اتجاه. لم نعد نأبه للدم المسفوك ولم تعد الرحمة في نفوسنا الا على من نرأف بهم سياسيا وحزبيا وقوميا.

بين العنف بالحقيقة والبلطجة واستنزاف الشر، كانت المسلسلات انعكاس حقيقي. مسلسل زلزال وبطله محمد رمضان، لم يعجبه السيناريو المكتوب، واحتاج ان يستعرض في اخذ القوة بالذراع وسطوة البلطجة فكان لا بد ان يستعلي محمد رمضان النجم الأكبر على السيناريو والإخراج وتكون سطوة عضلاته هي الكوكب الذي يسطع من خلاله النجم. وعودة غريبة لنجمة خلعت الخمار ولم افهم كمشاهدة ان كان دورها بتلك البداهة ام انه مقدرتها الفنية.

مسلسل حكايتي، الذي طغت مشاهده على وجه ياسمين صبري الجميل، وتفوق الشر والعنف والقتل في حل الأمور. خير مطلق أقرب الى السذاجة يعكسه انتقام اعمى. استعراض دائم من اول مشهد ستفوق وجه ياسمين صبري فيه على المشاهد، وادائها بين موهبة او مقدرة حقيقية وبين استثمار في شكلها، وكأن اهم ما تستطيع الممثلة الحصول عليه ان تكون هيفاء وهبي. وفاء عامر من فنانة كبيرة الى مؤدية وفريق فنانين وفنانات لم افهم سبب سوء أدائهم، اكانوا يؤدون دوما هكذا، ام ان التركيز على النجم الواحد يجعل من باقي الممثلين مجرد كومبارسات؟

ياسمين عبد العزيز في مسلسل لآخر نفس لم تختلف عن ياسمين صبري من حيث فكرة البطل الواحد، وللصدفة ربما كان النجم المرافق هو نفسه في المسلسل الاخر. شر وداعش وعنف وشخصيات متداخلة وياسمين عبد العزيز تحاول بشدة ان تدخل في الدور الجدي الذي كانت تتقمصه.

غادة عبد الرازق في مسلسل حدوته مرة تفوقت على نفسها في تجسيد الشر، وقامت مرة أخرى بأداء قد اعتبره قياسا بالأداء الأخرى هذا العام بالرائع جنبا الى جنب مع ماجد المصري في دوره بزلزال.

على الرغم من عدم الاقناع في الحبكة وضعفها، الا ان اداءها كان متماسكا ليجعل من المسلسل ممكن المتابعة.

مسلسل زي الشمس ودينا الشربيني، كان به من التشويق ما يمكن الاعتماد عليه نوعا ما. ولكن مرة اخرى، بين تركيزنا على البطل الواحد وذوبان النجوم الاخرين امامه كان هناك ازمة، استطاعت سوسن بدر جمع نفسها خلال الحلقات، كما فعل احمد السعدني. لفتني أداء الممثل السوري جمال سليمان، الذي بدا كالعملاق لا معنى لوجوده او بالأحرى لاختيار فنان بحجمه لأداء دور محدود، جعل لكنته المصرية وكأنه يمثل لأول مرة. كان هناك استعراض لعملاق أكثر من القيام بدور ما بالمسلسل، وكأنه روبرت دي نيرو يقوم بدور ضيف شرف لمارلين مونرو، او ربما كما هو الدور أقرب للفنانة، جوليا روبرتس.

جوليا روبرتس كانت البطلة الخفية في المسلسلات، فدينا تشبهها، كما تشبهها احدى بطلات مسلسل صانع الاحلام، الذي سيدخلنا الى الدراما المختلطة. ولكن على سيرة جوليا روبرتس يجب التوقف قبلا امام الممثلة سارة التي قامت بدور البطولة بجانب احمد السقا في مسلسل ولد الغلابة، الذي لا يوجد داعي للكلام عن وهن الحبكة بين عنف وقتل غبي وهروب ساذج، بعد ان تبين ان المسلسل مسروق عن مسلسل أجنبي وسيواجه معارك سرقة درامية على ما يبدو، فالمسلسل المسروق مسلسل ذائع الصيت ولا يزال يعرض، وكان من السهل ان يتبين السرقة من المسلسل الأمريكي.

مسلسل صانع الاحلام من بطولة مكسيم خليل ولفيف من الممثلين جعلونا نشعر وكأننا في ورشة تدريب ممثلين على الأداء. مبالغة قاسية في الأداء واستعراض التقنيات وأداء بلا حياة. تقنية واستعراض لم يكن للقصة فيه أكثر أهمية من ادخال المشاهد او اشغاله في لولبة الاحلام، وقتل الكثير من الأسماك!! وجود الفنان السوري جهاد سعد في دور “صانع الاحلام” الحقيقي وراء الفنان الصاعد، قد يكون اعطى لأداء مكسيم بعض الحرفية، ولكن شتان ما بين الأستاذ والتلميذ.

في أداء ضعيف كان ظهور الفنان جهاد سعد بدور صغير بمسلسل دقيقة صمت مع الفنان عابد الفهد، استوقفتني نفسي للتساؤل عن فكرة افول النجوم. المسلسل بشكل عام جيد ربما، كان هناك أداء لمفت لنجوم غير أساسيين، في وقت لم يقدم عابد الفهد أي جديد بأدائه، وكأن هؤلاء النجوم وصلوا الى مكان متمركز بسماء لا يمكن الا تأمل حسنهم، فلا داعي ان يقدموا أي جديد او يتعبوا على أي دور.

لا يختلف وضع تيم حسن وباسل الخياط وقصي خولي كثيرا، مع الممثلات امامهم من سيرين عبد النور ونادين نجيم واخريات. استعراض خاوي يعتمد فقط على شكل الممثل منهم، لا مضمون لدور ولا صوت لأداء ولا طعم لتفاعلاتهم. عرض خاوي يعتمد على فراغ كبير يؤكد كم الخواء الذي بتنا العيش فيه.

تفوق البوتكس والفيلينغ والماكياج المفرط على الفنانات السوريات، وكأن باب الحارة صار مصنع انتاج بوتكس، استعراض بشكل “ابن عمي” لا يختلف عن استعراض الثلاثي الوسيم في البدلات والجينزات واللحى والشوارب الدقيقة (تيم -قصي- باسل). تشويه للشكل الذي تعودنا عليه من الدراما السورية تحديدا، والتي دخلت في سباق مع الشكل الخارجي للممثلات المدموغ بالبوتكس والماركات المزيفة او الحقيقية مع الممثلات اللبنانيات، وعرض للرجولة في استعراض كان الضرب والدلال توأمين. وكان مسلسل الحرملك مسك الختام في حالة المسخ الدرامية، مرة أخرى من خلال غرض لجمال سليمان وكوكبة من الفنانين والفنانات في محاولة لاستنساخ صورة ماسخة من ارطغرل وحريم السلطان في فانتازيا تاريخية الموقع وعصرية الوجوه واللكنات. وكأن الدراما السورية توقفت عند ابداع نجدت انزور بهكذا دراما وصار كل ما يخرج استنساخ لصورة على شاكلة اعمال انزور، بلا أي جهد الا بالديكور والمكياج واللوحات المجسدة بالفن المعماري التاريخي، بالإضافة الى التعري المبالغ فيه بمشاهد استغرب عرضها برمضان. محاولة مزرية لخلط ما يشبه الدراما في اعمال مرة أخرى يستعرض الممثل فيها مقدرته على الظهور وكأنه دون جوان اذا ما كان رجلا وكيم كارداشيان بصبغة هيفاء وهبي اذا ما كانت امرأة.

مأساة أخرى لم تختف من أي مسلسل، سواء لبناني او سوري او مصري. وكأن ضرب الممثلات جزء من العقد المبرم في المسلسل. تشويه لدور أي امرأة، وكأنها في ديباجة متكررة للجري وراء المال والشهرة والذل من قبل الرجل الصانع او المقدم للمال او الشهرة.

صورة أصبحت أقرب وكأنها النمطية لشكل المرأة.

قد يكون المسلسل الأفضل، هو ذلك الابسط، والذي قام ببطولته الفنان المصري الشاب كريم محمود عبد العزيز مع نجوم متميزين. او ربما اشتقنا للدراما العاكسة لواقع يعيشه الكثيرون ببساطة حقيقية وتلقائية. أظنننا اشتقنا الى العودة الى بساطة عيشنا بسوئها وخيرها.

مسلسل اسود، تابعت اول حلقتين وريما الحلقة العشرين، وكان من السهل متابعته فلم يجر أي تغيير مهم في العشرين حلقة، أداء مصطنع لدرجة الاستياء من كل من يقومون بأي دور بالمسلسل من البطل الخارق الى كومبارسات.

مسلسل أبو جبل، أضاف للفنان محمد شعبان اناقة لأدواره، واستطاع ببراعة ان يقدم دورا مختلفا عما تعودنا منه خلال المواسم السابقة.

بشكل عام، كانت الدراما المصرية اكثر تفوقا واقرب الى العيون بالاستطابة من نظيرتها السورية واللبنانية. كان هناك شعور ما في العديد من المسلسلات ان الفنانين المصريين استعادوا ثقتهم بادائهم واشكالهم، فلا يوجد هوس الوقوف امام الجمال او التجميل اللبناني، الذي اذى بطريقة محزنة شكل الفنانات السوريات في مغالاة كانت منعكسة على الوجوه واللباس والتعري ان تطلب الامر. محزن جدا كان وضع الدراما السورية هذا العام ، فلا تشبه ما عشناه من دراما ولا تعكس بموضوعية او واقعية ما يجري بسورية.

في المحصلة، بين استفحال الشر بتقمص الأدوار بطريقة بالفعل بشعة، من غادة عبد الرازق ومرة، واخوة والاقربون من محمد شعبان وحسن أبو جبل، وشقة فيصل والاخ الحقير المجرم، وابداع الشر وتشرره في دور ماجد المصري بزلزال، وحقارة ورد الخال بأسود، والاجرام المنهجي بدقيقة صمت، والقتل والمخدرات مع احمد السقا واولاد الغلابة وتغليفه برضى الام من خلال تيم حسن بجب، وانتقام اعمى لسكير قام به قصي وخيانة مغلفة بجمال نادين نجيم مبررة بحارس وسيم وكأن أدوارها دائما مرتبطة برجلين على الأقل يتقاتلان من اجلها. وبين سقوط مفاجئ لهذا الشر وحل لكل المشكلات، فالمطرب يجد فرصته والخياطة تصير مصممة أزياء الملوك وشريكة ارماني، والشرير يستيقظ ويتحول من دموي الى دم سائح…. باتت الدراما تشبه حياتنا على الفيسبوك. حياة واقعية حقيقية بشعة نعيشها وأخرى على الفيسبوك نجملها بصورة مفلترة ونصبغها بجملة فلسفية لعجيبة او فضيلة لا نفهمها ولا ننوي تطبيقها.

وكما بكل عام يتفوق رامز بمقالبه على الجميع….. لأنه يعرف من اين تؤكل الكتف، يصطاد الضحايا ويعرف مسبقا ثمنهم. كأولئك المهرولين من اجل صفقة موصومة بدماء ضحايا لا تنتهي معاناتهم ، الى المنامة من اجل بعض القروش..

ورمضان كريم …او عيد سعيد ….اعتمادا على القطر الذي ينتمي كل منا اليه!

سقطات الإعلام “المسقطة” من الجزيرة الى أمل عرفة

سقطات الإعلام “المسقطة” من الجزيرة الى أمل عرفة

 

 

ما جرى قبل أسابيع مع قناة الجزيرة، عندما بثت القناة تقريرا عن الهولوكوست، أرادت المذيعة من خلاله ربط ما تقوم به إسرائيل من فظائع وجرائم بما حصل أثناء الحكم النازي من فظائع سميت بالهولوكوست. الا ان سقطة مهنية قلبت التقرير على صاحبته وعلى القناة التي تردد دوما شعار الجرأة في عرض أخبارها والحقائق التي تركز وتروج لها. فكان طرح المذيعة للتقرير من خلال سؤال تشكيكي بحصول المحرقة (الهولوكوست) وكذلك التقليل من عدد ضحايا الهولوكوست، خارج من إطار الموضوعية، مما وضع التقرير امام ازمة دقة الحقائق والهدف من التقرير وبالتالي وضعت القناة امام تهمة “اللا سامية” مما اضطر القناة الي سحب وحذف التقرير وتوقيف المذيعة ومن كان وراء بث التقرير.

في الحقيقة، ان التقرير بدا جيدا بالبداية، باستثناء طريقة المذيعة بتقديم الحقائق بطريقة تشككية. فمنذ البداية كان المشاهد يتوقع نتيجة تهكمية تسخر من الحقائق التي بنت الدولة الصهيونية عليها تبريرا لوجودها، وتشكك بها. ما لا نفهمه نحن العرب او الفلسطينيين تحديدا، ان الهولوكوست صار حدثا “مقدسا” بالنسبة لليهود. شأن وجداني أكثر من كونه شأنا سياسيا، على الرغم من انه كان نقطة بداية المشروع الصهيوني. الا انه تحول مع الزمن ليكون أكثر وجدانيا للإنسان العادي لارتباطه بمآسي حقيقية تم اقترافها بحقهم. التهويل امر اخر، لا يعني ان المأساة لم تقترف. فبغض النظر ان كان عدد من قتل كان مليونا او خمسة، فهناك حقيقة ان هناك أناس قد قتلوا وعوائل مسحت وأخرى شردت واختفت. وعليه تكذيب الفعل الاجرامي الذي حدث لا يخدمنا، لأنه بالفعل حدث. وما قام به الصهاينة ليس بغريب، بغض النظر عن التأكيد بأنهم استخدموا المأساة الإنسانية الواقعة على الافراد والجموع من اليهود لأهدافهم الاستعمارية ونزعهم شعبا اخر من مكانه. فالتهويل كان طبيعي في وقت لم تكن وسائل الاعلام متواجدة بهذه الكثافة التي نعيشها اليوم، واستخدام المأساة الواقعة لمآربهم كان طبيعيا، لا أخلاقي بالطبع، ولكن اين الاخلاق بالسياسة؟

نعيش ما اقترفته الصهيونية بحق اليهود واستخدامها للهولوكوست كذريعة يوميا، عندما يتم تهويل المصائب من اجل كسب حزب، او تيار، او حكومة، او جهة، نقاط سياسية في شأن ما. نعيش هذا مع كل شهيد يرتقي، وتتسابق الأحزاب على ضمه الى قائمة “إنجازاتها” من تضحيات الوطن.

بين التهويلات التي يصنعها ويبهرها أصحاب السلطات، وبين وجود مأساة حلت بأفراد بعينهم وجماعات، تكون هذه المأساة هائلة بمصابها وأثرها على أصحابها، تكمن السقطات الإعلامية. فبالنسبة للساسة هذا عملهم… الكذب، والتبهير، والخداع، وصناعة الإنجازات على جثث الشعوب.

وما جرى مع الفنانة السورية امل عرفة شبيها بما جرى مع قناة الجزيرة ومذيعتها. قد يبدو الامر مثيرا للسخرية إذا ما انتبهنا الى وجود كل من امل عرفة والجزيرة على كفي النقيض من المواقف بالأصل. فالجزيرة سخرت نفسها للترويج ضد النظام السوري الحاكم، وكان لها يدا أساسية، بل ذراعا كاملا بمسار الحرب ضد سورية، وما تثيره من تقارير حقيقية ومفبركة على مدار سنوات الحرب، كان موضوع الحلقة التي بثها المسلسل التي تقوم به الفنانة امل عرفة.

قدمت الفنانة امل عرفة لوحة درامية في محاولة للفت الانتباه الى الفبركة التي قامت به جهات إعلامية بالاتفاق مع نشطاء في ساحات الحرب كما رأينا وشاهدنا من قبل الخوذ البيضاء.

فبركة الخوذ البيضاء من خلال الجزيرة او غيرها لمشاهد الحرب والدمار والقتل والدم، لا يعني ان المجازر لم ترتكب، وان الضحايا لم تقع. فمئات الالاف ان لم يكن الملايين قد راحوا ضحية للحرب بسورية. وما قامت به الخوذ البيضاء من تهويل يشبه ما قامت به الصهيونية من تهويل للمجازر النازية ضد اليهود. ولكن يبقى السؤال المهم: هل هناك ضحايا؟ والجواب للسؤال هو نعم. وعليه، فليس من حق أحدنا ان يكذب الجرائم المرتكبة.

نعيش هذا دائما في واقعنا الفلسطيني منذ جريمة قتل محمد الدرة ومحاولة الكيان الصهيوني فبركة القصة أحيانا، بجعل الوالد والابن يهودا قتلوا، او تكذيب القصة وتحويل الضحية الى اثم لم يترك مجالا لقناصه الا لقتله.

عندما تنال قذائف الدمار الإسرائيلي من مباني غزة فتأخذ معها الضحايا من أطفال وامهات واباء وعابري سبيل، وتحول إسرائيل الترويج بأن ذلك المبنى كان لعسكريين من حماس.

عندما تفنى عائلات وتمسح من الوجود في مشاهد الحرب المتكررة على غزة، بين إحصاء للضحايا قد يكون مبالغا فيه أحيانا، وبين استخدام إسرائيل هذا التهويل حجة، تتشابه الوقائع.

ما جرى مع امل عرفة، بينما كانت تحاول تسليط الضوء على كذب الخوذ البيضاء وامثالهم، جعلها تبدو وكأنها تسخر من الضحايا وجعلت الامر يبدو وكأنه كله لعبة او مؤامرة من هؤلاء. وكأن الضحايا لم تباد أصلا، وكأن الامر عاديا الا من فبركة هؤلاء.

اعترفت امل عرفة بسقطتها واعتذرت. وهذا ما توجب. فهي كما ذكرت، تعرف معنى الفقدان والخسارة. فكيف يكون شعور الفاقد لعزيز او غالي عندما يروج أحدهم ان ذلك الفقدان كان كذبة.

نعم الخوذ البيضاء مجرمين. كما الحركة الصهيونية مجرمة. هؤلاء وامثالهم يستخدمون دم الشعوب وجثث الضحايا لخدمة مصالح مدمرة في مكان ما اخر.

جرائم الخوذ البيضاء في حق الشعب السوري لا تسقط جرائم النظام السوري في حق الشعب السوري.

وجرائم النازية في حق الشعب اليهودي لا تسقط جريمة الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني.

بيان وزير العدل السابق بشأن الرواتب: عندما يصبح العذر أقبح من الذنب

بيان وزير العدل السابق بشأن رواتب الوزراء: ” عندما يصبح العذر أقبح من الذنب”

 

الحقيقة، ان الوضع مزري لدرجة تجعل من السكوت فضيلة. فماذا يمكن ان يقال في هكذا وضع يتم الاثبات بما أصبح ممنهج، نهب السلطة للشعب؟

وربما، نتحمل نحن الشعب مغبة ما يحدث من احباطات تقع على رؤوسنا من قبل هذه السلطة بمؤسساتها المختلفة، لأننا ساكتين عما يجري. فنحن في سكوتنا شياطين خرساء.

وبين ان يكون السكوت فضيلة وبين كونه فعل شيطاني، أتى بيان وزير العدل السابق بشأن التبرير لأحقيته وغفير الوزراء بتلك الزيادات، موضحا ما بدا جرما في اقترافه، إذا ما كان الفعل كما وضح شرعيا وقانونيا، حيث ان الزيادة تمت بمرسوم رئاسي وبخطوات قانونية.

قدم وزير العدل السابق بيانه بصفته محامي دفاع أكثر من كونه وزير- بالأصل -خادم عام- وكأن البيان يصدر من وزير سويسري يدافع عن حقه وزملائه بالعلاوات الاعتيادية المصاحبة لغلاء المعيشة.

اين كان الوزير عندما خرج الناس في تظاهرات الضمان الاجتماعي؟

اين كان في مظاهرات المعلمين المطالبين بزيادات قروش على معاشاتهم الشحيحة؟

اين هو من الموظفين المصطفين على امل نزول الراتب امام الصراف الالي من اجل نصف معاش؟

كيف يقبل الخادم العام على نفسه ويحارب من اجل حقه بينما يحجب وجهه سمعا ونظرا ونطقا عن إعطاء الحق العام للشعب. اين حق غلاء المعيشة للمواطن؟

كيف سمح وزير العدل ان يتضاعف راتبه لأكثر من نسبة مئة بالمئة بينما لم نسمع كلمة له ولم نر بيانا يعترف فيه بحق المعلمين في زيادة الأجور وفي رفض المجتمع لمشروع الضمان الاجتماعي؟

هل هكذا يتم احتساب العدل في شريعة السلطة الفلسطينية؟

في البيان الطويل الذي قدمه الوزير السابق، استطاع فيه ان يقدم تبريرات عبر فيها فقط، عن صدق مقولة “عذر أقبح من ذنب”.

في وقت تتراكم التسريبات بشأن فساد الوزراء السابقين (جمعا)، وبلا شك الحاليين، لأن الفساد الذي بدأه السابقون بتجاوزاتهم على المال العام لا يزال مستمر بالوزارات الحالية. مسكوت عنه اخر، لا يريد أي وزير حالي او سابق الكلام عنه (الا من كان خارجا عن السرب فلم يبق أصلا على رأس وزارة، او بالأحرى تم التخلص من كل الوزارة). ما نشاهده من تسريبات لبدل الايجار في وقت لا اظن هناك وزير لا يملك عقارا، ومع هذا لا يتوانى الانسان منهم على نهب المال العام وادراجه في رصيده، معتبرا ان هذا المال العام خاصا له. وموضوع السيارات موضوع اخر متكرر. والنثريات والتجاوزات وما نعرفه ولا نعرفه من خفايا الفساد المستشري بمؤسسات السلطة.

يعود بيان الوزير السابق ليضرب الطنين في اذني، هل رأى الوزير في بيانه الدبلوماسي علاقة بين خطة الحكومة المعلن عنها بشأن التقشف وبين زيادة معاشات الوزراء؟

قد يستمر كلامي وتساؤلاتي بنهج التهكم، ولكنه بالتأكيد الم يعتصر القلب عندما نجد أنفسنا مستمرين بهكذا واقع مفروض علينا، وشعور بالتقزز كلما فكرت كيف سمح هؤلاء لأنفسهم ان ينهبوا المال العام بينما تنزل العالم الى الشوارع مطالبة بحقوق يمكن سدها بجزء قليل من تلك التجاوزات التي سمحوا بها لأنفسهم على حساب لقمة الشعب وقوته.

تتحول السلطة يوميا، وبكافة أجهزتها ومؤسساتها الى عدو للإنسان الفلسطيني العادي. فتجاوزات الوزارات والفساد المستفحل في كل مرافق الحياة السياسية، اقترب الى مرحلة من الممكن ان يساوم الفرد فيها على بيته ورزقه ولقمته. الحقيقة انه قد وصل… لم يبق لدى السلطة الا ان تأخذ الشعب فردا فردا وتطحنه في ماكينة ما وتبيعه سمادا لمن يحتاج لسماد عضوي من تجار البشر والحجر، او تنهشه اذا ما جاعت.

حالة الاحتقان المتزايدة لدى الشارع مع كل فضيحة فساد جديدة، مرتبطة بتفاقم الفساد من حالة خاصة استثنائية متكررة ما، الى حالة جمعية من الفساد الذي نراه الآن في تسريبات المعاشات والسيارات والايجارات. فالرقم يضرب بعشرين، وليس لمرة واحدة او لفترة محددة، بل أبدي ويتم توريثه. وكل هذا من حساب الشعب. من قوته ومن رزقه ومن حقوقه.

ولكن هكذا تكون الحال… عندما نصل الى مرحلة ” ان لم تستح فافعل ما شئت”.

جزء مؤلم من حكاية” أم ببساطة حقيقة لواقع أليم

جزء مؤلم من حكاية” أم ببساطة حقيقة لواقع أليم

 

 

أمير تاج السر، الكاتب السوداني الرائع، رافقني على مدار شهور برواية رائعة بمذاق قلمه، مؤلمة بمرارة الحبر إذا ما خدع على غلاف الرواية، إذا ما خدع الناظر بين دم مفترض او شرابا أحمرا حلوا.

منذ أن بدأت القراءة المسموعة وقلت قراءاتي الورقية، وصرت أكثر انتقائية وحذرا في القراءة.

“جزء مؤلم من حكاية” هي الرواية الثانية التي أقرأها للكاتب السوداني الكبير. الرواية الأولى كانت مرشحة بجائزة البوكر وكانت حازت على المرتبة الثانية في القائمة القصيرة في العام الماضي. كانت تلك المرة الثانية التي اطرح على نفسي سؤال: كيف يتم اختيار الروايات الفائزة في هكذا جوائز؟ فعندما تقف امام رواية بحجم هذه الرواية، وترى رواية أخرى تفوز بينما لا تقترب حتى من قوة هكذا رواية في حبكة او صياغة او ترابط او غنى معاني وتعابير. ليس من السهل ان يصل الكاتب الى مرحلة يصبح فيها اديبا. وما قدمه امير تاج السر في تلك الرواية كان أدبا خالصا.

صادفت قراءتي لهذه الرواية، في وقت حازت رواية “سيدات القمر” على جائزة البوكر مان العالمية. ووقفت امام نفسي مرة أخرى بالتساؤل عن معايير اختيار الروايات لهذه الجوائز. أعترف انني أصل تدريجيا الى أزمة صريحة امام نفسي مع الفكرة الاستشراقية بكل ما نحيا. فالموضوع يصبح بمعاييره مرتبط بما يريد الغرب المستشرق من شكل للشرق بالأدب في هذا الصدد. فهل مصادفة اختيار الأقل جودة وصياغة وابداعا وترابطا وعاكسا او معبرا للواقع ومترجما او ناقلا للثقافة العربية من قبل هذه الجوائز، سواء كان موقعها بالشرق او بالغرب؟

على الاعتراف أيضا ان الذائقة الأدبية متفاوتة، ما يعجبني ليس بالضرورة رائق لذائقة غيري في القراءة. ولكن تبدو لي الازمة فيما يحصل من اختيار روايات في هكذا جوائز مريب وخطر للمستقبل. فهذه الاعمال ومن يقدمونها، سيكونون جزء من تاريخنا بعد سنوات طويلة. عندما نغيب كشعوب حالية عن الوجود، ستبقى هذه الاعمال لتقدمنا وتعكس ما كان حالنا عليه. وما يبدو ممنهج هنا، هو ما يقوم فيه الغرب بفكره الاستشراقي تثبيته ليصبح هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن اعتمادها بالمستقبل.

ما يجري من حروب في الشرق تطول الحجر والتراث والحضارات التي بقيت للآلاف السنين قبل ان تطال الانسان وتشرده الى المحيطات وما وراء البحار تبدو أكثر من خطة حرب يراد فيها فقط الاستيلاء على خيرات الشرق من نفط وغاز وموقع استراتيجي للتجارة والنقل. هناك ارث حضاري يتم تصفيته منذ بدء الحرب على أفغانستان مرورا بالعراق وسوريا والسودان ووصولا الى اليمن، ومحاولات لا تتوقف لانهيار إيران. فهذه البلدان ليست مجرد بلاد نفط وغاز او نزاعات للأصوليين والدكتاتوريات. هذه بلاد صنعت فيها حضارات شكلت ماهية العالم المتحضر في وقت لم يكن الغرب فيها أكثر من متسكع تائه غير فاعل في ملكوت الكون.

من اجل هذا على من يرون الصورة بأبعاد أخرى- ليست بالضرورة هي الصورة الصحيحة، ولكنها محتملة كغيرها من الصور والفرضيات- ان يتمسك بأصول الخير فيما نملكه هنا في الشرق.

في رواية “جزء مؤلم من حكاية”، قدم امير تاج السر ما هو اشبه بالعبقرية في خلق واقع متخيل من مدينة او مملكة، تحمل القارئ للتساؤل وربطها في مدينة او مملكة حقيقية نعيشها هنا. تحملنا من زمن بعيد كما هيأ لنا الكاتب في حبكتها، الا انها تعاصر تفاصيل حياتنا اليوم. فإذا ما كان الواقع المتخيل لرواية أديبنا كانت في القرن الثامن عشر، فلم يتغير من ذلك الواقع في حقيقته اليوم في القرن الواحد وعشرين شيئا الا تفاصيل العصر الحالي.

“مرحلي” القاتل المأجور الذي ينفذ بلا سؤال، وتعلم التعايش والاستئناس مع اشباح ضحاياه الذين لا يعرفهم. ” ديباج” العقل المدبر لجرائم يفترض انها قادمة وفق أوامر ومصادر أخرى، تجعلك كما تجعل “مرحلي” يظن ان هناك عصابة او جماعة متنفذة تقوم بقرار الاغتيالات. مجتمع عاهرات قذرات كانعكاس وحيد لما هو متاح، فقر يجعل من العدم أملا، ومن القاذورات وطنا، ومن معتدي على الأطفال عته، صاحب وسام الخلود من الملك. أساطير وأشباح تحط على القاتل المأجور ولا تقترب من المؤجر، فهو يبقى دائما بريئا بعيدا عن الشبهات حتى ولو كان اسمه في “قائمة الحقراء”.

تنتهي الحكاية بحقيقة موجعة ل “مرحلي” الذي رغم الشكوك وعدم الراحة وصحوة الضمير الغائب وظهور الاشباح وتعدد الإشارات والتنبيهات، بتنفيذ مهمة أخيرة طلبها منه “ديباج” تنتهي بالتخلص منه لأن قاتلا أفضل منه، متعدد المواهب ويطيع فورا وبلا تردد اثبت ولاءه الكامل. والاهم من كل هذا استرداده لما دفعه من اجر على مدار العقود!

” مرحلي يا اخ.. انت شخص جيد.. صدقني جيد ومخبول وغريب وغبي من طراز محبب. طراز نادر، انت في الحقيقة اذكى غبي أصادفه.

أنا أقول ذلك واكرره، لكن دائما هناك ما هو اجود من الجيد، وأفضل من الأفضل نفسه، وأكرم وانقى من الكريم والنقي، هناك شجرة مانجو تثمر بطريقة رائعة، وشجرة مانجو أخرى تثمر بطريقة أروع.. هناك نملة مجتهدة في لم قوتها، ونملة ثانية مجتهدة في لم قوتها، وقوت اخريات. هناك امرأة فائقة الجمال وامرأة تفوق فائقة الجمال، وانت تعرف ان كثيرا من الحيل التي تمتلكها وامتلكتها طيلة تلك السنوات، كانت ممتازة، خدمت جنوني، لكن ذلك لا يكفي.

كانت تأتيك رسائل للمهمات، وتنفذها بلا ابطاء، وتسأل أحيانا…واقول لك دائما، بكل بساطة: لا اعرف. لا اعرف يا اخ.. اقسم لك لا اعرف.

في الحقيقة لا يوجد سبب على الاطلاق، ولا يوجد أصلا من يدفع لي او لك لتسرق الروح من أحد، هو خطي الذي اجيد التحوير فيه. كما اريد، من دون أي مشكلة هي دنانيري التي املكها واعيرك إياها فقط، واعرف أني سأستردها ذات يوم وقد استرددتها فعلا، استرددتها اضعافا….

ستسأل. لماذا اختار أشخاصا مسالمين او حتى أشرارا، وادفع لقتلهم؟

لا سبب واضحا حتى لدي انا……”

جزء مؤلم من حقيقة نستمر بعيشها من أجل “اخ” يبيعنا الدنيا بوهم خادع كبير، معتمد على طمعنا وضعف نفوسنا من اجل بعض الدراهم التي نكتنزها او نسرف باستخدامها لما ينصحنا هو به او من اجل ان يأخذها منا من جديد برغبة او بخديعة لن يتردد بأن تكون روحنا هي ثمنها.

%d bloggers like this: