حياتنا بين القمع القصري والاختياري

حياتنا بين القمع القصري والاختياري

أكثر ما أثار انتباهي وأوعز من حفيظتي في ما جرى في مصر بردود الفعل بين الثورات
هو ذلك القمع الذاتي الذي تبناه الأفراد ليصبح تبنيا شعبيا نحو اتجاه واحد بعينه او ضده.
فبين تشدد وتحيز مطلق وأعمى تجاه التخلص من الاخوان ومحو أي اثر لهم من الذاكرة المصرية وما صاحب تلك الذاكره من انقسام وفي داخل البيت المصري دفع فيه المصريون الكثير من الدماء التي لم يتوقعوها حتى في أسوأ ما اعتبروه من زمن أستطاعوا فيه اسقاط طاغية وحكم استبدادي دام عقود. وبين اتجاه اخر ، آمن بأن هناك مؤامرة وصل العبث فيها الى ربط كل ما هو مسلم بها ، انتهت في اماكن عديدة مأساوية ، ولا يزال يترتب عليها لجوء الكثيرون لتنظيمات أكثر تطرف وصلت الى داعش.
من الأمثلة المهمه التي حدثت هو إسقاط برنامج باسم يوسف ، بدون أي داعي لتدخل حكومي او قرارات . كان هناك إسقاط شعبي بطريقة ساخرة مؤلمة اجتمع فيها النقيضين .
وبينما تحاول مصر الخروج من هذه الهوة ،التي بدأ البعض إدراك عواقب الوقوع فيها ، يبدو وكأن إسرائيل تعلمت بطريقة مقصودة ام تلقائية بأن هذه السياسة ممكن فرضها على الفلسطينيين.
فبينما تشد قبضتها على الشعب من شماله الى جنوبه . وتزيد من بطش آليتها العسكرية وتكثف شنها لحربها على المواطنين بكافه الاشكال حتى طالت جميع الفئات . فلم يعد طفل او عجوز او امرأة مستثنى من الهجوم الذي أعلنته إسرائيل على الشعب الفلسطيني ، وبالاخص على المقدسيين .
لا بد ان ردود الافعال منذ مقتل الفتى ابو خضير وتوقفا في محاولة الهجوم والاعتداءات المتكررة على الاقصى لا تزال تصيب إسرائيل بصدمة .
فكيف يعقل ان تكون هذه الردود وبهذه الطريقة من اولئك “المستعبدون” طيلة العقدين الاخيرين تحديدا بمنهجية محكمة ؟
كيف يتسابق الانسان المقدسي على المحافظة على بقائه في القدس بالحفاظ على هويته الاسرائيلية من خلال الحرب المنظمة والممنهجة غوغائيا لتشتيت قدرة المواطن المقدسي امام اي امكانية للصمود . فلقد نهجت اسرائيل نهجا محكما متعدد الابعاد في السيطرة المطلقة وجذب المقدسي على العمل من اجل الصمود في بقائه بالقدس لما بدا وكأنه من آجل تأمين صحي وخدمات تأمين وطني .
كيف تفقد اسرائيل السيطره عن كل هؤلاء المصطفون لتلقي الخدمات المختلفه والكثيرون الذين يتلهثون من اجل الحصول على الجنسية ايضا ؟
كيف فلتت زمام الامور منها ؟ فلقد وصل الامر بالمقدسي لتفضيل الجنسيه الاسرائيليه على الفلسطينيه . فتمنى الكثيرون سرا وعلانية البقاء في العيش بكنف اسرائيل لما تقدمه من رغد ظاهر بالحياه تفتقد اليه مدن السلطة الفلسطينيه. ولقد نجحت بتشتيت تركيز الشعب عن معنى الهويه والصمود للتركيز على مفهوم الهوية والبقاء من أجل لقمة العيش فقط. فأصبحت الهوية المزعومة هي بطاقة للتأكد من الحصول على بعض الامتيازات التي تسمح لنا بالعيش في مدينتنا ، بدلا من ان تكون حقنا المشروع في الصمود في وجه الاحتلال.
ما جرى من تفجرات شعبيه لا يزال صادما لاسرائيل ، كما صدم مبارك ومرسي عند خروج الناس بالمظاهرات . احدهم ظن ان بطشته حديدية استبداية لا تقهر ، والاخر صدق انه هو الذي جاء بالشعب الى البديل من الاستبداد ناسيا ان من توجه على عرش الحكم هو نفس تلك المظاهرات من نفس ذلك الشعب.
فإسرائيل لا تزال تصر بانها ديمقراطية وبكل أحوالها تبقى احسن اداءا على الصعيد الاجتماعي من العالم العربي عموما والسلطة الفلسطينيه تحديدا.
ومن الناحيه الاخرى تصر على ان استخدام القوة الحديدية المفرطة والعقاب الترهيبي الجماعي سيخضع الناس إلى قبضتها .
فإسرائيل بكل الاحوال تستمر بنهج معين محدد منذ قيامها ضد الفلسطينيين والمقدسيين تحديدا. فالهدف المبتغى الوصول اليه واضح ، سكان عرب أقل . وهذا كان ولا يزال يطبق بنفس
الاسلوب ، عن طريق سحب الهويات و هدم البيوت وتقليص الخدمات ورفع الضرائب وكل ما تستطيع عمله من اجل الوصول الى عدد سكاني أقل تحت أسرلة ممنهجة. كان هذا عن طريق ابتسامة او عن طريق سحل وبطش وقتل واعتقال.
آعترف بأن ما يجري من تشديد بدأ يصل الى صم الأفواه مريب . وأعترف بآنني خفت للحظات .. نفس الشعور بالرعب الذي أصابني عند مقتل محمد ابو خضير . ذلك الشعور بأن الخطر بدا يقترب . ليس اي خطر. خطر خطف ابنك من باب دارك واختفائه من الوجود الى الابد.
وبينما لا تزال اسرائيل لا تفقه بأن الحياة عزيزة على اصحابها وذويهم ، وليست مقتصره علي خصوصيتها بحياتهم هم وخساراتهم هم . لا تزال تظن بان اساليبها القمعيه التي عانى منها اليهود في أنحاء المعمورة لقرون ، جعلت منهم في مراحل معينة من الزمن يحفرون الانفاق وينظمون خلايا مقاومة من اجل وجودهم .
ولكن بينما لا يزال الكيان الاسرائيلي منشغل بتدبير وسائل جديدة للقمع والتخلص منا .
بدأنا نحن ، وكالعادة وبلا وعي بمساندتهم . فانتصار اسرائيل علينا يكمن في نجاح اسرائيل بكتم اصواتنا بحقنا في الوجود على ارضنا بكرامه .
اسرائيل ستستمر بنهج ما تنهجه ضدنا ، ستكثف بطشها وتشد من قبضتها ، ليس بناءا على ردة فعلها من افعالنا ، ولكن لان هذه خطة اسرائيل الازليه تجاهنا..
ما نحتاجه اليوم واكثر من اي وقت مضى الى الوعي . الوعي الحقيقي بما نريده واين نقف والى اين نتجه.
نحن كمقدسيون بالاخص، وفي غياب بوصلة تحدد معالم اتجاهنا من قبل السياسيون . علينا ان نعمل وبجد على حماية ما تبقى من هوية وطنية.
فلا بد ان نكون قد تعلمنا بأن اسرائيل ستنظر دائما لنا بالعين الدونية ، ولن تترك اي فرصة للتخلص منا وبأي طريقة ممكنه .
ما مر بنا كشعب في السته الاشهر الماضية أعاد لذاكرتنا النكبة . وما حاولت اسرائيل عمله وقد تكون نجحت نسبيا هو اعادة انتكابنا . فما حصل من قتل وتدمير بغزة لم يكن الا عملا مدفوعا بالكره والنيه الحقيقيه بالتخلص من الشعب وبلا هوادة.
وما علينا تعلمه هو اولا ثم ثانيا ثم عاشرا ، باننا علينا ان نتعلم اولا . او نفهم ما الذي يجري حولنا بوعي وفهم حقيقي ومباشر وان نتعامل معه على حسب امكانياتنا لا على حسب تمنياتنا .
ولكن وبكل الاحوال علينا ان نجلس مع انفسنا كشعب ، كل واحد على حده . فهذا الشعب هو كل واحد منا ، وان نراجع كل ما تسبب في وصولنا الى هذه المرحله من الانكسار الذي كاد يطال نكستنا الثانيه .
في النكبة الاولى كان الفزع والهرع والرعب ما أدى الى تهجير لا يزال مستمر ، وبطش احكم علينا بسبب عدو غاشم وخنوع قيادات عربيه اجمعت على ما آل اليه حالنا … ولا زلنا نسمع هتافاتهم الفاهية ونلومهم على حالنا وننتظر قدومهم لتحريرنا. .
لن نتحرر الا اذا حررنا انفسنا. ولن نستطيع ان نحرر انفسنا قبل ان نفهم انفسنا . ولن نستطيع فهم انفسنا من دون ان نفهم ما جرى وما يجري حولنا .
قد تكون سيرينا ، ابنتي ، ابنة ال-١٢ ربيعا ،قد اعطتني هي وابنة اختي ساما التي قررت الذهاب الى الاقصى لتصلي لان الاقصى يحتاج اليها ووجدت نفسها بما اصبح مغامرة لا تزال لا تعي ولا تدرك معالمها . وصراخ ابنتي بوجه افراد العائلة مدافعه فيما تعيه ايضا من ادراك على ما يبدو فاق عمرها لما شاهدته من ظلم وقتل يقع على ابناء غزه طوال شهرين متتاليين . واعتقالات لمراهقين يكبروها بسنوات قليله ، وهدم بيوت لأشخاص تعرفهم من هنا وهناك .
صراخها بان لا معنى لوجود بدون وطن لا يزال يضرب على عروقي .
وكأن الدم بداخلي عاد للحياة من جديد …
هناك جيل سيقاوم من اجل الحياة الكريمه التي نستحقها …
فأتمنى ان لا نقمع اصواتنا
فيكفي ما يتم قمعه فينا من كل الاتجاهات ..
لا يزال الكثير امامنا كأهل … هناك جيل يريد ان يكبر ومصمم بنبضه الفلسطيني ان تبقى فلسطين وطنه
وهناك لغة نستطيع استخدامها ، ووعي نوسع افاقنا من خلاله ، وادوات نستخدمها في المقاومة … بعيدة عن القتل والسفك والتشجيع على الدهس والشماتة بسقوط ابرياء …أي وكل الابرياء.
لا زلنا امام تربية جيل يحتاج الى وعي حقيقي ، بإدراك أهل يحترمون انفسهم ويبصرون ما حولهم بدراسة وثقافة واخلاق قيحتاجها ابناؤنا منا ليفكوا القيد الذي كبل أيدينا وحط على قلوبنا حتى نسينا من نكون .

Leave a Reply