بين إسراء وإسراء جريمة تعيد تشكيل نفسها وتنتظر دورها فيها فاطمة مشعلة.

صرخة تطلقها فاطمة مشعلة لوزارة الصحة قبل ان يكون مصيرها تقرير طبيب شرعي آخر!

 

 

هل من الممكن ان تكون الأسماء إشارات تذكيرية حقيقة؟ كانت نيفين الأولى. جريمة قتل تركبت فيها التداعيات لتشكل دقا عاليا على خزان الحقيقة. حقيقة سهولة قتل أي انثى، مهما صرخت واستنجدت. مهما ابتعدت قضيتها عن الأسباب التي يقدم المجتمع فرحا على تأكيد أحقيته بقتلها. مهما ثابرت وحاربت من اجل اعلاء كلمة حق ودافعت عن قضية كان ندها فيها فساد ولو وكان بسيط. أحيانا تنتاب وجهي ابتسامة عندما أفكر بالمغدورة نيفين العواودة التي قتلت من اجل محاولة فضح قضية فساد في مدرسة تابعة لوزارة التربية والتعليم في مدينة الخليل كانت تعمل فيها. فساد لا يتعدى بضعة الالاف من الشواكل. لم تستوعب المغدورة نيفين العواودة ان محاربة فساد يسير مع الدم في عروق وطن، ليس أكثر من قطع وريد للانتحار. ولكن نيفين استطاعت بموتها ان تدق على خزانات ضمائرنا ولو للحظات بين الفينة والأخرى. مع كل جريمة تكون ضحيتها انثى تخرج روح نيفين العواودة من مضجعها لتحوم حول ضمائرنا وتسألنا: بأي ذنب قتلت؟ وبأي دليل لفقتم جريمة قتلي وحللتموها؟ ولأي خسيس تبرعتم بدمي وبأي ثمن؟ أي تقرير لفق واي تشريح زيف واي قاتل اختلق للتستر على جريمة قتلي؟

جاءت جريمة قتل إسراء الغريب لتدق مضاجع امن ضمائرنا المستكينة من جديد. جريمة راحت فيها الشابة اسراء غريب التي كانت مليئة بالحياة، لتكون ضحية جديدة، وسط الأضاحي التي يبتلعها هذا الوطن بفج وبلا أدنى شعور باكتفاء ممكن. فدم الانسان دوما مهدور، والانثى في دمها أسهل للهدر وأسرع. إذا ما نظرت الى شاب او إذا ما كانت على علاقة معه. إذا ما قرر ابوها او اخوها او زوج اختها او عمها او خالها او جارها او بائع في الدكان المجاور او البعيد ان وجودها يستثير حمية رجولته فله ان يضربها ويقطعها ويرميها من شرفة او يكسر عمودها الفقري او ينهش في احشائها. فهناك بنهاية كل جريمة مستشفى وطبيب وممرض ورجل امن وطبيب تشريح ونيابة تعرف تماما كيف تغلق الموضوع لمصلحة أي قاتل.

اما اسراء الأخيرة التي شهدنا مقتلها بينما شقت رصاصات جندي صهيوني جسدها على حاجز قلنديا، تركت بلا اسم اخر يعرفها، وكأنها ضحية تلقائية لا تدخل ضمن حدود ضمائرنا المستترة. فللاحتلال في اضحياته حصة من قرابيننا لا تدخل مجال تدخلنا. شجب ودعوة على الاحتلال تكفي. إسراء لم نعرف عنها الا اسمها.. فضحية مثلها لن تسجل في ضمائرنا الا رقما.

مع كل هذا، وبينما تحوم أرواح الضحايا وتتشابك أسماءهم من نيفين لإسراء لولاء لبراء لفادي ورائد… نكتفي نحن جمهور المتفرجين بين مدافعين ومنددين، بين معارضين ومسحجين، بتعليق او إشارة او ايماءة في أحسن حال. او مسبة او تحقير او تهديد إذا ما كان المس في جهاز سيادي يتطلب الامر التسحيج والتطبيل له.

فتأخذنا قضية جديدة، لا نعرف ان كانت بطلتها ستكون “مغدورة” قادمة. فلقد صرخت من قبلها نيفين العواودة، ولم تترك باب وزارة ولا مكتب سيادة الا وقرعته. كانت قضيته موثقة بكلامها ومستندات رسمية وحقيقة على صفحتها الفيسبوك، ورميت من الطابق السادس ولفقت اركان الجريمة بدء بقضية شرف وانتهت بمولع قتلها في الخلاء وحملها ست طوابق ورماها بعد ان فتح الباب بملقط الحواجب. لم يصدق الرأي العام أي من التصريحات الرسمية، بدء من تشريح وانتهاء بتحقيق “امن وقائي”. فتقرير الوفاة يعد حسب الطلب ويبدل ويغير، كما جهة الاختصاص بالتحقيق.

لم تختلف قضية اسراء غريب لولا الضغط العام المهول الذي أحرج السلطات المختلفة، فكان قبل اسراء قوافل الضحايا من المغدورين والمغدورات، فقضية الطفل فادي المحتسب وقضية الشاب رائد الغروف ليست الا امثلة اخرى محددة وسط القضايا الكبيرة التي غدر فيها أصحابها وهم احياء، وغدروا كذلك وهم اموات. الطفل فادي المحتسب الذي باع والده بيته من اجل الوصول الى عدالة يحاسب فيها قاتل ابنه الطفل ومغتصبه. الشاب رائد الغروف الذي فضح فساد ما بفندق تملكه السلطة وكان مصيره الرمي من طابق شاهق.

صرخة أطلقتها شابة صحافية وشاعرة مليئة بالحب والعطاء إذا ما تتبعنا صفحتها تدعى فاطمة مشاعله. تشيد دائما بما يضفي حب من خلال عذوبة اناشيدها باللهجة المحكية، مفعمة تبدو بالحياة والامل، حتى دوى صوتها سماء ضمائرنا المتسترة من جديد.

فاطمة مشعلة من خلال فيديو مباشر اشعلت لهيب وجعها وهي تستغيث بتحويلة طبية من وزارة الصحة. تتكلم بحرقة على حال بلد كانت مقتنعة انه “مش هيك”. تهدد بأنها سترقد على باب وزارة الصحة حتى تحصل على تحويلة طبية.

“ما بتحسوش بأوجاع الناس لحد ما تموت” تردد فاطمة مشعلة. ذكرتني فاطمة بنيفين العواودة من جديد، وقلت في نفسي، لن ينظر لك أحد الا عندما تموتين.

كما صرخت من قبلك نيفين العواودة.

وكما استنجدت اسراء غريب من قبل ولم يسمعها العالم الغائب الا بعد ان دوى صراخها العالم واخترق جدران الخنوع التي ترقد بها ضمائرنا، ولقد ماتت. لنستكين من جديد، منتظرين ربما قربانا جديدا نشعل فيه خطايا حياتنا البائسة.

تلف وتدور الجرائم بحق الضحايا من المغدورين والمغدورات، وتتوقف لتكون المعضلة عند وزارة الصحة. بمستشفى او مجمع طبي.

صرخة هذه المرة تطلقها ضحية جديدة لم تحمل على جبينها طوق الغدر وتحلق به فوق رؤوسنا بعد.

صرخة تطلقها فاطمة مشعلة من اجل تحويلة طبية تنقذ حياتها.

كم من تحويلة طبية انتظر أصحابها وكان المنتظر هو تقرير طبي من وزارة الصحة بوفاة؟

في قضية اسراء غريب، خرجت وزيرة الصحة على صفحتها مدافعة بأنها لم تسد باب من طلب لقاءها، وان مستشفيات فلسطين بحاجة الى دعم لا اغلاق.

هذه صرخة جديدة من مواطنة لم تصبح “مغدورة” بعد. فهل من اذن تسمع، وعين تبصر حرقة قلب هذه الشابة المستغيثة لحياة… لتحويلة تنقذها قبل فوات الأوان؟

 

 

الانتخابات الإسرائيلية بعيون فلسطينية: نتانياهو خسر.. نتانياهو انتهى…تكبير

1.jpg

 

متابعة الانتخابات الإسرائيلية كان اشبه بمتابعة مباراة كرة قدم بين ريال مدريد وبرشلونة من قبل الجماهير الفلسطينية. التحيز المطلق لأحد الفريقين، والاستماتة على هزيمة الفريق الذي نلبس قميصه على الآخر.

وانا كنت كعادتي، مع الفريق المنتصر، او المنهزم، لا يهم… من يلعب جيدا هو الفائز. لأنه بالنهاية أي من الفريقين ليس فريق المنتخب الفلسطيني (الفدائي). فخسارة او كسب أي من الفريقين لا يعنيني، ولا يفيدني الا بمتعة المشاهدة.

في مباراة الانتخابات الإسرائيلية، لا يعنيني من قريب أو بعيد من المنتصر، ولكني اتابع اللعبة بحرفية لاعبيها، ولا أستطيع ان أنكر ان اللاعبين الأساسيين يحترفون اللعب من اجل الفوز دائما. ونتانياهو يستمر باللعب الاحترافي حتى في الشوط بدل الضائع، وأكبر خسارة يحققها هي التعادل الإيجابي.

الحقيقة، أنني وبينما استغرب استماتتنا كمشاهدين على خسارة نتانياهو، لست متفاجئة، فنحن لم نغير اماكننا ابدا من مجرد كوننا متفرجين، وأكثر ما طورناه هو تقنيات التحليل التي قد نكون اتقنناها، فالفاضي يعمل قاضي.

نستطيع ان نحلل، ونقرر من هو رجل إسرائيل الأنسب، ونفهم ونجزم بالشأن الإسرائيلي أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، ونشعر ونعرف ما يجول في أعماق ذلك الإسرائيلي الذين نتابعه من خلال شاشة او يمر امامنا بأحسن احوالنا على حاجز بلا ان نكون ضحية معلنة للشعب المتابع بشغف وراء فضائه الأزرق بشاشة ١٣ انش.

استشهدت صباحا مواطنة على حاجز قلنديا، لم يتم تداول اسمها بعد- ربما.. ولكن كانت مشاهد إطلاق النار عليها من قبل الجنديين الإسرائيليين (وقد يكونا عربيين) انتشرت. المشهد الذي تم تداوله شاهدنا فيه كيف تم إطلاق النار على رجليها. واكتفينا بالمشهد الصادم. كالعادة، عند الصحافة الإسرائيلية الخبر اليقين، فالصحافي في هآرتس نير حاسون يبدو وكأنه متفرغ للأمر أكثر من تفرغه لانتخابات بلاده. فالرجل منذ الصباح وهو يتابع الامر وكأن هذه الانسانة قريبته. مع الأسف أضحت شهيدة. من ناحيته، يتابع نير حاسون القضية بشراسة ليفهم كيف قتلت امرأة شاهدنا ان الإصابة كانت موجهة الى رجليها. ولكن بالنسبة لنا نحن الشعب القابع وراء حصون الشاشات لم تعد الحواجز والجدران ولا المعابر تهمنا.

ما يهمنا هو خسارة نتانياهو.

ما يهمنا هو خسارة نتانياهو التي لا ذرة تأثير لنا فيها. فالإسرائيليين نسوا في معظمهم انهم دولة احتلال. كل ما بقي منا نحن العرب، هم أولئك المتسابقين امام العالم من اجل وصلة في مقاعد الكنيست الإسرائيلية. استماتة على الوجود عندهم وبينهم وفيهم. لن يشكلوا ابدا قوة مانعة حقيقية ، لأن الإسرائيليين مهما اختلفوا فيما بينهم ومهما اقتتلوا ، فان العربي لن يكون اكثر من جندي يجب الاستغناء عنه في اول فرصة في لعبة الشطرنج التي لا اختلاف على ملوكها واحصنتها ووزرائها.

جنود عرب في صفوف القتل. لا تؤرق العربي الذي يريد ان يحرر فلسطين من تحت قبة الكنيست.

قتل لم نعد نأبه له.

مستوطنات تمر من بيوتها وتستقر في احيائنا.

حواجز تتحول الى معابر حدودية امام اعيننا.

شوارع تشق من مداخل أراضينا، تدمير بيت او شجرة فيها سيان.

قطار ننتظر انهاءه محى معالم الخطوط التي كانت خضراء لتحسم امر المدينة في حل سياسي …قادم…

قطار هوائي وأنفاق تعبر من تحت ارجلنا وفوق رؤوسنا ولا نصدر صوتا.

الفساد ينخرنا من داخلنا.

العنف بات المشكل الأساسي ليومنا.

السيادة نفهمها بتبعية تنظيم وخاوة وفصيل.

والاختلاف ليس الا خلافا قد يتحول الى دمويا في لحظة. طلقات نارية تفرغ بالأفراح او بالطوش والمناوشات الداخلية.

ولكن الانتخابات الإسرائيلية في نهاية مدوية، نتمناها، نصلي لها، ندعو، ونصبو اليها لنتانياهو، هي الإنجاز الأعظم لتاريخنا في هذه اللحظات.

سقوط نتانياهو يعني انتهاء صفقة القرن!

سقوط نتانياهو يعني محاسبة الفساد الإسرائيلي!

سقوط نتانياهو يعني توقف التوسع الاستيطاني ….. لا لحظة!

سقوط نتانياهو يعني استمرار التوسع الاستيطاني كذلك

سقوط نتانياهو يعني افتتاح ما بدأه من تحويل الحواجز الى معابر، واستكمال ما ينقص من التفافات الجدار حول انفاسنا وطرقاتنا، وقصف غزة مع كل ازمة إسرائيلية، وتهديد حزب الله واختراق سورية ولبنان والعراق، والتلويح بضرب إيران.

سقوط نتانياهو يعني استمرار فتح أبواب التطبيع العربي.

سقوط نتانياهو يعني….

الحقيقة ان سقوط نتانياهو او دحرجته لا تعني لنا ولا تعنينا بشيء.

ما يعنينا هو أمر آخر، نتأكد منه يوميا ولا نتعلم. أننا وصلنا الى مرحلة لم نعد فيها حتى موجودين من اجل الحسم السياسي. فالقضية الفلسطينية محاصرة ومحافظة على شكلها تحت عباءة عباس. لا يعني الإسرائيلي منها الا قصص الفضائح التي تسليهم بين الفينة الأخرى، من قضايا فساد وعنف واقتتال فلسطيني داخلي وفضائح جنسية، يؤكد لهم اننا شعب لا يستحق أكثر من عباس رئيسا ابديا.

نستميت خلف مقاعدنا من اجل محاسبة نتانياهو الفاسد، ننتظر محاكمته وزجه بالسجن وزوجته وعائلته. نريد ان يفضح فساده ويحاسب وتمسح بجبروته الأرض.

نصرخ عاليا فلينتهي نتانياهو …لننتصر!!!! لا لا يهمنا الانتصار. نريده ساقطا منهزما، نشمت به ونستمتع بسقوطه، ونقول بصوت عال: لكل ظالم يوم.

ونعيش في واقع لا حول لنا ولا قوة في ان يكون لنا فرصة لانتخابات. لا نزال نتفاعل مع تدوير الوزارات والسفارات بوزراء وسفراء. تعيينات واقالات لا نفهمها ولا نعرف أسبابها ولا مكان فيها حتى لتحليلاتنا ومساجلاتنا.

فلتان امني وفساد خنقنا من نتانة منتشرة كالوباء. وجل ما يحرك غضبنا ينتهي بكشف لمطعم تجري الجرذان في مخازنه او الفواكه العفنة والخضراوات واللحوم الفاسدة.

وهناك بداخل إسرائيل، عرب ينتصرون لمقاعدهم تحت قبة هرتسل، ويظنون انهم سيكونون في يوم رقما يؤثر او يغير في سياسة إسرائيل. يرفعون شعارات الهوية الفلسطينية من اجل تحصين وجودهم كأفراد يستعرضون بداخل اللعبة الإسرائيلية، وسيتناحرون وينحرون من اجل ان يحصلوا ربما على حقيبة وزارية في أحسن احلامهم… لان المعارضة لن تلبي طموح السطوة التي تعطيها هذه المقاعد لهم.

سيهتفون من اجلنا بالشعارات العلنية، ويتحالفون مع الشيطان من اجل البقاء هناك. المهم سقوط نتانياهو.

او ربما لن يكون سقوطه هو المهم… إذا ما عرض تحالفا ووزارة.

لو كنت مكان نتانياهو بهذه اللحظات، لفكرت كفلسطيني صاحب سيادة مستدامة، واستحدثت وزارة جديدة خصصتها للعرب واعطيتهم حقيبتها!

فلينتهي نتانياهو ولتنتهي صفقة القرن وليسقطوا جميعهم وننتصر!

The old city of Hebron … a little bit more than architecture… a strong connection to a rooted heritage despite a real vicious unavoidable occupation

عزيزي ابو مازن

عزيزي أبو مازن

اسمح لي أن أرفع التكليف في مخاطبتك، فبعد العديد من الرسائل والمناشدات التي كتبتها لك، لم يعد هناك داعي للكلفة الزائدة. بصراحة شديدة انا لا أحب لغة التكلف والمخاطبات. وفي كل مرة أقول فيها سيادة الرئيس وحضرتكم وسيادتكم يكون ما اريد قوله قد فقد الكثير من معناه. وعلي التنويه كذلك ان مخاطبتك بأبي مازن ليست طبيعية بالنسبة لي، فأنت في عمر قد تكون فيه جدي.

عزيزي أبو مازن،

لن أسألك كيف حالك وكيف الوطن، فكما ترى كلنا في السفينة التي تقودها قد ارتطمنا بجبل بركاني ستتفجر حماه في أي لحظة. كما تعرف، فان هناك الكثير من الناجين، أولئك الذين حفروا ذلك الثقب العميق في السفينة وقفزوا منذ زمن بزوارق النجاة وتركونا، وربما تركوك. بالنهاية لا بد انهم تركوك معنا لأنك لا تزال على سطح السفينة تنتظر معنا من قد يأتي وينقذنا جميعا. وقد تكون بانتظار من يأتي ويحملك على طائرة خاصة وتتركنا. لا يهم.. نحن كلنا الان وبهذه اللحظة على نفس السطح المتعرض للهيب قادم، لن تسعفنا ماء المحيط الكثيرة المنتظرة قرابين لحيتانها.

المصيبة الحقيقية ليست في اللهيب القادم من فوهة البركان على سفح ذلك الجبل الذي قدت هدوءه سفينتا المثقوبة. فقد يتفجر البركان في غضب الآن وقد يتفجر بعد مئة عام. شأنه شأن الطبيعة التي شكلته وتحافظ على موازينها الخاصة. ولكن المصيبة في الحرائق المشتعلة داخل سفينتنا الغارقة بلا ماء ومحترقة بلا لهيب بركان يزمجر. ثقوب تشرخها وتخرقها وتشقق مساحات أمننا المتبقي.

كما ترى لم يعد هناك امامنا الا ان نصبح أصدقاء. كما صداقة الفيسبوك، لا يجب ان تكون صداقتنا حميمة. ولكن المسمى صداقة، لا يمكننا حجب الآخر ولا يمكننا عمل عدم متابعة، فدائرة الأمان تتقلص وكلنا نقترب الى غرفة القيادة المصفحة ضد الحريق وتسريب المياه. ولكن لا يمكن هذا كما تعرف…ستستنفذ كل الاكسجين وسنفنى بعد دقائق في هكذا حل.

لنترك القضايا الكبيرة، قضية الاحتلال صارت بعيدة، والحقيقة نحن لا نلومك، بينما نعيش اليوم في ذكرى مرور الكثير من الأعوام التي لا نريد ان نذكرها لأوسلو التي وضعتك على سفينة الشعب الفلسطيني وجعلتك قبطانا. فلن يفيد ان تعلن او تفكر او تقرر او تعين لجنة او ترسل بفرق بحث او تناشد العالم، فلا انت تصدق إمكانية حصول حل سلمي يعطينا دولة حقيقية، ولا هم يريدون ذلك. فلم يتبق لنا غير أنفسنا. فلتكن هذه صرخة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الانسان الفلسطيني الباقي.

نعم، نحن شعب ليس الأفضل للحكم… فانظر ما يجري معنا كل يوم، رأيت ما جرى مع جريمة إسراء الغريب، وصلنا الى هذا الحضيض من احتقار الانثى، ليتواطأ في قتلها نظام كامل، عائلة، واقارب، ونسايب، ومستشفى، وأطباء وممرضين، وشرطة، وأحزاب، وتنظيمات. الأقليات حدث ولا حرج، لا يمكن لهم حتى التنفس خارج غرفهم المغلقة بإحكام عليهم. ليس بعيدا عنك في كفر عقب مثلا، الله لا يعيزك تمر من هناك، الواحد بتشهد ويطمئن عائلته قبل المرور من هناك ويصلي ركعتين لوجه الله عند الوصول الى بيته حي. الشعب روحه بأنوفه، لا تعرف سبب هذا الكم من الخنق الذي يجعل الأخ يقتل اخته والجار يضرب للقتل جاره وصاحب المحل يحرق المحل بجانبه وطوش ينتظرها المتعطش لصرخة ودمه يتدفق لهدر دم آخر.  الطوش الدامية من كفر عقب لمخيم شعفاط لجنين والخليل، تحترق البلاد من كل مكان، شمال وجنوب وشرق وغرب. لن أزج غزة، فلقد تم رميها في زورق معلق في أسفل السفينة، لا هو زورق نجاة ولا زورق موت. زورق معلق بمصيرنا ستلقفه النيران أولا أم تاليا لم يعد يهم. عدم تمكن أهل الزورق من الصعود الى غرفة القيادة لن يؤثر علينا أو عليهم في نجاة لن تتحقق.

المهم، بما ان المواضيع الساخنة القابلة للتفجر كثيرة، وإخمادها ولو كان مؤقتا لن ينفع كثيرا. أحببت أن أشاركك كمواطنة مخلصة لما تبقى من كلمة وطن. بغض النظر عن عدم رضاي الحقيقي لك كرئيس، واظنك مدرك أن الكثيرين مثلي، إن لم يكن الجميع باستثناء من استطاعوا أن يأخذوا الزوارق ويهربوا، أو أولئك المنتظرين لزوارق نجاة ممكنة أو طائرة يؤمنون أماكن فيها معكم.

بدء من موضوع اسراء غريب، تعرف أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. وقد أكون على صعيدي الشخصي تكلمت وكتبت مرارا عن موضوع المغدورة نيفين عواودة، ولقد راسلتك شخصيا في أحد رسائلي لك الكثيرة، التي أعرف (بيننا) أنك لا تقرأها ولا تعرف عنها على الأرجح. ولكن بما أنك تأثرت بموضوع إسراء وعبرت فيه عن حزنك ووعدت بالا تقتل انثى مرة أخرى، فلو نبدأ من هنا سيدي العزيز، ولتقر على التعديل على قانون العقوبات رقم ١٦ في موضوع العذر المبيح. وأتمنى لو تكون أكثر رأفة بما ان الموضوع وصل الى هذه المواصيل من الدم، بأن توصي بالإقرار على باق القوانين المتعلقة بالمرأة بدون تغييرات او تعديلات او صياغات من اللفيف الذكوري الذي يرعبه عدم التحكم المطلق بحياة المرأة التي تجعل من الرجل هذا الوحش الذي نراه في الشارع بكل مكان. محمد صافي يا سيدي ليس استثناء، محمد صافي هو أحد كوادر فتح وشغل منصب نقيب شرطة، يعني محسوب على الكادر الفتحاوي بقوة. يعني امثاله متواجدين في إقرار القوانين وتبديدها، الا من رحم ربي. ولا اعرف بصراحة، ان كان تأثرك بموضوع اسراء جعلك تبدي مواقف أكثر تبنيا لدعم المرأة وذلك بتعيين وزيرة سابقة في حكومتك كسفيرة. لا اخفيك سرا، اننا مللنا من لعبة تدوير المناصب هذه لنفس الدائرة من اشخاص. ومن اجل هذا لم نعد نهتم كثيرا، فنحن لا نسأل عن كفاءات وأسباب. فنعرف جيدا ان ما جرى بدائرة الطب الشرعي من تعيينات لمناصب بغير كفاءة وشغل عدة مناصب بوقت واحد عرف من اعراف السلطة. بالمحصلة كيف لنا ان نعترض، ورئيس الوزراء السابق بقي على رأس عمله كرئيس جامعة، بالإضافة لحمله وزارت مختلفة. ورئيس الوزراء الحالي يحمل كل الحقائب الفارغة من داخلية ودينية وغيرها، ووزراء اخرون في مناصب أخرى، وعائلات تمتد في الوزارات والمناصب العليا. وللمفارقة الساخرة ربما في لعبة تدوير الكراسي هذه، تأخذ الوزيرة السابقة للاقتصاد كرسي السفارة التي جلست عليه وزيرة الصحة الحالية. لنتأكد من أن المناصب لا توزع الا باعتبارات ومصالح لا تمت للمناصب ولا للمواطن بصلة. فآداء وزيرة الصحة الحالي لهو خير دليل على عدم أهلية الموقع ولا صاحبه، على الرغم من انها خدمت طويلا كسفيرة في دولة كان اقل ما يمكن ان يجري فيها بعد حادثة كحادثة اسراء ان تستقيل حكومة. الحقيقة ما يعنني هنا كمواطنة لا إعطاء منصب آخر ولا غيره من تدوير وتوزيع. ما يعنينا الأموال التي على الوزيرة السابقة ارجاعها مع زملائها الوزراء. ما الذي حصل بعد ذلك الإعلان. علي الاسرار لك ان هذا لا يبشر بالخير، أي عدم الانصياع لأوامرك. بالنهاية لقد وثقنا بقرارك بشأن الرواتب، كما ذلك بشأن المستشارين. من اجل الحلال والحرام، انا لم افهم ما إذا يعني اقالة المستشارين وماذا يترتب عليه من مصالح لنا. ولكننا كشعب، بدأ بالموت جوعا أو قتلا عن قريب، ويرتعب من فكرة قطع الكهرباء القادمة بسبب تراكم الفواتير على الشركة، طبعا تعرف الأسباب، ولكن لن نستطيع ان نعيش بلا كهرباء، ونحن مثل المرأة الفلسطينية التي تبحث عن مدخراتها لإنقاذ زوجها في كل ازمة. وهذه البواقي من الرواتب غير المستحقة للوزراء قد تخدمنا في سداد جزء من فاتورة الكهرباء. قد تؤجل القطع حتى تدبر الحكومة امرها، فنحن كذلك ننتظر الخطة العنقودية لرئيس الوزراء الجديد بأن تبدأ بالتعنقد نحو انفتاح قادم. يعني هناك سؤال يراود المواطن العادي مثلي، كيف ستستطيع الوزيرة السابقة، السفيرة الحالية، ان تخرج من البلد وفي ذمتها دين مستحق للدولة. ما فهمته أن المواطن لا يستطيع العبور عن الجسر اذا ما كان عليه ذمة مالية لشركة الكهرباء او المياه أو مخالفة سير. الا يقع هذا تحت مسمى الفساد كذلك؟

وبما اننا نتكلم عن شركة الكهرباء التي تحمل اسم القدس، لأفضفض معك قليلا عن القدس. لن اتحدث عن المسجد الأقصى وعن السفارات التي تفتتحها الدول تباعا ولن اتحدث عن المستعمرات التي بقي ان تدخل الى بيوتنا. اكيد معلوم لديك ان اختراق المستعمرات للبيوت من خلال شارع وجدار قد حصل كثيرا، ولكن ربما لأنني اعتبر ان القدس مهمة أكثر، لاعتبارات شخصية ترتبط بنرجسيتي الخاصة ربما، وقد يكون كذلك التواجد الإسرائيلي وسط حياتنا تحصيل حاصل، اشعر بأهمية الصراخ مستغيثة دائما لرحمة تنقذ ما تبقى من إنسان يحمل القدس على ظهره كعبء مسؤولية من أجل وطن نتمنى أن لا تخرج القدس من كينونته الفعلية. هل لك أن تقول لنا ماذا حصل بتحقيق تسريب عقار ال جودة؟ بالمناسبة المقترف لجريمة التسريب يجول ويصول في رام الله وواثق الخطى بأن أحدا لن يحاسبه. هل لنا ان نفهم لماذا؟ من سيحاسبه، من سيحاسب غيره الكثيرون، المعلوم منهم والمستور؟ والمواطن منا بين مذعور ومرعوب. او خائن بالعلن ومدسوس. يخاف من كلمة حق تقتله او تدفنه حيا. على سيرة الدفن، لا اخفيك ذعري عندما تم التعرض لي بالمقبرة، يبدو الامر بسيطا عند التفكير بقبر امام انتهاك بيوت. فالدفاع عن ميت صارت عظامه مكاحل لا يمكن ان يكون من أولويات وطن او مواطن يحارب يوميا من اجل بقائه. ولكني لا اخفيك سرا عندما أقول ان دفاعي عن الأموات في مقابر القدس مرتبط بدفاعي عن الاحياء. فكما البيوت تحمي المواطن وتبقيه حجة في البقاء على ارض هذه المدينة. فإن القبور كذلك تسجل حقا تاريخيا في وقت يتم فيه محونا. محو وجودنا كفلسطينيين ومحو هويتنا الثقافية التي بدأت بالتناثر بتحولنا الى قبليين متطرفين جشعين يقتل الانسان اخاه من اجل مساحة أمتار تكون قبرا أحيانا، وتكون دكانا او مصف سيارة.

لن استغرب يا سيدي ان صار المواطنون يبيعون علنا، فبعد ما رأيناه من استقبال مديرة مدرسة من القدس لرئيس بلدية الاحتلال بحفاوة قد تكون مشابهة لاستقبالكم إذا ما قررتم الذهاب الى مدرسة، على الرغم من يقيني بتواضعك، فلقد رأينا كيف كان تواجدك بحفل تخرج حفيدك. ولكن ما حصل يا سيدي العزيز، ان هذه المخلوقة وبعد الاحتفال الكبير الذي قدمته واستغلت فيه مئات الأطفال المقدسيين، صحيح انها لم تخرج بكاتب اسمه “رئيس بلديتنا قدوتنا”، وكأنها خرجت من الموضوع بتقديم اعتذار وتبجيل بحجم تحرير الوطن من لجنة القرية التي عاتبتها. بتصدق ان الاعتذار صار مخلصا حتى من اعمال الخيانة في هذا الوطن؟ الحقيقة استغرب لماذا اعترضنا كشعب على كتيب “رئيسنا قدوتنا” وخرج منا الكثيرون في بيانات وتنديدات ومطالبات، واكبر ما حصل في شأن استقبال رئيس بلدية الاحتلال من دبكة وكشافة وغناء بالعبرية وورود وعروض على مدار الساعة التي شاهدناها عبر موقع رئيس البلدية ، كان خروج مجموعة من لجان الحي في شعفاط لمطالبة المديرة بالاعتذار!

قد اعترض مع سياساتك وقد الومك على ما آل إليه حالنا، ولكني موقنة كذلك أنك لا تريد شرا بنا. وعندي يقين كذلك ان الشعب لا يزال يتأمل خيرا بك. والحقيقة لهذا هي انعدام الأفق من بعدك، فلا بد انك تشاهد كيف يتناحر المسترئسين بالخفاء مستعدين للتفاوض حتى على بيعنا فرادى. فبالأمس مثلا، مجرد بيان لتحقيق فيه بعض العدل جعل من المواطن العادي يتنفس الصعداء. نحن شعب مشكلتنا الحقيقة في سذاجتنا، ولكنها كذلك ذخر قوتنا الإنسانية، فسذاجتنا تشبه أرضنا التي تقبل ما يزرع بها، حبا وعرفانا، ورغبة حقيقية في الحياة. لا نزال كشعب نحلم بتحرر، نفهم اليوم ان الأرض لم تعد الأولوية فيه، ليس لقلة حيلتنا، ولكن لانهيار حالنا كبشر. فالأرض تحتاج الى انسان يعمرها، وما يحصل معنا هو انهيار حقيقي. نتحول يوميا الى وحوش لا اعرف حتى ان كنا نبدو كالبشر. نشبه البشر في قصة اسراء غريب، رجل يوهمنا بوجود الجن العاشق ويقنعنا بقوة المغدورة بكسر اضلعه الحصينة، وطبيب بلا روح يرتدي الأبيض ويوقع تقرير وفاة أخرى ويترك المجرم طليقا بلا رجفة رمش، ومشعوذ ودجال يشرعن وجوده بدائرة رسمية، وشخوص ينتظرون اثبات براءة “الشرف” ليقرروا ان كانت المغدورة استحقت القتل. لم نكن هكذا يا سيدي العزيز…. نحتاج الى من يوقظ غفلتنا هذه قبل ان نحترق بلهيب نار لبركان لم ينفث بغضبه بعد.

بعد صدور تقرير الطب الشرعي يجب إقالة وزيرة الصحة وإغلاق المستشفى الذي أصدر “صك”  التستر على موت إسراء غريب واعتبار المسؤولين شركاء في الجريمة

بعد صدور تقرير الطب الشرعي يجب إقالة وزيرة الصحة وإغلاق المستشفى الذي أصدر “صك”  التستر على موت إسراء غريب واعتبار المسؤولين شركاء في الجريمة

 

لا يزال الارتجاف يملأ أصابعي التي تعاني من أثر الرعشة التي أصابتني بعد الانتهاء من قراءة تقرير الطب الشرعي لوفاة الشابة إسراء غريب. ذلك العذاب الذي لم يتخلص منه جسدها حتى بعد صعود روح المسكينة الى بارئها. أي ظلم وعذاب عاشته تلك الشابة على مرأى ومسمع عالمها المحيط، بدء من عائلة شاركت في ظلمها وضربها وموتها، ووصولا الى مستشفى مهما حاولنا التبرير للعاملين به، هناك جريمة يجب الوقوف امامها والمحاسبة الفورية عليها، تتمثل بتقرير الوفاة الذي أصدرته المستشفى الذي لم ير ضربا ولا كدمات ولا كسور من الواضح انها أدت بسبب كثرتها الى مضاعفات وتعرض الضحية الى نزيف داخلي متعدد.

منذ يومين والرأي العام منشغل بالطب العدلي ومسميات العاملين به الوظيفية ومؤهلاتهم. اتهامات بالإهمال والتسيب وتجاوز المهام وتعددها وعدم الاهلية.  لا يوجد لدي أدنى شك، بأن دائرة الطب العدلي ينخرها الفساد ككل واي دائرة ومؤسسة سيادية في هذا الوطن الذي صار الفساد فيه وباء. وقد يكون الفيديو الذي نشره والد الطفل الضحية فادي المحتسب، الذي قتل عن عمر لا يتجاوز السادسة على يد مجرمين اغتصبوه وضربوه ثم قتلوه ورموه في نبع ماء بالخليل قبل ثماني سنوات، دليلا اخر في سلسلة الانتهاكات والتسيب والظلم الذي تمارسه المؤسسات صاحبة العلاقة في حق الضحايا وذويهم. ولكن المشكلة الآن ليست هناك. المصيبة في ان يصدر التقرير الذي يقطع الشك باليقين من دائرة الطب العدلي بهكذا تفصيلات، لم نقرأ حرفا واحدا ولم نسمع بيانا مجديا من أي جهة ذات علاقة مباشرة بهذا الامر، وهي المستشفى ووزارة الصحة. بيان الطبيب على الفيسبوك الذي يثبت الان تورطه ، وبينا الصحة الأخير الذي يراوغ ويتنصل من المسؤولية وكأن الموضوع  إسقاط على الوزارة.

بلا شك يجب ان يحاسب كل من تسببت يده القذرة بلمس اسراء غريب وتعذيبها وموتها، وبكل من تستر من عائلتها واقاربها على هذه الوحشية والاجرام، ولكن يجب ان تحاسب المستشفى بدء من الطبيب الذي وقع على تقرير الوفاة، وكل من ادلى بشهادة كاذبة بشأن موت اسراء غريب من الطواقم الطبية المتواجدة في المستشفى، وانتهاء بوزيرة الصحة التي شاركت المستشفى بالتستر على الجريمة، عندما رفضت التدخل او التحقيق او التعقيب او المحاسبة منذ اللحظة الأولى وعندما سمحت بحجب الحقيقة عن الرأي العام وترك “الجن” يدخل في هذه القضية من أبواب المستشفى ويكون قاتلا او شاهدا على هذه الجريمة.

أي همجية ووحشية هذه التي نعيشها، في تواطؤ لعنجهية وجبروت ظلم عائلة ونظام صحي كان من المفترض ان يكون مكان انقاذ الضحية.

كيف قبلت المستشفى ان تخرج مصابة بكل هذه الكسور؟ كيف تغاضت المستشفى عن الرضوض في جسدها وعن الجروح البالغة في عينها وجبينها؟

أي اجرام هذا الذي يتواطأ فيه من يحملون صفات الرحمة بوظائفهم بالتخلص من انسانة جاءتهم وهي ضحية.

أي اجرام هذا الذي يجعل مجرم يجول في باحات وغرف المستشفى ويغلق الباب على الضحية ويوسعها ضربا مع جماعة وحشية أخرى ولا حرف ولا تنديد ولا محاولة حتى بالتدخل.

مهما صببنا جماح غضبنا في هذه القضية على العائلة، من زوج اخت يجب محاكمته علنيا، ليس فقط بتهمة التواطؤ على قتل اسراء غريب، ولكن بتهمة الاستهتار والخداع وتعطيل العدالة وبث أفكار شيطانية ابطالها الجن للرأي العام، ووالد واخوة لا أستطيع ان اتخيل كيف هان الدم عليهم. كيف تستطيع أمها النوم ليلا؟ كيف تتمكن اختها من اخذ نفس بينما شهدت على عذاب اختها؟ افراد عائلة حاولوا التواطؤ وتهديد الرأي العام وتعطيل العدالة والتشهير بالضحية على مدار أسابيع من اجل التستر على جريمة قتل اسراء.

المجرم الذي لا يقل مسؤولية في موت اسراء هو الطبيب الذي وقع على عدم الشبهة في الوفاة. وكأنها “كلب” ضال وجد قتيلا. وكما في اليد القذرة التي ضربت وعذبت اسراء حتى الموت، ومن شارك في تلك الجريمة من افراد عائلة، كذلك الطاقم الطبي الذي رأى وعرف وسمع وشاهد، وتواطأ مع العائلة لتغطية الجريمة.

ولأن الطاقم الطبي لم يكن ليتصرف بهكذا استباحة لإنسان بلا حماية من الوزارة التي لم تفكر ولم تحترم موت انسانة ولا الحاجة للرأي العام لمعرفة الحقيقة، فيجب تقديم وزيرة الصحة للمساءلة. ولن أتكلم هنا ولن أطلب من النقابة أي تدخل ، فموقف نقابة الأطباء بعد قضية تحرش الطبيب واضح. فلن يهتم الرأي العام أصلا لقولها ولا لردها.

 

قد يرى البعض في مطالبتي هذه اجحافا وتجنيا على وزيرة الصحة. وقد يكون هناك بعض الحق في هذا، لأنني يجب ان أطالب في محاسبة رئيس الوزراء والرئيس، لأنهما المسؤولان المباشران في هذا النظام الذي لم نعد نعرف من اين نسد ثغرات اهترائه التي ترمينا الى ظلمات سحيقة كل يوم مع كل قصة مأساوية نعيشها.

ما يجري ليس مصادفة، فغياب المحاسبة والمساءلة لا يأتي من فراغ وتحكم شخص بعينه بمكان ما، سواء كان أبا قرر ان يقتل ابنته، او طبيبا قرر ان يهمل بمريض فيميته، او كان محققا قرر دفن الحقائق او طبيب عدلي قرر ان يدثر اثار جريمة بتقرير مزور.

هؤلاء يعرفون جيدا انهم مهما اقترفوا من مصائب وجرائم لن يحاسبوا. كل شيء في هذا الوطن يمكن تغيير معالمه من اجل مصلحة متنفذ ما. وكم سهلة دائرة المتنفذ هذه في اتساعها، فتبدأ عند حارس وتنتهي بوزير.

لو وقف كل صاحب منصب عام امام مسؤولياته لما وصلنا الى هذا المستوى من هدر الدم وانعدام الثقة ما بين الشعب وجهات المسؤولية.

منذ ان تحولت قضايانا الكبيرة الى لجان تحقيق لم نعرف ابدا نتائجها، صار كل ما في هذا الوطن مستباحا.

قضية اسراء اوصلتنا الى حضيض هذا الهدر.

وضعتنا امام مرآة حقيقتنا … كم سهل هدر حياة انسان، وكم هو أسهل ان يتنصل المجرم من فعله.

كم من اسراء هدر دمها واستبيحت قضيتها ويجول قاتلها بلا حساب.

كم نيفين عواودة صرخت واستنجدت واستغاثت وانتهت قضيتها بعطوة عشائرية ومنشد؟

كم من طفل هتك وقتل ولفقت الجرائم لتقيد ضد مجهول او للطبيعة؟ كم من فادي المحتسب؟ كم من اب وام وزوج واخ واخت وصديق وصديقة ينتظرون ساعة عدل وقول حق؟

كم من دموع جفت حرقة على ظلم وقع لضحايا وظلمات يعيشونها في غياب الحساب وتدهور الامن والأمان.

كم من ضحية أخرى ستقدم حتى يتم محاسبة المسؤولين ووضعهم أمام هول أفعالهم؟

كم من ضحية تعبث ارواحها بضمائرنا وتسأل: بأي ذنب قتلنا؟

حفاوة استقبال رئيس بلدية الاحتلال: عندما تصبح الخيانة وقاحة وتسحيج وفعل وطني

حفاوة استقبال رئيس بلدية الاحتلال: عندما تصبح الخيانة وقاحة وتسحيج وفعل وطني!!

 

استاء رواد المواقع الاجتماعية عندما تناولت وسائل الاعلام المختلفة خبرا تلاه فيديوهات لمدرسة في القدس تستقبل بحفاوة مبتذلة رئيس بلدية الاحتلال.

طبعا خرج الجمهور بين مستاء ومدافع. المدافعون كانوا من الذين يعملون بالمدارس التابعة للمعارف الإسرائيلية.

بالعادة، أولئك يخرسون تماما. يقومون بما يقومون به كجزء من عمل مفروض عليهم. بالنهاية كما يقال، ان الشمس لا تغطى بغربال. فلم تبدأ أزمة المدارس والطلاب والمعلمين حديثا. فمنذ تنازلت السلطة الفلسطينية وتهاونت في موضوع القدس، صارت المدارس هي القربان الأول، وبالتالي الطلاب والمعلمين. وعليه، ليس من السهل كيل الاتهامات ضد المدارس ومن يعملون بها، لأنهم بالمحصلة، نتيجة طبيعية لم تم السكوت عنه منذ سمحت المدارس ان يتحول الطالب الى (مبلغ مقطوع)، والسلطة الفلسطينية تركت قطاع التعليم ليبلع في مشروع أسرلة المدينة.

ولا يمكن كذلك لوم المعلم الذي اضطر للسكوت والرضوخ، ولا للعائلة التي لم تعرف أصلا ما تقوم به المدرسة من فعاليات تؤكد فيها على حتمية الاحتلال.

وشأن المعلم والطالب هو شأن كل من يعمل في مؤسسة إسرائيلية رسمية تحت مسمى ” لقمة العيش”، كما هو شأن كل من يتبضع ويتسوق بأسواق ومحلات الاحتلال تحت مسمى “التوفير للقمة العيش”.

ولا يمكنني التجني ولا الاستعلاء على انسان يعمل في مكان ما، يرضخ من اجل تأمين لقمة عيش عائلة كاملة. ولا يمكنني كذلك التبجح بأمر التسوق من المحلات الإسرائيلية التي صارت بالفعل في كثير من السلع الأساسية اقل تكلفة من مثيلاتها الفلسطينية . فنرى كيف يتم قمع الناس بشكل عام على كل الأصعدة، فإذا ما كانت السلطة الفلسطينية تقمع شعبها واسكاته من اجل مصالح مباشرة تتعلق في الوظائف، فلا يمكن لوم سلطة الاحتلال التي قد تقمع كذلك الموظفين التابعين لها. وهي التي بنت وجودها على القمع والمسح الممنهج للهوية الفلسطينية بكامل مكنوناتها الثقافية والاجتماعية.

ولكن، بعودة لما حصل بالأمس في المدرسة المعنية، لا يمكن الا رؤية مصيبة حقيقية امامنا، وكأننا رجعنا سبعين عاما الى الوراء. ما حصل بعد احتلال إسرائيل لفلسطين، وفرض روابط القرى وتعيين المعلمين من قبل المخابرات، ليكون المشهد قريبا مما رأينا بالأمس. كان ينقص المشهد النشيد الوطني الإسرائيلي ورفع العلم فقط.

الجريمة التي حصلت بالأمس، تنعكس في كل طفلة حملت وردة وجلست او وقفت  أو غنت ونشدت أو رقصت في استقبال رئيس بلدية الاحتلال، لتعود الى البيت وتتابع ربما مع عائلتها مشاهد مصورة لقصف في غزة وخبر اعتقال لشاب واستشهاد جريح او مقاوم. وربما سمعت لعنات تتردد لخوف على أقصي ينتهك.

اخذ الانسان الفلسطيني بالداخل المحتل سبعين عاما من اجل محاولة النهوض بنفسه ومسح ما يمكن مسحه من اثار عميقة لعملية مسح الهوية الثقافية والوطنية الفلسطينية بإنتاج انسان عربي ممسوخ. ونرى معلمات ومعلمين من القدس يتفاخرون ويتباهون ويصطفون كوجهاء القبائل في مشهد لا يمكن وصفه الا بالمخزي امام رئيس بلدية يحتقرهم.

الحقيقة انني وقبل حضور كامل البث الذي نشره رئيس بلدية الاحتلال، كنت أفكر كيف سنرى نفس الطالبات في اخر السنة وهن لابسات الزي الفلسطيني ومتوشحات بالكوفية ويغنين على الكوفية بانتصار لنهاية السنة الدراسية والقضية.

ولكني اصبت بصدمة حقيقية عندما رأيت ان فتيات مستقبلات لرئيس بلدية الاحتلال مع فريق كشافة “وطني” كن لابسات للثوب الفلسطيني المطرز.

اصطفاف الطالبات والمعلمات والمعلمين.. مشهد يجعل المرء يشعر بالغثيان. طالبات تصطفن مع أستاذ لينشدن بالعبرية وتوسطهن رئيس بلدية الاحتلال. جماهير من العربان ينتظرون دورهم للسلام والتلمس مع الرجل المتفاخر بالكيباه – (الطاقية اليهودية)  الصهيونية على رأسه، وفرقة الدبكة “الفلسطينية” باستعراض تكميلي لا يتوقف. الثوب والكوفية وجمهور لا يقل صهينة من الصهيوني المرتدي للكيباه كتثبيت لهويته.

هؤلاء يسعون للتحرر بلا شك!!!

شعارات لسقوط الاحتلال تعلو السنتهم في منابر أخرى.

جمهور فرح بفرصة زيارة المسؤول الكبير. مديرة وصلت الى نشوة انتصاراتها، وعدته بإتقان اللغة العبرية في السنة القادمة. المتصهينون من أبناء المدينة المقدسة متلهفون للشرح والاستعراض.

كيف لنا ان نحلم بالتحرر، وامثال هؤلاء يعلمون ابناءنا ….

كيف لنا ان نحلم بالتحرر وهذا هو ما ينشأ عليه ابناؤنا من تربية في المدارس…

التسحيج شعار الانسان الذي يريد الحياة، مدارس تصنع اجيالا من السحيجة المستقبليين، سواء لارباب السلطة الفلسطينية او تلك الإسرائيلية.

فلم يعد التحرر الا شعار.

فالقضية تنتهي وتبدأ بمديرة مدرسة قد يتم ترقيتها، ومعلمة مثبتة، وأطفال يقفون للهاتكفا ويرقصون على علي الكوفية. يصفقون ويصطفون مرحبون مهللين لرئيس ببلدية لا يزال يسمونها ببلدية احتلال.

نحن لسنا بخير…

الوطن ليس بخير…

مستقبلنا لا يمكن ان يكون بخير فها نحن نعيش في يوم تعدت الخيانة وجهة النظر، وصارت تمارس بالعلن

سقوط نتانياهو وانتصار القضية

سقوط نتانياهو وانتصار القضية!!!

 

 

مع كل حملة انتخابات إسرائيلية، كنت أصاب بحالة من الغيرة وشعور حقد يغلب على تفكيري. فمنذ الانتخابات اليتيمة التي أجريناها قبل أكثر من عشر سنوات، ونحن بحالة انتظار لانتخابات مرتقبة متوقعة قادمة لم تأت ولا أظنها آتية.

استسلمت حتى من محاولات النداء من اجل انتخابات علنا نخرج من هذا القعر السحيق للواقع الفلسطيني. المتأمل للوضع الفلسطيني لا يرى الا انهيار قادم سينهي السلطة ويغرق الشعب في وحل الاقتتال الداخلي لا محال. فلن تنفع انتخابات مرتقبة ولا متوقعة ولا حقيقية.

في المقابل، فإن إسرائيل تقوم بإعادة انتخابات كان اخرها قبل أشهر معدودة لمرات متكررة اخجل من محاولة عدها.           فمنذ أوسلو شارك الفلسطينيون بالانتخابات مرتين، بينما الإسرائيليون قطعوا المرات العشرة في اختيار ممثليهم على مدار عقدي اوسلو.

من اجل هذا، فقدت الاهتمام بالموضوع. فالانتخابات الإسرائيلية بالمحصلة هي شأن إسرائيلي بحت.

وان كانت فكرة “بحتية” شأن الانتخابات الإسرائيلية قد تطورت على مر السنوات لتكون هي بالفعل الغالبة، فهذه الانتخابات هي الدليل القاطع.

صوت إسرائيل الانتخابي الأعلى هو صوت يميني يتفاخر بالتشدد، فكلما زاد المرشح بتشدده نحو اليمين بأفكاره كلما زاد احتمال فوزه على حسب التقديرات الحزبية. المنافسة المحتدمة التي أدى تقارب الأصوات فيها الى اعادة الانتخابات بين حزب (ازرق ابيض) برئاسة جانتس، وحزب (التكتل- الليكود) برئاسة نتانياهو، قطعت الشك باليقين بهذا الشأن. فمن ادعى ان حزب (ازرق ابيض) هو أكثر ميولا لليسار او المركزية، فلقد تأكد على لسان رئيس الحزب انه يعتبر حزبه امتدادا او تفرعا اصيلا من الليكود، وحليفه الطبيعي ليبرمان. طبعا، لم نكن بحاجة لهكذا تأكيد، فجانتس ليكودي بالأصل، انشق (تقنيا) عن الليكود، كما فعل بالسابق شارون عند إقامة حزب (كاديما)، فمن الطبيعي ان ما سيحصده جانتس وحزبه من أصوات هي أصوات يمينية تصوت بالعادة الى الليكود. إذا ما حصلت الأصوات اليمينية في الانتخابات السابقة على ٩٠- ٩٥ مقعد، كان من بينها ٧٠ مقعد للحزبين المتنافسين، فان محاولة المتنافسين اليوم في اخذ أصوات اليمين الأكثر تشدد ليتم حسم الفوز لأحد الحزبين. ليبقى ٢٥- ٣٠ مقعد للأحزاب اليسارية، بما في ذلك القائمة المشتركة للأحزاب العربية، التي وصل تكتلها الى حد يشبه الدمامل في سباق نحو المقاعد حول التواجد بالكنسيت الى حرب قوة ونخبة، لا شأن انسان عربي يحمل شعار الهوية الفلسطينية كهدف اول واساسي.

كما يلوح اليمين الإسرائيلي بموضوع الامن ليكسب أصوات الشارع العام، تلوح القائمة العربية الى موضوع الهوية الفلسطينية لكسب الأصوات، والفرق بين التلويحين شاسع على الرغم من تأكد عدم صدق الشعارات لكل الناخبين.

الفرق، ان الإسرائيلي يعرف انه وبالرغم من عدم تصديقه لمرشحه، الا ان موضوع الامن سيعزز فرص المرشح مع كل قتل وقصف يستخدمه المرشح لكسب الأصوات.  اما الهوية الفلسطينية، التي تم التلويح بها من اجل استجداء أخير خوفا من مقاطعة أكبر للانتخابات مرة اخرى، فلا يصدقها أحد. ليس لعدم صدق الدعايات فقط، ولكن لعدم تصديق المرشح لما يقوله أصلا. فالحرب التي رأيناها بين المتصارعين على مقاعد الترشح، يجعل المرء يفكر بأن بالكنيست كنز سيغني صاحبه.

أتابع الحملات العربية من اجل التصويت، وأفكر بكم الفراغ المشكل للمنظومة السياسية والاجتماعية العربية. قد يكون مغني الراب الفلسطيني تامر نفار، هو الوحيد الذي نقل صورة الحقيقة في اغنيته “الفاشي ماشي” بمحاولة دعوته للتصويت في الانتخابات السابقة. ولكن لو كنت ناخبا عربيا، اسمع كيف يبدي رئيس القائمة العربية استعداده للتحالف مع (ازرق ابيض)، أفكر كيف يمكن ان يكون صوتي مؤثرا من اجل مستقبل انسان يتكلم عن الحفاظ على الهوية الفلسطينية الوطنية. اعرف ان الواقع عند السياسة مرير. فالسياسي يلعب بكل الإمكانيات من اجل ان يحصل على صوت في صندوق الاقتراع، ويصافح الشيطان إذا ما تطلب الامر. وقد نفهم كجمهور هذا. فنحن نفهم ان الكنيست ليست قبة تشكيل الهوية الفلسطينية، فهي المكان الذي أسس من اجل دحض ومسح وتصفية الفلسطيني من هوية ووجود. فلو كان السياسي العربي به بعض النزاهة لأعلنها كما هي: نحن نجلس بالكنيست من اجل تحسين الخدمات للعرب كلما وإذا ما أمكن. لأنه لا يمكن لفلسطين ان تتحرر من تحت قبة الكنيست. ولا يمكن ان يكون محرر فلسطين رجلا يحلف اليمين من اجل الحفاظ على إسرائيل وعلو شأنها. ما يجري بالكنيست هو شأن إسرائيلي خالص، يعني تقديم الخدمات للعرب وتحييد العنصرية إذا ما أمكن في بعض القوانين الخاصة. لأنه لا وجود لعربي غير يهودي في دولة اقرت قانون القومية اليهودية بينما كان يجلس النواب العرب تحت قبة ذلك الكنيست.

وقد تبقى معضلة المشاركة او المقاطعة بالانتخابات صعبة. فلو اتفقنا على ان وجود المقاعد العربية في الكنيست سيخفف من العنصرية ويسمح للبلديات العربية بميزانيات أكبر لتحسين الخدمات، وسيتطلع عن قرب بمخططات يمكن تجنبها بما يخص التعليم والاقتصاد وغيرها، وسيعمل على تجنيد وحشد أكبر لمنع مصائب تستمر في الاندلاع نحو المجتمع العربي.

او اتفقنا على ان وجود العرب في الكنيست سيعزز شرعنة الاحتلال، او بالأحرى عدم وجوده، وسيتم استخدام الوجود العربي في تحت القبة الصهيونية لتنظيف صورة الاحتلال وتلميعها امام المجتمع الدولي، لعكس الديمقراطية الإسرائيلية او بالأحرى اثباتها.

نجد أنفسنا من جديد امام سؤال حقيقي: هل بالفعل هناك تأثير ممكن للعرب داخل الكنيست إذا ما صوت الكل العربي وأعطى صوته للقائمة العربية المشتركة- او الموحدة؟ إذا ما كان الجواب نعم، فالسؤال التالي هو: ما هو التأثير الممكن؟ تأثير خدماتي أم تأثير سياسي؟

إذا ما كانت الكنيست هي مكان التشريعات والقوانين، والوجود العربي سيؤثر على الخدمات في أحسن الأحوال، فلماذا نقدم خدمة لإسرائيل في تلميع وجودها بينما تستمر بالاحتلال بصورة تتحول أكثر نحو العنصرية والفاشية والظلامية مع كل حكومة إسرائيلية؟

ويبقى تساؤل كان سبب كتابة هذا المقال: هل سقوط نتانياهو سيغير من السياسة الإسرائيلية المبنية على التفرقة العنصرية والتصفية العرقية للفلسطينيين؟

هل تحرير فلسطيني مرتبط بسقوط نتانياهو او فوزه؟

فمنذ زيارة نتانياهو للحرم الابراهيمي في الخليل، التي تلت زيارة الرئيس الإسرائيلي ورئيس الكنيست لنفس المكان ولنفس الاحتفال بنفس اليوم، أعيش في حالة ذهول من ذلك الرفض لزيارة نتانياهو والخروج في مظاهرات ضدها من قبل الفلسطينيين، بينما لم نسمع حتى كلمة شجب لوجود رئيس دولة إسرائيل ورئيس الكنيست. وكأن إسرائيل مشكلتها باحتلالها عنصريتها وعنجهيتها تتمثل بنتانياهو وسنعيش بأمن وسلم بعد سقوطه.

نتانياهو، جانتس، بينيت، شاكيد، ليبرمان، بيريتس: وجوه متعددة لسياسة واحدة: التصفية العرقية للفلسطينيين والانقضاض على الفرصة التاريخية المتاحة بتحقيق الحلم الإسرائيلي التوسعي، بوجود إدارة أمريكية وحكومات عربية تعمل بإخلاص ووفاء من اجل تحقيق هذا

هل ترتاح روح إسراء بتحقيق عادل؟ أم ان العدالة تكمن بتغيير حقيقي للقوانين التي تبيح قتل الانثى؟ الجواب عند رئيس السلطة الفلسطينية.

 

أثارت قضية موت الشابة إسراء غريب الرأي العام المحلي والعالمي. انتصار يحسب لحشد عالمي لقضية متكررة لجرائم لا تتوقف بحق النساء. ولكن ككل قضايا الرأي العام، هناك مدة محددة لحشد الجموع من اجل قضية بعينها. فالقضايا كثيرة ومتراكمة ومتشعبة. وعليه، فان مقدرة الفرد الواحد على متابعة قضية محددة لفترة زمنية طويله محدود ومقيد بالقضية التالية.

في واقعنا الفلسطيني، نرى كم تتشعب الأولويات الكثيرة للقضايا المهمة، فهناك الاحتلال، والانقسام، والفساد، والفقر. هناك مشاكل اجتماعية، ثقافية، تربوية. هناك آفات وأمراض ومخاطر. وهناك أمور عالمية وفنية وطبيعية. العالم اليوم يقع في فضاء يتجمع امامنا من خلال شاشة، ويسيطر عليه ونؤثر به ويتأثر بنا من خلال كبسة زر.

قضية اسراء، قضية متكررة، فهي كذلك قضية نيفين واية وبراء. هي قضية مئات من الأسماء التي شطبت من الوجود لإناث تحت مسمى قتل الشرف، يصمت امامها المجتمع ويسمح له ان تتكرر في استغاثة عرفية لغسل عار تجلبه دائما الانثى.

الاعلام، المظاهرات، المناشدات، الاجتماعات، المطالبات غير المتوقفة لمعرفة نتائج التحقيق، كلها مهمة للغاية، ولكن… ما الذي نريده من هذه القضية؟

هل سترتاح روح إسراء عندما يتم محاسبة المسؤول او المسؤولين عن موتها؟

أم ان القضية أهم من اسراء الضحية بذاتها؟ فراحة روح إسراء لا تكون بلا اراحة أرواح من سبقها من أرواح يجول قتلتها أحرارا مستبيحين ربما للمزيد من الاناث ومستمرين بحياتهم كأن إسراء ونيفين وبراء وروان وآية وقافلة الأرواح المنتظرة للعدالة ابدا لم تكن.

وقد يكون من العجيب ان نرى للعدالة سير حق في هذه القضية، فنحن شعب لا يزال ينتظر نتيجة التحقيق في وفاة رئيسه.! نحن شعب لا يزال ينتظر نتائج التحقيق في قضية تسريب عقارات تستبيح بالقدس وأخرى تستبيح بالوطن.!

نحن شعب ننتظر نتائج تحقيق في قضايا فساد وقضايا تحرش وقضايا قتل لم نعد نتذكرها.!

ولكن…

نعم، يجب التمسك بمعرفة الحقيقة. ويجب الإصرار على تحقيقات جنائية تحترم الانسان وتحاسب المسؤولين وتجعل من مسرى العدالة واجب يطبق. ولكن، ستسقط إسراء أخرى لطالما نعيش وسط مجتمع يبيح قانونه قتل الأنثى بأعذار، يحاسب القاتل بأحكام مخففة.

المصيبة المستمرة هي القانون.

قانون العقوبات رقم ١٦ لسنة ١٩٦٠ الذي يمنح المشرع الفلسطيني بمنهج اعفاء الجاني من العقوبة وذلك وفقا لما يعرف بالعذر المحل او المعفى من العقوبة. الاعذار المخففة هي دائما مفتاح الرجل للقتل.

موقف المحكمة الدستورية الفلسطينية من سمو المعاهدات الدولية ومنها سيداو على القانون الداخلي، “الا فيما يرونه وفق اجتهاداتهم الشخصية متعارضة مع الأقسام الدينية والسياسية والثقافية للشعب الفلسطيني”، يصعب تطبيق القوانين وتسمح للرجل بالخروج من غرفة التحقيق بعد فنجان قهوة واعتذار ربما.

“سيداو” تتخوف، والانثى في فلسطين تقتل، ونخرج في مظاهرات ونطالب بمحاسبة القتلة، والقانون لا يتغير.

المشكلة في القانون.

في مقال سابق، طالبت باستقالة وزيرة المرأة التي لا شأن لها ولا قوة ممكنة بالإصرار على تغيير القانون، ولا تفعيل قانون حماية المرأة ( مما يجعلني اسأل لم الوزارة الخاصة بشؤون المرأة إذا؟). وقد يتوجب علي الان المطالبة باستقالة وزير العدل الذي لا يستطيع كذلك فرض تمرير للقانون المعدل (الذي كذلك لا قوة له بإقرار القانون) فبعد أن اصل الى المطالبة باستقالة رئيس الوزراء (الذي لاحول له ولا قوة كذلك بإقرار القانون) ، ومن ثم سأطالب الشعب فردا فردا بالاستقالة من وجودهم، لأننا كأفراد نصنع هذا الشعب الذي لا يؤثر في تغيير واقعه إلى فرض قوانين تحسن وتحافظ وتعلي من قيمة حياته كإنسان.

الحقيقة ان المسؤولية الوحيدة تقع على الرئيس، لأن القانون المعدل جاهز ينتظر فقط إقرار الرئيس.

لا اعرف ان كان للرئيس مشكلة مع المرأة، فمن الصعب علي معرفة الرئيس، فرئيسنا مبهم بالنسبة لي كمواطنة، لا استطيع بالفعل الجزم او فهم موقفه من المرأة. لماذا لا يقر على القانون المعدل حتى الآن؟  فالموضوع ليس موضوع امرأة. هذا موضوع مجتمع.

المرأة ليست سلعة يمكن وضعها في شكل محدد ولا يمكن استبدالها ولا الاستغناء عنها. لو تم الاستثمار بإعادة نظرتنا كمجتمع إلى المرأة بدء من التعليم الى البيت لما احتاج الرجل في هذا المجتمع لذريعة يفرض فيها رجولته ويقتل.

قضية إسراء فضحتنا…

فضحت كرهنا لأنفسنا. كشفت خوفنا ورعبنا من صوت امرأة، من قوة امرأة، من تأثير امرأة، كل ما كانت تريد ان تقدمه لهذه الدنيا خدمة ما لرجل، كان أبا، او زوجا، او اخا. كيف يستطيع هذا المجتمع ان يقتل امرأة ولقد ربته امرأة، واحتوته امرأة وتسترت عليه امرأة.

واعترف انني لم اعد الوم الشعب على انحداره السحيق.

لم اعد استغرب كم التطرف والتخلف والعمي الذي أصاب المجتمع. فغياب القانون يشرعن حياة الغاب. فالبقاء يصبح للأقوى، فتتحول هذه القوة الى فضيلة. فضيلة يستطيعها فقط الرجل، وتسحق تحته أي محاولة لما قد يبدو قوة أخرى مهددة لسلطته ولعنفوان جبروته.

غياب العدالة في تطبيق القانون، والإصرار على السيطرة على المرأة كوسيلة وحيدة لحفظ مركز الرجل في المجتمع هو الوصفة المتممة لإنهاء المجتمع.

المطالبة بإقرار تعديل قانون العقوبات يجب ان تكون عنوان حملاتنا بنفس نهم ايماننا بالظلم الذي وقع على اسراء في محاولة تلفيق موتها. لأن السبب في موتها ليس فتنة ابنة عم ولا ضرب مبرح من اب او اخ او زوج اخت. السبب في قتل اسراء هو قانون يسمح بقتل الانثى بلا رادع ولا محاسبة وبإمكانية سهلة للتلفيق.

هذه القوانين يجب ان تسقط، ليس من اجل حفظ حياة امرأة أخرى، لوكن من اجل مجتمع لم يبق الكثير على هلاكه.

الرحمة بالأنثى هي رحمة بالمجتمع. واستباحة الانثى هي استباحة المجتمع.

العدل لإسراء لن يكون بتحقيق تأجل او لم يتأجل، فالشعب الذي تم تحويله بشريعة الغاب الموجودة سيستمر بالعواء والنهش. لن يصد فالشعب نتيجة تحقيق انتهى ولا تحقيق سيتم كذلك تأجيله حتى تنام القصة وتدفن كما في كل مرة.

العدل لإسراء هو في الإصرار على مطلب واحد: الإقرار بالقانون المعدل من قانون العقوبات بصدد المادة ١٦.

العدل للأنثى يأتي عندما ينتهي التواطؤ ضدها من قبل نظام يستمد قوته ويحافظ على جبروته بسحق المرأة تحت مسميات ترجعنا الى ظلمات الحضارات فتسحقنا وراء التاريخ كشعب لا يزال يحلم بيوم يتحرر فيه من الاحتلال.

في يوم ميلاد والدي.. تمنيت لو كان العالم كله أب

في يوم ميلاد والدي.. تمنيت لو كان العالم كله أب

 

بينما تصارعني الأفكار، بظلم تكون به الأنثى فريسة مجتمع أبوي ذكوري. أفكر بوالدي. تأخذني الكلمة الى سياق أحاول بث الروح فيها. والد ام أب؟ قد تكون كلمة والد دخيلة على فعل الابوة، لأن في الانجاب يوجد من يلد، وهي الانثى. ولكن أتذكر فلسفة افلاطون بمساواة الرجل بالمرأة عند الحمل والانجاب. فيعتبر انه من الصحيح ان حمل الأنثى للابن شهورا بالرحم والولادة فعل شاق للغاية. ولكن الذكر يحمل الأفكار العظيمة التي تكون ولادتها بحجم صعوبة المخاض ..ان لم يكن اكثر. وهنا يكون الوالد.

وكلمة أب، فيها من القسوة ما يعطي دوره رفضا مباشرا. فدوره بالعلاقة ان يأبى.

نسمي مجتمعاتنا بالأبوية، لنجعل من الاب هو مصدر القرار الأخير وصاحب الرفض او الموافقة لما يترتب علينا من حياة.

ولكني أفكر بوالدي، وبكلمة ابي التي تلفظ معانيها على لساني ببابا، أشعر بها بكل مرة ان الاب هو بوابة حياتنا كإناث. بوابة تدخلنا الى جنة. بوابة مفتوحة على مصراعيها بقفل ومفتاح يحمله هو.

أبي هو هذا الشعور من الحرية والأمان، وهو كذلك، الشعور من هيبة خسارة الحرية وانعدام الامن.

تمنيت لو كبرت بعلاقة مع ابي تشبه تلك التي يمارسها ابنائي معه. ففي ذكريات طفولتي، وجوده متقطع محدد بأماكن ومناسبات وتوقيتات بعينها. تبدأ صباحا بذهابنا الى المدرسة وقد يتخللها حدث ما. ابي كان دائما هو ذلك الرجل الذي يوصلنا الى المدرسة. متفرقات من الذكريات تلك التي تتخللها ذكريات طفولتي، حفرتها على الاغلب امي في مخازن الذكريات.

ولكن، على الرغم من تواجده القليل في ذكرياتي البعيدة جدا من طفولتي، كان لابي على بوابة حياتي مفاتيح فتحت بها وقفلت ما شكلني من مبادئ واخلاقيات. غريبة هي هذه الحالة. فأمي هي التي شكلت كل ما انا عليه من صفات وتصرفات وشخصية. انظر أحيانا الى نفسي وأفكر ان من يعيش بداخلي هو ارتداد امي لا انا. ولكن بتلك المرات القليلة التي فتح لي ابي بوابة حياتي لاستمر بالعبور، تشكلت بالفعل تحدياتي المستقبلية التي شكلت معاييري وتصرفاتي. امتحانات لا اعرف ان كان يقصدها، ولكنه نجح بأن يترك فيها اثرا ابديا لكيفية تفكيري. على الرغم من بساطة تلك المواقف كان لها الأثر العظيم علي… إيجابا او سلبا.

سلبا، كانت تلك التي عشتها في مراهقتي المحدودة ، بين ضغوطات لكيف تكون عليه البنت حسب مقاييس المجتمع، وبين ” رجولة” متوقعة مني بالتصرف ك”رجل” يحمل عبء “الكبير”، وكذلك كونه (انا) مؤثرا في سلسلة الاناث الكثيرة اللاحقة. فأفعالي كانت مثالا لأخواتي، وكذلك نتائجها. يعني مر عن تلك السنوات حتى زواجي كف مدوي ، بصقة ملأت وجهي، ، ومنع من الخروج وتهديد بتزويجي لأول قارع على باب المنزل.

ولكن، تلك ذكريات تضحكني عندما اتذكرها. فبمراهقتي اضطرابات بأعصاب المخ عندي كانت كفيلة على ما يبدو ل”عبادة العجل” بسببي.

ما حفر الى الابد بحفريات ذاكرتي كان آخر…

كنت ربما في السادسة او السابعة من عمري، عندما اعطاني بعض النقود لأشتري شيئا (ربما كان خبزا) وارجع له الباقي. اذكر وقفته امام السيارة وبيدي باقي الخمسة شواكل مما تبقى، منتظرة ان يكون قد نسيها او انه لا يعرف كم ثمنها. بالنهاية هو اب مشغول بالكاد اراه. يعمل ليل نهار بكل ما تعنيه تلك العبارة من معنى. قليلا كانت تلك الليالي التي عاد بها قبل نومنا في ساعاته المحددة لنا بصرامة من امي. كنت بتلك اللحظة اتحايل على فرضية ان الرجل مشغول ولن يكون هناك وقت لديه ليتعب عقله بحساب الباقي من النقود. فكرت كيف سأخدعه، ربما أفتش في جيبي وادعي أني اضعت الباقي. ربما أقول له انني اشتريت شيئا اخر وأكلته بالطريق. اردت ذلك الكنز من باقي النقود التي حملتها. ولكني لم أكن بصدد سرقتها او الانكار. فقد يفتش جيوبي، وانتهي الى عقاب من امي يترك اثرا أعمق الى الابد بداخلي. كنت قد تعلمت درسي الكوني من السرقة، عندما “سرقت” ما يساوي ربما الشيكل بسنوات او سنة سابقة، عندما كان العقاب حشري بالحمام ليوم كامل والطلب من اخواتي التي تصغرنني مع كل دخول الى الحمام بالإشارة الي ونعتي باللصة. شعور لم يخرج مني طيلة حياتي. كنت انا المهيمنة الجبارة على اخواتي، بقيت احداهن تذلني في كل موقف جبروت لي لتقول: حرامية!

من اجل ذلك كان علىي الاعتراف بالحقيقة والتخلي عن باقي الكنز في جيبي. بالنهاية فإن تاريخي موصم باللصوصية. فقلت لوالدي بأن ما اشتريته كلف كذا وما بقي معي كان كذا وادخلت يدي في جيبي من اجل اخراج الباقي، ونظر الي قائلا: اتركي الباقي معك. خبيهم.

منذ ذلك اليوم وعشت في مهمتين: الأولى ان أثبت انني جديرة بالثقة ، والثانية بأنني استطيع ان “أخبيهم”. فبعد سنوات كنت اسافر للامتحانات في الجامعة ويعطيني والدي مبلغا ما يفترض انه أكثر من المبلغ المطلوب ويقول لي: سأرى كم سترجعين من باقي. وارجع دائما بباقي يتعدى المبلغ المتوقع بكثير. قد يكون من المضحك ان تعلم هذه التجربة بذاكرتي هكذا، كالوشم، في حين ابحث بكل ثنايا عقلي عن ردة فعل ابي عندما رجعت مشيا على الاقدام من الروضة الى مكان عمله، في يوم أنزلني فيه الى الروضة وكان يوم عطلة (ولم ينتبه) . تعتبر هذه الحادثة اهم احداث حياتي (طفولتي)  في المطلق. فبذلك اليوم الذي بالكاد كنت فيه ابنة الرابعة او ربما اقل، نفذت اهم عملية وصول في تاريخي… من المدرسة الى مكان العمل. (من الشيخ جراح الى المنطقة الصناعية بالقدس) مغامرة لا يزال عقلي يفكفك كيفية تدبيرها واتعب كما تلك الطفلة كلما فكرت بطول المسافة والمخاطر التي كان علي تجاوزها والابتعاد عنها بالطريق. ولكن لا أستطيع ابدا ان أتذكر كيف استقبلني والدي. جزء من حيوية هذا الحدث هو ذكريات امي له. فأمي تروي تفاصيل كل خطوة خطوتها في ذلك اليوم وكأنها هي التي تركت واضطرت للوصول بنفسها. اما ابي الذي وصلت اليه، فربما لم يكن هناك، وربما وهو الأرجح، انه عندما رآني قال : اه وصلتي ياللا اروحك عالدار. وكأنه امر عادي تستطيع فعله بسهولة طفلة لم تتجاوز الرابعة بعد. بعد سنوات كثيرة جدا جدا ، بينما كنت في جلسة للعلاج النفسي ، استعدت هذه الحادثة لاعرف مدى أهميتها. عندها اجتمعت بالعائلة حول طاولة المطبخ واصريت على ان اصارحهم بما  اكتشفت انني خسرته في ذلك اليوم. نظر الي والدي بكل جدية وخوف. اذكر توتر امي وهي تفكر ربما : مقعول صار معها اشي ما قالت لي إياه في ذلك اليوم؟  وابي ينظر برجفة لا تستطيع رموشه التحكم بايقافها. فقلت لهم مطمئنة : لا تخافوا لم افقد عذريتي في ذلك اليوم ، فقدت ما هو اهم … طفولتي. طبعا نظرت امي الى ابي وكأنها تقول له: قلت لك انه البنت مضروبة. وهب ابي عن كرسيه يلوح بيده بإشارة ” روحي من وجهي بلاش اخمعك كف”.

ولكن ربما هذه كانت ضريبة كوني الابنة الكبرى. بين وجودي بحياة “مراهقين” وبين كوني انثى، كان تحدي وجودي مع والدي لأصير ما انا عليه اليوم. فبينما يبلغ ابي اليوم التاسعة والستين من عمره، اتممت انا الثماني والأربعين من عمري. واحد وعشرون سنة تفصلنا. سنوات حولت الرجل الذي نظم له والده حياته وبالتالي أحلامه الى اب. ابنة بدل ابن متوقع. وكنا طبعا البنت تلو البنت.. احباط بدا مزمنا لتوقع اتى بعد سبعة.

من ضمن المشاهد التي تتربع في حفريات ذاكرتي، ذلك اليوم الذي بكى فيه ابي. اذكر دموعه كاللآلئ التي تمنيت لو لممتها وارجعتها الى عيونه في ذلك اليوم. بكاء غامر يملأه النحيب بصمت، في أروقة بيت العائلة الكبير وسرير في غرفة يرقد فيه جدي مغطى بشرشف ابيض، وسط بكاء ونحيب من كل الاتجاهات. كان ذلك يوم الانكسار العظيم.

تمر السنوات وارى الدموع تسرق طريقها عنوة من عيني والدي بينما كان يودعنا لعرساننا واحدة تلو الأخرى. دمعة لضعف ام لحب حاولت ان افهمها كثيرا. وعشت كثيرا فيما بعد لأشعر حب هذا الاب الحنون.

منذ صرت اما، تحول ابي الى حنون. معادلة عجيبة في فقه الاباء على ما اعتقد. فجأة يصير والدك هو حلمك بالرجل الذي تريدينه. تتمني لو يكون زوجك بحبه وعطفه وحنانه. تتمنى لو يكون زوجك أبا لأبنائه كوالدك.

في مغامرة الحياة مع عائلة بدأت صغيرة بالعمر، مليئة بالصغار الاخرين. تعطيك هذه الحياة جوائز ترضية لا تتوقعها: أنك تستطيع ان تعطي ابنائك من والدك ما لم تأخذه انت.

عندما أرى ابي ينظر الى ابنائي. عندما يأخذهم معه الى مشاوير الجد والاحفاد. عندما يحضنهم. عندما يقبلهم. اشعر بغبطة حنان الاب الذي طالما تمنيته. وكأنه يعوض كل تلك القبلات والاحضان التي لم يعطنا إياها في صغرنا، فيعطيها بحنانه المتزاحم للخروج من أعماقه لأبنائنا. لو نعيش في زمن الامثال لكان المثل المخصص لوالدي يقول : “كل فتاة بجدها معجبة.” فأبي هو الرجل الأهم  والاحب ومصدر الاعجاب في حياة حفيداته الاناث.

لم يكن ابي حاضرا في حفرية وصولي التاريخي اليه في صبيحة ذلك الايلول من حياة طفولتي، ولكنه كان الوحيد الحاضر في خريف عاصف وقاتم اتى لحياتي عندما تطلقت.

في وقت اختفى العالم بمعظمه من حولي. وقف والدي امام تلك البوابة وأشار الي بالاستمرار بالعبور، راميا ذلك القفل والمفتاح من يده وتمنى لو حضنني.

المحاسبة في قضية إسراء غريب يجب أن تبدأ باستقالة وزيرة الصحة ووزيرة المرأة

المحاسبة في قضية إسراء غريب يجب أن تبدأ باستقالة وزيرة الصحة ووزيرة المرأة

 

لا تزال قضية موت الشابة إسراء غريب تثير تفاعلات عارمة في المجتمع الفلسطيني. وليس بغريب أن تمتد التفاعلات إلى خارج حدود المجتمع الفلسطيني، فقضايا المرأة تتوحد وسرعان ما تصبح عالمية، في مجتمعات أسهل ما فيها التخلص من حياة أنثى. في زمن صارت المرأة فيه أكثر استقلالا، وتزاحم الرجل في معترك الحياة على كافة الأصعدة، من الطبيعي ان يرتعب العالم الطبيعي من نهاية حياة لشابة بدأت شق أحلام حياتها للتو.

العنف هو السبب الرئيسي في مصائب الانثى. الاستياء والغضب والحزن بقضية إسراء يكمن في معرفة كل انثى انها من السهل جدا ان تكون اسراء، في مجتمع يقيس شرفه بشعر انثى، ولبسها، وطريقة مشيتها، وما يخرج من لسانها، وما يقرره من جسدها وروحها وحياتها كحق ذكوري طبيعي ممنوح له. والذكورية هنا ليست رجل فقط، بل رجل وامرأة. وقضية اسراء هي مثال اخر لهذا، ففتنة النساء وتهييج غضب الرجال يبدو وصفة تاريخية.

موضوع اسراء خرج من السياق الطبيعي له، كجني يفلت من مصباح (ليس الجني العاشق الذي تلبس اسراء على حسب قول زوج أختها)، ليخرج مشاكل مجتمعية مرعبة، تتأكد مرارا وتكرارا لنا بوهن وضع المرأة وعبثية حياتها، وكأنها مجرد طفرة كلما تم التخلص منها كان أفضل.

ولكن…. ما جرى في هذه القضية كشف خرقا أكبر بداخل النظام الذي نعيش فيه، او بالأحرى فضحه، كشفه، وعراه.

نعم، نحن مجتمع ذكوري لا يحترم المرأة، واهم إنجازاته وضع امرأة في كوتة نسائية عند الانتخابات. ولكن المأساة ليست هنا. المأساة في نظامنا المهترئ من كل الاتجاهات.

في الأنظمة التي تحترم نفسها قبل ان تحترم رعاياها، تقوم الدنيا ولا تقعد عندما تأخذ قضية منحى رأي عام. في قضية اسراء، تحولت منصات العالم اجمع للتحليل والتفسير وكل محاولات فهم الحقيقة وابرازها، بينما صمت النظام بكافة اطيافه صمت الجثة التي تنتظر التشريح بعدما تعفنت. فلم نسمع الا ارتدادات من مسؤولين على كافة المستويات. النيابة تعلق ببيان بعدم نشر تفاصيل حتى انتهاء التحقيق. رئيس الوزراء يخرج بتغريده خجولة يشجب فيها الجريمة ان وقعت ويطالب بمحاسبة من يقتلون ان قتلوا. وزيرة المرأة تخرج بعد أيام كثيرة لتقول لنا بأن على القوانين ان تتحسن. الرئيس طبعا مشغول بخطاب يتم الاعداد له في منصة الأمم المتحدة، فالضحية امرأة فلسطينية أخرى، فلو كانت الضحية شابة إسرائيلية لكان الوضع مختلف. وقد اعترف انني من الممكن ان أكون متجنية بعض الشيء، فبالمحصلة، نحن نتكلم عن أكثر الجرائم اقترافا بهذا المجتمع. فكم من انثى تدفن بلا حتى تقرير وفاة، وكم من انثى تسحق ولا يراها أحد، وكم من انثى تضرب وتكسر وتهشم ولا يأبه لوجعها أحد. فهنا الساكت المتواطئ مع كل هذه الجرائم بحق الاناث في المجتمع هو مستشفى ما، وصلت له ضحية ما، وختم بتقرير ان كل شيء تمام.

وهنا اسأل، أين وزيرة الصحة؟

للمفارقة، لدينا وزيرة صحة وليس وزير. يعني من المفترض ان يكون هكذا موضوع هو موضوعها الشخصي. قبل شهر كانت قضية التحرش التي أدت الى اضراب نقابة الأطباء وقوفا مع الطبيب. حتى اللحظة لم نسمع تعليقا يصب نحو النية في إجراء تحقيقات حقيقية بشأن ما يجري من تجاوزات مرعبة بالمستشفيات، وقد يكون التحرش مجرد “طفرة” كطفرة وجود الانثى في هذا المجتمع. فما نسمعه من قصص مرعبة تجري بالمستشفيات من اهمال وتقصير وسوء تشخيص وعلاج خاطيء وسوء معاملة، يجعل المرء يخاف من العلاج اكثر من خوفه من المرض. ما حدث مع اسراء منذ دخلت المستشفى ” مكسرة” وخرجت منه “ميتة” هو جريمة لا تقل عن جريمة موتها. المستشفى تبدأ مسؤوليتها عند استقبال المريض وتصبح متواطئة بالجريمة عند السكوت عن التحويل إلى الشرطة، وعندما تكتب تقارير خاطئة، كاذبة، مزورة. الطبيب الذي يتعامل مع المريضة وكأنها أضحية قدمها الاهل وشارك هو في تقطيعها مذنب كذنب من شارك في ضربها وتسبب في رميها على سرير بمستشفى.

في الأيام الأخيرة، منذ لحظة انتشار المقطع الصوتي لصراخ اسراء بالمستشفى، ومنذ وضوح رخو تصرف المستشفى باستباحة الضحية من اغلاق باب عليها واستدعاء شيخ ليطرد الجن منها، كان يجب على الشرطة اغلاق المستشفى بعد كل ما تم تداوله من فيديوهات لاعترافات واضحة. في كل مرة يتم ذكر ما جرى بالمستشفيات بقضية إسراء يؤكد ان الضرر الأكبر حصل هناك.

عدم قبول المستشفى ولا وزارة الصحة بالإدلاء باي تصريح للتحقيق الصحفي الذي اجراه تلفزيون وطن، يشبه في أثره مناشداتي للرئيس. فراغ مطلق يجعل الانسان منا يفكر بوهن وجودنا في هذا الوطن ورخص قيمتنا كمواطنين.

ولكن للأمانة، ان النيابة حتى هذه اللحظة تتصرف بأمانة أكثر من أي جهة مسؤولة، فبعد تقرير الامس قررت النيابة استدعاء زوج اخت اسراء وافراد عائلتها ـ أن يأتي متأخرا أفضل من الا يأتي ـ ولكن ما جرى يؤكد ان ضغط الرأي العام يؤخذ على محمل من الجدية – نعم نحن نستجدي أضعف الايمان-.

 

اما ان تصمت وزارة الصحة عما جرى في أروقة مستشفياتها فهذه جريمة أكبر. لأننا بتنا نعرف ان وزارة الصحة تتحمل مسؤولية الاستهتار بحياة المرضى عندما تصمت عن تدخل الشيوخ في غرف المستشفيات بدل الطبيب.

عندما تشارك المستشفى بتقرير غير دقيق وغير وافي وكاذب وملفق. من حقنا أن نعرف بالتفاصيل ما جرى وأين تقف التحقيقات وما جرى بالمستشفى. من حقنا ان نعرف اين التسجيلات والامن ، ومن حقنا ان نعرف الحقيقة كما حصلت.

في بلاد العالم التي تحترم شعوبها وتحترم أنفسها، كانت ستسقط حكومات في هكذا قضية، او في اقل التقديرات، كانت وزيرة الصحة ووزيرة المرأة ستقدمان استقالتهما، لرفضهما ان تستباح المرأة تحت سلطات تجعل من المرأة اضحية لخطايا المجتمع.

ما الداعي لوجود وزارة صحة لا ترعى صحة وحياة الناس؟ وما الداعي لوجود وزارة امرأة لا تستطيع ان تؤثر على تغيير قانون يسمح بقتل المرأة بلا حساب ولا عقاب.

%d bloggers like this: