هل استهداف المثلية هو المسمار الاخير في نعش الوطن؟

هل استهداف المثلية هو المسمار الأخير في نعش الوطن؟

 

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي منذ الامس بين استياء وتأييد لبيان أصدره المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية يدعو فيها بمنع أمسية تنظمها مؤسسة ترعى شؤون المثليين في فلسطين، وطلب من الجمهور التبليغ عنهم ورصدهم، وأشار بلاغه الى بعد هكذا تجمعات عن الثقافة والدين واللحمة الفلسطينية (وهنا سنجد طبعا لحمة بين شق السلطة الاخر من الوطن الذي سيشيد بهكذا بيان). جاء نص البيان كما يلي: الشرطة ستمنع اي نشاط لتجمع “قوس” للمثليين.
رام الله _ اكدت الشرطة وعلى لسان الناطق باسمها العقيد لؤي ارزيقات بانها ستمنع اي نشاط لتجمع المثليين الجنسيين المسمى “قوس” مؤكدة في نفس الوقت بعدم علمها باقامة اي مؤتمر لهذا التجمع في الايام الماضية بمدينة نابلس تحت عنوان ” هوامش…بين ارزيقات بان مثل هذه النشاطات تعتبر ضرب ومساس في المثل والقيم العليا للمجتمع الفلسطيني الذي حافظ عليها على مر التاريخ وهي تصرفات لا تمت للاديان السماوية ولا للعادات والتقاليد الفلسطينية وخاصة في مدينة نابلس التي تتميز بعاداتها وتقاليدها وتاريخها العريق وارتباطاتها العائلية . مؤكدا ان هناك جهات مشبوهة تحاول خلق الفتنة والمساس بالسلم الاهلي للمجتمع الفلسطيني.موضحا ان الشرطة لن تسمح بنزع الثقة بين المواطنين وانها ستعمل على ملاحقة القائمين على هذا التجمع وسيقدمون الى الجهات القضائية حال القاء القبض عليهم.
داعيا المواطنين للتواصل مع الشرطة والابلاغ عن اي شخص له علاقة بهذا التجمع مع ضمان سرية المعلومات التي سيقدمها للشرطة.”

 

مرة اخري نجد أنفسنا امام تعبئة شعبية من قبل صناع القرار الفلسطيني في شقه الفتحاوي عن طريق استخدام الدين. فقبل أسابيع، أصدر خطيب المسجد الأقصى فتوى بتحريم ذهاب الزوجة للشكوى على زوجها لدى الشرطة الإسرائيلية.

بدء يجب توضيح سبب مأساوية فتوى شيخ القدس. فالقدس تخضع بالكامل للقانون الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية هي الوحيدة المخولة للتصرف لحل النزاعات. الشيخ نفسه يأخذ تصريح خطبته او رفضها من الشرطة الإسرائيلية (او بالأحرى للشرطة الإسرائيلية الحق بمنعه عن الخطبة ودخول المسجد الأقصى وتغريمه وهذه الشرطة نفسها هي التي يدفع مقابل عدم التعرض له اجرة الموقف والارنونا والضرائب وإذا ما لم يدفع فاتورة التلفون او الكهرباء او نفقة الأبناء هي المخولة بتفعيل الإجراءات القضائية ضده)، أي انه عند اقتراف جريمة، فان الشرطة الإسرائيلية هي المخول بالتحري والتدخل. وعند تعرض امرأة للضرب او التهديد او القتل، فان الشرطة هي صاحب الاختصاص المباشر للتدخل. وعليه، فإن الزوجة المشتكية لا تختار الذهاب الى الشرطة الإسرائيلية، فلا مكان اخر للشكوى الا الشرطة الإسرائيلية في حالة المرأة التي تعيش بالقدس.

على الرغم من ان موضوع المقال ليس متعلقا بالمرأة ولا حقوقها، يجب التنويه كذلك، ان المرأة التي تذهب للشكوى للشرطة، سواء كانت بالقدس او رام الله او عمان او السلط او لوس أنجلوس او باريس، هي امرأة بمعظم الأحيان أجبرت على هذا. وفي سياق مجتمعاتنا العربية، قد تكون امرأة وصلت الى لحظة حاسمة بين حياتها وبين مماتها، فطلبت النجدة من الشرطة.

ولن أدعي ان الشرطة الإسرائيلية (على العكس قد يكون ادعائي ان الشرطة الإسرائيلية تتصرف وبمنهجية متفق عليها مع قضايا الانسان الفلسطيني بتقاعس واهمال وعنصرية) توفر حماية أكثر من غيرها بدول العالم وبنظيرتها الفلسطينية، لأن الجرائم المرتكبة بحق النساء سببها تقاعس الشرطة بأخذ تهديدات العنف الاسري على محمل الجد.

هنا، كان على المفتي، ان يحرم ضرب الرجل للمرأة، لكيلا يترك مجالا لها بالذهاب الى الشرطة الإسرائيلية. وإذا ما كان تحريم ضرب المرأة بالنسبة للمتمسكين بحجج الدين منافي للشرع الذي يستمد قوته من الآيات القرآنية، فهنا نقع في وضعية “الضرورة تبيح المحظور”.

ولكن، لأننا مجتمع ذكوري، يستخدم الدين ويسخره لتعزيز جبروته وتحكمه بالمرأة، كان من الطبيعي ان تلقى هكذا فتوى استحسانا لدى الكثير من الرجال، واستياء وتكفيرا لمن اعترض عليها.

هنا نقع في شرك تسييس الدين الذي يؤدي الى انهيار حقيقي في نسيج المجتمع الذي يعاني أصلا من التهالك، في وضع ينخر بنا الاحتلال من كل الاتجاهات.

قبل أسابيع كذلك، وفي سياق عنوان هذا المقال، لقي منع فرقة مشروع ليلى الفنية استياء وترحيبا على نفس المستوى من تسييس الدين. في وقت يعاني فيه المجتمع اللبناني من خطر يهدد امنه بسبب الطائفية وتسليط حمية التفرقة ضد اللاجئين الفلسطينيين تحديدا، كان استخدام مشروع ليلى كذريعة لإشعال اخر في نار التفرقة العنصرية. وكأنه لا يكفي ان تكره في لبنان من اجل جنسيتك او دينك او طائفتك، هناك حاجة لأن تكره بسبب هويتك الجنسية.

بيان قائد الشرطة الفلسطينية، لا يختلف عن دعوة رئيس الطائفة الدينية المسيحية بلبنان، دعوة صريحة للعنصرية ولتهديد من هو مختلف عن الجموع المطلوبة.

وهنا تكمن المصيبة في تدخل الشرطة وكأنها مفتي. وهذا ما يدخلنا في نهج تديين السياسة.

السؤال الذي يطرح نفسه أولا، هل انتهت القضايا بفلسطين وتوقفت عند قضية أمسية ستقوم بها مؤسسة ترعى حقوق المثليين مرخصة من قبل السلطة الفلسطينية؟

كان من الأهم لو تدخل متحدث الشرطة عندما تقدمت عائلة فتاة للشرطة بقضية تحرش طبيب، قبل ان يتحول الموضوع الى قضية رأي عام، خسر فيها الطبيب رجليه، وخسر المرضى ربما حياتهم عند قرار نقابة الأطباء بالإضراب.

كان من الأهم كذلك، لو سمعنا بيانا لمتحدث الشرطة عن قضية المخدرات التي ضبطت اجهزته فيها ابن مسؤول كبير؟

كان من الأهم كذلك ان نسمع عن بيان وموقف او توضيح عن تحقيقات بقضية تسريب العقارات؟

اين متحدث الشرطة من مؤتمرات التطبيع التي تجري بالسلطة على الرغم من القرارات الرسمية المعلنة بوقف الاتفاقيات مع إسرائيل؟

اين متحدث الشرطة من الحفل الذي ستقيمه السفارة الامريكية برام الله على الرغم من اعلان السلطة بوقف التعامل مع أمريكا ووقف المشاريع والاستياء والرفض الشعبي لنقل السفارة الى القدس؟

أين متحدث الشرطة من القضايا المهمة للشعب، في نزاعات واقتتال يومي، فيما يشبه حرب شوارع قادمة بداخل المجتمع الفلسطيني، في التعدي على المساحات العامة والضوضاء والمفرقعات واغلاق الشوارع للمناسبات؟ ام قضية المثليين هي القضية التي ستحرر بها الشعب إذا ما فتحنا نار الكراهية عليهم؟

هل يحتاج الشعب الى كراهية بين أبنائه أكثر؟ الا يكفينا اننا انقسمنا بين فتح وحماس، بين رام الله وغزة، بين القدس والخليل، بين مسلم ومسيحي، بين متدين وعلماني، بين محجب وسافر، بين شبيبة فتح وشبيبة دحلان، بين مسلم عادي وتحريري وداعشي، بين مدني وقروي، بين فلاح وبدوي، بين ابن قبيلة وابن قبيلة، بين ابن طائفة وابن طائفة؟

هل بقي المثليين ليوحدوا انقساما جديدا بين أبناء الوطن شعاره الكراهية والقتل والحرق؟

متى سنصل الي مرحلة نفهم فيها، ان اختلافنا لا يعني اخلالنا بقواعد الوطن العام من مبادئ وقيم واخلاق.

الاخلاق هي تلك التي تتقبل الاخر وتحتويه مهما اختلفنا عنه.

والوطن هو ان يكون مكانا للجميع فيه. بكل اختلافاته، وبكل الوانه واطيافه.

والمثلي هو مواطن، لا يقل وطنية ولا دينا ولا إنسانية.

المثلي جزء من تركيبة المجتمعات في كل مكان، ولا يختلف الامر عن المجتمع الفلسطيني. المثلي قد يكون اخا، او أبا، ابنا، او جارا، او عما، اخالا، ابن عم، او ابن عمة، ابن خال او خالة. المثلي قد يكون بقالا، او صاحب طعم او عامل. المثلي قد يكون أستاذا، او طبيبا، او مهندسا، او وزيرا.

المجتمع الفلسطيني تتواجد فيه المثلية بكل طبقاته ، سواء اعترفنا بذلك او انكرنا.

المثلي قد يكون ثائرا، ومعتقلا، وشهيدا.

متى ستوحدنا فلسطينيتنا بوطن نحارب من اجل تحرره، إذا ما كان هذا الوطن لا يتسع للمثلي ولا للمرأة ولا لصاحب الدين او الفرقة او الطائفة الأخرى.

ان نتقبل المثليين لا يعني ان نفتح الباب على مصراعيه لتحول الرجال والنساء للمثلية. فهم أناس قرروا او اختاروا طريقهم كما اختار او قرر باقي افراد المجتمع طرقهم.

ان نتقبل المثليين يعني ان نوسع افاقنا لاختلافاتنا لنرقى بديننا ودنيانا.

ولعل بالقرآن الكريم عظة لنا. سأختم بسورة الانسان، لعل الانسان منا يتفكر:

هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19)وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28)إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)

 

رشيدة طليب: ضحية الفلسطيني الذي يبحث عن أيقونة تحرر

 

انقلبت مواقع التواصل رأسا على عقب هجوما على عضو الكونغرس الأمريكي من أصل فلسطيني رشيدة طليب. لم يكن وقتا بعيدا، انقلاب مواقع التواصل الاجتماعية فرحا ودعما لطليب عندما حلفت يمين تعيينها بالكونغرس بينما كانت ترتدي ثوبا فلسطينيا، وتتويجها كأيقونة محررة.

بين الامس وقرار ارتداء رشيدة الثوب الفلسطيني بالكونغرس، وبين اليوم وقرارها زيارة بلدتها بفلسطين وارسالها برسالة استرحام لوزير الداخلية الإسرائيلية لزيارة قريتها من اجل رؤية جدتها المسنة والتزامها بعدم الخوض بموضوع المقاطعة. أي ان زيارتها إنسانية فقط. وتكسير الايقونة على رأسها واعتبارها خسيسة.

كانت قد أعلنت رشيدة طليب مع زميلتها الهان عمر قبل أسابيع رغبتهما بالقدوم الى فلسطين\ إسرائيل للتأكيد على ممارسات إسرائيل العنصرية ضد الفلسطينيين. لم يكن غريبا ان تمنع إسرائيل النائبتين الامريكيتين من الدخول الى “أراضيها”، بوقت يحكم أمريكا الرئيس ترامب. فموقفه واضح تجاه إسرائيل، فهو مع ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية بدعم تام، حتى ولو مست هذه الحكومة هيبة أعظم دولة في العالم. بالمحصلة، فان النائبتين تشكلان ازعاجا للرئيس الأمريكي ولا يعترف بهما شخصيا ولكنهما مفروضتان عليه. فما قامت به إسرائيل من منع لا يقدم الى ترامب الا هدية.

بالعادة، قد يكون مجرد منع النائبتان من الدخول هو الفضيحة الأكبر. قد تكون هذه الخطوة بمثابة ضربة بالإعلام الأمريكي. للإنسان الأمريكي العادي الذي لا يعرف من العالم الا ما تنقله شبكات اعلامه الموجهة، واعتقاده انه سيد العالم. والنائبتان تشكلان هيبة الدولة الامريكية التي اهانتها إسرائيل.

ولكن، يبدو ان جينات رشيدة طليب الفلسطينية حنت الى قريتها، واصرت على الدخول تحت أي شرط. ربما بالفعل كذلك، توجب عليها القدوم من اجل لقاء أخير لجدتها المسنة. فمهما حاولنا وضع الناس في قوالب مقدسة او خارقة، بالنهاية هؤلاء الناس بشر، لهم عائلات، وأحبة، وواجبات وحقوق تنطلي على حياتهم اليومية كما بحياتنا نحن البشر المنتظرون للشخوص الخارقة.

وهنا يبدو ان الجين الفلسطيني غلب الجينات المكتسبة الامريكية، فوجدت رشيدة طليب نفسها تتوسل من اجل العبور.

رشيدة طليب لا تختلف عن أي فلسطيني يحتاج ان يمر عن حاجز، فيعمل ما بوسعه من اجل الحصول على تصريح.

استثناء هم الفلسطينيون الذي لا يريدون العبور عن حاجز، وقد يكونوا غير موجودين أصلا. ولكن هناك قاعدة لا يمكن ان نتغاضى عنها، وهي تلك المتمثلة بصك العبور الذي تسمح به إسرائيل. لا يوجد من هو وطني ومن هو اقل وطنية بهذا. يوجد حاجة للمرور او العبور يتطلبها الموقف، وسيدها واحد: جندي إسرائيلي. وفي حالة رشيدة طليب، سيد الموقف هو وزير الداخلية الإسرائيلية. ولا فرق بين الجندي والوزير هنا في الحط من هيبة الانسان الفلسطيني مهما علا شأنه وتغيرت جنسيته، فأعلى من يتخذ القرار بشأنك هو عسكري برتب مختلفة.

لن يكون غريبا، ان تكون الرسالة التي كتبتها طليب من اجل الدخول الى “إسرائيل” معدة مسبقا وبالكلمة من قبل وزارة “الدفاع” الإسرائيلية. هل لنا ان نتخيل فقط الآلاف من رسائل الاسترحام التي يكتبها الفلسطينيون من اجل العبور، ويتم منحها بالمقابل تحت اسم “الإنسانية”؟

وقعت طليب بلا شك في شرك نصب لها بخباثة صهيونية معتادة. وتم استخدامه ضدها بتلقائية وسط نهج صهيوني ممتهن ولا يحتاج الى حنكة.

ولكننا، دائما ننجح ان نقدم للاحتلال إنجازات لا يتوقعها، وهو الهجوم الشعبي على المرأة، وكأنها باعت فلسطين.

منذ لحظة تحميل رشيدة طليب مسؤولية تحرير فلسطين من الكونغرس، كان الاندفاع كما كل مرة نحو الهاوية. لم نعبأ لفكرة ان المرأة لا يمكن لها ان تشغل أكثر من منصبها الذي تمليه عليها قواعد العمل في أمريكا بهذا الشأن. تم انتخابها من اجل مجموعة من الناس الأمريكيين في مكان ما تعيش به، لم يكن منتخبوها فلسطينيون، ولم تكن حملتها الانتخابية متعلقة بتحرير فلسطين. وهذا هو الطبيعي. ولكننا تأملنا، كعادتنا، لأننا كالغريق المتعلق بقشة، وهذا عادي كذلك.

وبين توقعاتنا وامالنا من طليب، وبين حقيقة ما تستطيع طليب ان تكونه تكمن المصيبة.

وردة افعالنا في كل مرة هي المصيبة الأكبر، فبتدشينها ايقونة فلسطين على مقاعد الكونغرس من خلال ثوب ملأنا فيه نشوة انتصاراتنا في ظل انهزام محتم نعيشه، قد نكون السبب في تعطيل مهمتها الأساسية وتحويلها الى مدافع عن القضية الفلسطينية في منبر ليست القضية الفلسطينية هي هدفه الدائم. مجرد عنوان ضمن مئات او الالاف العناوين. كنا بحاجة لعضو كونغرس فلسطيني بلا شك، فهو بالتأكيد إضافة لنا كفلسطينيين، نكسر من خلالها فكرة التخلف والإرهاب الموسومة بنا. كان سيذكرهم دائما وجود امرأة فلسطينية بالكونغرس، ان الفلسطيني له ابعاد واشكال غير تلك التي ترسمها حكومتهم عنا. ولكن قبلت طليب ان ترتدي عباءة “الأيقونة” وريما صدقت ان وجودها بالكونغرس سيحرر فلسطين. لو كنت مكانها لأخذتني النشوة الى التصديق. فتحولت المرأة بقدرة قادر الى ايقونة التحرير بمجرد لبسها لثوب فلسطيني بالكونغرس!

الحرب العشواء المقامة ضدها اليوم من الفلسطينيين، تقول كذلك ان العطب في الجين الفلسطيني آخذ بالازدياد. فنحن بحاجة الى العشرات من رشيدة طليب بالكونغرس. وشطبنا عن الوحيدة هناك كمن يطلق النار على قدمه من جديد. كم سهل ان تنسى طليب بعد هذه الهجمة الشعواء عليها أي صلة لها بفلسطين؟ كم سهل ان يحتضنها الصهيوني الملازم لها كظلها في كل وجهة تنظر اليها؟ كم سهل ان تركز فقط على قضاياها الامريكية بلا عناء ولا اهتمام لقضية يهجم أصحابها كالوحوش المتعطشة لضحية ونهشها عند كل زاوية؟

نفس الناس الذين توجوها أيقونة هم الذين ينزلونها الى قائمة اراذل البشر اليوم. فهل يعني هذا انكم كمشاعركم بعيدون كل البعد عن الفهم بالسياسة وما تطلبه؟ ام أنتم مجرد منافقون مطبلون لكل مرحلة، لا تختلفون عن النظام السائد من التطبيل نحو هتافات فارغة نرفضها بالعلن ولا نتوانى عن استخدامها كلما احتجنا لها.

من منكم بلا حاجة لصك عبور يمنحه الإسرائيلي.. فليرجمها!!!

 

وهم الإنفكاك الإقتصادي وواقع العبور ( او محاولة العبور) عن حاجز

 

في رحلة يومية يعيشها كل فلسطيني يحتاج أن يمر من خلال حاجز، تحول الى معبر على الرغم من كل محاولات التثبت بالمصطلحات. دار حديث بيني وبين صديقي في محاولة للعبور الى القدس. احيانا اعتبر ما أقوم به جسارة، على فرض أن تمرير “ضفاويين” هو بحجم خطر محاولة تفجير. وأحيانا اعتبر الامر لطافة، فبالمحصلة، ما الذي أخسره بانتظار قبل الحاجز بسيارة، مجنبة البشر الذل الذي يعانونه بممر المعبر الحديدي عند الاستطاعة

( وهنا نتكلم عن اشخاص معهم تصاريح او لا يحتاجون الى تصاريح بسبب أعمارهم، ولكن لأن القانون يحدده جندي على الحاجز فلا يمكن معرفة الممكن من المستحيل الا عند المحاولة) .

صديقي هذه المرة كان شخصية اعتبارية، يحمل بطاقة (في اَي بي)، ولكن زوجته لا تحملها. بينما انتظرنا فحص الجندي الدرزي – على الأرجح- للهوية وتهديده إما بالرجوع أو تحويلي الى تحقيق، تكلمنا أنا وصديقي عن خطة الحكومة بالانفكاك الاقتصادي. بلحظات مليئة بالانهيارات النفسية بسبب الموقف بشكله العادي، شخص اعتباري يتحكم بمصير عبوره الى القدس جندي لا يتجاوز العشرين عاما، بلغة هي لغتنا، لا عبرية متلعثمة ولا عربية متعثرة، لغة عربية واضحة الكلمات والمعالم. هو جندي ونحن مواطنون. هو جندي وهو شخص اعتباري يحمل بطاقة موقعة من اعلى هيئات السلطة للاهتمام به عند العبور. ولكن ما الذي يمكن ان أفكر به او ابرره وانا انتظر معه رحمة الجندي؟ كانت عبارة رئيس السلطة هي التي تتردد في قنوات اذني في احدى تصريحاته: ” مجندة عمرها ١٨ سنة بتقرر انى امر او تمنعني!” يعني إذا ما كان رئيس السلطة تتحكم بمروره عن حاجز جندية إسرائيلية، فمن البديهي ان يتم توقيف الشخص الاعتباري بنفس الطريقة، ومن البديهي أكثر ان يعيش المواطن بالتالي حالة الذل المدمر كنتيجة طبيعية.

حاولنا الالتفاف عن الحاجز، باستخدام ما صار يسمى معبر قلنديا مشيا على الاقدام. فصديقي وزوجته بالوضع العادي لا يحتاجا الى تصريح بسبب تجاوز عمرهما الخمسين. ولكن اليوم كان مختلفا، بما يبدو وكأنه محاولة متعمدة لإذلال صفة الانسان الاعتباري الفلسطيني. فلم يتم السماح للزوجة بالمرور حتى مشيا على الاقدام.

المشهد من معبر قلنديا، يشكل اجحافا بحق انسانيتنا. وكأنه خطوة ممنهجة لإذلالنا والحط من قدرنا وانسانيتنا مع كل خطوة ونفس في ذلك المكان. مشهد يشبه معبر اللنبي بالثمانينيات، وكأنه علينا ان نبقى في مكان محدد. تمر عنا الحياة بتقدمها وتطورها، ولكن يتم تحديدنا بحقبة محددة وراء الحضارة المعاشة من قبل باقي البشر. فتمشي وسط ما يشبه صحراء قاحلة نحو بوابات حديدية خانقة يتحكم فيك جندي يعود من ورديته ليهزأ بكائنات مرت امامه ويستحم من رائحة العرق التي بلا شك عبقت على جسده. نتحول تدريجيا الى أولئك الذين يريدون منا نصبحهم. كما نعيش على فكرة اننا شعب الجبارين، نمارس حياة شعب المذلولين مع كل نفس نأخذه. يكفي ان تمر بتجربة سيئة لمرة واحدة مع جندي احتلال على حاجز، لتتذوق مرارة الاحتلال. مرارة مغلفة بحلوى من الخارج، جندي لطيف او جندية شقراء، يعودون ليمارسوا حياتهم وكأنهم بشر عاديون، لأننا نحن اللا عاديين في هذه المعادلة. اذلاء ننتظر العبور.

أي عبور … المهم ان نعبر…. هذه هي حياتنا، فلا ريب يأخذ موضوع التصاريح والعبور والتنسيق حيزا في الفضاء العام الفلسطيني.

أي عبور هو عبور نحو لحظة حرية من سجن الضفة في تعددات طبقاته. ولكن أي انفكاك اقتصادي يتكلم عنه رئيس الوزراء بتصريحاته؟ نستطيع ان نغض الطرف عن الاتفاقيات التي نشأت عن أوسلو، مثل اتفاقية باريس التي خنقت فكرة استقلالية الاقتصاد الفلسطيني. لنتكلم عن الواقع. عن اول “حاجز” يمر عليه الاقتصاد الفلسطيني بنية الانفكاك، هل يمكن للاقتصاد الفلسطيني ان يمر عن حاجز قلنديا؟ إذا ما كان الشخص الاعتباري نفسه محكوم بقرار من جندي بزي عسكري بلا أي رتب، فكيف لنا ان نتوقع انفكاكا من أي نوع من قبل السلطة امام إسرائيل؟

بمناسبة الانفكاك والتصاريح، يبقى موضوع اعلان الرئيس المدوي بخصوص وقف الاتفاقيات. هل لنا ان نسأل ماذا جرى بذلك الموضوع؟ هل توقفت الاتفاقيات – التي طبعا لا نعرف ما هي- ولربما من اجل هذا كان هناك تزمتا من قبل الجندي في الحد من هيبة الشخص الاعتباري الفلسطيني؟ هل يعني وقف الاتفاقيات وقف التصاريح المهمة التي يتم منحها للأغنياء وأصحاب المراكز العليا في السلطة؟

في نفس السياق لفت انتباهي منشورا لاحد ارباب السلطة منتقدا لدور الكنيسة في الطلب بإصدار التصاريح من منطلق توقف السلطة عن اصدار التصاريح. الحقيقة انه ومن المؤسف حتى محاولة تقويض فرص التصاريح للشعب القابع في سجن مفتوح السقف محدد المساحات بحواجز ومعابر يسمى “فلسطين”، لأن الشعب في معظمه باستثناء فئة محددة ومقتصرة على مئات او ربما بضعة الاف يعيش بحسرة عدم التمكن من العبور خارج حدود الضفة. فالقدس التي تقع على بعد كيلومترات معدودة من كل حاجز صارت حلما يعتبر تحققه أوسع التمنيات. الشعب بمعظمه يتمنى أن تمنح له فرصة المرور عن الحاجز، وقد تكون القدس حجة او فرصة للدخول الي “إسرائيل”، لربما حصل هذا الانسان العادي على فرصة عمل او استطاع ان يتبضع بأسعار معقولة امام الغلاء المستشري بأوصال السوق الاستهلاكي بأراضي السلطة الفلسطينية. امرا يعتبر أقرب الى النكتة إذا ما تنبهنا تحول السوق الاستهلاكية الإسرائيلية الى سوق أرخص للمستهلك الفلسطيني العادي.

وفي سياق بعيد قريب، يحتضن الرئيس الذي أعلن إيقافه لاتفاقيات سلطته مع الاحتلال حفيدة رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين، التي جاءت مع وفد “يساري” لتهنئة الرئيس بعيد الأضحى وسط معارك انتخابية يشتد وطيدها في “إسرائيل”.

من جهة، يعيش المواطن الفلسطيني برهاب التطبيع، الذي يتم رفع شعاراته مؤخرا من قبل السلطة الفلسطينية، ويشبه تدفق البشر في محاولات العبور من قلنديا هذا الانفصام الذي بدأ يشكل الهوية الفلسطينية الجديدة، وشجب علني للاعتداءات الإسرائيلية واحتضان سري تكشفه وسائل الاعلام الإسرائيلية من قبل متنفذي السلطة.

فما هو المطلوب من المواطن العادي؟

اهذه المشاهد تقدم تفسيرا لعزوف الانسان الفلسطيني العادي عن السياسة وانزوائه بمساحته الخاصة، وعدم التفافه واهتمامه لما تتفوه به السلطة من بيانات او حراك؟

 

 

نحن والطيراوي في مناشدة واحدة

نحن والطيراوي في مناشدة واحدة

 

في خضم انشغالنا بأضحيات العيد وتضحيات الأطباء حتى آخر مريض، خرج عضو اللجنة المركزية لحركة فتح اللواء توفيق الطيراوي بتصريحات، او بالأحرى بتساؤلات داخل بيان أقل ما يقال عنها “مهمة”. وبين انشغالاتنا بالهوامش واستعداداتنا للعيد من جهة، وبين ترك الطيراوي لتصريحاته لتتناثر بين تحليلات وتمحيصات، مر الامر وكأنه لم يكن.

يعني، من المهم الإشارة ان توقيت الطيراوي لبيانه الصحفي لم يكن موفقا، إذا ما كان بالفعل يريد ان يثير هكذا موضوع بالغ الأهمية.

جاء في بيان الطيراوي، أنه نبه الرئيس عن وجود انتهاكات تتضمن عمليات استيلاء من قبل البعض على أراضي الدولة واستخدامها لأغراض شخصية، وعمليات تزوير للأراضي وبيعها لحسابهم الشخصي.  وفي نهاية البيان، طلب من الرئيس بإصدار أوامره بنشر نتائج التحقيق بشأن تسريب العقار بالقدس قبل عدة أشهر، الذي تم اتهام خالد العطاري فيه بتسريب العقار الى جمعية استيطانية.

وسكت فيما بعدها الطيراوي عن البوح، كما يسكت شهريار عن الكلام في آخر الليل، ورفض التوضيح أكثر او كشف الأسماء الذي أشار الى تورطها في بيانه.

الحقيقة، ان الانسان العادي يتوقع من توفيق الطيراوي أكثر من بيان يناشد فيه الرئيس، بالنهاية، فلقد ترأس هذا الرجل جهاز المخابرات لسنوات، واشتهر بأساليبه المكاشفة التي أطاحت بالكثير من رؤوس السلطة عن عروشها، وطبعا تدويرها في أماكن سلطة أخرى!

فما الذي أراده عضو اللجنة المركزية بالضبط؟

طبعا، لم يأت اللواء حسين الطيراوي بمعلومة جديدة، فقبل شهر، تم اعتقال أحد النشطاء في الحراك ضد الفساد لنشره وثيقة تتكلم عن نتائج تحقيق في فساد مسؤول كبير بقضايا مشابهة بالإضافة الى قضايا فساد أخرى، وكان جل ما جرى، هو ادعاء المسؤولين في لجنة (مكافحة) الفساد أن الوثيقة مزيفة.

ما قام به الطيراوي يشبه ما قام به او يقوم به نشطاء الحراك ضد الفساد، فيبدو انه يحاول دق الجرس على أبواب الرئيس قبل انهيار قادم أكبر…ربما.

ولكن الفرق طبعا، بين الاثنين واضح، فأحدهم خارج المنظومة السيادية ويريد اظهار الفساد، والآخر داخل المنظومة السيادية وجزء مهم منها يريد ما لا نفهمه نحن.

في عقلية المؤامرات التي نعيشها، فهناك سبب، واجندات تخدم طرفا ما ضد طرف اخر دائما. فالحراك ضد الفساد يخدم بالنسبة لارباب السيادة اجندات خارجية واعداء الوطن. فماذا عن الزوبعة التي حاول الطيراوي اثارتها؟

في وضع عادي، يجب ان تقوم الدنيا ولا تقعد بعد خروج شخص بالصفة التي يحملها الطيراوي، وبصفته السابقة بهكذا بيان. ولكن هناك هدوء مطلق. يعني، افهم انه عندما يخرج مواطن عادي بمناشدة للرئيس، بأن لا تصل المناشدة للرئيس، وان وصلت ان لا يعبأ بالرد.. ولكن ان يناشد الطيراوي الرئيس ولا نسمع أي ردة فعل او تصريح مقابل من الرئيس فهذا امر عجيب.

أتساءل، ما الذي أستطيع ان افعله او اتوقعه كمواطن عادي، يرى امامه شخصا بهذا الحجم من القوة لا يستطيع ان يوصل صوته للرئيس ولا يستطيع ان يؤثر في تصويب الأفعال والجرائم التي تضيع الوطن والمواطن.

طبعا، نحن كمواطنين لم نعد نهتم. لأننا لا نثق بالمنظومة السيادية بأكملها. فهناك انهيار متلاحق لم نعد نعرف كيف نتوارى من التخبط المتهاوي على رؤوسنا. وكأن هناك كبسة تم الضغط عليها تنهي امرنا كشعب وسلطة.

هدم بيوت متلاحق بمناطق من المفترض تبعيتها للسلطة، اعتقالات تطال الأطفال والبالغين على حد سواء، المواطنون البسطاء يتلطشون مع نصف راتب على أبواب عيد، مدارس لا نعرف ان كانت ستفتح مع بدء موسم الدراسة، نقابة أطباء ترفع شعار البقاء للأقوى امام الحكومة والشعب، مستوطنون على عتبة دخول حاسم ربما للأقصى من اجل تقسيم قادم، وتسريب للعقارات بالعلن، ونهب للأرض والمواطن بلا خجل.

إعلانات رئاسية لا يتعدى أثرها مدة عرضها على الشاشة، فلا الشعب يصدق ولا رئيس يصدق. تهديدات وتنديدات ووعودا فارغة من كل المضامين ولا نية بالتغيير.

بين مواطن كادح، يحترق، يصدح صوته من اجل التعبئة الموجهة، وبين مواطن يعيش في فقاعة محلقة بسماء زرقاء شاسعة، يضيع ما تبقى منا كبشر، في وقت صرنا نحن نستبيح ما تبقى من وطن تحت نفس الشعارات. فكل واحد منا أصبح مواطنا بحجم الوطن. انا وانت والوزير والسفير والنقيب والعضو والرئيس..

فنحن والطيراوي بنفس الخندق من مطالبة واحدة، فهل نحن في صدد التماس بقعة امل؟

 

كل عام ونحن وطن.

” عشيرة” نقابة الأطباء والفوقية على القانون

 

 

صار من المستحيل تقريبا العتب في هذا الوطن على شيء. فلا أعرف كيف نتجرأ أصلا بلوم المجتمع البسيط الذي لم يحظ بفرص التعليم الكافي ولا التفوق العلمي الذي جعله يصبح طبيبا، على أي هفوة او مصيبة يرتكبها.

ننادي يوميا من اجل توعية مجتمعية على كافة الأصعدة، امام خطر القبلية الذي يهيمن على المشهد اليومي الفلسطيني.

نلقي باللوم على السلطة وعلى الناس، ونفكر ربما، ان المشكلة هي في قلة الوعي والإدراك الناجم عن محدودية المعرفة والتعليم.

ولكن، ان نصل الى يوم نرى فيه نقابة الأطباء، التي يشكل المنتسبين إليها صفوة العلم ومنقذي الأرواح والبشر، تتعامل وكأنها عشيرة بذاتها، ولا ترى قانون ولا تعترف الا بشرعية فتاواها العشائرية، فهذا بلا شك، يؤكد اننا انتهينا من مرحلة الانزلاق الى الحضيض وصرنا بلا منازع بعمق جحيم نستحقه.

طبعا، لم تعد مهنة الطب في ظل ما نراه ونعيشه من مصائب مترتبة على سوء النظام الصحي الفلسطيني، تلك المهنة العظيمة التي نعرفها. فالأخطاء الطبية تحصيل حاصل في أداء الأطباء، واحوال المستشفيات مأساوية، وثلاثة عقود من السلطة لم تنتج اختصاص او مشفى يحد من عدد التحويلات الطبية الى مشافي مختصة خارج حدود السلطة.

ومع هذا نغض الطرف، ونقول، الاعمار بيد الله، وقضاء الله أكبر، وشح إمكانيات السلطة من ضغوطات لسلطات الاحتلال تجعل من المرافق العامة بهذا الشكل المذرئ.

مرضى يدخلون للعلاج ويخرجون بعاهات واعاقات، ومرضى بانتظار معجزة الشفاء من أخطاء جسيمة،

طبيب يضرب مريضا، وطبيب اخر يقطع صديقه الممرض ويذوبه في الاسيد، وطبيب يتحرش بمريضة.

ربما كان من الحري بنا ان نتنبه الى ناقوس خطر قادم عندما اعترضت نقابة الأطباء على قانون الحماية والسلامة الطبية قبل أشهر ليست ببعيدة، بعد اثارة حادث الطفل امير زيدان الذي دخل الى المستشفى من اجل عملية بسيطة وخرج بإعاقة دائمة.

الحقيقة، ولأني لست من زمرة الاذكياء الذين يستطيعوا ان يصبحوا أطباء في هذا الوطن، لا أستطيع ان افهم، كيف يقبل طبيب ان يمارس مهنته بلا رادع قانوني يحميه من مغبة اخطائه. فالموضوع أكبر من مساءلة او تحميل مسؤولية. الموضوع يرتبط بحياة أناس استأمنت حياتها لهم ووضعت ارواحها بين أيديهم. اخلاقيات هذه المهنة هي أعظم ما فيها، لأنها ترتبط بمسؤولية حياة اخر. فكيف يمكن للمريض ان يأمن على حياته في منظومة صحية تراه اضحية طبيعية بين ايدي جزاريها؟

هذا ما يشعر به المرء عند التفكير بالنظام الصحي الفلسطيني بمستشفياته واطبائه. علاقة جزار بذبيحة.

لم نسمع تعليقا ولا اعتذارا ولا شجبا من قبل النقابة المبجلة عندما قتل الطبيب المنتسب لنقابتها جريمة لا يشبهها الا جريمة مقتل الخاشقجي ببشاعة الاجرام وانعدام الإنسانية.

قد تكون قضية الطبيب بالتحرش بمثابة الشعرة التي قسمت ظهر البعير، فبين دفاع مستميت من قبل النقابة عن الطبيب، وبين اخفاق القانون بإثبات الحقيقة، نقع جميعا في مطب يسهل وقوعنا في الجحيم.

يعني بالمحصلة، ماذا تعني قضية تحرش اخرى امام موت وقتل وضرب واعاقة؟ لو كنت طبيبا تعودت على التملص من عبء آثامي واخطائي لاعترضت طبعا وبشدة على محاسبتي من اجل “تحرش”.

وقد تكون التهمة مجحفة وكاذبة، فلا يمكن لنا البت في امر لم يبت فيه القانون. قد تكون المرأة المشتكية، كتلك النساء التي صدرت في حقهن فتوى خطيب القدس قبل أيام بتحريم الشكوى الى الشرطة الإسرائيلية، بالنهاية نحن نعيش في بلد لا يعترف للمرأة الا بتبعيتها المطلقة. فقد يهيأ لها انه تحرش بها، ولربما راودته عن نفسه، فحواء بالمحصلة رمت بالبشرية الى الأرض من الجنة!!

لنفترض ان النيابة العامة “تبلت” على الطبيب وتواطأت مع المدعية عليه. ولنفترض كذلك، انه وكما جاء بالتحليلات وببيان النقابة التفصيلي بأن الإجراءات التي حصلت بشأن إيقاف الطبيب المتهم غير قانونية.

لنفترض ان تلك المرأة وأخيها ورطوا الطبيب، ولنفترض انه لم يخدشها حتى بنظرة، وان الرجل المعتدي كان مجرد حاقد على الطبيب.

لنفترض كذلك ان نقابة الأطباء هي الحامي والواقي والمدافع في الخطوط الأولى عن اطبائها.

لان اطباءها من ينقذون الوطن والشعب ويسهرون على شفاء المرضى.

كيف لعاقل ان يفهم او يعقل او يفسر قرار النقابة بإعلان اضراب عام بسبب إيقاف الطبيب المتهم؟

اين اخلاق المهنة التي وظيفتها إنقاذ الإنسان؟

اين الإنسانية؟

هل نحن امام أطباء ام حرب شوارع؟

بأي حق تعطي النقابة نفسها شرعية إيقاف الخدمات الطبية ومن اجل ماذا؟

من اجل طبيب متهم بقضية تحرش؟

في بلاد العالم الطبيعي، تسقط حكومات بسبب هكذا قضايا. مؤسسات عالمية سقطت بسبب قضايا تحرش من اكسفام الى الاونروا. وفي بلادنا تدعوا نقابة الأطباء العاملين بالمستشفيات والعيادات بالإضراب لان النيابة أوقفت طبيبا متهما بالتحرش؟

ما الذي يجري في هذا البلد؟

كيف وصلنا الى هنا؟

إذا ما كان أصحاب الزي الأبيض الذي نرمز فيه الصفاء والنقاء والأمان بهذا التردي من قواعد اخلاقيات عمل الطب.

اضراب بسبب محاولة القانون اخذ مجراه؟

ما الذي تركته نقابة الأطباء للعوام من الشعب غير الأطباء؟

في نفس السياق، وبعد سماع تسجيل للطبيب المتهم، الذي يدعي عدم معرفته بسبب إطلاق النار عليه في عيادته، وهو بالتأكيد امر مرفوض، يستدعي ربما، استخدام الوسائل الأمنية لمنع دخول السلاح الى العيادات والمستشفيات، بما اننا أصبحنا بقدرة قادر شعب مسلح، يستخدم السلاح لقتل بعضه.

وبعد قراءة البيان الذي تقدمت به عائلة الفتاة التي تم التحرش بها، والاصل ان التهمة أكبر من تحرش- هتك عرض- يبدو من الغريب ان لا يعرف الطبيب سبب إطلاق النار عليه.

من ناحية، من حق الطبيب على النقابة ان تؤمن حمايته وتدافع عنه، ولكن لا يمكن استبعاد أصل القضية هنا، والذي يبدو انه ليس بجديد، ومحاولة المعتدي اخذ الحق باليد بعد ان تنصل النظام القانوني من مسؤولياته.

نشهد حالة تعيد تكرار نفسها من مرحلة يبدو اننا لن نتخلص من مغباتها، وهي فلتان أمني محتم. تصبح العشائرية والبلطجة هي العنوان الوحيد لحل المشاكل. فغياب الإجراءات القانونية وتأخرها عند تقدم اهل الفتاة للشكوى أدى الى حالة من الاحتقان لدى أهلها، وعليه تحول المتهم الى ضحية بعد الاعتداء عليه.

وإذا ما قررنا ان هناك خلل بين ادعاء الطبيب وعائلة الفتاة وتباطؤ القانون، فما قامت به النقابة هو الأسوأ، عندما تمسكت بضعف الإجراءات التقنية بأمر توقيف الطبيب كحجة لتعديها على القانون وضربه بعرض الحائط.

تبدأ المشكلة هنا وتنتهي بالنقابة، التي لم تأخذ الشكوى على محمل جديتها وحجم الضرر فيها على أصحابها، وبالتالي لم يأخذ القانون مجراه الطبيعي فيما يشبه تواطؤا طبيعيا بين المؤسسات الذكورية، فالموضوع في نهاية الامر مجرد “تحرش”، وتنتهي بالنقابة التي تتصدى للقانون من اجل حماية طبيب، قد تبرؤه القوانين لو لم تثبت ادانته، ولما اضطر اهل المشتكية لاخذ حقهم بأيديهم.

ولكننا نعيش بغاب ترى نقابة الأطباء نفسها الأسد فيها، فتقرر ان تعاقب الشعب جماعيا بحجب خدمات الأطباء عن المرضى.

لله درك يا وطن!!!

ما هو المجتمع الذي نريده؟ مجتمع يحكمه القانون ام مجتمع تحكمه الفتاوي؟

ما هو المجتمع الذي نريده؟ مجتمع يحكمه القانون ام مجتمع تحكمه الفتاوي؟

 

في السياق السياسي الفلسطيني، نجد أنفسنا امام مفترقين دائما: حماس أم فتح. ويأتي قبل اختيار أحد المفترقين سؤال: هل تريد دولة إسلامية يتربص بها الفكر الاصولي الديني، أم تريد دولة ديمقراطية علمانية؟

بالأصل، ان وضع تفضيل أي من الحزبين المتنفذين على مبدأ الأسلمة او العلمنة هو بالتأكيد خاطئ، ولكن ما يحدث على الأرض يرتبط ارتباطا تلقائيا بهذه الخاصية. خاصية المفاضلة على أساس “الإسلام هو الحل” او “علمانية الدولة”. ولا يمكن تقليل أهمية هذا الأثر على نفسية الانسان الفلسطيني، فما شهدناه من تجارب منذ فوز حماس بالانتخابات -الوحيدة- ومن ثم تجربة الاخوان المسلمين في مصر، وتدفق الإرهاب بأقنعة الإسلام في سوريا والعراق،ناهيك عن الفكر الوهابي المتعشش في عقولنا من التربية والإسلام على الطريقة السعودية، يجعل من الانسان العادي قلقا من فكرة “إسلامية الدولة”.

ولكن، ما يجري على الأرض بعيدا كل البعد عن العلمانية او الديمقراطية او سيادة القانون، أو الإسلام الحقيقي. فنحن نعيش في تراجع ملموس لسيادة القانون وتفشي لحالة العشائرية التي بدأت بأخذ شكل ملزم في معظم المدن والقرى الفلسطينية. والسؤال الذي يخطر على البال هو: هل النهج العشائري في تطبيق الحياة على الأرض هو نهج “إسلامي”، وعليه نحن نعيش في ضمن قالب حياة إسلامية السيادة؟ إذا ما كان الجواب نعم، فإن ما يجري كذلك على منابر المساجد مبرر ومفهوم للغاية، من فتاوى وتعليمات وارشادات نتلقاها في خطب الجمعة من مسجد المقاطعة الخاص بالرئاسة الفلسطينية برام الله وصولا الى المسجد الأقصى بالقدس. فإذا ما خرج علينا المفتي “الأعلى” بتحريم للمشاركة في ورشة البحرين على سبيل المثال، كما دعوته الى اعتلاء المنابر من اجل فض اضراب المعلمين، وفتاوي متعددة بهدر دم “الآخر” الحمساوي لخروجه عن صف “الدين” او الدولة، وإذا ما تم تثبيت فتوى خطيب المسجد الأقصى بتحريم شكوى الزوجة على زوجها للشرطة الإسرائيلية، فنحن نتكلم وبكل وضوح عن دولة إسلامية الطابع. فهل لنا ان نفهم ان السلطة الفلسطينية بقيادة فتح أصبحت إسلامية النهج، او بالأحرى تبنت الإسلام السياسي كطريقة حكم؟

لان ما يجري لا يمكن فهمه بطريقة أخرى.

قبل أسبوع حدد المفتي سن الزواج بال١٨، ومن ثم أعلن مفتي اخر تحريم ذهاب الزوجة لشكوى زوجها لدى الشرطة الإسرائيلية. في الخليل حصلت جريمة قتل شنيعة، كانت العطاوي هي الحاكم الوحيد والنهائي فيها. وبين هذه العناوين التي لاقت انتباها للرأي العام، يحدث يوميا قصصا مشابهة، تغلب عليها سيادة العشيرة والمخاتير تحت مسميات الشريعة الإسلامية كحل لأي مشكلة او ازمة او جريمة.

الإسلام الحقيقي، بلا شك، بريء كبراءة الذئب من دم يوسف، لأن الإسلام لا يمكن ان يشجع أي مما نعيشه اليوم من غياب وانعدام للأخلاق وتفشي الفساد وانهيار المنظومة الاجتماعية والثقافية كما يحصل امام اعيننا. فلا دين يردع القاتل عن القتل، ولا السارق عن السرقة، ولا الفاجر عن الفجور، ولا الفاسد عن الفساد، ولا ظالم عن الظلم، ومع هذا تتعالى الهتافات تحت اسم الله، فالقاتل والسارق والفاجر والفاسد والظالم يمرون عن المحاسبة والمساءلة بفعل فتوى يقررها مختار وشيخ عشيرة وخطيب في جامع. أو يغسلون ذنوبهم وخطاياهم في هذه الاثناء على جبل عرفة. غياب كامل لسيادة القانون، مقابل تعيينات وترقيات لا تتوقف لكل ما يجعل للسيادة قوة تنفيذية تحمي منظومة محددة من الأشخاص.

ثلاثون سنة من حكم السلطة،  واكثر من عشر سنوات لحكم رئيس السلطة الحالي، ولم يصدر الرئيس موافقة على تعديل قانون العقوبات وقوانين العائلة الموجودة على مكتبه للمصادقة منذ اعتلائه كرسي السلطة، لقوانين تشرع القتل بموجب إعطاء الرجل حكما مخففا وعذرا مباح، وتقوض المجتمع نحو تسلط ذكوري يحد من حريات المرأة على وجه التحديد. بينما أصدر الرئيس عشرات، ان لم يكن مئات التعديلات على القوانين التي تسهل من الفساد وتعطي حقوقا مطلقة تدريجيا للسلطة التنفيذية كان اخرها قبل أيام في موضوع القضاة.

يبقى القانون العشائري، من شيخ يقف على منبر جامع الى مختار تعينه بلدية او في حالة القدس ومحيط قراها، تقره شرطة الاحتلال، هو الصراط الذي يسير عليه المجتمع. فإن شذ عنه وقع في الجحيم.

وفي وقت تتعقد فيه أمور الحياة، من السهل على أصحاب السيادة العشائرية الذكورية ان يمسكوا بزمام التحكم من خلال اتهام من لا يطع اوامرهم بالخروج عن الصف الوطني واتهامه بالعمالة والخيانة.

ما جرى من فتوى لخطيب المسجد الأقصى بتحريم ذهاب الزوجة الى الشرطة الإسرائيلية، يقع في إطار هكذا مصيدة اجتماعية ذكورية محكمة من اجل تقويض المرأة وتسلط الرجل عليها. فتصبح الزوجة المشتكية الى الشرطة الإسرائيلية بالإضافة الى حكم القانون عليها بأنها ناشز، والمجتمع عليها بأنها خارجة عن طوع العادات، ولكن كذلك خارجة عن امر الله، فالفتوى امر إلهي منح للشيخ الجليل البت فيه بأمور العباد! وبالتالي الاعتراض على هكذا فتوى من قبل امرأة مثلي قد يعرضني للتكفير، فالمساس بكلام الشيوخ كالمساس بكلام الله في هذا الوطن “العلماني”، “المتدين”….لا يهم كيف نصفه، ولكن الاجماع واحد، كلام الشيوخ لا يمكن المساس به طالما يحد من حرية المرأة ويشد من زمام التحكم بها من قبل الرجل.

تناسى الشيخ قبل اصدار هكذا فتوى، ان في القدس لا يوجد جهة تمسك زمام القانون غير الاحتلال الإسرائيلي، فلا مجال اخر للمرأة إذا ما ارادت ان تشكي زوجها غير الشرطة الإسرائيلية. فالأمر ليس امرا اختياريا ابدا. كما لأي كائن في القدس، فالسلطة الوحيدة الموجودة بالقدس هي تابعة للاحتلال. فالشيخ نفسه لا يستطيع كسر امر شرطي او جندي. بالأمس تم اغلاق حفل تأبين لمجرد شبهة تبعية التنظيم فيه لفتح- وبالتالي به مؤشر لسيادة فلسطينية-. يهدمون البيوت ويغرمون أصحابها، المخالفات من كل صوب، تأطير الحياة بما يؤدي بكل الأحوال الى السيادة الإسرائيلية هو تحصيل حاصل لكل انسان فلسطيني يعيش في القدس، فلا يمكن المزايدة على هذا ولا التنقيص من هيمنته المطلقة على جميع مرافق الحياة الفلسطينية في القدس.

يبقى موضوع ذهاب الزوجة الى الشرطة امرا مريبا للمؤسسة الزواجية بكل تأكيد، فمن الصعب فهم علاقة زوجية تتدخل فيها الشرطة (أي شرطة) للحماية، ولكن كما يقال، فان البيوت اسرار. كل ما يمكن التأكد منه انه لا توجد امرأة عاقلة تلجأ الى الشرطة الا بعد انعدام سبل الحلول، او أكثر، عندما تجد حياتها وموتها على نفس الخط من المواجهة.

مرة أخرى، يقف المجتمع وراء فتوى رجل الدين، وكأنها حق مطلق، وكلام منزل. فتوى أخرى، من اجل تقويض أكبر لامرأة بالأصل تعاني ويلات التحرر في بيئة لا تفهم من الحرية الا شكلها، ومجتمع لا يري من المرأة الا عبدة او سبية له كل الحق في التحكم بها كما يشاء ومتى أراد. وهنا يتربع الخطر الأكبر، في تغليف الأمر في بهد سياسي، فيتم خلط السياسة بالأمور العائلية والمجتمعية ، فيصبح الامر امرا عاما، قضاء، او فتوى تحرم وتشرع .

ما يجري خلف الأبواب المغلقة من ظلم على الانثى ليس وليد الاحتلال، ولكنه منظومة متأصلة في فكر تعشش فيه الأصولية والعشائرية والذكورية مغلفة بالدين. في وقت تمر فيه القدس مرحلة حسم في أسرلتها، نحتاج الى ترابط الاسرة وتماسكها، الذي بكل تأكيد لا يعتبر فيه اللجوء الى الشرطة (أي شرطة) هو الحل، فنحتاج الى رجال يتقون الله في نسائهم أولا، وهذا ما كان من الواجب اصدار فتوى به. من الاجدر ان يصدر الشيخ فتوى تحرم الضرب والتعرض للزوجة، لا ان يطلب من المتعرض للضرب بالخنوع المطلق تحت حرمة الفتوى.

وهنا ، اود التأكيد على ان وجهة نظري الخاصة بموضوع اللجوء الى الشرطة الإسرائيلية ليس بالحل، ولا ينقذ المرأة ، لأن الشرطة الإسرائيلية تعد جزء من المنظومة العشائرية التي تشجعها فقط بالقدس، لما تفرضه على سكان المدينة .ولكنها مع هذا ، تبقى ارحم او بالأحرى تبقى احتمالات الانصاف فيها اكبر اذا ما وصل الامر الى القتل او الحماية. يعني نضمن تحقيقا، ولو كان متأخرا ومبطنا ومليئا بالغبن. ونضمن حماية ولو كانت مؤقتة ومحدودة. فالشرطة الإسرائيلية جزء من منظومة احتلال يريد ان يوصلنا الى الحضيض. ولكن مع هذا تبقى سبيل النجاة الأخير لامرأة تتعرض للضرب والتنكيل والإساءة المباشرة من قبل رجل يكون زوجا او اخا او أبا أحيانا.

طبعا، لا اود ان يكون كلامي تعميما، بأن كل الأزواج ظالمون وان كل الزوجات مظلومات. فالحياة الإنسانية مليئة بالأخطاء التي توقع الظلم وتسببه من كلا الطرفين. ولكن هناك قاعدة يجب الا نحيد عنها، وهي عدم وجوب الضرب والتنكيل والتعرض للمرأة. فمهما كانت المرأة على الجهة الظالمة من العلاقة، يبقى الرجل هو الأقوى جسديا ومجتمعيا. فأمامه مجتمع كامل سيبرر له كل افعاله، فما بالك عندما يكون مظلوما. في حين، يعامل المجتمع المرأة على انه منقوصة الاهلية في كامل حالاتها، والملامة دائما مهما كان الظلم واقعا عليها. يستعطف عليها المجتمع وهي مضروبة أحيانا، ويبكيها بصمت فيه راحة عندما تكون مقتولة.

 

 قوانين المرأة…تمريرها، تفعيلها، أم استجداء من اجل حق في الحياة؟ أم أن رفع سن الزواج ل ١٨ هو الحل؟

قوانين المرأة…تمريرها، تفعيلها، أم استجداء من اجل حق في الحياة؟ أم أن رفع سن الزواج ل ١٨ هو الحل؟

 

 

قبل أيام تم الإعلان عن تعديل في القانون يرفع فيه سن الزواج ل ١٨ سنة. بينما شهد العام ٢٠١٩ حتى اللحظة ما يزيد عن عشرين جريمة قتل نساء. في وقت انضمت فيه فلسطين إلى اتفاقية سيداو منذ أكثر من خمس سنوات. دراسات وابحاث وتحليلات. تدهور ملحوظ لا يمكن التغاضي عنه.

تلزم اتفاقية سيداو الدول الموقعة، على ادماج الاتفاقية في أنظمتها القانونية المحلية من حقوق انسانية متعلقة بالمرأة، أهمها حماية حق المرأة في الحياة.

ثلاثون عاما من دولة او سلطة تعمل تحت مبدأ سيادة القانون، ووضع المرأة في تدهور على كافة الأصعدة. لا تملك المرأة فيه حتى قانونا يحميها من كل المؤثرات المتراكمة من مخلفات مجتمع ابوي منفصل في كل شيء الا في مبدأ ابوية المجتمع. فالمتخاصمين والمتقاتلين والمختلفين يتفقون على لحمة ابوية هذه التركيبة.

كيف يمكن لدولة ان توفر الحماية القانونية للمرأة في وقت تتربص فيها النصوص القانونية التي تجعل من قتل المرأة مشمولا بالأعذار المبيحة والمخففة، مما يجعل المرأة عرضة للقتل تحت ولأي سبب يقرره الرجل واي رجل.

قبل عدة أسابيع، وعلى خلفية أحد المقالات التي كتبتها، تعرضت لاعتداء علني من قبل أحد العاملين الرسميين بمؤسسة سيادية في القدس، مؤسسة ترعى الوجود وتضبط الشرعية وتطلق الفتاوي. في مشهد لا يزال يدك مضاجع تفكيري، يجعلني كسائر افراد جنسي من نساء، معرضة للفناء بلحظة. لحظة واحدة تكفي لتلغيني، تهددني، تتركني فريسة للفناء ينتهي الفاعل الى بعض التوبيخ في أحسن الأحوال، بينما يتهامس المجتمع بالسر او بالعلن على احقية تصرفه. الأحقية هنا لا تحتاج الى شرعنة، فهي ممنوحة له لمجرد كونه رجلا…ذكرا…

بشكل عام، لا أحب ديباجات الجنادرية في تفكيري، وقد يكون ما يحدث يؤكد عدم شغفي بدراسات النوع الاجتماعي. لا نزال نستجدي حقوقا تكفل لنا ان نعيش.

بين نظام ابوي مستحكم ونظام عشائري ممتد كمحصلة، تبقى حياة الانثى في المجتمع أسيرة بقبضة رجل ما، عليه حمايتها وحفظها وصونها، او قتلها. هذا الرجل يبدأ من الاب والاخ والزوج والعم، وقد ينتهي الى بلطجي عابر مقبرة او طريق، يقرر ان لا حق لهذه الانثى في الوجود.

تشويه شكل المرأة يبدأ بالإهانة وينتهي بالتهديد. تهديد قد يؤدي تلقائيا الى القتل.

والحل؟

الحل طبعا ان تخرس هذه المرأة وتتستر على فضيحتها التي شهرت بها وسحب فرامل حياتها قبل ان تؤدي جرأتها الى نهايتها المدوية.

مر التسجيل الذي نشره الرجل الذي اعتدى علي في مقبرة باب الرحمة، وبعد ذلك نشري للفيديو لأحمي نفسي ربما من سخرية التشهير او التعرض لمحاولة قتل من عابر سبيل. بنهاية الامر فان ذلك الكائن تعدى على بينما كنت في زيارة رسمية مع مسؤول الأوقاف الإسلامية في تلك اللحظة.

كم مستباحة حياة الانثى؟

كم سهل التشهير والسب والقذف؟

كم تتردد هذه المشاهد، وانا المرأة القوية التي ينظر الي المحيطون وكأني حاملة على جمر مشاكل الوطن الاجتماعية ومدافعة نهمة عنها!!!!! فما الذي يمكن ان يحصل للمرأة التي تعيش بظروف أقل حظا مني؟

كان يتم تداول الفيديو سرا في أروقة الرسائل الخاصة من تلك الفضاءات الكثيرة. يهمسون خوفا بدعمي، او يرفعون أصواتهم استياء لتعريضي لنفسي لتلك المواقف.

موقف الوطن بجهاته السيادية لا يختلف، بل يتواطأ مع إبقاء المرأة “سبية” للرجل. فموقف المحكمة الدستورية الفلسطينية من سمو المعاهدات الدولية ومنها سيداو على القانون الداخلي، الا فيما يرونه وفق اجتهاداتهم الشخصية متعارضة مع الأقسام الدينية والسياسية والثقافية للشعب الفلسطيني، مما يصعب من تطبيق القوانين ولا سيما سيداو في فقرته ال ١٦. الذي أدى لتخوف سيداو من قرار المحكمة الدستورية الفلسطينية من هذه العبارة.

وجل ما ترجوه المرأة في كافة مؤسساتها النسوية هو تغيير هذا القانون، فيما يبدو أقرب الى الاستجداء والانتظار من سنة الى أخرى، مع كل فرصة في محفل عام، مع كل لقاء لمسؤول، كان اخرها في صورة توسطهن بها رئيس الوزراء في وعد متجدد لتمرير ذلك القانون! الا ان أكبر ما حصلت عليه المرأة من مكافأة هو رفع سن الزواج الى ١٨.

ومع هذا لقي هذا القرار اعتراضا، يجعل المستنير منا امام تساؤل مرعب اخر: اين نحن من هذا المجتمع؟ هل هناك من يزوجون البنات قبل الثامنة عشر؟

قانون العقوبات رقم ١٦ لسنة ١٩٦٠ يمنح المشرع الفلسطيني بمنهج اعفاء الجاني من العقوبة وذلك وفقا لما يعرف بالعذر المحل او المعفى من العقوبة. فهنا الذكر يستطيع ان يبرر فعلته تحت بند حماية شرفه كذلك منها. الاعذار المخففة هي دائما مفتاح الرجل للقتل.

تستمر قضية نيفين العواودة في استدعائي، لم أكن اعرف انني سأعيش يوما ما تعرضت له في سياق اخر. سياق مرتبط من ناحية بفكرة الإشارة الى فساد ما في مكان ما من اجل المصلحة العامة، فوجدت نفسها جثة هامدة انتهى موتها بدية وتلفيق قاتل ومنشد. ما الذي يجعلني مختلفة عنها؟ فلقد تم التعرض لي بينما كنت بحماية “المشرع” ولم تنبس للكائن جفن بينما كان يهدد. ما الذي يحميني من قتل قد يكون محتم في ظل انعدام امن، في لحظة ترفع العائلة يدها عن المرأة خوفا، ويسكت المجتمع ذعرا ويستمر القاتل في التجوال. ذلك الذي قتل بالفعل وذلك الذي يشكل مشروع قاتل في أي لحظة.

 

يمكن ان تقد مضاجع الحكومات العربية من اجل فستان ممثلة او مطربة، وتمر جرائم قتل النساء والتعدي عليهن مرور الكرام….

فستان ديانا كرزون، اقام القيامة في الأردن، لشبهة شفافيته، بينما تقتل الأمهات على يد ابنائهن، والزوجات على يد أزواجهن، والفتيات والنساء على د الاب او الأخ او ابن العم او الجار او عابر السبيل ولا يتحرك لهذا المجتمع شعرة. ويظهر جزء من جسد ممثلة او مطربة وتتحول القضية الى رأي عام، ويتدخل القضاء والنيابة والبرلمان في تداول الامر في حالة طوارئ يشكل جسد المرأة من خلالها شرف الوطن وزهوه او انحداره واندحاره!

وزارة القدس: ما هو موقعها من الإعراب؟

وزارة القدس: ما هو موقعها من الاعراب؟

 

في ظل مرحلة عقيمة نعيش بها كشعب فلسطيني على كافة الأصعدة، يبقى موضوع القدس معضلة حقيقية في “حسم ” القضية الفلسطينية ضمن المعارك التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على كافة المستويات.

منذ أوسلو، او بالأحرى، منذ قدوم السلطة الفلسطينية، والقدس متروكة للنهش بين فكي الاحتلال، والمضغ من قبل المنتفعين والمتربصين للفرص على من كل الاتجاهات. فالهجوم من قبل سلطات الاحتلال من اجل أسرلة المدينة يسير على قدم وساق مع تهميش سكان المدينة وتصعيب حياتهم وعزلهم وترحيلهم. من كل ناحية ننظر، نرى مأساة تتربص بالمدينة وسكانها، فالتعليم في مراحل الأسرلة النهائية، ولن تكون الا سنوات قليلة أخرى ليصير المنهاج الإسرائيلي مفروضا بطريقة رسمية على المدارس. الإسكان مشكلة تتفاقم، فلا يوجد عائلة، يخلى افرادها من مشكلة بشأن ترخيص بناء او مخالفة او امر هدم. الأحياء العربية مهمشة وتتسلل اليها المستعمرات والشوارع الفاصلة والعازلة كتحصيل حاصل. البنية الاجتماعية في حضيضها، فلا تستطيع ان تمشي بشارع براحة، والبلطجة والعربدة والطوش هي السائدة، والعشائرية هي الحل لكل أزمة. السياحة مضروبة، المحلات التجارية تعاني، ونسبة الفقر في ارتفاع.

التزاحم من اجل إيجاد فرصة في الجانب الإسرائيلي هو ما يشكل الهم العام، بين عمالة غير مهنية في الفنادق والمصانع، وبين وظائف إدارية بالمدارس وصناديق المرضى والبريد والمستشفيات وشركات الهواتف. سباق على التعليم الجامعي في كليات إسرائيلية من اجل فرص توظيف ممكنة للمستقبل.

في المقابل، محلات يتم افتتاحها بكثرة في أطراف المدينة من احياء، ابنية شاهقة وكثيرة يتم بناؤها، استثمارات بالملايين تضخ امام الاعين، جمعيات خيرية تفتح كما تفتح البقالات.

فراغ بين الفقر والغنى. بين فرص التعليم والعمل. بين التصدي للأسرلة والخضوع لها. ومحافظة ومجلس ووحدة ووزارة للقدس.

أربع هيئات رسمية اعتبارية توجه سكان المدينة اليها، فما الحكمة والهدف والقيمة المضافة لها؟ ام وجود كل هذه الهيئات مقصود من اجل اثارة بلبلة أكبر وتشتيت أكثر للمدينة؟

كان منطقيا، نوعا ما، وجود محافظا للقدس ووزيرا في شخص واحد. قد يفهم الانسان العادي مثلي، إذا ما تم توضيح الامر له في هذا الشأن، لأن القدس وضعها استثنائي، إذا ما قررنا اخذ الأمور بالنوايا الحسنة. فالوزارة بالعادة ترسم الاستراتيجيات مع الحكومة، والمحافظة تسير الاعمال اليومية. ولأن القدس استثنائية فإنها  بحاجة لتخصيص وزارة لها. منذ ان فصل الوزير عن المحافظة وبالعكس، صار امر القدس في تشكيلتها الحكومية او السلطوية مريبا. وليصير الامر أكثر تعقيدا، هناك وحدة شؤون القدس التي تعمل بمعزل في مكتب الرئاسة، وإذا لم يكف هذا التعقيد من تعقيد الأمور، فهناك مجلس للقدس يرأسه الوزير المحافظ السابق تحت مظلة منظمة التحرير.

في الحقيقة، الأربع جهات يمكن وضعها في جسم اعتباري واحد، وقد تكون الوزارة هي الفكرة الصائبة، إذا ما اتفقنا، ان الوضع بالقدس استثنائيا، فلا يملك المحافظ ان يقدم أي عمل حقيقي في ظل استحكام مطلق ومسيطر عليه من كل الجوانب من جانب سلطات الاحتلال، فلا يملك المحافظ سلطة إعطاء رخصة او إقامة شارع او تحسين حي او حتى المشاركة في افتتاح محل تجاري. ولكيلا تترك القدس وحيدة، نفهم جدوى وجود الوزارة التي من الممكن ان تكون المحافظة أحد اعمالها. وإذا ما كانت الوزارة هي الرابط بين القدس والحكومة، فما الداعي لوحدة للقدس في الرئاسة؟ وهكذا يمكن وصف المجلس الأخير.

في وقت نتكلم فيه عن شح الموارد وفلس السلطة، وأزمة حقيقية في دعم للقدس إذا ما ارادت السلطة من سكانها الصمود ومن بقائها في خارطة الدولة الفلسطينية، نقع في مطب واضح من هدر المال العام وسوء التخطيط، عندما تفرغ السلطة مئات الموظفين في الهيئات الأربعة، ناهيك عن العمارات والمباني، والاستحقاقات والمنافع، يمكن وضعها في مشاريع تنموية بنيوية في القدس، في وقت نسمع فيه عن عدم إمكانية السلطة دفع ديون المستشفيات وايجارات المدارس.

إذا ما كانت ميزانية وزارة القدس لا تتعدى بضعة ملايين (يتم الحديث عن ٢٣ مليون دولار مع المصاريف التشغيلية) في وقت ترصد إسرائيل في خطتها الخماسية من اجل القدس (الشرقية) ٢٠٠ مليون شيكل (٥٥ مليون دولار) سنويا للتنمية في قطاع التعليم والاقتصاد والصحة.

القدس بحاجة الى خطة استراتيجية من اجل انقاذها من خطة الحسم التي تبنتها سلطات الاحتلال، وهذا يتطلب أموالا ودعما للوزير المكلف. واولى خطوات هذا الدعم يجب ان تكون من الحكومة التي تجعل للوزارة ثلاث هيئات أخرى صاحبة نفس الاختصاص بالنسبة للإنسان العادي، ناهيك عن الصناديق الكثيرة التي تعمل باسم القدس وتجني أموال المعونات والتبرعات تحت اسم صمود المدينة.

قد تكون هناك فرصة جيدة في وجود وزير القدس الحالي بهذا المنصب، لكونه شخصية تنموية، وله خبرة جيدة من خلال عمله كرئيس للغرفة التجارية في القدس وفي مؤسسة التعاون من قبل، بالإضافة لكونه شخصية محلية نشأت وتربت وتعلمت في القدس، يمكن تقديمها امام المجتمع الدولي بكافة مستوياته بطريقة مؤثرة إيجابيا.

القدس بحاجة لشخصية اعتبارية يمكن البناء عليها. ولكن يبقى السؤال، كم من الممكن ان يقدم الوزير في وقت يزاحم على سلطاته هيئات سيادية ثلاثة على الأقل، تشكل مرجعية للمواطن؟ وكم من الممكن ان يقدم من برامج تنموية في وزارة محدودة الميزانية؟ وكم من الممكن التفكير باستراتيجيات بوقت صار فيه اكبر شاغل للمواطن هو محاولة البقاء؟ قد يكون من المناسب ان يتم اقتطاع نسب من الوزارات المختلفة وتخصيصها لوزارة القدس، كالسياحة والتربية والتعليم العالي والصحة والاقتصاد والحكم المحلي وغيرها من الوزارات التي تتقاطع معها احتياجات القدس بطريقة مباشرة. فلا افهم كيف يمكن العمل بالخطة “العنقودية” لرئيس الوزراء في القدس، بينما هناك عناقيد متفرعة بنفس السياق؟

ولأن القدس بها من الاستثنائية، ما يجعل البحث عن نقطة لأمل في العمل فيها، يبقى وجود الوزير الحالي به بعض الامل، يتوجب من خلاله دعم مجتمعي من قبل الحريصين الكثر على صمود هذه المدينة. فبينما نبحث عن فرص للتنمية ونضع الخطط لها، هناك حاجة للعمل على الدعم المجتمعي الذي تحتاجه القدس من اجل صمودها. هذا الدعم اهم من أي مشروع او خطة تنموية. هناك الكثير من الاحباطات والتخبطات التي المت بالمجتمع المقدسي، فكفكته وشتته بفعل الكثير من العوامل. قد تكون هناك فرصة في تنمية مجتمعية اشتقنا لوجودها بغياب قيادة حقيقية منذ سنوات.

الحج في زمن الانهيارات

 

الحج في زمن الانهيارات

في ظل الوضع المأساوي العام والخاص الذي يعم البلاد المسلمة العربية، من تهجير وقتل وفقر. تلك المشاهد التي نتداولها جميعا كمتدينين، علمانيين، فتحاويين، حمساويين، دحلانيين، عباسيين، مسيحيين، مسلمين، جبهة النصر، نظاميين، اخوانيين، سلفينن، قاعدة ,داعش،اشتراكيين، وشيوعيين. نتفق جميعا على بؤس هذه المناظر، والظلم الواقع على أصحابها. فلا تزال صور الحروب التي يشنها المسلمين على بعضهم عالقة في اذهاننا لا تتحرك من هولها. بين غارات على سوريا من كل الاتجاهات، وغارات على اليمن، وتقسيم جديد للسودان وقمع، وانحياز كامل لدولة الاحتلال. دمار مستمر يكتب عنوان المرحلة ويسطر اتجاهاتها. كلنا نرفع نفس الصوت وبنفس الحرقة، لنتساءل أين الحكام وأين العدل وأين الدين وأين الإسلام مما يجري للمسلمين؟

ويأتي موسم حج آخر، ويتسابق المسلمون بشتى الالوان والاعراق والاقطار من اجل الحظي بحجة تقربهم الى الله ويكملون فيها دينهم. لا يمكن التنكر ابدا بسعي المؤمن  نحو هذا الشعورالى قمة الوصول تقربا من الله في الحج. ويمكن فهم حلم كل مسلم بالحج الى بيت الله الحرام. ولكن حج البيت مرتبط بالاستطاعة. والاستطاعة لا تكون فقط بالاستطاعة المالية. فليس المطلوب ان نجوع من اجل الذهاب الى الحج، وان نحرم ابناءنا وذوينا من اجل هذه اللحظة. والحج اليوم ليس كما كان في السابق، فهو مكلف بتكلفة الإعمار الذي يجري للمكان. فمن اجل الحج يحتاج الانسان العادي الى ما بين ٥٠٠٠-الى ١٠٠٠٠دولارليحظى بحجة محترمة، اي في فندق وطيارة. والانسان الغير مقتدر تكلف حجته اقل بقليل من ال٥٠٠٠ في أحسن الاحوال. ناهيك عن الحجات المتميزة التي تتعدى تكاليفها العشرة الاف، وتلك الملوكية، والرئاسية، وغيرها التي تقفز تلك الارقام بكثير. ويترتب على الحج المصاريف التي تأتي بعده من هدايا واستقبالات وولائم وغيرها كل كذلك على حسب مستواه. فاذا ما ذهب مليوني (٢مليون) حاج هذه السنة بمتوسط ال ٥٠٠٠ دولار سيكون مدخول الحج ١٠٠٠٠،٠٠٠،٠٠٠ اي ١٠مليون المليون بأضعف حسبة ممكنة.

نصف هذا المبلغ هو بأقل تقدير من اموال الفقراء الذين يعيشون كل حياتهم من اجل هذه اللحظة. ولن اتكلم عن المشهد الذي آل اليه بيت الله الحرام من تحديث حتى أزعج في وصفه غير المسلمين كذلك، لانعدام روح المكان القدسي منه، وتحول المنطقة الى ما يشبه التجمعات التجارية السياحية.

فإذا ما كنا كمسلمين مؤمنين بأن هذا الموسم هو موسم الوصل الى مرضاة الله. موسم الحجيج لبيت الله حيث يكون الله أقرب وملائكته، فلم يبتعد الله عن بيته في هذه الايام؟ ايعقل انه غضب الله على امة الاسلام الذي وصل كفرها ذروته اذا ما كان الكفر غياب اخلاق وقيم وقتل وذبح واستبداد؟ ايعقل ان يرضى الله بان تحارب اليمن من قبل العرب وقيادة السعودية؟ أيعقل ان يرضى الله بأن يرمى ابناء ملة حبيبه محمد بالبحر كمن يرمي الطعم للسمك بالآلاف؟ ايعقل ان يرضى الله عن امة يهرب شعوبها طلبا للحياة في وقت يدعم قادتها الموت من كافة الاتجاهات؟

في المقابل، هناك كذلك المعضلة الفلسطينية، فتشهد الساحة الفلسطينية هذه الايام حالة غضب شعبي تنعكس على السعودية، بين طرد “مطبع” من المسجد الاقصى وبين اغنية زجلية تغنى بالافراح تعبر عن الاستياء من السعودية، فكيف ينفصل الموقف الشعبي هذا من استياء عن الذهاب الى السعودية؟ ومع هذا يبدو ان هناك حريا ضروسا من اجل الذهاب الى الحج، تجري في وزارة الاوقاف المسؤولة عن الحج، وقد يكون موضوع ما جرى في الخان الاحمر مجرد قشة في كوم المشاكل والقصص في هذا الصدد.

ولكن على الصعيد العربي والاسلامي، فهناك فرصة لأن يقول المؤمنين كلمتهم بشأن حكومة السعودية التي تقود حملات الحروب في المنطقة وتلعب دورا اساسيا في تصفية القضية الفلسطينية لصالح الاحتلال الاسرائيلي.

في خضم كل ما يجري من مآسي متلاحقة، علينا كأمة تتوجه بكل ما لديها الي الله في هذه الايام، من اجل طلب مغفرة، وغسل ذنوب، والسعي الى طلب، في دعاء. نفكر وكأن الله لا يرى الا الشخص الآني منا. وكأن الله لا يهتم لما صرنا اليه كأمة تتقاتل فيما بينها وتتآمر على نفسها، ولا تتوانى عن الاذى والاذية.

نستعد للوقوف امام الله ولا نخجل الطلب…. نرفع الايدي للدعوات والاستغاثة….

ولا نربط من قريب او بعيد، تحميلنا للسعودية عبء الحروب، وإمكانية استخدام هذه الأموال التي تهدر من قبل الرأسمال الفلسطيني وجيوب الدولة المستجدية للمعونات والأموال، في اطعام فقراء وإعادة اعمار بيوت دمرها بطش الاحتلال واعالة عوائل مستورة.

في وقت تعاني الدول من الفقر الذي بات يصل الى المجاعة بين ابنائه. غلاء لا يحتمل. فرص تنعدم امام الشباب وغيرهم. والشتات الملحق بكل اولئك اللاجئين الفارين نحو حياة مبهمة يحيطها الفقر والعوز.

اليس من الحق، الدعوة الحقيقية للمسلمين بأن تذهب هذه الاموال لردء شتات الملايين الفارين من سوريا والتي تلاطمهم امواج البحار وجبروت ظلم الانسان في الغربة واللجوء؟

لإعادة اعمار البيوت التي لا يزال اهلها في انتظار اعادة اعمار بطيء في غزة ومستشفيات وكهرباء؟

لإغاثة المنكوبين في اليمن، للكوليرا والاوباء المنتشرة بفعل الحرب؟

لإطعام الفقراء في دول العروبة؟

أليس اجدى للفلسطينيين لو ذهبت اموال الحج هذا العام لاسكان عشرات العوائل التي تم هدم بيوتها قبل ايام؟

كم هو بريء الاسلام من مسلميه فقراء واغنياء، ظالمون ومظلومون! الكليسير على نفس الخطى من الجهل، والله بريء من افعالنا ومن هواجسنا، ومن نفوسنا المريضة الجاهلة، التي عمت بصيرته،ا فيعميها الله اليوم عن رؤية الحق وعمله..

بينما نكيل المسبات على الحكام وظلمهم، وندعو عليهم، ونتمنى الخلاص منهم. نحن الشعوب لا نختلف عنهم. فهل من مسلم مؤمن يفكر ويتفكر للحظة ويهدي تكاليف حجته هذا العام للاجئ او فقير معدم؟

هل من مسلم مستعد بأن يقتطع ولو جزء بسيط من مصروفات حجته التي عقد الرحال اليها لمساعدة اللاجئين والفقراء والمحتاجين؟ فلو تم اقتصاص ١٠٠ دينار من كل حاج من اجل اللاجئين لانتهت أزمتهم. فهذه المئة دينار ستكون مئتي مليون دينار. ستكفل حتى بعدم نزوح الشعوب عن اراضيها..

اتساءل عن الدعوات التي سيلقيها خطباء الحج في الايام القادمة في صلواتهم.

هل سينادي الخطيب بتخليص الله لنا من داعش في عقر دارها، ام سيكتفي بالنيل بدعواته من الرئيس السوري؟ هل ستكون الدعوات شاملة التخلص من الصهيونية والدعوة على اليهود بأنهم ابناء القردة والخنازير؟ ام سيشدد على حق اسرائيل في الوجود ويشيد بنتانياهو ويدعو ربما الناخب الاسرائيلي الى انتخابه ؟هل ستكون الدعوات في لم شمل المسلمين ولقد اغلقت العرب ابوابها عنهم؟ هل ستكون الدعوات على الشيعة والخطر الايراني لدرء الخطأ في الدعوات؟

كيف سيرفع المسلمون ايديهم الى الله تذرعا ولقد منعت ايديهم عن تقديم الخير لأنفسهم؟

ام ان الله بالنسبة لهم مشروع شخصي، لا يرى ولا يسمع الا ما نخبره به. فالفقير يزحف اليه من اجل طلب الثراء، والمريض من اجل الشفاء،والمخطئ من اجل العفو، وكأن الله حساباته شخصية، ستصرف لهم هناك..

بالله يا امة الاسلام…

فلقد أصبحنا بكم شر امة، تعود بالشر على نفسها وعلى الامم.

 

متاهة التحرر..الحق في الحجاب ،الحق في التعري

الحق في الحجاب والحق في التعري ومتاهة التحرر

 

تحرر المرأة، مصطلح تعيش من اجله المرأة على مدار عصور الاستبداد التي تلتصق بها. ومحاولات المرأة للتحرر كانت كما تزال محاولات غير متوقفة من اجل المساواة والحرية.

ولكن المرأة وقعت في فخ الحرية كما المجتمعات الحديثة او المجتمعات التي تغيب عنها الحريات. فتأتي فكرة التحرر هجينة على المبنى الاجتماعي والثقافي لهذه المجتمعات.

عندما خلعت هدى الشعراوي نقابها عند محطة سكة الحديد في القاهرة في بداية القرن العشرين، قامت بتلك اللحظة بإسقاط لتهميش واذلال عاشته المرأة نتيجة انهيار الحكم وبالتالي انهيار الحقوق على كافة الأصعدة. وما قامت به هدى الشعراوي ورفيقاتها في حينه لم يهدد المجتمع ولم يقد من سباته، فكانت ثورة ناعمة ضد ظلم بحق المرأة لم تخرج المرأة حينها عن متطلباتها بالتحرر، فبقيت جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي. بحجاب او بدونه كانت الرمزية للحجاب حينها أقرب لان تكون رمزية الطبقات الاجتماعية لا وضعية المرأة وحجبها.

نوال السعداوي مشت على خطى هدى الشعراوي من خلال بعد فكري أعمق، فنوال كانت ابنة قرية في صعيد مصر على عكس هدى شعراوي ابنة القاهرة والعائلات سليلة الانساب، فحرب نوال السعداوي من اجل الحرية جاءت مفعمة بطعم مرارة ظلم يقع على المجتمع يملأه الجهل والحط من قيمة الانسان ثم المرأة كمخلوق أقل إنسانية. فكان موقف نوال السعداوي ن الحجاب أكثر قسوة ومباشرة، حيث وضعت يدها على المشكلة وحارب بطريقة مباشرة المجتمع الذكوري بكافة اطيافه. وما من شك، ان زمن نوال السعداوي كان زمنا أصعب، فالإسلام الوهابي كان قد تشكل وهيمن على الازهر، وبالتالي سيطر بإحكام على كل فئات المجتمع الذكوري وترك له زمام التسلط وتثبيت القمع والاذلال تحت مسميات أعطت الفتاوي فيها التحكم بالمرأة والمجتمع.

ولكن، إذا ما نظرنا الى تجربة كل من هدى شعراوي ونوال سعداوي، نجد ان هدى شعراوي خلعت النقاب ولكنها لم تخلع الحجاب. ونوال سعداوي انتقدت الحجاب على مدار مسيرتها ولكننا لم نر لها صورة في مايوه او لباس غير محتشم او مثير للشهوات.

وقبل ان يذهب القارئ لتشويه شكل نوال سعداوي، وبالتالي منطقة عدم لبسها للملابس الخليعة، اؤكد ان ما نراه اليوم يعيد التأكيد ان الخلاعة لا تحتاج الى شكل مثير او جميل. الموضوع مبدئي بكافة اشكاله.

ما نراه اليوم لمن ينسبن أنفسهن لهدى شعراوي، بعد الضجة التي اثارتها “تنويرية” مصرية بكتاب عنوانه ” المجد لخالعات الحجاب والنقاب”، يخلط الحابل بالنابل، ويحط من مسيرة نساء صنعن تغيير ثوري حقيقي بمجتمعاتنا الذكورية المتخلفة.

لم تكن حرية المرأة ابدا مرتبطة بخلعها لملابسها، كما لم تكن مرتبطة بحجابها. المصيبة هي بالتطرف الذي بلينا به كمجتمعات لا تعرف التوازن بأي شيء. لن أخفي موقفي من الحجاب الذي حجب المرأة عن مركزها الأصيل في المجتمع على مدار السنوات، ولكن لا يمكن التطرق كذلك الى حرية المرأة التي اختارت الحجاب ليكون طريق حياتها. وقد أقول بصوت مسموع، ان هذه المرأة لا تمثلني كامرأة لا أرى بالحجاب طريق وصولي الى الله. ولن اخوض في الكلام هنا أكثر بين ما هو حلال بين وما هو حرام، فالموضوع في هذه اللحظات يرتبط بتركيبة المجتمع الثقافية والحضارية لا الدينية. فالمرأة العربية ليست فقط مسلمة، وعليه يجب الا يكون الحجاب ما يشكل رمزية شكل المرأة العربية.

ولكني أقول بصوت عالي وقد اصيح إذا ما تطلب الامر، ان تلك المرأة التي تجعل من الحجاب مشكلتها ومن خلعه رسالة حياتها وإبراز صوت المرأة من خلال تعري جسدها الفاضح لا تمثل الحرية التي اريدها كامرأة.

كما الحجاب، فان العري أوصل المجتمع الى حالة من تردي القيم والأخلاق. فالحجاب خلق حالة من التمييز بالمجتمع قسم الايمان والكفر من خلال الحجاب، وبالتالي وصلنا الى مرحلة صارت المحجبة فيه أداة الله على الأرض في حالة قناعتها، واختبأت محجبة أخرى وراء الحجاب لتمثل رسالة الله على الأرض كذلك.

اما العري، فهو المصيبة الأكبر، لأن العري لا دين له! فما نراه من عرض للأجساد وكأننا في سباق لعرض اللحم البشري من ممثلات وراقصات واديبات وكل من أراد شهرة، يحط الاف المرات من قدر المرأة. فيصبح بالتالي الحجاب هو الامر الحميد. فاذا ما قرر الانسان الطبيعي وضع نفسه على جهة تأييد، يصبح الاحتشام هو الخيار. لان العري الفاضح لم يترك للاحتشام فرصة الا عن طريق الحجاب او الاحتجاب.

قد تكون تلك المرأة التي قررت عرض جسدها بطريقة فاضحة او تسويقية ترى من هذا حريتها، وهنا يتوجب على السكوت والقبول تحب طائلة فكرة احترام الحريات. ولكن هنا يجب ان أسلم أيضا، ان المرأة التي تريد الحجاب او النقاب حرة تحت طائلة نفس المبدأ.

قد يكون الزمن الذي نعيشه هو زمنا قاسيا، فكل شيء صار مكشوفا وتحت رحمة التقدم التكنولوجي الذي لم يعد فيه مستور. ومن اجل هذا تصبح المسؤولية أكبر علينا، كأناس نعتبر أنفسنا بقدر المسؤولية على مستقبل شعوبنا. فما نراه من عري صار بالفعل مثير للاشمئزاز. تعدت فيه تلك النساء كل أصول الاحترام، ومع هذا نلوح جميعنا بحق الحرية.

وعليه، يبقى الحجاب في صوره المختلفة ارحم، لأنه على الأقل يردع من هذا الكم الفاضح من التعري، الذي صارت فيه المرأة سلعة للإثارة، كبدت مسير المرأة من اجل حريتها خسائر فادحة كانت هدى شعراوي احدى ابطالها كما نوال سعداوي.

لن تكون المرأة التي تجعل من جسدها رأس مال حريتها ابدا تنويرية ولن تكون في التاريخ أكثر من ورقة يلف بها المحمصات والذرة عبر التاريخ.

%d bloggers like this: