في رثاء ام كانت الام الكاملة…لروحك السلام يا ام كامل

في رثاء ام كانت الام الكاملة…لروحك السلام يا ام كامل

 

تتوقف في حنجرتي الكلمات، كما الدموع المتحجرة في عيني. كم صعب الرحيل حتى ولو كنا نستعد له.

أم كامل، امرأة تجسد كل ما يمكن ان تخيله للمرأة المكافحة. تجسيد نموذجي ربما، نشاهده بالمسلسلات. امرأة تترمل وهي في مقتبل العمر، لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها ربما، ليتركها زوجها مع أربعة أطفال وخامس يضرب بأرجله بطنها الممتد الى حلقها من اجل الخروج. حمل يخرج من الرحم ليرحم دموعها ربما او ليشد من ازرها او ليربطها بخمسة أبناء الى الابد.

من السهل تخيل قصص نضال امرأة كهذه. لا أموال خلفها الرجل، ولا اهل اغنياء، وام للرجل الراحل وام لها تقضي حياتها معهم …فيرحل من يرحل وتبقى هي وما يمكنها من البقاء من أبناء واحفاد وأصدقاء كثر.

ذلك البيت الصغير جدا الذي طالما اتسع للكثير الكثير.

ذكريات لا تتوقف ولا تنتهي من الصداقات التي خرجت من ذلك البيت وتحت ظل هذه المرأة وبقيت الى اللحظة.

ام كامل كانت دائما الام المشاكسة والحضن الذي مهما الم به من تعب يحضن بحرارة ويحتوي كل من يلتجئ اليه.

ام كامل، شيخة الحارة، والخياطة، والجارة، وحلالة المشاكل، وبير الاسرار.

ام كامل الام

ام كامل الابنة

ام كامل الأخت

ام كامل ام صاحبتي، صاحباتي

ام كامل امي …

ام كامل اللي طالما شاكستها وشاكستني، ولم تنته مشاكساتها معي حتى صرت اتفنن بمشاكستها. وكأنني حملت ذكريات الماضي البعيدة واعدت تدويرها لتكون طرافتنا الدائمة لنضحك ونلهو بين مشاكل الحياة في كل لقاء بعيد كان ام قريب.

في كل مرة نبدأ الحكاية من أولها ونعيدها بكل تفاصيلها بلا ملل ولا ضجر. نضحك من كل قلبنا حتى تغمرنا الدموع. اكان دائما هو الحنين الى تلك الأيام البريئة من حياتنا.

كم بقيت حياتنا بريئة طالما كانت تحت اجنحة ام كامل.

كم اثرت بي هذه المرأة، وكم تأثرت بها. كم استلهمت منها شخصيات زرعتها في مخيلتي لتكون فيها ام كامل بدور بطولة فيها دائما.

كلما تذكرت المرأة القوية كانت ام كامل

كلما احتجت الى المرأة الجبارة انت ام كامل

كلما فقدت الامل وأردت الصبر كانت ام كامل.

ام كامل كانت المرأة العظيمة في تجلياتها دائما.

لماذا تحشد السلطة الفلسطينية ضد صفقة القرن ومؤتمر المنامة؟ هل هو الخوف من سحب بساط السيطرة إلى اخرين؟

 

لماذا تحشد السلطة الفلسطينية ضد صفقة القرن ومؤتمر المنامة؟ هل هو الخوف من سحب بساط السيطرة الى آخرين؟

 

قد يبدو السؤال غريب، في وقت نسمع تصريحات دائمة حول رفض صفقة القرن. فمنذ الإعلان عن مؤتمر المنامة المزعم عقده غدا، والسلطة الفلسطينية تحشد ضده.

شعارات كثيرة تقول عاليا بأن صفقة القرن لن تمر. ترهيب وتهويل لما سيجري بالمنامة ودعوة للمقاطعة العربية وإعلان الاضراب خلال أيام انعقاد المؤتمر في الضفة الغربية والاحتجاجات. ولا يعرف أحد ما هي صفقة القرن الا من خلال اشاعات وتحليلات وتغريدات متفرقة.

البيت الأبيض أعلمنا أخيرا، وقبيل ساعات لا تفصلنا كثيرا عن مؤتمر المنامة، بتفاصيل الصفقة المكونة من ٤٠صفحة، وكشف لنا التفاصيل المكونة من المليارات الخمسين التي ستوزع “علينا” أولا، ويتقاسم باقيها الأردن ومصر ولبنان. يبدو الامر وكأن البيت الأبيض بقيادة ترامب اخذ دور الإدارة والتنفيذ المباشر لمشاريع (اليو اس ايد) التي اوقفها ترامب نفسه، منذ ان بدأ كما في كل مرة، بالتلويح لإيقاف مشاريع الدعم الامريكية.

إذا ما تركنا ترامب في حاله، فبعد صاروخ إيران الذي اودى بطائرته الأمريكية الحربية، فان الرجل يحتاج للكثير من التروي، فما قامت به إيران، يبدو وكأنه أكثر جدية من احتمالات عروض القوى الامريكية وحلفائها. ولكن لنركز قليلا بطرح ترامب لخطته القرنية، والتي تبدو فيما أعلن عنها استثمارية بجدارة، فالجماعة يريدون انشاء صندوق استثمار عالمي (بالنهاية فان صندوق الاستثمار الفلسطيني كالصندوق الأسود، لا يعلم ما به غير حفنة قليلة ولا نعرف عنه الا ما يخرج من تسريبات بشأن رواتب خيالية ومشاريع نهب لموارد هذه البلاد ببطون رجال السلطة)، وستتضمن المشاريع فتح ممر سفر، يربط غزة بالضفة. بالإضافة الى الاستثمارات والفرص التجارية الكثيرة.

 

الحقيقة، وبعيدا عن التحليلات الممكنة او المتوقعة، بين تلك التي يمكن اعتبارها ذكية وتلك التي من المرجح سذاجتها ما المشكلة بهذا الطرح؟ او بالأحرى ما الغريب او الجديد فيه؟ لماذا ترفضه السلطة؟

هل السبب يكمن في عدم إدارة السلطة لهذا الصندوق المقترح؟

لأننا إذا ما نظرنا حولنا، فان كل ما يريده الشعب اليوم، او بالأحرى يصبو اليه في وقت تاهت القضية في تفاصيل السلطة وغرقنا نحن الشعب في فسادها، فلم يعد يهم المواطن العادي الا لقمة عيشه وبقائه. فالمزيد من الإنعاش الاقتصادي والتجاري وفكفكة بعض الحصارات ستكون جل ما ينتظره المواطن العادي.

تحسين الطرقات، او بالأحرى فتح طريق يربط غزة بالضفة، يبدو مشروعا رائعا(!) مشروع توحيدي بجدارة، في وقت بعثرنا فيها الانقسام السياسي(!) فلم لا يكون هناك تعبيد لطرق الوحدة الممكنة عن طريق، طرق تمولها مشاريع رئاسية أمريكية(!؟) حتى انه يتوجب علينا الشعور بالفخر، فهكذا طرق لن يكون في نهايتها إشارة “هذا الشارع تم بدعم الشعب الأمريكي”، سيكون هذا طريق دعمه الرئيس الأمريكي بذاته(!)

الحقيقة ان كل الأمور تبدو مرتبة لهكذا طريق، فالمعابر المختلفة صارت حدودية ولا ينقص إضفاء الرسمية عليها أي شيء. لنا فقط ان ننظر الى قلنديا، وبيت لحم، وحزما، ومدخل عناتا، وموديعين. المعابر جاهزة لحل ما قادم.

فما مشكلة السلطة اذن؟

لماذا تعترض السلطة على صفقة لا تختلف عن باقي الصفقات التي تم بيع وشراء فيها الوطن والمواطن تحت مسميات السلام الاقتصادي والمصالحة (مع إسرائيل) وتسريب الأراضي وصفقات ملعونة لا نعرف عن معظمها، أدت الى تسرب الوطن حتى من بين أيدينا.

لماذا علينا ان ننبذ صفقة القرن بينما ستحل أمور الخلق المادية، بينما لا تستطيع السلطة دفع رواتب موظفيها، في نفس الوقت الذي تضاعف فيه رواتب وزرائها وتستمر في غمر المقربين منها من الحوافز والامدادات.

لماذا علينا ان نبذ صفقة القرن ولم تتقدم السلطة خطوة في إيقاف السفارة الامريكية التي كانت شعلة مرحلة جديدة لصفقاتهم؟ لماذا لم تتقدم السلطة بخطوة فاعلة واحدة في وقت كان من الممكن ان تقوم بالكثير، ولكن على العكس سبقتها الولايات الامريكية في خطوات تركيعيه، لان ترامب يفهم لغة التخاذل والتركيع. يفهمها جيدا بحسه التجاري. يعرف من اين تؤكل كتف الجشع. القدس تتسرب من بين أيدينا في مشاريع استعمارية تتمدد حتى قلب الحارات والبيوت. المدارس تأسرلت، والبيوت تتهود، والانسان يلهث وراء لقمة العيش، بينما يترك للنهش بين استعار الاحتلال وتنكيل السلطة بفساد بات يصل الي كل مكان.

لماذا ننبذ صفقة ولقد تحول الوطن كله بأيدي السلطة الى صفقة؟

لماذا ندعو الدول العربية لعدم المشاركة والتطبيع والسلطة تبيع دروسا بالتطبيع من اعلى هيئاتها؟

لماذا ننبذ صفقة لا نعرف عنها أي تفصيل، وما تم كشفه يبدو مفيدا لتحسين حياة الناس التي لم تعد تسأل الا عن قوت يومها وخلاصها؟

لو جلس ترامب مع أبو مازن واتفق معه على صفقة القرن، كان الوضع سيكون ملائما أكثر لنا؟

هناك حقيقة وحيدة عرتها صفقة القرن. اسقطت من خلالها ورقة التوت الوحيدة التي كانت تستر على السلطة وحلفائها من دول الجوار. تسعيرة مالية محددة يفهمها الثور الأمريكي، يعرف كيف ينطح غريمه!

الصفقة الحالية، علتها بالنسبة للسلطة تبدو بمبدئية سحب البساط من تحت أرجل السلطة، وان كانت ذاكرتي تسعفني ببعض التفسير، قد يكون السبب الذي أنهى الحياة السياسية لرئيس الوزراء السابق رامي الحمدلله (قبل انشغالنا بأحجية من سيكون رئيس الوزراء الخليف)، عندما أعلن عدم موافقته على شروط اليو اس ايد بداية شباط الحالي، الذي رأينا بعده اعلان استقالته او تنحيه او المسعى لإزاحته لإيجاد بديل. ولم يقدم الرجل في حينه ضربة حقيقية للأمريكان، كل ما ادلى به تحفظا على شروطهم التي صارت تعجيزية حتى لرئيس الوزراء بالقبول بها.

قد يكون ما يجري مع السلطة هو أكبر دليل على عدم نجاعة سياسة الانهزام والتطويع. فالقوة تريد قوة امامها. والقوة ليست بتلك المالية والعسكرية بقدر ما هي قوة الايمان بما لديك من حق لتكون صاحب قوة (ونحن نرى هذا بمثل ايران بالأمس، وما تقدمه المقاومة في غزة من نماذج متكررة). بكل اسف، ان صفقة القرن ما هي الا تصفية طبيعية لتفاهمات أوسلو التي عرتنا أولا من ارضنا التاريخية، وها هي تعري السلطة، التي قبلت الهوان، من سلطتها.

صفقة القرن ومؤتمر المنامة التي نرفضه بشدة، ما الذي يضمره من غرابة وشر أكبر؟

بالتأكيد، ان صفقة القرن بما فيها اجتماع المنامة، سيبحث عن لاعبي جدد في منظومة الانهيار الفلسطينية. يذكرني ما يجري اليوم، – وما أقرب الامس باليوم ولا يوجد من يعتبر-، بموقف سجله التاريخ لحوار دار بين المندوب السامي البريطاني ومحافظ القدس في حينه موسى كاظم الحسيني الذي كان محبوبا ومقبولا للانتداب، لما كان يمثله من انضباط تنفيذ للأوامر. الا انه عندما اعترض على تنفيذ قرار تعسفي جديد ضد الشعب، وقرر ان يقدم استقالته، وقال بكل عنفوان للمندوب السامي بأن ما يطلبه لن يقبله حتى أكثر الناس خيانة. رد عليه المندوب السامي واثقا، بل سيقبل اخرون، بل هناك من قبل، وقرار تعيين بديلك بالجارور. وكان رئيس بلدية القدس التالي هو راغب النشاشيبي. وطبعا منذ تلك اللحظة صارت فلسطين مقسمة بين أنصار النشاشيبي والحسيني كما نرى اليوم تماما بين أطراف النزاع المتكاثرة في هذا الوطن المنقسم على نفسه.

ما يجري من قبل السلطة من هلع وشجب مرتبط بخوفهم من انتهاء صلاحية وجودهم بالنسبة للراعي الأمريكي واذرعه الصهيونية المختلفة. هذه المرحلة تتطلب تصفيات أكبر لا يمكن للسلطة الحالية ان تقدمها. ليس لأنها نزيهة، خطوطها الحمراء فيما يمكن ان يباع من هذا الوطن محددة، ولكن لأن الفساد استشرى بها، لدرجة لم يعد هناك ثقة يمكن ان يتم اعتمادها لأي صفقة ممكن ان يتم تمريرها.

حركة فتح، وبعد دعوتها لإضراب عام خلال أيام انعقاد مؤتمر المنامة تراجعت، – وقد يكون في التراجع حكمة غير معهودة- لتأكدهم بأن الشارع الفلسطيني لن يلبي نداء الاضراب. فستكون الدعوة للإضراب صفعة لهم.

في وقت كانت تستطيع السلطة فيه ان تثبت لهذا الشعب انها تحارب وتقاوم من اجله ضد ما يخططه ترامب وحلفائه ضدها-ضدنا- على الأقل بردود ولو شكلية تحترم عقولنا بشأن الفساد. وهنا بالتحديد الفساد المتعلق برواتب الوزراء والاستحقاقات التبذيرية وما يجري بالسفارات من تجاوزات، في وقت تعلن فيه السلطة عن تخفيف الرواتب. ومن جهة اخري يقوم وزير المالية بخفض ضريبة الدخل على الأغنياء من ٢٥ بالمئة الى عشرة، وكأن ما يجري هو خصخصة كل موارد هذا الشعب لجيوب طبقة الأغنياء المتمثلة في معظمها برجال السلطة.

الشارع الفلسطيني فقد الثقة بالسلطة وبكل ما يمثلها، وهذا ما يفهمه بوضوح الخصوم من الجهة الصهيونية بكامل تشكيلاتها. وعليه، لم يعد الهدف إيجاد بديل لابي مازن، لأنه صار من الواضح ان المنظومة التي يرعاها أبو مازن قد تهالكت، ولقد حان الوقت لإيجاد اخرين…. هذه المرة حفنة من التجار، الذين يرون بالمال حلول لكل شيء، كما ترامب. تجار يستطيعون تدبير شؤون الشعب بإسكاته إذا ما رموا باتجاه الجياع من المتلهثين بعض القروش.

نعم تهاوت السلطة ولقد هوينا معها. لان القادم سيكون بالفعل أقبح.

ولكن يبدو اننا ندخل بحقبة لن تكون الدبلوماسية عنوانها، بل المساومة بمبدأ “على عينك يا تاجر”.

المتحف الفلسطيني والسلطة الفلسطينية : وجهان لأوسلو واحدة

المتحف الفلسطيني والسلطة الفلسطينية: وجهان لاوسلو واحدة!

akaa-2019-palestine04_4948_r

بعد مشوار طويل–جدا- نسبيا، من القدس الى بيرزيت، في محاولة الوصول الى المتحف الفلسطيني. كان المرور عبر الطرق الالتفافية المليئة بالمستعمرات مجهدا جدا. عندما وصلت الطريق المؤدي الى المتحف، في شارع فرعي بمدينة بيرزيت، تنفست الصعداء، وشعرت براحة حقيقية، حتى تبين أني دخلت المتحف، وعندها وجدت نفسي اكلمني بصوت عالي: ليش المتحف محطوط بقفص؟ وسألت نفسي إذا ما كان هذا المدخل جزء من فكرة المتحف، لأرى  ترسانة على شكل عواميد حديدية وجرافة معروضة تمثل فكرة خطف الأراضي التي شعرت بها في الطريق. وما ان وصلت الى مدخل المتحف الداخلي حتى شعرت كأنني أقف على معبر إيريز المؤدي الى غزة.

قبل ان اتبين لنفسي ما اريد رؤيته بالمتحف، او بالأحرى لماذا ينبغي ان أزور المتحف، او ما الذي يجعل الانسان يمر بكل هذه الطريق ليصل الى المتحف؟ هل كانت المقدمة تذكيرا لما سنراه بداخل المتحف لتكون تذكيرا لما مررنا به على طول ما يتعدى الخمسين كيلو متر من الطريق الذي يرينا ما يشكل هذا المتحف.

مهما كانت الفكرة منه فهي شكلت تعبيرا قويا بالنسبة لي. ولكنني اصررت على سؤال، هل علينا نحن الفلسطينيون ان نتذكر دائما ما نعيشه على مدار اللحظة؟

قد يكون الجواب نعم، وقد يكون الجواب مرتبطا بفئة الهدف التي يريد أن يستقطب المتحف من خلالها غير الفلسطينيين-ربما-، على سبيل التحديد، الأجانب. فكرة تشبه “مزار” ياد في شيم ” الذي يذكر اليهود والعالم الزائر بمذابح النازيين باليهود. ولكن المتحف بلحظة دخولنا اليه لا نرى من اثر “ياد فيشيم” الفلسطينية أي تذكير.

كم علينا ان نتذكر؟ ذكرت نفسي؟ ولكن ربما يكون المغزى ليس للفلسطيني الذي مثلي، الفلسطيني الذي يعتقد انه يعيش بدولة مستقلة محررة. ولكن هل يمكن لهذا الفلسطيني الا يرى كذلك ما يجري مع كل نفس يأخذه من عيش تحت احتلال يحيط به من كل الجوانب؟

المهم، وبينما كنت بالمتحف استمع الى محاضرة علمية محددة- والتي كانت سبب زيارتي للمتحف، حاولت ان أجد بعض الإجابات عن المتحف. كنت بالفعل متلهفة لرؤية المتحف. يعني ما الذي ينتظر الانسان رؤيته بمتحف، بالإضافة الى محاضرة ومعروضات فنية ضمن برامج فعاليات متحف؟

الجرافة التي رأيتها عند الدخول الى المتحف، كانت عبارة عن عمل فني مهم يقول فيه الفنان “يا رب” بالإشارة الى فكي الجرافة. والترسانة التي رأيتها قبل وصولي الى الجرافة كانت عمل فني اخر لفنان غير فلسطيني. ولكن القفص الذي رأيته، وهو الغرفة الخاصة بالأمن على المدخل، لم تكن مرتبطة بأي عمل فني، ولا يوجد من خلالها أي استهداف جمالي او تعبيري. كانت فقط غرفة “مؤمنة” من السرقات كما قال لي رجل الامن فيما بعد.

على ما يبدو كنت انا الوحيدة التي شعرت بهذه المبالغة بما رأيت، فلم يكن المبنى يعطي أي ايعاز او لمعبر إيريز، بل مبنى معماري فاخر يشكل الكثير من الأشياء المهمة بالعمارة -التي تم استيرادها خصيصا من الخارج- التي لا افهم منها شيئا. والمعرض الفني الموجود بداخل المتحف وبالخارج من حديقة جميلة تشبه نوعا ما محاولة ربما لعمل حدائق مدرجة كما الحدائق الوهابية في حيفا- ربما- ولكن الكثير مما شاهدت كان يذكرني بمعلم اخر رأيته في رام الله، فهناك الكثير من التشابه مع ما تشاهده العين في متحف محمود درويش، ومدفن الرئيس الراحل ياسر عرفات بالمقاطعة. ولكني قلت في نفسي مرة أخرى، بأن هناك ما يحدث من تقارب، وانا بالفعل لا افهم بالفن ولا بالعمارة شيء. المكان جميل بالفعل.منظر خلاب للجبل المقابل وجامعة بيرزيت الى جانبك.

عودة الى داخل المتحف الذي يستقبلك فيه قاعة مفتوحة واسعة للاستعلامات ودكان هدايا صغير. يعني توقعت ان هذا كذلك طبيعي، فنحن في متحف ، وبعد جولة المتحف من البديهي ان يكون هناك حانوت خاص لنشتري منه ما اذهلنا من نسخ فنية للتذكار.. كان هناك معرض فني جميل. مما لا شك فيه ان القاعة المخصصة للمعارض جميلة جدا كذلك. ولكنني اردت ان أرى المتحف. يعني الانسان يذهب الى المتحف ليرى شيئا مخصصا. يعني عندما نذهب الى متحف محمود درويش نتوقع ان يرينا هذا المتحف ما أريد “اتحافه” من شخص وحياة محمود درويش. كذلك عندما نذهب الى متحف ياسر عرفات. تذهب لترى ما يريد القائم على المتحف من حفظه لنا من حياة وصورة ياسر عرفات.عندما نذهب الى قصر منيب المصري الذي سماه البيت الفلسطيني، نري متحفا حقيقيا بالمقتنيات الموجودة بالإضافة الى المتحف البيزنطي الحقيقي في القصر- هذا يمكن ان نسميه متحفا- وعندما نذهب الى المتحف الفلسطيني فنحن نشاهد ما هو ” تحفة” في فلسطيني؟ فأين المقتنيات والمجموعات والاثار وكل ما علينا ان نراه في المتحف الفلسطيني؟

الحقيقة انني اصبت بالدوار عندما علمت انه لا يوجد من المتحف الا البناء والحديقة واسمه. يعني بكل بساطة متحف فلسطين هو عبارة عن بناء فارغ يستضيف المعارض الفنية المختلفة. وعند بعض الاستفسارات تبين انه بالفعل كان هناك نية لان يكون هناك متحف بداخل المتحف ولكنهم لم يستطيعوا ذلك!!! فلماذا اسم المتحف اذن؟ لماذا لم يسمه القائمون على بنائه باسم المعرض الفلسطيني الدائم او المتعدد الفعاليات او الاستخدامات؟

ما الذي يجب ان نفهمه من وجود متحف بهذا الكم من الاستثمار المادي، بلا أي موجودة  من تحف او اثار او حتى حجر يدل على تاريخ وارث فلسطين؟

يعني إذا ذهبت الى متحف إسرائيل، ما الذي سأجده؟ قد نختلف، ونتهمهم، ونثور عليهم، ونلومهم بسرقة اثارنا، وتراثنا، وغيره؟ ولكن ما الذي قدمناه نحن من اجل ان نواجه سرقتهم لتاريخنا وارثنا وتراثنا؟ بنينا متحفا بلا موجودات، او أي أثر، لتاريخنا الماضي والحالي، الا من معروضات لفنانين سيكونون هم ارث الوطن القادم؟ هل ارث فلسطين يبدأ بالجرافة وترسانة الحديد، ويراود مكانه بمعروضات تطريز دورية؟

ام من قام بإنشاء المتحف هو نفسه من يعتبر أوسلو قاعدة فلسطين، ولكنه تأخر ثلاثة عقود من قاعدة السلطة الأولى، وعندما قام بإنشاء متحف ابتدأ من العدم الموجود كقاعدة لما هو المتحف الفلسطيني؟ هل يشبه المتحف الفلسطيني فكرة السلطة الفلسطينية؟ سلطة مليئة بالمباني والمسؤولين لفراغ سيادي وسياسي؟

الحقيقة انني لا افهم بالمتاحف والأمور الثقافية، ولكنني اعتبر نفسي متذوقة للأمور، فلا أحب التخصص. ولكن ما رأيت من متحف اخذني الوصول اليه أكثر من ساعة كما الرجوع منه، لكيلا أرى فيه الا ارتدادات لواقع يريدون منا ان نراه مبهرا، فارغ من كل الحقيقة. فارغ من تاريخنا الحقيقي، ومن ارثنا الذي لم نعد نفهم منه وعنه الا الدبكة والتطريز الفلاحي محاط بترسانة وجرافة ومبنى مستورد على طريقة لم ينتبه أحدهم انها تشبه معبر إيريز، الذي بالأصل يشكل احكام جبروت الاحتلال، ليكون مع الوقت انطباعا طبيعيا لحقيقة ها الواقع. فراغ من المضامين، فكيف يكون هناك ارث؟

وكأننا نرجع نحو ما يروجه الصهاينة عنا، ان فلسطين هذه لم تكن ابدا موجودة الا بمخيلتنا نحن الفلسطينيون. ويأتي المتحف الفلسطيني ليؤكد هذا.

بين نبيل عمرو ووزير إعلام الحرب ومحمد الماغوط وغربة : قصتان لتغريبة عربية واحدة.

 

c182b90b-116d-4bd7-baba-f2ce2c764de1.jpg

 

من الصعب قراءة رواية لرجل سياسي معاصر وتعرفه نوعا ما. من الصعب أكثر ان يستقطب عنوان رواية بمسمى وزير اعلام حرب لكاتب كان وزير اعلام. ولا يمكن ان تتفادى تفكيرك النقدي المليء بمشاعر ساخطة ضد السياسيين بالسلطة التي اشبعتنا برجالاتها ببيانات ومقالات واراء تعبنا ومللنا، ليأتينا هذا السياسي برواية تقترب بتعريفها لصفته الشخصية التي كانت.

قلت في نفسي، نرجسية السياسي الذي انتهت حياته السياسية ويريد ان يصير المثقف في خريف عطائه.

بادرتني الكثير من الأفكار السلبية، وترددت في القراءة. هل على ان اقرأ رواية موجهة سياسيا قبل ان ابدأها، يحاول صاحبها تجيد نفسه وإعطاء ضخ في دمه لنرجسيته؟

على الاعتراف بأنني تفاجأت عندما اخذت الرواية في التفتح في احداثها امامي. كانت الاحكام المسبقة لا تزال تسيطر على قراءتي، عندما انتابني فجأة شعور بالانزعاج من احداث الرواية. سرد جمالي يحملنا بلا أدني شك الى حنين لحياتنا البسيطة، فأبطال الرواية في احداثها الرئيسية توقفوا عند حزيران ١٩٦٧ واخذ الكاتب بحرفية كتابية لا يمكن التشكيك بها، وبسرد وصفي للتفاصيل العامية التي تدغدغ وجداننا بطريقة لا يمكن الا ان ترى كقارئ من خلالها كل كلمة تتحول الى مشهد. مشهد شديد العمق عندما يبدأ بدغدغة وجدانك، وشديد البساطة عندما يبدأ بتشكيل نفسه من مكان وشخصيات واشياء امامك. وكأنه حملنا من حزيران الى حزيران قبل نصف مئوية ونفخ الحياة في مكان كان متجمد حتى يعيدنا اليه بكل تفاصيله.

رواية كان المقهى فيها بطل الاحداث، كما كان الراديو والدكان الحلاق والمقاعد والشاي والفرس المزركش والشخصيات بدأ بالعتال الذي اجهده حمله وتمنى لو يوزعه على أبنائه، وبسبب صوته الجهور كان له نصيب لقب وزير اعلام الحرب في لحظة اعلان الحرب المرتقبة.

تدور احداث الرواية في “كفر عرب” في كناية قد تكون واضحة لتقريب الفكر العربي “كفر” في أي قرية او مدينة كان. وزمن وقوع الرواية هو ثلاثة أيام من حرب حزيران. تاريخ محدد وحقيقي. يعيدنا الكاتب به بالزمن لما جرى قبل في خمسين عاما مضت ويضعنا كمن يجلس امام مقاعد مسرحية يقوم بها دريد لحام تشبه تلك التي شاهدناها في “غربة”. الشخصيات في الرواية كما في المسرحية، كلهم ابطال، وكل تفصيل مهما كان بسيطا مهم، وكل كلمة مهما كانت مليئة بالسخرية، السوداء منها او البيضاء تزاحم بالتأثير على مشاعرنا وتقض وجداننا. مؤلمة، موجعة، توقفنا امام مرآة الواقع الذي لا يشكل الا انعكاسا لما نحن عليه. اليوم كما قبل خمسين عام. لا يختلف المشهد بكل تفاصيله الا بتقادم الزمن الذي غير الصور ولكنه أبقى على التفاصيل الجينية. كأنه يؤكد لنا بإجحاف ساخر اننا لن نتغير الا بأشكالنا الخارجية ولن يؤثر علينا الزمن الا بمروره عنا. فلا شيء تغير منذ تلك اللحظة على تركيبتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية. وقد تكون بلاغة المشهد في معرفة القارئ (المبدئية) ان الكاتب أصله من احدى بلدات الخليل، التي حملت “كفر عرب” في روايته كنايتها. بلا داعي لأي تنبه، نظرنا الى المشهد الحاصل اليوم في الخليل. فالقبلية والعشائرية وشيخ المشايخ لم يتغير في مفاهيمه وتطبيقاته، حتى ولو شكليا، في وقت تغيب فيه القوانين عن المشهد الواقعي، وتغلب القبلية وتسود على كل المواقف.

مرور خمسين عام من تلك الاحداث التي شكلتها النكسة الفلسطينية، وتعاطي اهل القرية بكل مكوناتهم البشرية والطبقية مع الحدث المرتقب في حينه ـالحرب ـوتوقعاتهم وتحليلاتهم واستعداداتهم. لم تختلف في أي شيء اطلاقا ونحن على عتبة الإعلان عن صفقة القرن. ننتظر ونحلل ونمنع عن تفكيرنا كل التوقعات السيئة الممكنة، وشعور مؤكد بأن النصر قادم لا محالة مهما طال عمر الظلم وزمنه. لأننا مدعمون بالأغاني الوطنية التي تغيرت من جيل الى جيل فقط من أغاني عبد الحليم حافظ بدك المدافع والحشد والاستبسال الى أغاني تحشد اليوم بأغنية ازرع ليمون ازرع تفاح.

يقين بأن النصر قادم، بينما لا نعرف عن الاستعداد الا حمل السلاح. وكما في مشهد قاسي اخر مليء بالسخرية بالرواية، يأتي دعم السلاح للكفر، ويوزع بين العشائري والمنطقي للحاجة، ولكن بلا معرفة لاستعماله ومع قطع لا يعرف أحد منهم ان يستخدمها. اعلان طوارئ لمجهول مؤقت سيدحض الأعداء لا محالة.

وبين هزيمة تحصل بينما الانتظار امام المذياع وصوت العرب لا يقدم معلومة بعد الثماني صواريخ الأولى التي سقطت على ساحة الأعداء، وإذاعة صوت إسرائيل التي كان أحدهم يسمعها سرا في مذياعه الخاص. الحلاق الذي تغرب ورجع ليكون حلاقا، وكان اول المشجعين لترك المكان حتى تنتهي الحري ” وينفذ من يستطيع ان ينفذ بجلده”.

المجانين الذين تم اطلاقهم بسبب الحرب. في لوحة رائعة أخرى تقول احدى الجمل في شرح سبب جنون أحدهم والمدعو مطر: ” ماذا قلت لمدير المدرسة؟، ما رأيك بقائد المخفر؟،ما رأيك بالمخاتير؟ كانت اجاباته تلقى هوى في نفوس الطلبة. وصف مدير المدرسة بالنعجة التالفة وقائد المخفر بصاحب البطن الكبير المليء بالصيصان، اما المخاتير فهم عملاء الانجليز وصنائع كلوب باشا.”

إذا ما كان القارئ ليس بالنموذجي من ناحية العمر الذي يستطيع فيه عمل مقاربات فورية لما حدث حينها، فتذكره الرواية بقصة شبيهة جدا حصلت في قريته او مدينته حينها.

اما إذا كان القارئ غير فلسطيني او عربي ولم يعاصر تلك الحقبة من الزمن، فسيظن ان خيال هذا الكاتب مفعم بالتوصيفات والتفاصيل المتخيلة. وصف يشبه في تركيبته الأدبية الفانتازيا كما قدم جابرييل غارسيا ماركيز ب”مئة عام من العزلة”.

وسيصيب القارئ كما اصابني من خيبة كبيرة عندما قرأت “عشت لأروي” للكاتب العبقري الذي أكد في مذكراته تلك، ان الأماكن التي اختلقها في خياله المجنون في رواياته لم يكن الا من وحي الواقع الذي عاشه في بلدته عندما كان طفلا.

هذه الخيبة التي اصابتني بينما كنت اراود مكاني ذهابا وإيابا في ذلك المقهى المتموضع بالرواية، المخفر، وجلسات شيخ المشايخ وصوت الجيب العسكري والفرس المزركشة والشخصيات الهائمة على وجهها ليصنع الكاتب من وحي خياله اساطير من الأشخاص. ليصفعنا بأن كل ما جاء فيه بهذه الرواية حقيقي ولا يوجد فيه أي اختلاق الا تغيير الأسماء تلك التي حملت أسماء الشخوص.

حقيقة تصفعنا، وتجعل ما بدا سخرية مؤلما، وإذا ما كان هناك للزمن مكانا لنتعلم من خلاله ونستقصى دروسا، فانه يقطع علينا الطريق في ارجاع ذلك المشهد لتلك الأيام قبل خمسين عاما امامنا. لأن ما كان قبل الخمسين سنة تلك لم يتغير به أي شيء الا الأسماء.

وقد يكون في مقدمة النص ما يوجز الرسالة التي أرادها الكاتب من هذه الرواية:

الناس هم الناس والبلاد هي البلاد والامس هو اليوم وهو غدا كذلك.

في ذلك الحزيران البعيد انتجت القرائح كلمات وموسيٍقى واصوات. صلاح جاهين، كمال الطويل، والعندليب الأسمر، ويا اهلا بالمعارك، لم يتغير الكثير، ففي ربيع الو عزيزي ازدهرت قرائح الشعراء والكتاب ٬ولفي الاماني. وعدونا بربيع تتحقق فيه كل الامنيات بفعل عود ثقاب اشعله الشاب الذي فقد مصدر رزقه بطرفة عين فاشتعلت النار في هشيم كان ينتظر، لنكتشف ان فداحة الواقع أظهرت بؤس الوصف فالربيع كان متخيلا وحقيقته جحيما بدا امامه حزيران الأصلي طفلا ربما انتجته الخطيئة، اما حزيران البوعزيزي فقد أنتج قدرا لا راد له، صار يؤرخ للأيام والشهور والسنوات بالجثث والهاربين الى قاع البحر> ففيه امان أكثر مما في الأوطان.

هل من عبرة في موت الرئيس المصري السابق محمود مرسي لأولي الالباب في السلطة الفلسطينية؟

هل من عبرة في موت الرئيس المصري السابق محمود مرسي لأولي الالباب في السلطة الفلسطينية؟

 

الطريقة التي انتهت بها حياة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي وهو في جلسة المحكمة بينما يقضي السنة السادسة في السجن، بها من العبر ما يكفي ليتفكر الانسان صاحب العقل، وليتوقف الانسان العجول الذي تأخذه الدنيا في لهو يحسب انه متحكم بسير الأمور، ويعرف انه ليس الا “سدى”، هو وعمله. خيره وشره.

ذهب مرسي، وذهبت حياته الدنيا وامره الآن بين يدي خالقه. بحسناته وسيئاته، بظلم اقترفه وبظلم وقع عليه. يقف الان بين يدي العادل الذي لا ينتمي لحزب ولا يأبى لمحسوبيات، ولا يخضع لأجندات. يقف مرسي الآن وكتابه بيمينه. لا تبرير ينجيه، ولا وساطة تشد على يده، فقط عمله في حسنه وقبحه كيفما يقيمه البارئ.

وبعد الانتهاء من التحليل والتمحيص بشأن موت مرسي بين احتسابه شهيدا او قتيلا ضحية النظام الحاكم الحالي، او الشماتة في موته ورميه “فطيسا”. نستطيع نحن الفلسطينيون فقط اخذ العبر إذا ما كان هناك مجالا لان نكون اولي ألباب لا مجرد قشور لب.

وهنا الدعوة لمناصري الحزب الحاكم في أي شطر من وجوده. سواء قررنا اسلمة قضايانا او عولمتها. ان السلطان او الحاكم سيقع عن الأرض في يوم ما مهما طال عمره ونفذ سلطانه. فالملكوت بالنهاية لصاحب الملكوت ولا سلطان او حاكم معين ليكون خليفة الله على الأرض. من اجل هذا فان الحاكم مهما تنفذ ومهما “تفعص”(مصطلح يتم تداوله من قبل المنتقدين لمصطلحات أطلقتها جماعات الاخوان في مواضع أخرى بوصفها الميتة من الناس غير الاخوان – علي حسب ما يقال على وسائل التواصل) هالك فاني لا محالة. والاوطان هي الباقية. فولاء الانسان يجب ان يكون للوطن لا الانسان الحاكم مهما كان.

اما بالنسبة لحكام الامر في سلطتنا الفلسطينية، فالعبرة أكبر. الرجل سقط ميتا بينما كان يدلي بشهادته بمحاكمته. لم يكن بحسبانه موت، وربما توقع او تمنى او انتظر الرجوع الى الحكم. لم يخطر بباله ان هذه الجلسة كانت ستكون له الأخيرة على هذه الأرض. فلم يعد غريمه نظام منقلب ولا قاضي قد يكون حاقد. امره صار بين يدي ربه، وهناك ميزان اخر يختلف كليا عن موازيننا. فهل من متعظ؟

الرئيس الفلسطيني، محمود عباس الذي وهن وطعن في العمر ويكبر مرسي بما يقرب بالثلاث عقود، هل من حساب يريد ان يقدمه للشعب قبل ان يأتي الله بأمره. الموت قادم لا محالة يا سادة. فهل هناك من يعتبر.

قد نختلف كثيرا وقد نتصادم بشأن مرسي ولكنه مات ومعه شهادة من أحبوه ومن كرهوه بأنه كان رئيسا منتخبا.

ونحن في فلسطين نعيش على أمل ربما، او تمني ربما، او خوف من انتخابات إذا ما حصلت قد تأتي بما لا يحمد عقباه لمن يتحكم او يريد التحكم بصورة الوضع الحالي.

كيف سنترحم على الرئيس الفلسطيني محمود عباس إذا ما جاءته المنية؟ هل سنحزن ام سنشمت؟ هل سنبكيه ام نكسر وراءه جرار فخار؟ ما اذي سيجري لأتباعه؟ هل ستكون وفاة الرئيس محمود عباس وفاة فردية، ام سيلحقها وفيات معنوية لكل من يشكلون منظومة الحكم الحالي في فلسطين اليوم؟

هناك كتاب اسمه ” من سيبكي عندما تموت” لروبين شارما، خطر لي بينما اراقب ما يجري بينما تواري محمد مرسي الى الثرى. ما الذي جعل ثلة كبيرة من شعبه يحمل عليه كل هذا الكم من الكره والضغينة بفترة حكم لم تتعدى السنة؟ كيف ينتهي رئيس دولة بحجم مصر بأن يكون مجرد خبر صغير في صفحة الحوادث بأعلام بلده؟ كيف يدفن رئيس سابق بجنازة اقل من عادية وبمكان كان خارج وصيته؟ لا يمكن فهم ما جرى مع الشعب المصري الا بأن تكون مصريا. فمن السهل علينا الكيل بمكاييل من يروج لهذه الجهة او تلك. الحقيقة ان هناك كره قد طفح عند موته، كما طفى تعاطف معه بكل تأكيد. لا يمكن لنا الا ان نترحم عليه الآن، ان تبقى في نفوسنا رحمة. ولكن كيف لنا ان نأخذ العبر؟

مخيف هذا المشهد للانقسام مع كل ازمة مجتمعية او إقليمية او غيرها، فئة تقتتل بشراسة وبعدوانية مطلقة ضد فئة أخرى وبالعكس. لا مكان لان نكون بالوسط. لا مكان للتفكير والاعتبار والاتعاظ. لا مكان للرحمة. اهو الظلم الكبير الواقع على الشعوب؟ لماذا ننتظر الموت لنتشفى، او لنتظلم؟

بينما ننظر لما يجري بمصر الآن، لا يمكن الا ان نحزن أكثر على حالنا الفلسطيني. فهم شعب على الرغم من صعوبة الحال عندهم على كافة الأصعدة الحياتية، الا انهم اطاحوا برئيسين بفترة لا تتجاوز السنوات المعدودة، وتجنبوا حربا أهلية كانت محتمة. بينما نحن لا نقوى على الوصول الى مرحلة تكون فيها الانتخابات ممكنة. بدأت بوادر الحرب الاهلية تأكلنا، وكأن الاحتلال لا يكفينا لينهش بنا. وكأن الانقسام بين شطري الوطن ما بين فتح وحماس لم يكف لخر قوانا. فالاقتتال الداخلي تعدى وجوهه الفصائلية والعقائدية وصار بداخل البيوت بين افراد العائلة الواحدة.

بينما يأخذ الله ودائعه بالموت، لا نعرف ان كنا سنحيي ليوم تكون فيه فلسطين التي نعيشها خالية من هذا الفساد المستشري. لا نعرف ان كان هناك لجنة تحقيق بفساد ممكنة بالفعل. لا نعرف ان كنا سنحيي ليوم يكون العدل فيها بالفعل ما نريده من الحكم. نغرق في فساد ينسينا اين نحن من هذه القضية. ينسينا من نحن على الساحة الدولية والإقليمية. ننشغل بتسجيل موقف مع او ضد مرسي. بين الترحم وإطلاق الشهادة. ولا نعرف عن تعقيدات امورنا الا عبارات يطلقها الرئيس بلا نية لتطبيق، مثل فتح ملفات فساد وتحريات بشأن رواتب، ودراسة إمكانية عقد انتخابات محتملة! تسريبات لا تنتهي لفساد بالمؤسسات السلطوية من الوزارات حتى السفارات. فضائح متراكمة. ولا عظة تؤخذ من موت.

لو كنت مكان أبو مازن وارباب سلطته لاتعظت مما جرى برحيل الرئيس المصري السابق محمد مرسي. لو كنت مكانه لفكرت بمن سيترحم على بالفعل ومن سيفرح من موتي ويتنفس الصعداء. بالنهاية فإن رئاسة الدول والشعوب امانة. ليست حكرا لإقطاع ما على قطيع.

من “جن” حتى “وطن ع وتر”: هل الدراما الهابطة بمعزل عن واقع المجتمع؟

من “جن” حتى “وطن ع وتر”: هل الدراما الهابطة بمعزل عن واقع المجتمع؟

 

Unknown-2

أتساءل لم تغضبنا هكذا مسلسلات؟ لماذا تثير الرأي العام بهذا الحجم، على الرغم من انها بالنهاية عمل درامي قد يعجبنا او لا، ولا أحد يجبرنا على المشاهدة. فللمشاهد الحق دائما بتغيير المحطة، وعدم الاشتراك بنيتفليكس.

قد يكون كل من مسلسل “جن”، كما مسلسل “وطن ع وتر”، وجهان لعملة واحدة.  يعكس كل منهما فيما يعرضه، ويقدمه، مشكلة نعيشها، ونرفض التعامل معها، او بالأحرى نتنكر لها.

نحن مجتمعات محافظة، محترمة، متدينة. هذا ما نريد ان نعرفه عن أنفسنا ونقره ونعيشه. نريد مسلسلا او كتابا يعكس لنا كم نحن عظماء. كم نعيش في فضيلة. كم هي اخلاقنا عالية ومجيدة. نريد مسلسلات تؤكد لنا تمسكنا بعاداتنا الحنيفة، وديننا العظيم، واخلاقنا الحميدة.

ولكن كيف لنا ان نفعل هذا؟

المسلسلات على الأقل، تجسد لنا رؤية درامية نستطيع ان نختبئ من خلالها، وراء فكرة انها ليست حقيقية. مجرد طفح خيال لكاتب ما، وجنون مخرج. نستطيع ان نهرب وراء المسلسل ونلوم المخرج والمنتج والممثلين. نستطيع ان نتنكر لما هو في المسلسل من أفعال لا نريد لها ان تشبهنا، ومن قيم تغيب عن ادعاءاتنا للقيم، ومن اخلاق منحلة لا نريد ان نكون موصومين بخللها.

ولكن ردة فعلنا تفضحنا. نجسد بها مبدأ “اللي ببطنه عظام بتقرقع”!

قبل مدة قصيرة اثير الرأي العام على مسلسل “وطن ع وتر”، لما فيه من مصطلحات نابية والفاظ خارجة، وسلوكيات سيئة الطابع. صياح وعنف وقلة احترام.

وفي اليومين الأخيرين، نسينا كل همومنا ومشاكلنا والمصائب التي تتهاوى علينا. نسينا فساد الحكومة والتسريبات التي كانت تشفي حس نميمتنا. نسينا صفقة القرن التي لا نعرف منها الا اسمها. نسينا المستعمرات والشوارع التي تشق من تحت ارجلنا وهدم البيوت والأسرى والشهداء. لم نتوقف حتى لبرهة امام محصلة خسائر مسيرات غزة يوم الجمعة. لم نهزأ من تصريح وزير ولم نتهكم من تسريب لفساد جديد. مررنا مرور الكرام من تصفية جديدة من قبل وزير المالية بمساواة ضريبة الدخل وتخفيضها الى ١٠ بالمئة بدل ٢٥، وذلك ليسهل حياة الأغنياء أكثر ويجعلهم أقرب واقعية ليربوا أبناء كما في مسلسل “جن”.

انشغلنا بمسلسل “جن” والقبلات التي رأيناها والكلمات النابية التي تم استخدامها، وانشغال مراهقي المسلسل بالجن.

كيف لكاتب عاقل ومنتج ومخرج وغيره ان ينشغل بهكذا تفاهات؟

كلنا هجمنا على مصدر المسلسل وشككنا بالنوايا وشجبنا بسخط الاقتراب من تاريخنا وعاداتنا وتراثنا واخلاقنا.

فنحن شعب لا نقوم بهكذا أفعال.

ابناؤنا بلور لا يخدش.

مدارسنا منابر للعلم.

بيوتنا مهد الاخلاق.

العالم كله يسير من تحت ارجلنا ويمر عنا ونحن لا نزال نرفض ان نتماهى مع الواقع.

ننبذ المدارس الخاصة\الاجنبية ونجوع أنفسنا من اجل ان يحصل أبنائنا على فرصة للتعليم بهكذا مدارس، لأننا نصبو الى حياة تشبه هذه التي رأيناها بالمسلسل. فالمدارس هذه لا توفر فقط لغة انجليزية تجعل الطالب يلوي لسانه بلكنة أمريكية وتعوج لغته العربية وترخيها لدرجة تشعر بأن لسان المتحدث وصل الى الأرض. ولكنها تقدم ما بين اللكنة الإنجليزية واعوجاج العربية طريقا اخر لا يمكن الا يمر به الطالب. طريق حافل بتجارب يخوضها الأبناء بلا رقيب ولا رفيق، الا ثلة الزملاء الذين يعيشون في فقاعة النخب التي ركزت على المال وما ينتج عنه من بيوت وسيارات ورفاهية حياة، تركت التربية للخدم في البيوت والمعلمين في المدارس.

هل تفاجأنا بأن الطلاب يتبادلون القبل؟ بأنهم يمارسون الجنس في عمر المراهقة؟ بأنهم يسكرون ويحششون؟

ماذا نعتقد عندما نترك ابناءنا في الحلقات الليلية من النوم خارج المنزل عند فلان وعلان. عندما نترك الأبناء لحفلات البيجاما والبونفاير واعياد الميلاد التي تبدأ عند منتصف الليل؟ مادا نتوقع؟

كم حالة حمل واجهاض عرفنا عنها في المدارس؟

كم نعرف كم تداول المخدرات بين طلاب المدارس؟

وهذا لا يقتصر على المدارس هذه التي خرج منها أبناء “الجن”. المدارس العامة لا تختلف اطلاقا، الا بالشكل الخارجي. فكم مرة نمر من طالب لا يتجاوز عمره ال ١٣ سنة (وفي حالات كثيرة أصغر بكثير) وهو يدخن امام باب المدرسة صباحا.

هلا سمعتم عن البقالات التي تبيع أنواع المخدرات الرخيصة بجانب بعض المدارس بين جود لاك وغيرها من مسميات؟ بيع السجائر فردية للطلاب؟

نعم هناك عالمان ينتمي لهم المجتمع بين نخب غنية وبين طبقة عاملة كادحة.

الكل ملهي بتوفير الأفضل لابنه ناسيا ان الأبناء يحتاجون الي تربية في البيوت.

لم يعد هناك حوار بين الاهل والابناء. الاهل مجرد صراف الي للابن الذي يريد ان يشتري ما رآه بالأمس مع زميله. والاهل يريدون توفير كل ما يستطيعون للابن لكيلا يعيش بحرمان او يشعر به.

والابن فعليا يعيش بحرمان أكبر من حرمان شح الأموال والمقتنيات بكثير، وعليه يعيش بوحدة مطلقة تجعله تدريجيا غريبا عن بيته.

هل تفاجأنا من استخدام الالفاظ النابية من قبل البنات والشبان في المسلسل؟ لندع التفاؤل لان معايير اللا والنعم التي نقدمها لأبنائنا حتى عمر الخمس سنوات تتغير. هؤلاء مراهقون يكبرون بلا رعاية حقيقية الا من المال.

احداث المسلسل بالرغم من كل ما يمكن ان يقال عن رداءة نص او حبكة درامية او تمثيل او غيره، واقعية للغاية، تحدث يوميا في مدارسنا الخاصة منها تحديدا. تلك المدارس التي تجعل الطلاب يعيشون في فقاعة استثنائية خاصة لهم، والامثلة نراها امام اعيننا.

في المقابل، باقي الشعب لا يختلف عما يبثه مسلسل وطن ع وتر، بلطجة وانعدام للذوق العام وقلة احترام للكبير والصغير.

صباح هذا اليوم تم حرق ٣ منازل في مدينة يطا بسبب شجار بدأ مع أطفال وانتهى لتبادل اطلاق نار من قبل العائلة المتشاجرة، أدى الى مقتل رجل خمسيني. ونستغرب قلة الاحترام التي يعكسها لنا عماد فراجين بأعماله؟

تزعجنا الكلمات النابية…. لنصحو قليلا وننظر حولنا. لنتطرق السمع قليلا لأبنائنا بينما يجلسون مع اقرانهم.

لنستمع قليلا لأبنائنا عن يومهم في المدرسة.

هل نعرف شئيا عن أبنائنا؟

هل نعرف مع من يتكلمون ومن يصاحبون ومع من يخرجون؟

هل نتحكم بأن نلمس اجهزتهم الخلوية؟

المشكلة ليست بهذه المسلسلات، المشكلة بنا نحن الآباء. نترك ابناءنا ونمسك بتربيتنا من خلال مقتنيات وتوفير فرص أفضل للمستقبل، ونترك تربيتهم للمدرسة والشارع.

فما الذي نتوقعه؟

نستغرب؟ نتفاجأ؟ نغضب؟ ونرمي جمام غضبنا على عمل درامي، ونلومه على افساد المجتمع؟

هذه المسلسلات تعكس واقع حقيقي معاش. ليس استثناء (مع الأسف)، ولكنه واقع يمر من تحت ارجلنا ونتغاضى عنه. نعرف جيدا اننا نعيش بمبدأ “ستر الله” بينما لا نعرف عن أبنائنا شيئا. لا نسمع، لا نتكلم، ولا نرى. نتغاضى طالما لم تقتحم مصيبة امان بيتنا.

هذه المسلسلات لم تفتش عمدا عن السلبيات وخرجت لنا بها. لم تفض علينا بما لا نعرفه، ولكنها اخافتنا. ضجت سباتنا. ارعبتنا. جعلتنا نفكر ماذا لو تسللنا الى سكون ابننا المراهق؟ ماذا لو فتحنا هاتفه، وماذا لو دخلنا المواقع التي يتابعها؟ ماذا لو حاولنا التكلم معه مساء؟ نحن اوصلنا أنفسنا لنكون اغرابا بالنسبة لهؤلاء المراهقين. يقفون ويقعون ولا ندري عنه الا إذا لم يسلم الله بستره.

المصيبة ليست ب “الجن” ولكنها بالإنس الذين يلبسون عباءات الفضيلة وهم عراة بداخلهم.

هل لنا ان ننظر الى أبنائنا ونتعلم من هذه المسلسلات الرديئة ونحسن من حياة أبنائنا؟

مسافة أمان…. بر الأمان للدراما السورية

 

 

في قرعة مشاهدة المسلسلات الرمضانية، كان الوقوع في فخاخ المسلسلات السيئة كثير الاحتمالات. وبالعادة، هناك ما يشبه العدوى في رداءة الاعمال وبالتالي توقعاتنا من مجمل الاعمال والحكم عليها عندما يصادفنا عمل ما. كانت الخيبات كبيرة بالفعل من الدراما السورية في مسلسلات كثيرة، باب الحارة، الحرملك، الهيبة، الكاتب، خمسة ونص الخوخ. الاسراف في استخدام البوتكس والمساحيق التجميلية وعمليات التجميل التي لم يعد المشاهد يميز الفنانة الا من خلال اسمها. المبالغة المفرطة في استعراض أدوات التمثيل وكأن المسلسل ورشة تدريب على الأداء والصوت. تحول المسلسلات الى مركزية النجم الساطع الذي قرر ان يكون الكوكب المهيمن ليطفئ فرصة أي سطوع لنجم محتمل.

التركيز علي توافه الأمور من شكل وتبرج ومواضيع اجتماعية. العنف المفرط واستعراض العضلات والتعري وسياقات درامية لسيناريوهات “مضروبة” بين فكرة اصيلة ومحاولات لتعريب الدراما الأجنبية في شكل بدا ممسوخا. تقليد للمسلسلات التركية او استنساخ سيء لأفلام ومسلسلات او قصص اجنبية في سياق عربي.

تساءلت وتوقفت امام فنانين وفنانات قدمتهم الدراما السورية على مدار العقود وكانوا بالفعل كوكبة بالفن الممتع والمقنع، وتحولهم الى ما يشبه المعروضات على الدكاكين الغالية. محزن ومؤسف ومزعج ما كان في الكثير من المسلسلات.

ثم شاهدت مسلسل “مسافة أمان” بعد الاصرار من الكثيرين، لأن المسلسل فيه ما اريد مشاهدته، او اعرفه عن الدراما السورية.

وبلا شك، كان مسلسل “مسافة أمان”، بر الامان الذي وقفت عليه الدراما السورية كما عودتنا عليه قبل الحرب، وفي وقت كانت تتصاعد بنجومية حقيقية ملأت الفضاء العربي بأحقية.

تساءلت كثيرا ان كان سبب هزلية المشهد الدرامي السوري الذي تردد علينا بمواسم رمضان الاخيرة، كان سببه خروجه الى خارج سورية. والجواب كان بلا شك نعم. وهنا كان التفتيت السوري بين محسوبية على فلان وضد علان. فلا يمكن فهم كيف يقوم نفس الفنان بأداء رائع في مسلسل “ًصنع في سورية”، ويقوم نفس المسلسل بدور مائع استعراضي فارغ الا من الاستعراض في مسلسل “صنع خارج سورية”، وقد تكون الحرب السورية السبب في هذا بلا شك. ولكن ما جرى هذا العام في استعادة الدراما السورية دورها من داخل سورية في مسلسل ك “مسافة امان”، أكد مرة اخرى غيابات الحرب السورية والايدي التي لعبت بها لتشوهها، فأعادتنا بمسلسل كمسافة امان الى مكان ترينا فيه الواقع من خلال ما هو عليه، بلا مبالغة، بحقيقة مرة يمكن تحليتها لطالما الانسان السوري يحارب من اجل الحياة، بكوادر سورية. فما شاهدناه كان لوحة متكاملة لفنانين تسابقوا وتنافسوا من اجل تقديم عمل أفضل. لم يكن التنافس مبنيا على من يمثل أفضل ومن يستعرض أكثر ومن يظهر أكثر. التناغم الذي رأيناه في الادوار كان ملحمة حقيقية في اعادة ما تعودنا على مشاهدته بالدراما السورية التي لقت رواجا فيما بعد بالقطر العربي كأنموذج للفن الدرامي. ولكنها مع الاسف سقطت في بقع النجومية والشهرة والنجم الاوحد.

بالإضافة الى اللوحات الدرامية المتناسقة والمتكاملة التي قدمها فريق العمل من فنانين وفنانات بداخل حوار في مجمله متماسك وحبكة جيدة للغاية. من الممكن القول ان المسلسل ربما احتاج لوقت أكثر من الحلقات ليقدم فيه الفنانين والفنانات مساحات أكبر من التعبير، ولكن مع هذا وصلت الاحاسيس بطريقة مقبولة في بعض الاماكن التي تطلبت مسافات أكثر من التعبير.

كان هناك عرضا عالي الجودة للفنانين والفنانات، المعروفين المخضرمين منهم والجدد. الكل كان نجما ساطعا في المسلسل. كل الادوار كانت ادوارا اساسية حتى تلك التي ظهرت لمرات محدودة.

لم يكن هناك مبالغة في اللباس ولا في المكياج. لم نر عنفا ضد المرأة في استعراض المسلسلات الاخرى. كانت المرأة السورية في كل اشكالها رائعة، قوية، تناضل من اجل التعامل مع الحياة في صيغتها الجديدة.

تجارة الاعضاء والسلاح والادوية. اغتناء نخب جديدة على حساب الدم السوري. وفي المقابل دفع الحق في وقت تغيب فيه القوانين ويعم الفساد وتنتشر الفوضى. عائلات تضيع وتفنى وعائلات تتفتت وتتشتت مأساة في قلب مأساة، وشعب يقاوم من جهة، وافراد تركب على موج انتهاز الفرص تشكل تهديدا دائما لأمن اي حياة.

توقعات مستحيلة، وقصص نرفض تصديقها بمجتمعاتنا الشرقية. من انفتاح احيانا، ومن كم الجرائم الممكنة احيانا اخرى. ونعم… كل هذا بعيدا عما يجري بساحات الحرب، ولكن بلا شك تتأثر بها.

مسلسل نقدي للواقع بين الاجتماعي والسياسي. غاضب احيانا، وناقم احيان اخرى، وفي معظم الاحيان يذكر الانسان منا بمحاولاته المستمرة في صراعه من اجل البقاء والتأقلم. عندما يصبح الهروب هو الامان الوحيد، وعندما يصبح الصمود في المكان انتحارا مؤكدا، نحتاج عندها الى هذه المسافة من الامان.

في كل مشهد كنت ارى نفسي مكان الشخصية، كنت ارى ابنتي، كنت اشعر بحمل الحروب الكبيرة التي تستمر بالتثاقل على اصحابها.

في كل مشهد كنت بحاجة للتوقف مع الذات، والتفهم احيانا والغضب احيانا اخرى.

في كل مشهد كنت اقول لنفسي، اريد ان اعرف اسم هذه الممثلة وهذا الممثل.

في نهاية المسلسل، شعرت بمسافة امان ممكن ان ترجع سورية الى ما هي بالفعل عليه. لسورية ام الحضارات وحاضنتها. سورية التي تستجمع نفسها بإصرار وهي لا تزال قابعة بمآسي الحرب والمؤامرات عليها.

الفنانات سلاف معمار، كاريس بشار، نادين تحسين بيك، وفاء موصلي، حلا رجب، هيا مرعشلي، سوسن ابو عمار، لين غرة.

الفنانون قيس شيخ نجيب، عبد المنعم عمايري ايهاب شعبان، جرجس جبارة، وائل زيدان، انس طيارة، جلال شموط، خالد القيش، واخرون.

الفنانة شكران مرتجى بصوتها في كل حلقة.

المخرج ليث حجو، الكاتبة ايمان سعيد.

تهم الفساد بين الحقيقة أو التلفيق. ورد السلطة بين الصمت او التهجم . الى متى؟

تهم الفساد بين الحقيقة أو التلفيق. ورد السلطة بين الصمت او التهجم . الى متى؟

 

 

في كل يوم تسريب جديد لفساد سلطوي. مضاعفة رواتب وزراء، استحقاقات ايجارات، وتعيينات بسفارات، وملف تحقيق فساد، وتكاليف زراعة شعر مسؤول كبير.

أمام كل هذا تتم صفقات تسريب العقارات في القدس وتنتهي بمصائب ستنهي تاريخنا في المدينة المقدسة وتجعلنا مجرد اثر كما للحجارة اثار. وضم تلقائي للضفة بتزايد لوحدات استعمارية أخرى، وتحويل الحواجز الى معابر حدودية رسميا، وهدم بيوت على عينك يا تاجر، واجتياحات علنية وشبه يومية، واعتداء وصل إلى استهداف مركز الامن الوقائي. الاعتقالات حدث ولا حرج، والتطبيع العربي في أوجه، وصفقة القرن تتم اقتصاديا والسلطة في ذيل الصفقة.

بين الشجب والندب من طرف الشعب ضد الفساد المستشري بالسلطة، وبين ذلك الذي تقوم به السلطة بينما تيتم تصفية القضية بمهزلة لم يعد للسلطة حاجة الا وجودها في مناطقها المحدودة، مؤقتا ربما، او لمرحلة يحتاجها الاحتلال قريبا سيكون الفلتان الأمني فيها سيد الموقف.

بينما يمكن القول ان السلطة لم يعد لها أي قوة في الساحة الدولية والإقليمية من حيث التأثير على توجيه البوصلة نحو أي عدل فلسطيني، وبالتالي التصدي لجبروت الاحتلال وهجماته المتعددة الاتجاهات، فبالنهاية ما يجري على الساحة السياسية التي تخرج في حدودها عن مقاطعة رام الله ليس بغريب بعد ثلاثة عقود من مفاوضات رجلها واحد من قبل الفلسطينيين. ليس بغريب والامن الإسرائيلي هو المعضلة الأساسية لقوام السلطة الفلسطينية بالنسبة لرئيس السلطة الفلسطينية وبالتالي قوى الامن بأجهزته المختلفة. وليس بغريب والنزاع الداخلي ما بين حماس وفتح صار اهم بكثير من الاحتلال نفسه بالنسبة لشقي النزاع، ورجل المصالحة لا يريد مصالحة.

لا غريب بما يجري بالساحة السياسية الفلسطينية لأن من يمسكون زمام الامر صارت فلسطين بالنسبة لهم مصلحة فردية، شركة خاصة، مشروع عائلي، وأكبر اعداءهم بعد الحزب المنازع، المنشق من الحزب المسيطر. فالولاءات للأشخاص على حساب فلسطين والفلسطينيين. منذ صار الانسان من هؤلاء من قبل تابعيه “بحجم الوطن”. وكم من اشخاص صاروا اوطانا، بينما يضيع الوطن لعدو حقيقي لم ينته عن كونه احتلال لا يتوانى عن تصفيتنا بكل ما اوتي من إمكانيات، لنأتي نحن ونقدم له خدمات مجانية بانهياراتنا الداخلية وفسادنا.

ما يجري من تسريبات للفساد على مختلف الأصعدة، وعدم رد السلطة من قبل كل صاحب موقع رد بالطريقة الرسمية والجدية والتي تتناسب مع احترام الشعب، يزيد فقط من الطين بله. فمن غير المعقول ان يخرج علينا رئيس الوزراء بتحضيرنا من اجل جولة تقشف قادمة وتخفيض أكبر للمعاشات، بينما تتأكد تسريبات مضاعفة زيادة رواتب الوزراء وتتسرب وثائق لبدل الإيجارات بمئات الالاف من الدولارات بعد الزيادات المضاعفة، ولا نسمع منه كلمة واحدة بهذا الشأن، سواء تبرير او حسم للأمر او ربما الاعتذار للشعب الذي مل من تلقي هذه الضربات. بينما يموت جوعا من اجل وزراء ورجال سلطة. إذا ما صحت الأرقام التي يتم تداولها عن رواتب رجال سلطة تتعدى عشرات الالاف من الدولارات للشخص الواحد من صندوق استثمار، لبنك مركزي، لرواتب أعضاء المركزية، وغيرها، مقابل المغالاة فيما يتم تسربه او اشاعته لرواتب السفراء والدبلوماسيين، فهذا سيجعل الانسان الفلسطيني المتضرر من خفض راتب وخصمه وقطعه أكثر مقتا وبالتالي كرها وحقدا لكل ما تمثله السلطة. فهذه المغالاة في المبالغ التي يتم صرفها على حساب الشعب، تزمنا بطبيعة الحال مع إعطاء الفرص لأبناء واقارب وذوي واهل وجيران ومعارف اهل السلطة، يضع الانسان على فوهة بركان ستتفجر لتحرق الأخضر واليابس قريبا.

اخر التسريبات تتعلق بالسفارات، هولندا تحديدا. الحقيقة انني توقفت كثيرا لأفكر بكم مما قرأت كان صحيحا. وكم تصبح الحقيقة كذبة بلحظة يتم المبالغة فيها. كم من السهل الاتهام والطعن، وكم من السهل تلفيق الحقيقة وتضخيم الأمور واخراجها من سياقها.

ولكن، لأننا لا نعرف أي شيء، فلا وزير خارجية يخرج ليفسر لنا لماذا وكيف يتم تعيين الدبلوماسيين؟ فالقصص التي نسمعها مؤسفة، محزنة، ومجحفة بحق سمعتنا كفلسطينيين. ومع هذا لا نسمع أي تعليق رسمي بأي شيء.

قامت احدى الشخصيات التي تم ذكر اسمها واسم عائلتها من اب وام وزوج وعم كمثال لفساد السلطة والتعيينات العائلية، بنشر مقال تقول فيه انها تريد رفع دعوى امام النائب العام ضد من سرب ما سرب من انباء عن هذه التعيينات. عندما قرأت ما نشرت السيدة تعاطفت لوهلة، وفكرت انه من المحزن ان نصل الى هكذا وضع ولم يعد فيه أي مكان للثقة، والكل يشهر بالكل. وبينما بررت السيدة مناصب فعلية لعائلتها لاستحقاقهم مناصبهم من وجهة نظرها، وربما بالفعل هم مستحقين لهذ المناصب، تمسك بحقها بتكذيب ما تم تداوله من مبالغ، وكذلك بالنسبة لمنصبها هي بالحكومة.

بين المبالغة فيما تم نشره عن هذا الموضوع، وبين تمسكها بالظلم الذي وقع عليها بسبب هذه المبالغات، تبقى هناك حقيقة واحدة، هي ان الفساد هو سيد الموقف.

الفساد ليس برقم مالي كبير او صغير. الفساد يبدأ في كل لحظة لا يتم فيها الالتزام بما توجبه القوانين واللوائح والمعايير والمقاييس المطلوبة. وهذا بديهي في وضع لا يوجد فيه جسم يضع المعايير للسلطة ممثلا بمجلس تشريعي.

ان غياب الانتخابات هو المأزق الحقيقي الذي وضعت السلطة نفسها به، ولم تعد تستطيع الخروج من هذه الورطة.

فساد يغطي على فساد، والنتيجة هي تفشي لرائحة كريهة، تجعلنا كلنا شعبا وسلطة في نفس الهاوية، نمزق بعضنا اربا. نخون ونتهم ونقتل ربما.

وصلنا الى مرحلة صارت السلطة بالفعل ترفع القضايا ضد الشعب مقابل فتحه فمه وتفوهه بأي حقيقة.

من حق الشعب يا سادة ان يتساءل ويسأل ويطلب التوضيح. ومن حقه البديهي ان يطالب بالتحقيق ومحاكمة الفاسدين والمنتهكين. ومن واجب السلطة الجواب مساءلة ومحاكمة من له ضلوع بأي تقصير او انتهاك او فساد.

ولكن ما يجري الآن ان الشعب يسأل، والمسؤول يحاسب الشعب على سؤاله.

والعجيب ان رأينا المشهد يتكرر في سياق متتالي منذ بزوغ مسألة الرواتب. فبدلا من ان يقدم رئيس الوزراء او وزير المالية جوابا للشعب، اعتذارا، انسحابا، اي شيء. قام وزير سابق بتبرير وشرعنه ما جرى، وكأنه حق الوزير على الشعب بأن ينعم هو بينما يموت الشعب. وبينما تطالب الناس بالمساءلة وبالمكاشفة، قام وزير المالية بحجب تقرير الرقابة المالية التي يفترض ان يكون مفتوحا امام العموم. وفوق كل هذا تخرج أصوات تندد بالسؤال وتتهم الشعب بالتواطؤ ضد السلطة وخدمة اجندات اجنبية!

بينما تصرفت وزيرة المرأة تصرفا جعلت شخصها الاعتباري يبدو وكأن الوزارة شأنا عائليا بصورة بدأ فيها تعليق الناس مزحا خفيفا، حولت الامر الى ما كان اشبه بالمناكفة والندية بينها وبين الشعب وصل بها الامر الى المعايرة بين من هو أكثر تعفرا بالأرض وبين من هو الأكثر شرفا.

وبينما انتظرنا ردا لاتهامات لجنة الفساد بشأن وزير اخر للرئيس، تم اعتقال من نشر الوثيقة وطعن بصحتها.

وبينما توقع الانسان الطبيعي رد وزارة الخارجية على التعيينات العائلية وتفسيرها وتوضيح ما هو صحيح منها وما هو مبالغة، قامت ابنة الوزير برفع رسالة تهدد فيها باللجوء الى المدعي العام، وتعرض تظلمها وتبريرها بتأكيد ما نسب من تعيينات عائلية.

أي مدعي عام ستذهب اليه السيدة صاحبة الحق في اللجوء الى القانون؟ هل هو المدعي العام الذي تمت اقالته بعدما تم التأكد من عدم ايفائه لشروط التعيين بعد سنوات من الخدمة؟

لأي لجنة مكافحة فساد تستطيع ان تذهب وتشتكي على الشعب الذي اتهمها؟ اهي نفسها اللجنة التي قد تنكر وتتنكر للشكوى إذا ما طرأ أي طارئ.

من المؤسف ان يتحول صاحب السلطة الى اقطاعي لا يرى من الشعب الا رعاة يمكنه الدعس عليهم.

لقد سمحنا ان نداس من اجل ان يكون لنا وطن…. ولكن هذا الوطن انتهى ليكون افرادا لا يعنيهم من الوطن الا الأموال التي يضخوا بها في جيبهم من دماء وحياة هذا الشعب.

ما الذي يريدونه من الشعب؟ عليهم ان يحمدوا الله ان الشعب لا يزال يرى الاحتلال عدوه الوحيد. ويستكثرون على الشعب السؤال؟ عليهم ان يحمدوا الله اننا حولنا الامر الى نكات نضحك عليها ، ونميمة خفيفة نتسلى بها.

الى متى….

سيأتي يوم يهلل فيه الشعب زوال هذه السلطة إذا ما استمر الوضع على حاله.

اما من عاقل في هذه السلطة يرشدهم الى طريق انتخابات تشريعية فورية، لعل وعسى تضخ دماء جديدة ترجع ما تبقى من ثقة، ان بقي.. لهذه السلطة، لعلنا نستعيد ما يمكن اعادته من وطن. وطن لم تعد الأرض حدوده، بل الانسان الفلسطيني الذي لا يزال ينبض من اجل ذاك الوطن البعيد.

 

 

وزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” من باب العامود إلى تلول أبو العلايق. أين الوزارات الفلسطينية من ذلك؟

 

لا بد ان الجميع سمع عن باب العامود. أحد أبواب القدس القديمة الرئيسية، التي تشكل مدخلا حيويا للبلدة القديمة.

وإذا ما ذهب أحدكم الى اريحا، لا بد انه لاحظة إشارات عديدة تابعة لوزارة السياحة والآثار الفلسطينية تدل على تلول أبو العلايق (قصور هيرود) عند المدخل المؤدي إلى وسط أريحا (عند الدوار المقابل للجامع الكبير).

ولأننا منغمسون حتى أخمص أقدامنا ” المتعفرة” بتراب العيش، من الصعب علينا عمل أي ربط لما يجري. فتوقعاتنا لا تخرج عما تراه اعيننا. وردة فعلنا تنتهي بعدما ننتهي من التعبير عن انفعالنا، سواء بالاندهاش او الغضب او الحيرة او التظاهر إذا ما كان الامر قد وصل الى الحضيض وبالتالي صار صرير الاحتكاك مع اقدامنا أكثر “تعفرا”.

بعثت لي صديقة صباح اليوم نداء لمراسلة تلفزيونية فلسطينية تتساءل فيه عما يجري من خطط إسرائيلية لمنطقة باب العامود، حيث ان عمال الاحتلال التابعين لبلدية الاحتلال قد عزلوا المنطقة المجاورة لباب العامود والتي تؤدي الى باب الساهرة – شارع سليمان- حيث هناك حدائق على حواف الطريق التي يتوسطها مغارة سليمان ويتاخمها سور البلدة القديمة. عندما استفسرت المراسلة من العمال عن الموضوع، قالوا لها انهم ينوون تجديد الحديقة. وتساءلت المراسلة بطبيعة الحال عن نوايا بلدية الاحتلال فيما تخطط له.

وقبل البدء بطرح بعض التفسيرات “العلمية” لما تقوم به بلدية الاحتلال، تساءلت عن دور وزارة القدس، والاوقاف، والمحافظة عن ذلك. ما الذي يفعله كل هؤلاء ( المسؤولين)  في القدس، بينما تجول بلدية وقوات وسلطات الاحتلال بالمدينة وتصول؟

الجواب الفوري سيكون: ما الذي يستطيعون فعله؟ على الرغم من ان سؤالي ليس هذا؟ سؤالي ما الذي ينوون فعله؟ مشكلتنا اننا نتصرف بالأمر على طريقة المغلوب على امره، وعندما تقع الواقعة لا يأتينا الا أجوبة مصدرها العمال لتصبح هي الحقيقة العلمية التي نبني عليها ردة فعلنا. وهنا ما تقوم به الوزارة والمحافظة والاوقاف لا يخرج عن ردة الفعل، مثلنا! قد تكون هذه أكبر مآسينا في عدم تقصي الحقائق وتقفي أثرها. قد يكون ما تقوم به بلدية الاحتلال مجرد تجديد وتأهيل للحديقة بالفعل، ولكننا نعلم جيدا وشعورنا يسبقنا دائما بأنه لا يوجد ما هو فعل خير خالص من قبل الاحتلال تجاه المدينة وبالتالي تجاه تقديم خدمات أفضل لسكانها العرب.

بالحقيقة، ان الاعمال بالحديقة ليست هي الفعل المخيف الذي تنوي بلدية الاحتلال زيادة البطش في المدينة من خلاله، بالضرورة، الا انه قد يكون جزء من مشروع قد تم بالفعل ولا أحد يلاحظه. ما يريده الاحتلال الإسرائيلي  في باب العامود ومنذ سنوات هو تنشيط المكان سياحيا من اجل الإسرائيليين والأجانب، ليكون بالمستقبل، مكانا أكثر حيويا من الناحية الأمنية وبالتالي يصبح تدريجيا اقل حيويا من الناحية التجارية للفلسطينيين. وما يجري بالفعل هو خطة تجديد لمتحف باب العامود المتواجد تحت المدخل الرئيسي لباب العامود المتداول، فهناك تحت باب العامود، بابا رومانيا تم افتتاحه بالثمانينات، وافتتح به متحفا صغيرا لم يلق الكثير من الزيارات. وما تحاول سلطات الاحتلال عمله الان، ضمن خطط تطوير القدس “الكبرى” هو إيجاد طرق تحول به المكان الى معلما سياحيا من خلال متحف روماني بآثار تدعو اليها السائح الأجنبي والإسرائيلي، كما حصل في “قلعة داهود” في باب الخليل (المقابل للفنادق التي تم بيعها لجهات استيطانية من قبل البطريركية اليونانية)، وما يحصل تتابعا في طريق الواد المؤدي الى المسجد الأقصى من الاستيلاء على عقارات الى جانب (بيت شارون) وصولا الى الأقصى (كما حصل في العقار الذي سربه العطاري وعقل).

وإذا ما قررنا التسليم ان لمرافق السلطة الفلسطينية من وزارة ومحافظة واوقاف إسلامية لا حول ولا قوة في منطقة خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، بالتالي يجعلنا نفكر لماذا اذن على الفلسطينيين تحمل تكاليف أخرى لحقائب ومناصب لا فائدة منها (وهذا ليس موضوع النقاش)، لنعرج نحو أريحا ونسأل نفس السؤال في منطقة ترى العين فيها حكما فلسطينيا ووزارات فاعلة ومحافظ له السيطرة على المكان “النظيف” افتراضيا من إسرائيل.

في منطقة تلول أبو العلايق، وهي منطقة تقع فيها مناطق

(ب) و(ج). موقع تلول أبو العلايق بقي في المنطقة (ج) لأن إسرائيل اشترطت بقاؤه فيها بأوسلو، ويبدو ان المفاوض الفلسطيني لم يعبأ كثيرا للأمر. ما يجري في تلول أبو العلايق هو سيطرة مطلقة لوزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” التي انتهت للتو وبعد عدة سنوات من ترميم وتأهيل موقع قصور هيرود (الحشمانيئيون). عندما تصل الى المكان (بصعوبة) تجد لافتات كتب عليها باللغة العربية والعبرية والإنجليزية عن المكان في لوحات تفصيلية مختلفة. ولأن السلطات الإسرائيلية لا تزال مختلفة فيما بينها على  الجهة التي ستكون مسؤولة عن الموقع، فلم يكتب على اللافتات لمن يتبع هذا الموقع (بعد).

عندما تدخل اريحا ترى ان وزارة الاثار والسياحة الفلسطينية تدعوك لزيارة المكان (الذي من الصعب بالفعل ايجاده بالرغم من تعدد الإشارات وكبر مساحة الموقع).

بعد انتهاء وزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” والتي رصدت ٢ مليون دولار من اجل ترميم الموقع، قامت السلطات الاسرائيلية خلال نفس الفترة بترميم شارع لتسهيل الوصول الى المكان للسائحين الإسرائيليين، ولقد تم افتتاح رسمي للشارع قبل أسابيع قليلة حضره جموع من المستوطنين والمسؤولين من وزارة القدس والتراث “آلاسرائيلية” والاحتفال بالانتهاء من ترميم الموقع الاثري.

ما ينوي الاحتلال الإسرائيلي فعله بالمستقبل القريب، وهذا لا يحتاج للكثير من التحليل والتمحيص لمعرفته، على الرغم ان البنية التحتية ي اعداداتها واضحة لذلك، هو فتح شارع يصل مع مستعمرة “ميتسبيه يروحو” المتواجدة على مدخل اريحا (مقابل الكازينو والانتركونتيننتال)، وطبعا وصل الشارع مع المستوطنة المتواجدة على وادي القلط في طريق اريحا.

من الجدير قوله ان الشارع الذي سيتم فتحه سيمر من السجن المهول التابع للسلطة الفلسطينية بالمنطقة.

عندما حاولت ان استفسر من الناس الذين يسكنون بتلك المنطقة، كما فعلت المراسلة مع العمال، قيل لي ان هذه المنطقة كلها تسمى سفيكا (اسم عبري) وتعود ملكيتها كلها لليهود، ومن اجل هذا في كل مرة يتم البناء تدخل الاليات الإسرائيلية لتهدم، ولا يقترب أحد من السلطة الفلسطينية منهم في كل مرة يدخلون معدات بناء وغيرها. طبعا الرجل الذي سألته لا يعرف عن وجود تلول أبو العلايق الا الإشارات المتعددة على الطريق الى بيته، ولا يهمه من الاليات الإسرائيلية المتعددة الاستخدامات التي تجول بالمنطقة بلا مراجع ولا محاسب الا انها (صاحب حق امام الفلسطينيين الاخرين الذين ينهبون يستولون على أراضي ليست لهم- لسفيكا)!!!!!

عندما تبينت الامر من مصادر متطلعة على انتهاكات إسرائيل في الآثار بالأراضي الفلسطينية، تأكدت من مصدري (وهو باحث اثار إسرائيلي يرصد انتهاكات دولته في الأراضي الفلسطينية) من انه لا يوجد أي ملكية فردية ليهود في هذه الأراضي – وان الخطة الواضحة هو وصل الموقع الاثري الحالي مستقبلا بالمستعمرات المتاخمة.

ليس من الصعب تصور ما هي الخطة القادمة التي ستؤول عليها المنطقة: النبي صمويل غرب القدس، الهيروديان في قرى غرب بيت لحم (عصيون)، سبسطية شمال غرب نابلس، قبة راحيل ببيت لحم، قبر يوسف بنابلس، والكثير غيره مما نراه ونعيشه وصار واقعا مفروضا، وكثيرا ما صار واقعا مشرعنا من قبلنا.

يبقى سؤالي المحوري والاساسي، اين دور السلطة الفلسطينية ممثلة بوزارة السياحة والاثار ومحافظة اريحا مما يجري في تلول أبو العلايق؟

هل تم الترميم بالتنسيق والموافقة معهم؟ وأين الشعب مما يجري حوله؟

ثم نتساءل كيف وصلنا الى هنا…. تضليل للحقيقة ومسح للذاكرة وتغيير للجغرافيا يجري من فوقنا ومن تحتنا ومن حولنا.

ويبقى سؤال “خيالي” يغمغم على مخيلتي، لماذا تقوم وزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” بالترميم والتطوير في أريحا؟ أهذا يقع ضمن توسيع رقعة استيطان المدينة لمشروع قدس كبرى تصل الى “متسبيه يريحو” التي ستتوسع حدودها الى قلب أريحا تدريجيا؟ ….. كما التف الحبل على عنق القدس القديمة بتهويد ممنهج يبدأ من حائط البراق (باب المغاربة وسور الأقصى) ويمر بمدينة داهود (سلوان) الى قلعة داهود (باب الخليل) الى متحف (العامود) باستراحة عند مغارة سليمان؟ ثم يمتد الى قبر شمعون الصديق (الشيخ جراح) ويلتف نحو جبل الزيتون والطور ليمتد من العيساوية الى عناتا فحزما الى أريحا؟

يبدو ان المشروع الصهيوني تطور عن فكرة الدائرة الغلافية بضم معاليه ادوميم فقط وجبال اريحا المؤدية الى البحر الميت وامتد الى داخل أريحا مرورا بوادي القلط!!

من البطريركية الى الاوقاف، غياب المحاسبة وتغييب الوعي..وكلنا في المتاجرة بالوطن شركاء

من البطريركية إلى الأوقاف، غياب المحاسبة وتغييب الوعي.. وكلنا في المتاجرة بالوطن شركاء

ما يتم تداوله من أخبار عن تسريب عقارات تابعة للبطريركية اليونانية في قلب القدس، ليس بخبر جديد. البيع حاصل منذ سنوات، والمحاكم بين الجهات الاستيطانية التي اشترت العقارات والمستأجرين تقف وتتحرك في نفس المحطات منذ أكثر من عشر سنوات. في وقت كان من الممكن انقاذ الموقف، تخلت السلطة تماما عن مسؤوليتها في مساءلة ومحاسبة من كان يقف وراء هذه التسريبات. تكاثرت الأحاديث والاقاويل والشائعات حول تسريب العقارات التابعة للكنيسة وكان المتهم واحد، ومعروف، ومع هذا استمر هذا الشخص على رأس منصبه وفي أحد أزمات الفضيحة الخاصة بالبيع قبل وقت ليس ببعيد، كان الرجل يجلس كضيف شرف على كرسي المجلس الوطني الفلسطيني والاحتفاءات الخاصة بالسلطة في ارفع اماكنها. دعوات شرف على ولائم واستقبالات وتكريم. شخص بعينه كان مسؤولا عما جرى، ولم تجر بحقه أي مساءلة، على العكس تماما، وقف هذا الرجل جنبا الى جنب بصور كثرة مع الرئيس.

فلماذا نتكلم الآن؟ بعدما حصلت الجهة الاستيطانية على امر اخلاء؟

البيع تم والأموال وزعت وصرفت بين المنتفعين من باعة الوطن، سواء كان هذا الخائن يلبس عباءة دين ما او عمامة دين اخر او زي سلطة.

تسريبات العقارات بين تلك التابعة للكنائس وتلك التابعة للأوقاف تدق على أعمدة حمت القدس من التهويد الصهيوني على مدار احتلال المدينة. كان الانسان الساذج من أمثالي على يقين ان الاعمال الفردية لمن يبيع حصة في منزل او يزيف توقيع لتنازل او يقبض خلوا ويسلم، ستبقى في إطار الفردية ولن نتأثر طالما تتملك الأوقاف والكنائس المباني الأساسية وما يرافقها من مساحات وما يتبعها من منازل ومرافق.

ولكن الموضوع في مصيبته لا يتمثل في فرد خائن بعينه. ما يجري يؤكد ان منظومة الفساد في هذا الشأن جمعية. لا يمكن لفرد بعينه ان يتحكم ببيع هذه العقارات. وهنا الطامة الكبرى.

مما يواسينا بالعادة هو فكرة ان من يقوم بهكذا اعمال خائنة هو فرد. ولكن ما يجري او بالأحرى ما يتكشف لا يمكن لفرد ان يقوم به. هناك منظومة فساد كاملة في الكنيسة المعنية كما في الأوقاف، مترابطة مع السلطة في مركبها العام.

لا يمكن لفرد ان يتواطأ لوحده مع الجهات الاستيطانية. ولا يوجد مؤسسة او جهة لا تتبع بطريقة ما وبجزئية ما بشرعية وجودها بالمدينة للسلطة.

من السهل السب واللعن على الشخص المسؤول بالعلن امامنا. خرج الناس في مسيرات وتظاهرات ضده وطالبوا بإقالته منذ أعوام وتكرر الحال مع كل تكشف لتسريب يدمي القلب عند اكتشافه. ومع هذا، بقي الرجل في منصبه وحافظ على شرعنة وجوده. هل هذا يقول لنا شيئا ما؟

الحقيقة ان الأمور واضحة، فنحن نعيش بداخل منظومة فساد عفنة متكاملة.

ماذا تبقى من القدس إذا ما كان “حاميها حراميها”.

نكتب ونعترض ونخرج في بيانات ومسيرات ومظاهرات ولا سامع لمن ينادي، وكأنهم يعرفون ويفهمون تمانا ان اصواتنا خاوية لا تقدم ولا تؤخر، وراس مال عوائنا عدة أيام قبل ان يشغلونا بتفاهة ما لبضعة أيام أخرى وهكذا هو حالنا على مدار عشرة سنوات على الأقل من المشاهدة اليومية لضياع المدينة من هدم بيوت ومصادرات وترحيل واخلاء على مرأى وشهادة السلطة.

الملايين ضخت من اجل حماية العقارات، والنتيجة ان ملايين ضخت في المقابل في جيوب بائعي الوطن من هؤلاء الخونة وها نحن نجلس على عروش خاوية.

من الواجب الان النظر الى الامام، فيما يمكن إنقاذه قبل صفقة بيع او تسريب أخرى قادمة.

من السهل القول ان تبعية بعض الكنائس الى جهات خارجية، فاللوم اليوم كله على البطريركية اليونانية، وهكذا يمكن الادعاء ان المسؤول عن هذا يجلس في اليونان. وهكذا الامر لكنائس كثيرة أخرى. مع العلم ان هذا الامر مجزوء، لان السلطة هي المسؤول الحقيقي عن وجود أي جهة لأن المرجعية للسلطة.

والامر نفسه بالنسبة لموضوع الأوقاف.

لم اعد أتساءل لماذا لا تحرك السلطة ساكنا عن هذه الأمور. بالأحرى هذه الفظائع والجرائم بحق هذه المدينة. لأن المدينة تتسرب امام اعيننا. فهل هناك أكثر ذلا من ان يجول المستوطنون والجنود بساحات الأقصى هكذا؟

ننتفض للحظات، لساعات، نملأ نشونا بدماء شهيد يجعلنا أكثر وطنية، ونردد شعارات لاحتلال نريد اسقاطه، نعلم جيدا اننا جميعنا جزء من بيع هذه المدينة.

كل ساكت، كل يائس بعبارة ” ما هي مبيوعة” او ” ما الموضوع مخلص من زمان” او ” ما هو فلان وفلان باعوا”، او ” ما هي السلطة باعت وبتبيع ومتواطئة”. لأن الحساب يبدأ من عندنا، ولكن صار معروف لديهم بأننا سنردد بعض الاحتجاجات ليومين او أسبوع وننتصر لأنفسنا وننتهي بنشوة زائفة لسنوات ونلتهي بتفاهة ما لا محال.

إسرائيل نخرت في نفوسنا، وصار بيع العقارات وتسريبها والاستفادة منها تجارة، الشاطر منهم هو من يأخذ منفعة ما.

قبل شهر اثرت موضوع بركة البطريرك. لم اسمع تعليق ولا تصريح ولا بيان من الأوقاف او السلطة او أي جهة متورطة أو مسؤولة (لن اذكر اسم الجهة المسؤولة الأخرى لكيلا اتهم باني اشخصن الأمور- لأننا صرنا هكذا، نتبع دائما في مواقفنا لجهة ما، لا يوجد ما هو فعل خاص للوطن، الكل يحمل اجندة فيها مصلحة يستفيد منها من جهة ما).

التواطؤ بلغ لمرحلة صار فيها كل ساكت شريك في هذه الجرائم.

لن يرحمنا التاريخ بينما أضعنا هذه المدينة المقدسة وعيوننا تنظر.

لن يغفر لنا الله أيا كانت وجهة ايماننا به بينما نتاجر في أماكن خصصت في سبيل عبادته.

حان الوقت ان نرابط إذا ما أردنا ان نبقي لفلسطين درة تمثلها، ليس بالهرولة للحظة وراء تكبير يريد المنادي به إحلال صفقة ما او تفريغ غضب ما. إذا لم نحارب هؤلاء بمقاطعتهم ونبذهم وفضحهم واخراجهم من بيننا فلن تقوم لنا قائمة.

في كل مرة نعرف ان فردا ما او جهة ما او مؤسسة ما او أي كان ما.. ضالع او ساكت او متواطئ بصفقات تسريب أيا كان شكلها، فنحن شركاء.

العطاري باع العقار ولم نسمع لهذه اللحظة كلمة عن محاسبته، بينما يجول ويصول ويخرج ببيانات.

عقل باع وسلم كتسليم أسرى الحرب لأمريكا، ولم نسمع تعليق او تبرير او نية لتحقيق.

الأوقاف تؤجر وتجير لبلدية الاحتلال وسلطاتها الاستيطانية ولا يبذلون الجهد حتى للتوضيح.

ليس لأنهم كفروا ففجروا ففسدوا، ولكن لأننا سكتنا عنهم ولا نزال نعطيهم شرعية.

ربما حان الوقت ان نتوقف عن الذهاب لدور العبادة ونقاطعها حتى تتنظف من هؤلاء.

%d bloggers like this: