الياس خوري يسطع بنجمة البحر

الياس خوري يسطع بنجمة البحر

Unknown

انتظرت الجزء الثاني من رواية الاديب المبدع الياس خوري بشغف حقيقي. فالجزء الأول من أولاد الغيتو -اسمي ادم- ترك القارئ مع فضول ما جرى بحياة آدم قبل أن يأخذ حياته بنيويورك. بين الحبكة التي تربط القارئ بحرفية ونهم، وبين الوقفات الفلسفية والربط الادبي الواسع المدارك بموضوع الموت والحياة. البطولات والرموز. الانتصارات والهزائم. تبقى القصة المركزية حاضرة بقوة “الغيتو”، وفعل الذاكرة بحياة الانسان وتأثير الأطلال وقوفا بتجليات “الست”..

في الجزء الأول كان أولاد الغيتو هم أبناء اللد. في الجزء الثاني يخرج ابن غيتو اللد ليناور او ليحتال بأن يكون نسبه الى الغيتو الاخر. بين كل هذه التشابكات، يدخلنا الاديب الرائع بمتاهة أخرى توصلنا احيانا نحو بطل الرواية ادم، وأحيانا أخرى نحو كاتب النص، فيلهينا بين ما يقوله ادم وما يريد ان يقوله لنا كاتب النص، الى ما يريد ان يقوله لنا الياس خوري.

وان كانت هذه الترابطات في متاهة الغيتو لا تكفي، يمسك النص الادبي بالقارئ ليفكر، ما الذي أراده الكاتب. لمن كتب هذه الرواية؟ في لحظات كثيرة، وبينما اصابني الإحباط بما يمكن ان يكون تعاطفا مع فكرة الضحية التي كانها اليهود قبل النكبة، وبين فكرة ما أراده الياس خوري للنص ان يكون. راودتني فكرة ان كاتب النص هنا كان يجب ان يكون عاموس عوز او أ.ب. يهوشع، فيما أراده للكاتب التائه ان يكون. “مناحيم هو الكاتب التائه الذي حل محل اليهودي التائه. هذه هي الصورة الأدبية الباهتة التي رسمتها شخصية مناحيم وهي تستعير بقايا الادب الوجودي الفرنسي، كي تجد عبره صلة وصل بالغالوت اليهودي الذي هو حالة وجودية لا يمكن لأي استعارة أدبية ان تملأ غيابها.”

التيه الذي يصفه الياس خوري بأعمال عوز ويهوشع، يؤكد ما يشعر به كل من قرأ لهذين الاديبين المتأثرين بالأدب الوجودي، ولكنه لم يفهم المغزى الوجودي الكامن خلف حجب الفلسطيني وتحويله الى ظل لرغبة الإسرائيلي. “انهما يبحثان عن المعنى في اللا معنى.” ولكن الكاتب يجد في نص اخر ما يستحق صفة الأدب في الكتابة “الإسرائيلية فيقول: ” ان النص الادبي الإسرائيلي الوحيد الذي يستحق ان نطلق عليه صفة الادب هونص يزهار (خربة خزعة)، لأنه يقترب من المراثي، ولأن ضحاياه كالأشباح، ولان صمتهم تلقائي ونابع من الألم. أن نقطع لسان أحدهم أو نقول أننا لا نفهم لغته، فهذا ليس صمتا. هذا إخراس للضحية وقتل متعمد داخل لعبة تقترب من الوجودية والتباساتها الأدبية.”

انتابني شعور وكأن الياس خوري أراد لكاتب النص ان يكون عوز او يهوشع باستحقاق للقب الادب الذي وصفه أستاذ الادب في الرواية. أراد ان يقوم كصمويل بيكيت بكتابة نص متخيل لأديب “إسرائيلي” يخرج من حرفية “تحلل اللغة ليحلل الجثث”. معضلة يفكفكها بالنصف الثاني من الرواية ، عندما يصبح الصمت هو سيد الكتابة، والأخرس هو الكاتب الاعظم ، وبفك لسان الضحايا العرب التي تم اخراسها من قبل الادب العبري المتجسد بعوز الذي التقط حقيقة ان الفلسطيني لا يحكي، ويهوشع الذي قص لسان الفلسطيني في رواياته.

من غيتو الى غيتو يحاصرنا الياس خوري كقراء، ويجعلنا نشهد استعارات للغيتو في أماكن كثيرة عاشها بطله ادم. فمن غيتو اللد الذي هرب منه الى غيتو وارسو الذي حاصره مع استعارات الأموات ، كان ملاذه في غيتو وادي النسناس الذي ” يعبق بروائح ذاكرة مكلومة ترفض ان تمضي دوائر من حياة الغيتوات تغلق أطرافها اكثر على أصحابها مع كل محاولة للانفكاك او الهروب.”

في وادي النسناس تستفيض حكايا ضحايا اقرانه من الفلسطينيين، لنكبة لم تكن احداث اللد فيها الا صورة واحدة في فيلم طويل من الصور الممتلئة بويلات الجرائم النكراء. ام الزينات وسبلان تستفيض دماء أبنائها بوصف موجع مليء بمحاولات غير متوقفة من الضحية بأن يكمل حياته في صمود على امل حلم لعودة للمكان الأول بلا كلل من تفكير ولا تعب من محاولات.

لا يمكن التوقف امام ادم وقصته الخاصة بدء من منال امه ، الى عبد الله الاشهل ، بدائرة تستحكم على القارىء لتشد وثاقها على رقابنا فجأة وبدون سابق انذار في ذروة للحبكة ، يكون القارىء قد نسي ضرورة وجودها ، فما يجري من سرد على كل الأصعدة يكفي ان تبقى ممسكا لدفات الكتاب بلا تعب ولا ملل. حكم، استعارات، شذرات فلسفية، لغة محكمة، أفكار وجودية، وتوقفات تخترق الأعماق لتنبش أسئلة صعبة في كل شيء. وتجد نفسك في ذروة عبقرية تشد انفاسك وتعيد الكرة بك من جديد الى رحلة مشوقة خاطفة للانفاس. عبقرية مطلقة لا كلمة أخرى تعبر عنها. تعود منال ،ام آدم للمقدمة، عبد الله الاشهل يتحول من الرجل القاسي الذي كان سبب اختباء ادم وراء استعارات لآدم اخر، تغلق دائرة وجوده بالرواية بدور بطولة غير متوقعة، تخطف من آدم ذكرياته التي أراد لها ان تكون ثابتة وتخضها من جديد.

علاقته بالمرأة من منال امه الى داليه، ووقوفا عند ناديه التي لم ينته دورها بالجزء الحالي للرواية، وارجاع القاريئ الى شذرات تاريخية في الادب العربي تضفي الشجون الى القراءة، يخرج مرة أخرى وضاح اليمن، ولكنه يبقى في صندوقه.

تنتهي الرواية ، في ما يبدو انه سيكون مجرد محطة استراحة لالياس خوري لما سيكون جزء ثالثا. تنتهي بمشهد عاطفي خاطف للانفاس على مدار العديد من الصفحات لآدم العاشق في محاولة الوصول الى صخرة ادم.

” وفي نيويورك، سيشعر ادم، حين سيحاول كتابة قصة حياته، بات تائه اليوم صار الفلسطيني، وان على هذا التائه الجديد ان يدرج قصة الذين احتلوا ارضه وأشردوه في قصته هو. قصتهم لا تتسع لنا. اما قصتنا فتتسع لنا ولهم وللجميع، هكذا فكر ادم في ان يكتب حين تأتيه الكتابة.”

وهل ستخرج من رام الله يوما ما ثورة؟

 

وهل ستخرج من رام الله يوما ثورة؟

 

المشاهد للصور القادمة من لبنان في ثورتها الأخيرة، ينتابه تمني بعدوى الثورات. نحن شعب نشجع الثورات أينما خرجت، ولأي شكل اخذت. ثورة سودانية، يمنية، عراقية، اردنية، مصرية، سورية، … نحن شعب الثورات. اقصد نحن شعب مشجع للثورات. الحقيقة يحق لنا ما لا يحق لغيرنا بشأن متابعة الثورات، فنحن اهل الثورة الأولى والمستمرة.

الجميل بثورة لبنان الأخيرة، ليس فقط الشعارات المسلية ولا الجمال اللبناني واللهجة الفاتنة، ولا خروج نادين نجيم ونادين الراسي وانضمام رفيقاتهن من الممثلات، ولكن الجميل ان لا تحزيب سياسي في شأنها، ولا شتائم للكافرات السافرات من النساء من قبل جماهيرنا المنقسمين على كل شيء. مثلا لا نستطيع ان نقف مع ثورة اليمن، فكما رأينا في مباراة السعودية- فلسطين قبل أيام، تم اعتقال شاب رفع علم اليمن بالمباراة. إذا ما كان رفع علم دولة يتم قتل شعبها وتدميره يوميا من قبل دولة تزور دولة يعيش شعبه ويلات الدمار والقتل والتشرد، يؤدي الى اعتقال حامل العلم، فكيف لهذا الشعب المثقل بويلات النكبة والسلطة والاحتلال ان يخرج بثورة؟

بدون شك، ان ما يجري بالأيام الأخيرة على الساحة الإقليمية مثير للفضول وباعث للأمل على الرغم من كل السواد الحالك المحيط. فوز قيس السعيد برئاسة تونس وانتفاض شعب لبنان ضد الغلاء والفساد، والانتصارات المتكررة لأهل اليمن ضد الة الطغيان السعودي والخليجي، وانتصار حراك المعلمين في الاردن. هناك بالفعل امل، لأن هناك نبض حي حقيقي لا يزال يبث الحياة في الانسان العربي الصريع.

ولكن بالفعل، لم لا تخرج ثورة من الأراضي الفلسطينية؟ لا اعرف كيف اقارن بالحقيقة بين فساد أصحاب السلطة في لبنان، ولكن الفساد عندنا حدث ولا حرج. غلاء الأسعار واحتكار السلع والفساد الذي يسيل بهول السيول الجارفة ويغرق الشعب الأعزل من كل مرافق النجاة. الوطن يسلب منا بالشبر بين تسريب لأراضي لمصلحة المستوطنات، وحظر على المنتج الفلسطيني لصالح الاقتصاد الإسرائيلي، وانهيار كامل في كافة المرافق، وتفشي للظلم والقهر والعنف يهدد بحرب أهلية قادمة، وغياب للحياة الدستورية والشرعية في ظل انقسام وتفرد بالحكم لصالح الأحزاب المتسلطة على الوطن وانحسار إمكانية الانتخابات في نفس الوجوه إذا ما جاء يوم وصار هناك انتخابات.

كذب في التصريحات لا يحترم ذكاء انسان بين تنسيق امني “مقدس” مع الاحتلال وبين ترديد لشعارات توهم بوطنية خرقاء.

تجوال الاليات العسكرية بمدن السلطة “المحررة” ، والاعتقالات والاغتيالات على مرأى العين، لم يحركنا.

استيراد زيتوننا المسروق من السارقين لم يحركنا.

انهيار المنظومة الصحية والتعليمية لا يضج من سباتنا الا ارقا تمحيه حوادث ومصائب جديدة متكررة.

النظام التشريعي والقانوني والدستوري حدث ولا حرج. لم نعد نعرف منه الا تعيين او اقالة.

المقاوم يتم رصده من قبل السلطة قبل الاحتلال. التطبيع صار نشانا على صدور أصحاب السلطة ورؤوس الاموال بفضائح متكررة، استيراد وتصدير لكل ما يمكن استهلاكه لهذا الشعب من قبل رؤوس الأموال المتمثلة بعلاقة وطيدة ومباشرة بصندوق الاستثمار الفلسطيني. المرضى من الشعب ينوى تحويلهم الى مشافي مصر الفاقدة للحياة بينما يرسل أصحاب السلطة المرضى منهم الى المشافي الإسرائيلية. احتكار مطلق ومحكم لكل مرافق الحياة حول الشعب لمصلحة ارباب السلطة.

كم الفساد المستشري بالوضع الفلسطيني لم يعد بالإمكان رصده. من كل الاتجاهات تؤرق نتائج الفساد لتلوث نظرنا وتخنق انفاسنا. من كل الاتجاهات تفوح الروائح العفنة لفساد استفحل وينتشر كالوباء ليخلص علينا.

ونحن في سبات نكتفي بالتصفيق او التنديد لثورات الشعوب.

نجرم أنظمة دكتاتورية ونندد بحكم الفاشية ونشمت في كل حاكم ظالم وقع، ولا نقوى حتى على الوقوف امام دوار المنارة او المقاطعة للتنديد بواقعنا المرير.

نتحول يوميا الى اشباه بشر، بينما تعيش الشعوب وتموت. تجدد نفسها وتعيد احياء نفسها ونحن لا نزال في نفس المكان من مواقعنا وراء الشاشات نصرخ أحيانا فليسقط الاحتلال ونندد أحيانا ضد الفساد.

فهل استكنا بالفعل للوضع القائم؟ هل استسلمنا لوجودنا داخل سلطة تحت احتلال؟ هل سكوتنا لخوفنا من القادم الأسوأ إذا ما تحركنا نحو تحررنا؟

نعم وضعنا مركب ومختلف… ففي لبنان، كما في السودان، واليمن والأردن وغيرها، هناك دول لا يعيش أهلها تحت احتلال. ولكن اوصلتنا السلطة لنترحم على أيام العيش تحت الاحتلال.

نعم، نحن بالمحصلة شعب لديه وعي حقيقي بمغبة الثورة على السلطة بينما يتربص بنا الاحتلال، ولكن كيف توصلنا هذه السلطة الى هاويتها وهاويتنا؟ كيف تكشر عن انيابها وكأنها مستعدة لبيعنا “شقف” إذا ما تسنى من بيعنا فرصة لزيادة أموال اربابها.

لقد بدأ الحضيض بالصك وسنصل الى وقت لن يكون ببعيد، تفتح فيها الناس أذرعها للاحتلال استرحاما من سلطة لم تبق للبشر ما يقاومون من اجله ظلم الأعداء، بينما اشتد الظلم والقهر من ذوي القربى.

لم يعد هناك ما نأمل به، فلا انتخابات ممكنة، ووطن ينهش بدل ان يحضن، وعنف يهدد الامن الشخصي، وفساد وقمع يقود الانفاس. ربما لهذا نبقى وراء الشاشات مستأنسين بثورات الاخرين. فصرخاتهم تدوي بآذان تسمع ربما. وصراخنا وحراكنا لا يؤرق ولاة الامر

الضرب في المدارس : نتيجة طبيعية بوضع لا تربية فيه ولا تعليم

طبعا، انا إنسانة ضد الضرب بكافة أشكاله. ضد العنف كذلك بكافة أشكاله. ولكن ما الذي حدث في حياتنا منذ ركزنا على منع الضرب بالمدارس من قبل المعلمين؟

هل انتهى العنف؟ وهل أصبحنا مجتمعا أفضل وأصلح؟

إذا ما فكرنا ان هناك علاقة بين منع الضرب من قبل المعلمين بالمدارس في العقدين الأخيرين وكمية العنف التي نعيشها، فهل نخرج هنا بمعضلة ما تربط بين الامرين؟

الحقيقة ما يربط بين الامرين هو انعدام التربية في البيوت، والتي صار العنف هو بديلها في كافة اشكال حياتنا، تزامنا مع مناهج تعليمية تفتقد الى كل ما تحتاجه المجتمعات لبناء أبناء اسوياء. مناهج تقوم على التلقين والتحفيظ، خالية من الابداع، في ظروف صعبة تكتظ الصفوف فيها بالطلاب، وتتكدس الدروس على رأس الطالب كما يتكدس الطالب خلال ست او سبع ساعات على مقعد.

مناهج لا تنتج معرفة، لا يمكن ان تنتج ادبا او تربية. وبالتالي الاهل هم كذلك نتيجة طبيعية لإنتاج المدارس لمستقبل قاتم يعيش في هذه الاثناء وخامة نتائجه، المعلم.

 ما نراه اليوم من قتل وعنف وبلطجة هو نتيجة غياب التربية من كل الاتجاهات في المجتمع. وكأن قرار منع الضرب من قبل المعلمين ارتبط تلقائيا بقرار عدم التربية في البيوت.

ولكن إذا ما نظرنا الى الوراء غير القاصي للحظة، لتنبهنا اننا كنا بخير أكثر عندما كان للمعلم حق التربية كما التعليم. كان هناك تناغم ما يحصل ما بين البيت والمدرسة، يشترك الطرفان في عملية التربية.

اليوم، لا تربية ولا تعليم.

اعترف بأنني لم اتعاطف مع الفيديو المتداول لمعلم يضرب التلاميذ بالمدرسة بينما ينظر الجميع اليه من معلمين وتلاميذ وغيرهم بلا تأثر، لأنني شاهدت الصورة من زاوية أخرى. زاوية معلم تمارس عليه الضغوطات من كل الاتجاهات. معلم يعنف من قبل نظام تعليمي يجعله يعلم في ظروف قاسية، ونظام خارج المدرسة يتبع مبدأ ” كل من يده إله”.

واعترف انني لن اتخيل ابنتي في هكذا مدرسة، كما اعترف انني لن اتخيل ابنتي تتعرض للضرب.

لأن الموضوع هنا لا يتوقف عند هل ترضين هذا لابنك؟ لأنه لا احد يرضى لابنه ان يتعرض للضرب. ولكن هناك سؤال يأتي قبل هذا وهو: هل ربيت ابنك على الا يتعرض للضرب؟

وقد يكون الجواب السريع هو نعم: فنحن نربي ابناءنا على مبدأ ” اللي بضربك اضربه. وكون ضارب وما تكون مضروب.”  لا استغرب ان المعلم في هذه الحالة يمارس ما تربى عليه كطالب، وهو يمارس هذه المقولة قبل ان يضرب هو. فعندما يسجل ٤٤ حالة ضرب لمعلمين منذ بداية العام، وعندما يناشد المعلمون السلطات بحمايتهم ، فليس بغريب المشهد الذي رأيناه. بالمحصلة هذا المعلم يمارس مبدأ ” درهم وقاية “!

ولكن الجواب الذي اتوقعه لسؤال : هل ربيت ابنك على الا يتعرض للضرب يأتي بالنسبة لى مختلفا. لأني أتوقع من ابني ان يكون محترما وان يكون قدوة بالأخلاق والتربية. أتوقع من ابني الا يكون عنيفا بألفاظه وتصرفاته، وعليه اعرف ان ابني لن يتعرض للضرب من قبل معلم.

منذ بداية العام الدراسي، وتناقشني ابنتي بأمور المدرسة باستياء من معاملة المدرسة التي تتحول الى أكثر قسوة معهم كطلاب. وفي سجالاتنا المتعددة، أجد نفسي مدافعة عن المدرسة وادارتها بتأهب وخوف. خوف من هول المسؤولية التي تقع على عاتق المدارس في وقت لم يعد هناك أي معايير للأخلاق والتربية خارج او داخل اسوار المدارس.

نعيش في زمن يعربد فيه الطالب على المعلم ، ويتم التنمر فيه على المعلم. وإذا ما تجرأ المعلم بالجواب او اخذ دوره كمعلم قد ينتهي الامر الى حمولة من المتأهبين المستعدين لذرف الدم والقتل بلا تردد بداخل المدرسة او خارجها.

وهنا خوفي كإم هو خوف اناني لا يرتبط بتحسين المجتمع، ولكني كالمعلم الذي لا يريد لهيبته ان تكسر ، فيضرب قبل ان يضرب. اريد للمعلم ان يكون حازما وحاسما، ولا يعرض ابنتي في المدرسة لخطر صفعة او دفشة او سكين ربما نتيجة طوشة محتملة لا يحمد عقباها. افضل ان يتم قمع ابني من حرية تعبير تربى عليها على ان يتصل بي احدهم ليقول لي “ابنك أصيب بطوشة صارت بالمدرسة او خارجها.”

فصار المعلم يقف على زاوية الصف خوفا من ردود فعل يكون فيها الطالب ابن فلان او علان. يكون ابن حمولة تحمل ركوب باصات ليهبوا للقتال. او ابن من يستأجر مرتزقة ليهبوا للقتال.

لا اعرف كيف اختفى ذلك الزمن الذي كان للمعلم حق فيه على الطالب وأهله.

ذلك الزمن الذي كان مبدأ “قم للمعلم” هو السائد، ليبقى المعلم في ذهننا كأطفال وراشدين “من علمني حرفا كنت له عبدا”.

كنت اسمع ما تقوله لي ابنتي عما يجري بالمدرسة وكأنني اتابع فيلما أمريكيا عن المدارس في احياء الافارقة. تعاطف لا أكنه بالعادة للمدارس ولا المدرسين، ولكني مع كل كلمة كنت استشعر الخطر.

ذات الخطر الذي يستشعر او ربما يعيشه المعلم إذا ما تصرف باي شكل من الاشكال تصرفا قد يؤدي لتجمع العشرات امام المدرسة بالهراوات والأسلحة. خطر، يتعدى كونه مشكلة بين طالب واخر او طالب ومعلم. خطر يطال الجميع. تحولت المدارس لمناطق غير امنه فجأة.

فهل المشكلة من المدارس؟

المشكلة بالبيوت.

المشكلة بأننا لم نعد نربي في البيوت وعليه لم تعد الأمهات مدارس. الام لم تعد المدرسة التي قد تعد شعوبا طيبة الأعراق.

مؤسف ومحزن ما قام به المعلم بلا شك. ويجب عقابه وتوقيفه كذلك وبلا شك. فهو معلم وليس راعي غنم. ولكن بعد ان يتم توقيف المعلم ومحاسبته، هل نأخذ كبيوت مسؤوليتنا بتربية أبنائنا؟

عندما يقف المعلم امام موقف “على وعلى اعدائي” فما الذي نتوقعه. او بالأحرى ما الذي نريده؟

هل نريد كأهل ان يسكت المعلم امام وقاحة الطلاب وقلة تربيتهم؟ هل نرضى كأهل ان يتم ضرب المعلم؟

هل نرضى ان نكسر هيبة المعلم؟

اذا ما مشينا ساعة خروج الطلاب من المدارس يصيبنا الذعر من كم الانحطاط الذي وصل له الطلاب والطالبات. الالفاظ النابية، التنمر، الوقاحة. لا يعيرون احتراما لا لكبير ولا صغير.

واقعة الضرب مأساوية ومحزنة، ولكن هناك أكثر مأساوية في مشاهد أخرى رأينا فيها كيف يتم ضرب المعلم. هناك مشاهد نرى فيها بلطجة الطالب وعائلته على المدرسة والمعلمين.

وبعد كل هذا، يجب ان نتوقف امام المأساة الأكبر، اين السم الذي يتم دسه في هذا العنف المتنامي؟ اهو في المناهج؟

لأنه، وبينما أطالب الاهل ان يأخذوا زمام التربية لأبنائهم، هل لي ان أتوقع بأن هؤلاء الاهل تربوا على مناهج مختلفة، وعليه هناك امل؟ ام ان ما يجري هو نتيجة طبيعية لنظام متكامل من التهالك للنسيج الاجتماعي الفلسطيني. بدأ وينتهي عند التربية والتعليم. فلا تربية بلا تعليم يرعى احتياجات الطلاب ويرقى بعقولهم ليرقي اخلاقهم.

مفارقات اللون الواحد: من تونس الخضراء يصرح الرئيس المنتخب قيس السعيد في معرض سؤاله عن رأيه بالتطبيع بأنه “خيانة عظمى”، تستقبل فلسطين بالمقابل، المنتخب -الأخضر- السعودي  استقبال الفاتحين.

مفارقات اللون الواحد:

من تونس الخضراء يصرح الرئيس المنتخب قيس السعيد في معرض سؤاله عن رأيه بالتطبيع بأنه “خيانة عظمى”، تستقبل فلسطين بالمقابل، المنتخب -الأخضر- السعودي  استقبال الفاتحين.

هل حضور المنتخب السعودي لكرة القدم يعتبر تطبيعا ام انه مساندة للفلسطينيين وتحدي لكيان إسرائيل؟

قبل أشهر قليلة، انهالت التنديدات والسب من كل اتجاه على شاب سعودي في باحات المسجد الأقصى بالقدس بسبب زيارته التطبيعية. كانت تهمة الشاب الذي تلقى البصق والشتائم “التطبيع”.

هل التطبيع خيانة؟ وبالتالي، جريمة يجب ان يعاقب مرتكبها، كما تم عقاب المطبع السعودي في باحات المسجد الأقصى؟

يجب التنويه هنا، ان الشاب السعودي كان قد حضر الى البلاد ضمن وفد صحافي لزيارة “إسرائيل”. وهنا أتساءل: هل هناك فرق إذا ما كان الزائر قد اتى بزيارة رسمية من إسرائيل او من فلسطين؟

بالنسبة لقانون المقاطعة (بي دي اس) ان كل من يأتي للزيارة وقد حصل على تصريح بالدخول من إسرائيل فهو “مطبع”.

من اجل “الحلال والحرام ” هنا، فان المعنى المترتب على الجملة السابقة يعني: ان كل من يأتي لزيارة هذه البلاد لا يمكن الا ان يكون مطبعا، لأنه لا يمكن الدخول بلا تصريح إسرائيلي يترتب عليه موافقات وترتيبات امنية إسرائيلية.

للمفارقة، اثار أحد نشطاء التواصل الاجتماعي قبل شهر تقريبا، موضوع زيارة وفد صحافي تونسي لفلسطين، كان برنامج الزيارة يتضمن زيارات لمدن إسرائيلية وعرف رام الله على انها عاصمة فلسطين.

وقبل أعوام ليست بعيدة، استقبلت فلسطين المنتخب التونسي للهب في ارضها، ولم تقم القيامة كما قامت بشأن مباراة السعودية. من الجدير ذكره كذلك، ان منتخبات عربية أخرى شاركت اللعب على ارض فلسطين على مدار السنوات الأخيرة.

قبل أعوام قليلة، كانت هناك محاولات لإجراء مباراة مع الفريق السعودي، وكان الفريق التونسي قد لبى الدعوة من قبل واتى للزيارة. الا ان المنتخب السعودي قرر عدم القدوم في النهاية رفضا “للتطبيع”.

تونس وغيرها من الدول العربية تحتار في موضوع التطبيع. فمن جهة، هؤلاء يأتون وفق دعوات فلسطينية تحت عنوان دعم القضية الفلسطينية، ولا اشك ابدا بنية الزائرين الطيبة بدعم الفلسطينيين، ولا اشك كذلك بنوايا من يرون بأن الزيارات هذه من شأنها ان تقوي الموقف الفلسطيني.

منذ أوسلو ونحن نرى الوفود العربية الداعمة، بمدن السلطة. كان ولا يزال سماع لكنة او لهجة عربية ليست معتادة هنا تشعر المرء بشجن العروبة من جهة، والرعب من تطبيع الوضع وكأنه عادي من جهة أخرى.. ولكن هل هذا بالفعل كسر الحصار الإسرائيلي على الكيان الفلسطيني؟

تمتلئ الساحات المختلفة تحت مسميات كثيرة من ثقافة وفن وادب ورياضة وسياسة وعلوم بزيارات كهذه.

فأين المشكلة؟

ما هو التطبيع؟

وهل هناك تطبيع طيب وتطبيع نجس؟

على حسب تعليق حركة المقاطعة على زيارة المنتخب السعودي: ” تفرق في معايير التطبيع بين الزيارة من خلال تأشيرة صادرة عن سفارات دولة الاحتلال، التي تعد تطبيعا، وبين تصريح من سلطات الاحتلال يتم استصداره من خلال السلطة الفلسطينية، ولا يعد تطبيعا رغم مساوئه الواضحة.” وعليه “فلا تتعارض زيارة المنتخب السعودي مع معايير مناهضة التطبيع الذي اقرها بالإجماع المؤتمر الوطني الأول لحركة المقاطعة، بشرط الا تقام خلال هذه الزيارات أي علاقة مع دولة الاحتلال او مؤسساتها.”

اما عبد السلام إسماعيل هنية، فأعلن عن ترحيبه ببعثة المنتخب السعودي وعلق، ان الزيارة “انجاز رياضي جديد لقهر المحتل الصهيوني من خلال اقامته اللقاء على ارضنا والاعتراف بملعبنا البيتي لرسم الامل المنشود لدولتنا الفلسطينية من البحر الى النهر.”

وفي نفس السياق خرجت فتاوي شرعية من الضفة الغربية على لسان مدير مركز الاعلام بجامعة النجاح غازي مرتضى يقول فيها ان المباراة: ” حق مشروع وفق فتوى دينية، وأخرى وطنية مشهود لها، وثالثة وفق نظرية القياس لمن في قلبه ذرة شك، والذي يعتبر مصدر من مصادر التشريع في الدين الإسلامي، فان المعارضين لإقامة المباراة في فلسطين ودخول المنتخب السعودي لفلسطين دون مرور على أي جندي إسرائيلي عن أنفسهم وافقوا او لم يعترضوا على مكوث سفير قطر العمادي في تل ابيت ومروره المميز عبر بن غوريون وايرز.”

الحقيقة، ان يمكن الوقوف كثيرا امام تصريح كل من مدير مركز الاعلام بجامعة النجاح، وعبد السلام هنية لفهم مأساوية حالنا الفلسطيني، بعيدا عن المباراة وعن التطبيع. وكأن المشكلة هي في أصلها اعتراض حماس على الزيارة. والحقيقة انني لا أستطيع فهم علاقة زيارة السفير القطري ومروره او اقامته بالقدس او تل ابيب، او عن مطار “بن غوريون” وتميزه في: ايريز”، وربطه بالزيارة بكونها تطبيعيه ام لا.

اما تصريح عبد السلام هنية، فهو كما يمكن وصفه ب ” حدث ولا حرج”! وقد يجعل المشاهد للوضع والباحث عن تفكير خارج الصندوق للوضع الفلسطيني، ربما هناك امام عبد السلام هنية وجبريل الرجوب فرصة ذهبية للمصالحة عن طريق إقامة مباراة بين فتح وحماس، تكون أكثر فاعلية من مكوك لقاءات المصالحة العبثية التي تعزز على سلخ المجتمع الفلسطيني أكثر.

مؤسف تحوير القضية الى انقسام فتح وحماس المخزي والذي يتفاقم في مأساوية تأثيره على الشارع الفلسطيني ليكون في حوار متعلق في “جواز التطبيع وتحريمه”. الملفت الاخر في التصريح هو “شرعنه” الموضوع بداخل الفتاوي الشرعية. كيف تحول الامر الى فتوى وقياس شرعي على لسان مدير مؤسسة إعلامية؟

إذا ما قررنا فتوى التطبيع على حسب حركة المقاطعة، فالشاب السعودي الذي تم شتمه في باحات الأقصى تحت طائلة التهمة، وعليه فإن الحد عليه واجب. اما إذا كان الوضع كما في الفريق السعودي الذي سيأتي عن طريق تصريح يقدمه الفلسطينيون للإسرائيليين، فعملهم جائز، الا ان زيارة الجانب الإسرائيلي فهي ممنوعة (وعليه نتأمل ان لا يكون هناك رحلات ترفيهية وغيرها للفريق نرى ارتداداتها فيما بعد عبر الانستغرام وغيره).

نسمع عن التطبيع ومساوئه في كل المنابر، رئيس الوزراء بدأ خطة انفكاكيه عنقودية واتلف شرائح موبايلات إسرائيلية ومنع تصدير العجول واجاز استيراد الزيتون المسروق من مزارعنا الى مستوطناتهم من قبل وزارته، ولكنه غير ملام، لان هذ الفعل ليس جديدا ومن صنع حكومته، وهدد الجانب الإسرائيلي في حال مداهمة الأراضي المستقلة من الأراضي المحتلة بأن المواطن سيواجه بجسده لا بالعنف!

لا للتطبيع هو شعار لا ينزل. ولكن كيف يفهم المواطن التطبيع؟

نفس المسؤولين الذين يحملون شعارات نبذ التطبيع وتخوينه رأيناهم مصطفون بانتظار الفريق الأخضر باستقبال جعلني استحضر احتفالات مصر بانتصارات أكتوبر على التلفزيون عندما كنت صغيرة.

لنقل ان الحدث مهم.

ولنقل كذلك انه وعلى حسب “فتوى” حركة المقاطعة، فانه ليس تطبيعا، رغم مساوئه. يعني انه يقع تحت عبارة “مجبر اخاك”، طيب لم هذا الاحتفال وكأنه احتفال التحرير؟ الا نجعله على الأقل تحت طائلة ” إذا بليتم فاستتروا؟”

من جهة أخرى، لماذا غيرت السعودية موقفها فجأة من الموضوع؟ قبل سنوات قليلة كان الامر مختلفا، فما الذي تغير؟ هل هناك بوادر استقلال وتحرر وحلول للقضية الفلسطينية جعلت السعودية تدخل في فريقها دخول الفاتحين؟

ام هو مجرد تصرف طبيعي لما سيكون الاعتيادي من عصر التطبيع العربي مع إسرائيل؟ هل رأت السعودية في ادخال منتخبها للمشاركة بالمباراة فرصة لتبدأ التطبيع العلني القادم؟

ومن جهة أخيرة، كمواطنة عادية لا تفهم من السياسة وتدابيرها امرا، ولا من الرياضة واهميتها واستراتيجياتها معضلة في القضية الفلسطينية. وافهم كذلك استقبال الرئيس الفلسطيني للمنتخب ومدربيه وراعييه ومرافقيه والتصوير الى جانبه، فرئيسنا مسهب وناشط في هذه الأمور. ولكن لا افهم لماذا تحتفل رام الله ولماذا يغلق الشارع بطوق أمني وعسكري عند الفندق الذي يقيم فيه المنتخب، ولا افهم الكعكة الخضراء بحجم الوطن، ولا افهم هذا الاحتفال والانتصار للزيارة وكأنها انجاز فلسطين العظيم؟

لقد جعلتم منا اضحوكة للقاصي والداني.

وتونس تستقبل رئيسها بمظاهرات عارمة بصوت واحد: “الشعب يريد تحرير فلسطين.”

فلتحيا تونس الخضرا

يجب اغلاق وزارة الصحة بعد موت الشابة مرح عيساوي

يجب اغلاق وزارة الصحة بعد موت الشابة مرح عيساوي

72779440_173404693840490_8663697562932346880_n.jpg

كان من الممكن ان تكون وفاة الشابة مرح عيساوي حدثا محزنا، تبكيه العيون الغريبة كما القريبة، شابة في عمر الورود، تشعر إذا ما نظرت الى صورتها التي تصدرت الفيسبوك بمعنى “ريعان الشباب”. ولكن عمرها أطفئ فجأة وبلا سابق انذار. فالشابة الجامعية لم تكن مصابة بمرض عضال ولم تتعرض لحادث لم يمنحها فرصة الحياة. تبرعت مرح بدمها من اجل إعطاء فرصة لحياة للآخرين، وكانت فرصتها في الحياة هي الأخيرة.

ضجت مواقع الوسائل الاجتماعي بسبب وفاة الشابة صاحبة الابتسامة المشرقة، اضطرت العائلة بإصدار بيان توضيحي لتسرد فيه ما جرى بعد ان اسرعت وزارة الصحة في الدفاع عن نفسها في بيان دفاعي.

المفاجأة، التي يجب الا تبقى في وقع المفاجآت بحياتنا نحن هذا الشعب الذي يعيش تحت سلطة يبدو ان هدفها الوحيد هو تصفية حتى الشعب بعد ان صفت القضية والأرض. والا كيف لنا ان نفهم ما يصدر من تصرفات وقرارات من قبل هذه السلطة؟ الزيتون صرنا نستورده من الاحتلال ويدعون الشعب للمقاطعة. ينددون ضد التطبيع ويحتضنون فريق السعودية مهللين “للاخضر” في فلسطين.  وفي خضم المآسي والمصائب يعود رئيس الوزراء ليحل مسألة التحويلات الصحية بتحويل المرضى للمشافي في مصر.  ويعلن انه سيتصدى “بأجسادنا” للاقتحامات الإسرائيلية لمناطق (آ) على الرغم من انه بدأ رحلته الوزيرية بمسح (ا) و(ب) و(ج) وكأن التحرير انتهى الى التقسيمات هذه…. ولسان حالنا يقول …يا ليت!!

 هل يمكن ان يكون وضعنا مزريا اكثر؟

المهم…

  خرجت وزارة الصحة ببيان تدافع فيه عن نفسها. وكالعادة تخرج التصاريح لتزيد من الاتهامات.

بيان وزارة الصحة ادلى بأن

 “ما يشاع عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الصفراء حول سبب وفاة الطالبة في جامعة بيرزيت مرح هاني العيساوي لا يمت للحقيقة بصلة…..

ان المرحومة كانت قد تبرعت بالدم في جامعة بيرزيت أثناء حملة للتبرع قام بها بنك الدم المركزي في 17/9/2019، بعد ذلك جرى نقل المرحومة إلى مستشفى هداسا الإسرائيلي، وقد شخصت بإصابتها بفايروس غير معروف….

بعد عمليات التبرع بالدم، نقوم بإجراء فحوصات على الوحدات المتبرع بها، للتأكد من سلامتها وخلوها من أمراض الكبد الوبائي والإيدز ومرض السفلس، إضافة إلى فحص متخصص آخر للكشف عن الأجسام المضادة الغريبة، حيث كانت الوحدة المتبرع بها من قبل المرحومة سليمة من ناحية فايروس الكبد الوبائي ، إضافة إلى مرض السفلس والإيدز،

إلا أن شقيق المرحومة، اتصل ببنك الدم المركزي أثناء العمل على فحص الوحدات المتبرع بها في تلك الحملة من وجود الأجسام المضادة الغريبة، وطلب إتلاف وحدة الدم الخاصة بشقيقته، بسبب تشخيصها بإصابتها بالفايروس، حيث قام بنك الدم المركزي بإجراء فحص متخصص آخر على وحدة الدم المتبرع بها من قبل المرحومة، وتبين وجود أجسام مضادة غريبة فيها.

(أي أنه لو لم نبلّغ من قبل الأهل لتم اكتشاف أن هناك خللا ما من خلال الفحص الأخير، وفي هذه الحالة تتلف الوحدة ويتم التواصل مع المتبرع وإبلاغه بالحالة)

وأوضحت الوزارة أن عمليات التبرع بالدم تكون آمنة من خلال استخدام إبرة التبرع المعروفة، وهي إبرة تستخدم لمرة واحدة، وتكون مغلفة ومعقمة بنسبة 100%، إضافة إلى إجراء فحوصات متخصصة للتأكد من سلامة الوحدة بعد التبرع، أي أن عملية التبرع تكون آمنة بنسبة 100% من لحظة سحب الدم إلى لحظة تزويد مريض آخر بهذه الوحدة أو إحدى مشتقاتها.

واستهجنت الوزارة ما يتم الترويج له عن إصابة المرحومة بالفايروس نتيجة التبرع وتلوث إبرة السحب، مؤكدة أن هذا أمر مقلق وغريب، ويكشف عن خطورة الإشاعات التي يروج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن الفايروس الذي أصاب المرحومة لم يكن من خلال التبرع بالدم، حيث كانت المرحومة تعاني من أعراض هذا الفايروس قبل تبرعها بالدم، حسب إفادة الأهل لاحقاً..”.

اما اهل الفقيدة مرح العيساوي كان ردهم على بيان الوزارة كما يلي:

“بتاريخ ١٧/٩/٢٠١٩ قامت ابنتنا مرح بالتبرع بالدم بجامعة بيرزيت ضمن حملة قام بها بنك الدم المركزي التابع لوزارة الصحة الفلسطينية وبعدها مباشرة ظهرت عليها أعراض مرضية استدعت خضوعها لتلقي العلاج وبعد ان اشتد عليها المرض تم ادخالها الى مستشفى هداسا بتاريخ ٢٢/٩/٢٠١٩ وتشخيصها بالإصابة بالتهاب فايروسي على الدماغ لم يتم معرفة مصدره او نوعه. ومن منطلق حرصنا على سلامة ابناء شعبنا قمنا بالاتصال مع بنك الدم المركزي بتاريخ ٢٥/٩/٢٠١٩ والطلب منهم عدم استخدام الدم المتبرع به. وتوضيحا لما ورد في بيان وزارة الصحة الفلسطينية نؤكد بان ابنتنا مرح لم تكن تعاني من اي اعراض مرضية قبل تاريخ ١٧/٩/٢٠١٩ ونرجو من الوزارة تزويدنا بنوعية الاجسام المضادة الغريبة في حال وجودها في العينة المتبرع بها كما جاء في بيان الوزارة وذلك لأنه حتى وفاة ابنتنا لم يتم التعرف على نوع الفايروس او اي اجسام مضادة غريبة على الرغم من انه تم عمل فحوصات مختلفة داخل البلاد وخارجها”

وهنا ندخل في متاهات وزارة الصحة من جديد…

لا نعرف ما الذي جرى بالفعل مع مرح، وفي هذه الحالة، سيكون تقرير مستشفى هداسا، هو الشافي للتساؤلات. فنحن لن نكون بصدد نتائج تشريح سترسل عيناته الى الأردن ولن يخرج التقرير من مستشفى يتواطأ كل من فيها من اجل حماية نظام فاسد.

بيان وزارة الصحة الذي جاء بالكثير من المغالطات، وجعل عائلة الفقيدة ان ترد وسط مصابهم الجلل، يؤكد من جديد ان المصيبة في النظام الصحي الفلسطيني متعددة الأطراف والاتجاهات.

في مقالات سابقة دعوت وزيرة الصحة للاستقالة. الحقيقة تعبت حتى من التذكير بكم المآسي التي يتم ارتكابها بحق هذا الشعب إذا ما احتاج لرعاية صحية. ولكن بعد ما جرى من فقدان لشابة بعمر الورود هكذا. يجب ان تغلق الوزارة. فالموضوع لا يتعلق بتقصير وزير ولا عامل. هناك مصيبة في النظام كله. نظام متآكل متهاوي أصابه التلف وفسد، وكل ما يصدر منه يهلك.

ويبقى سؤال مرعب اخر، إذا ما كان التبرع بالدم أنهى حياة انسانة كانت صحية وصحيحة، ما هي المعايير التي تؤخذ وكيف في كميات الدم التي يتبرع المواطنون بها؟ وإذا ما كانت تحاليل دم مرح قد اوجدت اجسام مضادة غريبة بعد ان بعثت العائلة بمسؤولية للوزارة عن وجود مشكلة. فالله وحده اعلم عن المصائب التي تدخل في شرايين المرضى على امل انقاذ او علاج.

اغلقوا الوزارة ووفروا مصاريفها. وبما ان التحويلات الى مستشفيات مصر صارت هي الحل ، فالإنسان يستطيع ان يرجع الى التداوي بالأعشاب والطب النبوي. لتنعم وحدات فك السحر والاعمال وتتسبب. على الأقل نعرف اننا اوقعنا انفسنا في ايدي دجالين وجهلة، فنتحمل وزر اعمالنا.

 

الأسد يبقى أسد ولو ضبحت حوله أبناء آوى وسلالاتهم

الأسد يبقى أسد ولو ضبحت حوله أبناء آوى وسلالاتهم

 

تتعد المشاهد التي تبني مخيلتي عليها ما يحصل في المنطقة، من سوية الى اليمن الى العراق. أحيانا أرى عرين اسود سيطر عليه أبناء اوى فصار الجلف هو المشهد المتداول، ونسي الجميع ان هذه الأراضي كانت عرين اسود. اليمن والعراق تلملمان ما يمكن لملمته بعد دك في اوصال الحضارات. حضارات بني عليها ومن خلالها ما نعرف من تحضر بشري. ليؤكد اهل اليمن كما اهل العراق في كل مرة، ان مكونات الحضارات الاصيلة لا يمكن طمسها بسهولة مهما بشعت الجرائم وتكالبت الخيانات ووضعت الجيف على العروش، وتحكم مرتزقة الغرب ومسوخهم.

لتبقى سورية رغم كل ما حصل ويحصل، متصدرة مشهد القوة والصمود بعرين لا يزال يقطنه اسدا.

لست من الذين يقدسون الأشخاص، ولا أؤمن ان رجلا بعينه هو المخلص، وارفض ما كبرت عيوني على مشاهدته من “الله- الوطن- الملك” او الرئيس الوحيد، او كل تلك الشعارات التي صار الرجال في بطولاتهم الورقية يصنفون بأحجام بقدر الوطن.

العدوان على سورية منذ بدايته وهو يزداد تعقيدا والتباسا وبؤسا. حصار من كل الاتجاهات، وضباع وأبناء اوى وامهات عامر  وحضاجر (أسماء للضباع) من مرتزقة على شكل بشر يعيثون خرابا وقتلا ودمارا. ودول سقطت كل معايير انسانيتها بحقوق تتغنى بها. وملتحين باسم الدين يتاجرون بالبشر والحجر. وغلبة وحيدة لسماسرة الحرب من كل مكان. ولأن من يرأس العالم الغربي اليوم هو سمسار تاجر، فليس بغريب تحويله لكل العالم حوله لمجموعات من سماسرة الحروب تأخذ كل الاشكال والهيئات طالما تنفذ استثمارات مربحة للتاجر الاكبر.

ترامب أسقط ورق التوت عن كل الأنظمة والشخوص. قد لا يعجبنا بتوجهاته وافكاره وعدم نضوج ثقافته التي تدرس في الجامعات وبين صفحات الكتب وبروتوكولات الدبلوماسية، الا ان الرجل هو الأكثر صدقا في تاريخ الغرب الذي لم يستطع ابدا ان يتخلص من امبرياليته. الأنظمة العربية جميعها تقف بعري كامل امام خنوع وتذلل وخيانة علنية لقضايا المنطقة لمصلحة عدو العرب الأول: إسرائيل. العالم حسم موقفه مع أمريكا وإسرائيل. باستثناء إيران وروسيا في جزئية المصلحة المترتبة على بقاء سورية. وبقي الأسد في عرينه يتلقى الضربات ويحمي سورية بقدر المستطاع.

من عرته أوراق التوت فضح وكشف امره ولا نزال نتفرج: تركيا، قطر، السعودية، الامارات، والقائمة تطول. ولكن تبقى المشكلة بالشعوب التي اعتلت شجرة التوت وترفض النزول بالرغم من عري الشجرة الكاشف.

ما يحصل اليوم من اجتياح سافر لتركيا على الأراضي السورية، يؤكد مرة أخرى كيف تكون حساباتنا نحو التأييد والتنديد ساذجة غير محسوبة. منذ ان أيقظ اردوغان حلم الخلافة في رأسه ومسكه بعمامة الاخوان المسلمين وخساراته على كل المستويات صارت مدوية، ومهما حاول ان يبقى فلقد كشفه شعبه، كما كشفه العالم الذي لم يعد يصدق اكاذيبه. فحلمه في التوسع الى حلب ربما، بعد نهب المصانع والحمامات وما يمكن سرقته من خيرات، وتتويج نفسه سلطان المحميات العربية وجد لتحقيقه دربا في التوغل تحت حجة القضاء على تهديد الكورد. وامريكا التي حملت وزرهم وجعلتهم يرفعون علم إسرائيل في العراق تركتهم ليداسوا تحت الاخطبوط التركي الذي لا يرى امامه الا حلمه بالسلطنة العظيمة. كان من الملفت منذ بداية العدوان على سورية احتواء الدولة السورية للكورد، وكذلك كان موقف الكورد من الازمة حتى لعبت قوى الظلام الكثيرة في رؤوسهم واختاروا التحالف مع من اخذهم نحو الظلمات، ورمى بهم “عرابهم” ترامب عند اول منعطف لا مصلحة له في اخذه، واستخدم حجة مضحكة في تحميلهم مسؤولية عدم تحالفهم مع أمريكا في الحرب العالمية الثانية.

محزن طبعا، ما يجري، لأن الضحايا لا تعرف هذه الحسابات. القواد من المرتزقة في كل مكان هم من يبيعون ويشترون بالأبرياء من الشعوب. فتحالف الكورد مع أمريكا وإسرائيل ضد الدولة السورية في جملة المتآمرين، جعلهم فريسة سهلة لعدو دائم وقريب هو تركيا. ومن امن أمريكا لا يفهم من الامن الا امن الدجاجة للثعلب.

واليوم، بينما يفتضح كذب اردوغان عن نيته بإرجاع مليونين لاجئ الى بلادهم، لا يسعني الا ان أتساءل، كيف يرجعهم والدمار في سورية لا يزال مستمرا وكذلك الدكتاتورية التي كانت سببا في نزوح اللاجئين. الى اين يرجعهم؟ ام وجود دكتاتورية الأسد لن تؤثر على ارجاعهم اليوم؟

الأسد الدكتاتور!!!! كم تبدو العبارة مضحكة وفارغة من كل المضامين. عن أي دكتاتورية تتكلمون؟ الا تنظرون حولكم من كل الاتجاهات؟ تركيا تقمع وتزج بالسجن وتتستر على أفظع جرائم القرن في مقتل الخاشقجي. الدول العربية من ادناها لأقصاها تمارس أنظمتها القمع والبطش وحرية التعبير صارت كلمات لا يريد الانسان سماعها في ظل قمع ذاتي ومجتمعي تتم ممارسته ضدك إذا ما تفوهت برأي مخالف لما يتوجب السياق العام لحزب ما يجب ان تكون من ضمنه. الكبت وصل الى الخوف حتى من التفوه بكلمات او التعبير عن رأي. بين أنظمة بوليسية مخابراتية وشعوب تمارس القمع الذاتي والمجتمعي لم يعد هناك مجال لأي حرية. فالاستبداد هو القائم.

الأسد لم يخرج ملايين السوريين من بلادهم ولم يرمهم لتبلعهم الغربة وتشتتهم لعنات العالم الحقير. ومن تلقف تلك الملايين يهدد بإرجاعهم اليوم، كغيره… بعدما دمروا وعاثوا في سورية الخراب والهلاك. ولكن… بقيت سورية عصية بوجود اسد فيها. اسد لم يهرب ولم يخنع ولم يسمح لسورية بأن تصير سوريات ولم يتوان عن تطهير سورية من كل نجس التطرف والإرهاب.

يا ليت من يقفون على الشجرة متشبثين بآرائهم نحو “استبداد الأسد” و “طاغوته” ينزلون ليروا ما يجري على الأرض.

الاعتراف بالذنب يبقى فضيلة.

وستبقى الأوطان عصية طالما فيها رئيس اسد، وجنود الجيش العربي السوري، واشبال صعدة من الحوثيين.

هل تحويل أموال المقاصة منقوصة كسر جديد للسيادة الفلسطينية ام مجرد تنفيذ لتنسيق مسبق؟

هل تحويل أموال المقاصة منقوصة كسر جديد للسيادة الفلسطينية ام مجرد تنفيذ لتنسيق مسبق؟

عند استقالة د. رامي الحمدلله من منصبه، او قرار تغييره، كان الحمدلله قد أعلن رفضه لشروط المنح الامريكية الجديدة، وبداية العام الحالي، والتي اشترطت اقصاء اسر الاسرى والشهداء من دفع الرواتب. طبعا، وبسبب ملل الشعب واستيائه العام من كل ما يمثل السلطة، كان اخراج الحمدلله من معادلة السلطة يشكل عملية الهاء جديدة للشعب، أشهر من التوقعات والتكهنات لرئيس الوزراء القادم، وطبعا، فرصة للتخلص وإخراج مشاكل حكم الحمدلله الى الخارج للتداول. وكما في الانتخابات الإسرائيلية، صار هدفنا الأسمى هو الا يعود نتانياهو للحكومة (التي هي ليست بحكومتنا وشأنها ليس شأننا)، كان خروج الحمدلله هو الإنجاز الأهم، ومن سيلحقه مهما كان لن يكون أسوأ.

وجاء د. محمد شتيه، وبدأ استعراض الحقبة الجديدة. إعلانات بتوقف المواكب ومشي الأخير من عمارة بمجلس الوزراء للأخرى وكأنه العمل العظيم في البساطة – على نقيض سابقه – طبعا صرنا نرى أغاني ودحية كانت تقام لرامي الحمدلله في الافراح، وصرنا متنبهين للكثير من التجاوزات التي لم نسمع عنها من قبل، وتكشف الغبن الأكبر في حكومة الحمدلله عندما ظهرت فضيحة معاشات الوزراء التي تضاعفت ومبالغ بدل الإيجارات التي وصلت الى مئات الالاف من الدولارات للوزير الواحد. في وقت شمر فيه شتيه عن ساعديه وأعلن عن التقشف.

طبعا، لم نر وبعد العديد من الشهور من تلك الأموال في اعادتها الا مبادرة لوزير المالية بإرجاع بعض من المبلغ في مبادرة حسن نية، وكأن الرجل يقوم بصنيع عظيم.

خرج رئيس الوزراء بين الشعب ومشى بالمنارة واحتفل مع أبناء فتح في انتصار انتخابات الشبيبة، ويستطيع المواطن العادي ان يراه في شوارع رام الله من كافيه بعينه وجيم وقد يأتي ليفتتح ما تيسر من مراسم احتفالات، كان اخرها أيام السينما. الوزراء حدث ولا حرج، تفاقم في كل المرافق من الصحة حتى التعليم. وتدوير المناصب هو سيد الموقف، وكأن لسان الحال الرئيس وجموعه لنا ” الكلاب تسير والقافلة تنبح.” لقد حولونا بالفعل الى كلاب نابحة في مسير قوافلهم التي سلبت هذا الشعب كل ما فيه حتى وجوده.  وقد يكون تصريح اللواء جبريل الرجوب الأخير في دعوة الوزراء لحضور مباراة كرة القدم القادمة بين السعودية وفلسطين، اسوة بوزراء الجزائر الذين حضروا مباراة فلسطين- الجزائر، عندما قال : ” ييجوا يحضروا المباراة بدل تصريحاتهم الفاضيه متلهم،” هي المعبر الأكثر صحة عن الحال في هذه الأوضاع.

 

التقشف والخطة العنقودية للانفكاك الاقتصادي هما معضلات مرحلة شتيه. الرجل الاقتصادي الذي سيحمل الشعب الى بر الأمان.

التقشف مفهوم للشعب، وصل بالرجل الى ان يخير الشعب بين المال والوطن، في جملة شهيرة ستسجل له كانت: ” هل تريدون المال ام تريدون الوطن؟”، في سياق لحملات كثيرة قادها على مدار الأشهر السابقة في الترويج للخطة العنقودية للانفكاك الاقتصادي كان اخرها عند تصريحه قضية العجول والبيض.

ونحن الشعب، بطبيعة الحال لا نفهم من الاقتصاد الا ما يأتي منه قوتنا وما نسد منه قروضنا. بقيت حملة الخطة العنقودية للانفكاك الاقتصادي – عن إسرائيل طبعا- هي الدرع الواقي لخلاصنا مع حكومة شتيه، في وقت علت فيه أصوات المقاطعة التي أكد عليها شتيه وشدد. سنتحرر أخيرا من قبض الاحتلال على اقتصادنا.

وفعلا تقشف الشعب في وقت منعت فيه أمريكا المنح المقررة وأوقفت إسرائيل أموال المقاصة ومنعتها تماما ، الا ما تيسر من اموال لا يمكن الاستغناء عن تقديمها للتشغيلات الأمنية في بعضها. وأعلن الرئيس ورئيس وزرائه مرارا وتكرارا ب ” الجوع ولا أموال المقاصة منقوصة”. وكانت ورشة المنامة الشهيرة، التي تم اتهام كل من شارك بها بالخيانة والخروج عن الصف الوطني، في حملة كانت الأكبر ضد أمريكا ومشاريعها، وكأن الانفكاك الاقتصادي قادم لا محالة.

هناك خطة عنقودية يخطط ويرتب لها في مطبخ السياسة الفلسطينية من خبراء الاقتصاد الأهم والاكبر.

من ناحية كان هناك تشديد نحو المقاطعة لبضائع الاحتلال شكلية بحتة، وبدت غريبة، عندما تم اتلاف الكروت الخاصة بالشركات الإسرائيلية. كيف تركنا كل ما يصول ويجول من بضائع إسرائيلية دخلت حتى الى نخاعنا ونتأزم فجأة من كروت الهواتف الخلوية الإسرائيلية.

لا يهم قال المواطن الشريف الذي يريد وطن. فلتأخذ شركات الاتصال الفلسطينية التابعة لأصحاب اليد العليا بالدولة العتيدة، بالنهاية يرتزق الفلسطيني ، حتى ولو كانوا أصحاب المليارات. يبنون بيوتا وعمارات ويدجنون حساباتهم البنكية في الداخل والخارج. المهم مقاطعة العدو الإسرائيلي.

تفاقمت الأمور، وعلت التصريحات بين رئيس ورئيس وزرائه في جرأة اكبر نحو مناهضة الاحتلال، وصلت الى اعلان الرئيس عن نيته بوقف كافة الاتفاقيات مع إسرائيل. هلل الشعب واحتفل ، ولكن الاليات العسكرية الإسرائيلية صارت تتجول في رام الله وصار جنود الاحتلال يتبولون على مبنى مجلس الوزراء وزادت الاعتقالات والاجتياحات حتى وصلت بالفعل لان تكون يومية ، ولا ترى من الامن الفلسطيني ظهورا الا بعد انتهاء الاجتياح لإعادة المشهد الى ما كان عليه. وتستمر المدن المجتاحة يومها او ليلها وكأن الية الاحتلال العسكرية ليست اكثر من حافلة نفايات تقوم بعملها الاعتيادي.

اخر إيقاف مسلسل بطولات وقف الاتفاقيات كان قبل أيام قليله، عندما أعلنت إسرائيل بكشف شبكة كانت تعتزم القيام بعملية ، بالتعاون مع الجهات الفلسطينية. الحقيقة ان تلك العملية لم يكن لإسرائيل علم بها، لولا هرولة الجهات الفلسطينية ” التي أوقفت كافة الاتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي” بإعطاء الجانب الإسرائيلي معلومات امنية هامة أدت للقبض على الخلية.

وبينما يستمر أصحاب السيادة المتمثلة برئيس الوزراء والرئيس بإعلان الخطابات المعادية للاحتلال بالعلن، يبدو جليا ان ما يجري بالخفاء مناقض ومناهض تماما.

بدأت الخطة العنقودية بقطف ثمارها عندما اعلن رئيس الوزراء عن قرار توقف استيراد العجول والبيض من إسرائيل، في نفس الفترة كان رئيس الوزراء قد اعلن كذلك انه لم يعد هناك منطقة الف وباء وجيم وان السيادة الفلسطينية ستكون في كافة أراضي الضفة، لتقوم إسرائيل بهدم ما يقرب على مئة وحدة سكنية في منطقة الف. وهي المنطقة التابعة بالمطلق للسيادة الفلسطينية ، ليرد رئيس الوزراء بتوقيف استيراد العجول!

لم يكن من الصعب فهم ان استيراد العجول والبيض يرتبط كذلك بالاستثمار الفلسطيني المتعلق بشخوص بعينهم، حولوا الوطن الى مزرعة كبيرة يتحكمون فيها بكل مرافق الحياة ويبيعون يشترون بالمواطن ليغنوا هم ويزداد المواطن بؤسا وفقرا.

أمور مصيرية تجري، ولا حياة لمن تنادي، تسريب الأراضي من شمال الضفة الى جنوبها افتضح لدرجة صار التفاخر بالعمالة فيه فجور علني. القدس لم يبق منها الا صياح أهلها في نجدة متكررة استنزفها العنف والعمالة والتهويد الذي ينخر المدينة كالسوس، والاسرلة المحكمة على كافة المرافق لتكون هي الواقع الوحيد الممكن ، والمراد ربما مقابل الفساد المستشري بالضفة.

انتهت غزوات الحكومة الجديدة بفضيحة حقيقية عندما اعلن وزير الزراعة بعقوبة من يقطف الزيتون قبل موعد قطفه بتحديد يوم بعينه، ومن ثم يعلن عن نية استيراد الزيتون من “الطرف الاخر” لان ما يزرعونه من زيتون يختلف عن زيتوننا.

هنا بالحقيقة، هز وجدان الشعب الذي يرتبط الزيتون وزيته به كارتباط الوريد بالدم. حياة كاملة نعيشها يوميا وسط استيلاء لأراضي وقطع وسرقة لشجر واعتداءات على مزارعين، ليأتي علينا وزير ليقول لنا اننا نحتاج لاستيراد زيتونهم (المسروق من ارضنا ومن تعب سنوات عمر فلاحينا) لتخليله!

وكان لرئيس الوزراء التبرير الاقبح من ذنب، عندما اعلن ان الاستيراد ليس بجديد وقد بدأ مع الحكومة السابقة.

وهنا، كان الشعور بإغلاق دائرة الدوامة الخانقة لنا قد تم. رئيس وزراء سابق اعطى وزرائه ضعف المعاش الأصلي ( بعد موافقة الرئيس طبعا) وبدل ايجار ، كان سببا في ضعضعة الوضع الاقتصادي الصعب من هدر للأموال العامة ، وقرارات سابقة لنفس الحكومة السابقة لم يقم الوزير الحالي الا بإعلانها.

ليسقط علينا صباح، تعلن فيه حكومة الانفكاك الاقتصادي بقبول أموال المقاصة منقوصة لمستحقات الاسرى والشهداء.

يبقى التساؤل الذي يراوح مكانه في رأسي: هؤلاء وصل بهم الكذب علينا كشعب بتماهي عجيب. لم يعودوا يفرقوا بين ما تقوله السنتهم بالخطابات الجهراء وبين ما يتفقون عليه بالغرف المغلقة . تضارب في التصاريح والافعال اقل ما يمكن وصفه بالمخزي. يروجون لما يتناسب مع مصالح حفنة امتصت ولا تزال خير هذا الوطن وأهله. يرفعون الاخساء ويدحضون ما كان يجعلنا دوما أبناء وطن. يعلون مآرب التعاون والانسحاق مع إسرائيل في مصالحهم الخاصة ، ويسقطون من يحاول ان يرفع رأسه.

سؤال يدق في خزانات رأسي الموشك على الامتلاء، لماذا تمت محاربة ورشة البحرين الاقتصادية؟ لأنها التفت عن هؤلاء وفتحت المجال لوجوه أخرى لتدخل في سباق السلام الاقتصادي؟

وزير الزراعة واستيراد الزيتون المغمس بدم الفلاح الفلسطيني

وزير الزراعة واستيراد الزيتون المغمس بدم الفلاح الفلسطيني

 

نحن لا نعيش في خيال، نحن نعيش في ظل سلطة فلسطينية بحكومة أخيرة تستهدف ما تبقى من انسان فلسطيني ووجود فلسطيني. لا يمكن ان ما يحصل هو مجرد هفوات خاصة لوزراء. منذ تشكيل الحكومة “المؤقتة – الانتقالية” الحالية، ونحن نعيش امام مصائب في القرارات. خطة عنقودية يبدو تأثيرها كالقنابل العنقودية وليس كعنقود عنب، ولن يكون بالتأكيد زيتون. صارت اجتياحات جيش الاحتلال الإسرائيلي لرام الله تحديدا وكأنها بالتنسيق مع الإعلانات السيادية بالانفكاك المخطط له. وكأن الكيان الإسرائيلي يؤكد لهم ان السيادة لها صاحب واحد فقط وهو الاحتلال الإسرائيلي. هدم البيوت في مناطق ألف الخاضعة للسيادة الفلسطينية. حملات الاعتقالات التي أصبحت يومية من رام الله الى نابلس الى الخليل. ولا نرى الا وعودات وتهديدات لا يصدقها المتكلم ولا المستمع.

اخر مصائب وزارت الحكومة الجديدة بطلها وزير الزراعة. قبل أسبوع أصدر الوزير تعميما بتحديد موعد قطف الزيتون بتاريخ ١٥-١٠، وحذر من يقوم بقطف الزيتون قبل ذلك التاريخ بالعقاب. حقيقة جاءت العبارة ” كل من يخالف يعاقب”.

أحيانا أفكر، اننا لا نزال نعيش في تأثيرات زمن الحكم العسكري الإسرائيلي، وربما كان الوزير من الجيل الذي كبر على أصوات مكبرات الصوت من الجيبات العسكرية التي كانت تصدح في فضاء القرى الفلسطينية لإعلان منع التجول ” وكل من يخالف يعاقب”.

بدا غريبا، ان ينشر وزير الزراعة هكذا تعميم، لتحديد يوم محدد لقطف الزيتون، وهو يوم متعارف عليه بين الفلاحين لحصاد الزيتون. والتبرير لتحديد اليوم كان غير منطقيا، بحجة الحفاظ على التنافس بين المزارعين وعدم كسر البعض للأسعار وتخريب الموسم! موسم على عكس المواسم السابقة يبشر بخير وفير!

مر الموضوع بين تعليق وسخرية، الى ان خرج الوزير ببيان اخر يملي علينا انه قرر “استيراد ثمار الزيتون الخاصة بالتخليل (الكبيس) من الخارج ومن الطرف الآخر!!!!!!

وكان الوزير قد قرر قبل أسابيع بمنع استيراد العجول كجزء من خطة الانفكاك الاقتصادي.

قد لا يفهم المعظم بموضوع العجول وتجارة الماشية، لأن سوقها محدد بفئة معينة، وكل ما يهمنا بالعادة بموضوع الماشية يعلو في موسم الاضاحي. ولكن مع هذا لم يمر الموضوع بالحقيقة مرور الكرام، ولكن لا حياة لمن تنادي، على الرغم من دعم رئيس الوزراء لخطة الانفكاك التي تضمنت عدم استيراد العجول من جانب “العدو الإسرائيلي”.  ولكن مع تأكيد رئيس الوزراء على أهمية موضوع استيراد العجول ضمن خطة الانفكاك الاقتصادي، تنبه المواطن العادي لهذا الامر. وطبعا لم نفهم أي شيء.

كيف لعقل المواطن ان يستوعب ما يحصل؟

نفس الوزارة التي تصدر منع استيراد العجول، والتي قد يكون السوق الفلسطيني بحاجة لها، ولكن مع هذا على الشعب التحمل لان حكومته تريد الانفكاك عن الاحتلال اقتصاديا والشعب وراء هذا العمل الوطني العظيم، في دعوة جديدة لمقاطعة بضائع “العدو”. كيف للمواطن الذي تمتد جذور الزيتون في ارضه كامتداد الشرايين في جسده ان يفهم ويستوعب انه وفي موسم حصاد الزيتون تحديدا، قرر الوزير استيراد ما ينقص من الاف الاطنان من الزيتون الإسرائيلي وبيعه للمزارع الفلسطيني لكبسه؟ وكأن التخليل هو ما بقي لنا حتى نؤمن تحريرنا؟

قد يستوعب عقلي البسيط الكثير من الأمور ويبررها. ولكن، كيف يصل الاستخفاف بدم الانسان المتمسك في ارضه والذي يموت بالفعل من اجل الوصول الي أشجار زيتونه وقطفها. هذا الانسان الذي يشهد العالم يوميا على منعه من الوصول الى ارضه وسلبها وسرقة أشجار زيتونها. ذلك الفلسطيني الذي يأتيه المتضامنون من انحاء العالم ليقطف معه في موسم زيتونه ليشد على يده ويؤازره في محنته في ظل عدو يتربص للإنسان والأرض ويسرق بلا تردد.

هل يشتري الفلاح اليوم زيتونه المسروق؟

وزير الزراعة الحالي، هو أحد كوادر حزب “فدا” الذي ينادي من اجل المقاطعة ويعتبرها أحد بنود الحزب المركزية. كيف يسمح له حزبه بالتطبيع العلني المغمس بدم وعرق الفلاح الفلسطيني الذي ينتظر طيلة العام من اجل هذا الموسم؟

أي حكمة واي تخطيط اقتصادي واي انفكاك هذا الذي يسحقنا تحت التطبيع المدنس بدم الظلم الواقع على الانسان الصامد على ارضه.

الا يكفي الفلاح الفلسطيني في أراضيه من شمال فلسطين الى جنوبها ما يجري من سرقة واستلاب وخطف؟ الا يكفي الفلاح حملات المستوطنين المستعرة من كلاب وخنازير برية وتقطيع وترعيب وسرقة عرق نهار العائلات من قطف وحصاد؟

حتى مشاركة الفلاح في رزقه صارت مكان نظر الحكومة المفلسة التي لا تنتهي عن محاولات تصفية الانسان كمحاولات الاحتلال بنفس التصفية.

لا نفهم كمواطنين حجم المصائب التي يتم ارتكابها بحقنا وباسمنا بأمور لا نفهمها بدء من مشروع أوسلو الذي بدأت به تصفيتنا كأرض وكشعب، على ما يبدو بالتوازي مع الخطة الصهيونية الاصيلة بالتصفية العرقية لنا منذ قيام الكيان الإسرائيلي سنة ١٩٤٨. ولكننا نفهم بمنطق ما تعنيه لنا شجرة الزيتون من امتداد نتماهى معه كفلسطينيين ونرتبط به وجدانيا وحسيا واقتصاديا. فالزيت والزيتون من مفاخر هويتنا الفلسطينية. ما نفهمه من الزيتون ليس تخليله، بل قطفه وعصره وكبسه. ما نفهم من الزيتون هي الأرض التي يحارب صاحبها من اجل عدم مصادرتها. من الشجرات التي تخلع وتسرق لتزرع في المستعمرات. ما نفهم من الزيتون هي تلك العجوز المتشبثة بها منعا لجرافات الاحتلال محاولا خلعها.

ما نفهم من الزيتون دموع مسن تنزل حرقة بينما يمنع من الوصول الى ارضه، وعائلة تتعرض للتحرش والاعتداء والقتل أحيانا من اجل ان تقطف ما زرعت.

ما نفهم من الزيتون في موسم قطافه هو انتعاش المزارعين الذين يرتزقون على دخله طيلة العام.

بكل جدية أتساءل: كيف تبني الوزارات في الحكومة الجديدة خطتها وعلى أساس مصلحة من؟ لقد مللنا السخرية وتعبنا من الاستهتار بنا. لم يبق بنا ما لم يتم تصفيته.

كنا نظن ان الاحتلال هو المترصد المتربص لنا، كيف تتحول الأمور وتنقلب علينا هكذا؟

كفاكم …..

لن يغفر لكم التاريخ صنيعكم بتصفية عروقنا وثمار زيتوننا.

 

 

 

وزيرة الصحة … هل تستقيل بعد تصريح “التحسيس”؟


وزيرة الصحة … هل تستقيل بعد تصريح “التحسيس”؟

 

في قضية إسراء غريب، طالبت في مقالين بإقالة وزيرة الصحة. وذلك لتكون المحاسبة والمساءلة بحجم الضرر الواقع على الانسان الفلسطيني عندما يتعلق الامر بقضية رأي عام.

على الرغم ان المطالبة كانت تتعلق بقضية بعينها وهي قضية اسراء غريب، التي كان دور قطاع الصحة فيها جزء من الجريمة التي ارتكبت بحق الضحية، منذ لحظة التسليم بأنها لم تتعرض للضرب، ومن ثم تسريحها من المستشفى وهي بهذا الكم من الإصابات والكسر، ومن ثم ترك المشعوذين بالغرفة وضرب الضحية بغرفة المشفى، وبالنهاية في التقرير الطبي الذي أعلن عدم وجود شبهات جنائية في موت الضحية.

أسئلة كثيرة طرحها الرأي العام، لم تكن الأولى ولم تكن غريبة في ظل الشكاوى الكثيرة التي يعيشها المواطن الفلسطيني الذي يحتاج الذهاب الى مستشفى. وكان هناك مطالبات بالتوضيحات الرسمية التي غابت، مما أدى الى استياء وتساؤل الرأي العام على مدار أسابيع. استياء اخرج قضايا مميتة كثيرة للحياة من جديد.

الأخطاء الطبية المميتة، المعاملة السيئة للمرضى، الحالات المزرية للمستشفيات، التحرش، الاعتداءات من قبل طواقم الصحة في حالات عدة وبالتالي التعدي على الأطباء، وقضية قتل طبيب لممرض ماتت مع الاسيد الذي ذوب الممرض وانتهت بالعطوة العشائرية.

ما ذكرته في سطرين، يشكل حالة مرعبة من حقيقة، لا ادعي فيها ولا اتجنى، قصص تسمع عن المستشفيات من شمال فلسطين الى جنوبها مرعبة بالفعل.

ما الذي تقوم به وزارة الصحة بالمقابل؟

مأساوية وضع القطاع الصحي لم تفضحه قضية اسراء غريب لأنه موضوع يعيد تكرار نفسه.  السيدة التي تم تهشيم عظامها بجنين ونقلت الى مستشفى رام الله الحكومي. الشاب الذي دخل من بيت لحم ـ الدوحةـ للعلاج من اجل فايروس وخرج ميتا من المستشفى. الشاب الذي طعن بالخليل وتم اللحاق به لقتله بالمستشفى. قضايا التحويلات التي لا يحصلها صاحب الطلب الا إذا قام بفضيحة علنية من اجل الترجي والاسترحام. امرأة تعرضت للصعق الكهربائي من قبل شيخ يطرد الجن برام الله. كل هذا حصل بعد قضية اسراء غريب. المطلوب هو التدخل الحقيقي. إذا كانت وزارة الصحة لا تستطيع السيطرة على قطاع الصحة لان الانسان الفلسطيني تحول الى قبلي عشائري يؤمن بقدرة الجن أكثر من قدرة البشر حتى على الشفاء فلماذا نحتاج الى وزارة صحة. كما هو سؤال مشروع كذلك عن حاجتنا لباقي الوزارات التي لا تفيد المواطنين ولا صلاحيات حقيقة لها في تغيير القوانين المجحفة بحق الانسان الفلسطيني الذي صار القتل أحد سيمه العادية. ولا يمكن اسقاط احقية هكذا سؤال في وضع تعيش فيه الحكومة في حالة تقشف معلن. يعني وبكل صدق كل وزارة غير مفيدة، يفيد الاستغناء عنها تحسين الوضع المأساوي المتعلق بالانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه المواطن البسيط. ويجب التوقف ولو قليلا، امام مأساة جديدة نتعرض لها، بسياق الحديث عن الوزارات، فخروج وزير الزراعة ببيان يهدد فيه بالعقوبة على من لا يلتزم بموعد قطف الزيتون، ومن ثم يقر باستيراد الزيتون من إسرائيل، هو عملية ممنهجة في خطف ما يمثل فلسطين من انسان وزيتون حتى! ام اننا نعيش في زمن ازرع تفاح ازرع ليمون؟

لا يمكن فهم ما يجري بالحقيقة، لمصلحة من يتم العمل عند اصدار ممثلي الحكومة لهكذا قرارات؟ قبل أسبوع كان قرار تصدير العجول واليوم نحن امام قرار استيراد الزيتون. نحن اهل الزيتون نستورد الزيتون من الذين يسرقون زيتوننا ويزرعونه في مستعمراتهم؟ فعلا لم يتبق لنا الا تصدير العجول!!!

هل بقي الزيتون من القضية لعصره وتصفيته؟

عودة لوزيرة الصحة،

كنت اعتقد في سؤالي عن احقية او عدم احقية وجود وزارة صحة في موضوع قضية التحرش التي تم اتهام الطبيب بها، وعدم مقدرة الوزارة على سطر القوانين على نقابة الاطباء، وقضية التحرش كقضية اسراء غريب، ليست الا شعرة قصمت ظهر البعير مرة أخرى، فالتحرش هو اهون البشائع التي يعيشها المريض في وقت يدخل الانسان فيها مع مرض بسيط ليخرج مشلولا او لا يخرج أصلا. وقضية الطفل الذي دخل من اجل أجرأ عملية لوزية وخرج معاقا كذلك حية في اذهاننا. ومن ثم تتم عملية تستر ممنهجة بين باقي أصحاب السلطات ذات العلاقة في عملية التستر على جرائم كثيرة تحت مسميات “الموت الطبيعي” وبفرامانات رسمية.

ولكن، بعد تصريح الوزيرة بالأمس، بطل العجب…

في مناسبة يوم التضامن من اجل حملات فحص سرطان الثدي، وقعت وزيرة الصحة في خطأ لم يكن معدا مسبقا، لأنها ارتجلت في كلامها، فكانت السقطة مدوية، عندما طلبت من النساء ان ” تحسحس كل واحدة بنفسها على نفسها في الحمام ” لإجراء فحص مبكر لسرطان الثدي، “بدلا من ان يتم التحسيس عليها” بالمستشفى.

الحقيقة ما خرج من فم الوزيرة كمزحة بندوة عامة، وضحكات تلت كلماتها، يشكل الواقع الأليم الذي نعيشه. من اجل هذا لا حياة لمن تنادي، عندما تقوم احدى المريضات برفع قضية تحرش. من اجل هذا وقفت نقابة الأطباء مع طبيبها المتهم بالتحرش، لأن “التحسيس” امر عادي يجري بالمستشفيات.

طبعا، لا داعي للكلام كثيرا عن حجم الضرر الذي اوقعته الوزيرة بآلاف النساء اللاتي لن يتمكنن من الذهاب للفحص بعد إعلانها هذا، لأنه لا يوجد امرأة سوية تريد ان تذهب لمستشفى ليتم التحسيس عليها، كما لا يوجد والد او والدة، زوج، اخ، عاقل سيرسل ابنته او زوجته او اخته ليتم التحسيس عليها عند اجراء فحص.

بالعادة، اعرف انه ليس من السهل ان يتقبل المرء انتقادا لاذعا والتشكيك بعمله ومطالبته بالاستقالة.

في مقال سابق، استهجنت وزيرة الصحة مطالبتي لها بالاستقالة، واستغربت من جانبي ردها

وزيرة الصحة على صفحتها الخاصة وادراج ما كتبته تحت اتهامها لشخصها. انا اتهم واطالب الصفة الاعتبارية التي تحملها. واليوم، ما قالته بخصوص “التحسيس” الذاتي او من قبل هيئات التمريض او الأطباء يأخذنا الى كارثية ما تمثله وزيرة الصحة.

لا اعرف كم من المصائب سيتم ارتكابها بحق المجتمع المريض والصحيح قبل ان تقدم وزيرة الصحة استقالتها.

وأعرف كذلك ان مصيبتنا لن تحل باستقالة. ولكن كما في كل ما يحدث في هذا الوطن من إلهاء لنا، قد تكون استقالة ما تحريك لثبوتية هذه المواقع التي تتثبت في كراسيها ولا يتحرك الجالس عليها الا بعملية تدوير مضمونة لكرسي اخر. وزارة .. سفارة .. وبالعكس. وقد يتنبه اولي الكراسي الثابتة ان الضغط قد يؤدي الى التحريك، فالوقوع.

 

تنويه: اقر بأن مطالبتي باستقالة وزيرة الصحة ليس شرعيا، في وجود مجلس وزراء غير شرعي. وتعريف الشرعية لم يعد مفهوم ولا حدود له تقيمه او تحدده. ولكن طالما حياتنا كشعب مرتبطة بهذه المنظومة فمطالبتنا بتصويب الأمور والدق على خزان المأساة تبقى مشروعة.

انوه كذلك ان كل ما ورد بخصوص وزيرة الصحة وغيرها من وزراء يمس شخصهم الاعتباري فقط ولا يتحسحس صفاتهم الشخصية.

 

شكرا لمدرسة راهبات الوردية لمحاولتها الدؤوبة بالرقي بعقول الطالبات: الفلسفة يجب ان تكون مقررا ضمن مناهج التربية والتعليم

شكرا لمدرسة راهبات الوردية لمحاولتها الدؤوبة بالرقي بعقول الطالبات: الفلسفة يجب ان تكون مقررا ضمن مناهج التربية والتعليم

 

تداول نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي قبل أيام، منشورا من قبل أحد أولياء الأمور في مدرسة راهبات الوردية في القدس تحت عنوان “الى جميع الغيورين”. استوقفني المنشور كثيرا وتساءلت: الى اين نذهب؟

المنشور يدعو ويتساءل عن مشروع بدأته مدرسة راهبات الوردية بإدراج مساق فلسفة ضمن منهجها التعليمي. ويعترض الرجل على الكثير من الامور تبدأ بمدرس المساق الذي تهمته انه “طبيب” وفحوى التعليم الفلسفي الذي ينشر الكفر ويشكك في المسلمات.

طرح الرجل كذلك مثالا، كيف بدأ الأستاذ الدرس بسؤال الطالبات عن وجوب وجود اب للإله ومن الذي أنجبه وهل يعقل وجود الاله أصلا. ثم ردت عليه طالبة بسورة الإخلاص وخرجت من الصف وتلتها طالبة أخرى …الخ…

طبعا، يتوجب التصفيق الحار للطالبة عند قراءة السطور بهذه الطريقة. فالطالبة غيورة على ربها وعلى اسلامها وعلى قرآنها الكريم. والرجل كافر ملحد يدس السم بالسم.

سألت نفسي: هل ستذهب هذه الطالبة فيما بعد الى جامعة؟ فاذا ما كان الجواب بنعم، فماذا ستفعل في حصة الفلسفة او الحضارات او الثقافة وغيرها من المساقات الفلسفية التي تطلق عنان الأسئلة لتضرب مهاجع التفكير في العقول؟

من السهل قراءة نص الرجل وكأنه حامي للإسلام وللدين، وكأن هناك خطة ممنهجة في دس الأفكار التكفيرية في رؤوس الطالبات.

من السهل كذلك تحريك الرأي العام ضد مدرسة راهبات الوردية تحديدا، بعد قضية الحجاب في المدرسة قبل سنوات.

وهنا ابدأ بالسؤال التقليدي: إذا ما تأكد الوالد ان هذه المدرسة تكره الدين الإسلامي وتدس أفكارا تكفيرية برؤوس الطالبات، لماذا يبقي ابنته في هذه المدرسة. فالمدارس التي تربي على الدين موجودة، ومن أبرزها مدرسة الايمان. يعني إذا ما أراد الانسان الذي يريد ان يربي ابنته على الشريعة الإسلامية كما يتوقعه من معتقدات ومسلمات لا يمكن المس بها، فهذه المدارس موجودة. ومن ثم يرسل ابنته الى كلية الشريعة، او الى السعودية او جامعة الازهر وغيرها من الجامعات الشرعية ويتأكد من الإسلام يتغلغل في عروق ابنته كما يجب.

ولكني لا اشك ان اختيار الاهل لمدارس مثل مدرسة راهبات الوردية. مرتبط بآمال الآباء بتقديم لبناتهم وابنائهم تعليما جيدا يرقى بهم. فلماذا هذا الرعب على الدين من المدارس؟

الحقيقة، ان ما قامت به مدرسة الوردية من ادخال مساق الفلسفة للمنهج هي خطوة متأخرة، لمدرسة تعمل وبإصرار على تقديم الأفضل من أدوات التعليم لطالباتها. فيبدو ان المدرسة اقتنعت أخيرا، ان التفوق بالعلامات ليس هو المؤشر الوحيد للتفوق العلمي، فهناك مدارك أخرى يجب فتحها في عقول الطالبات من اجل اخذ زمام حياتهن المستقبلية واعدادهن لجامعات راقية. فالفلسفة يجب ان تكون جزء من المنهج الرسمي منذ سنوات التعليم الأولى، لو كان عندنا مناهج تحترم العقول. ولكن من الطبيعي الا تكون الفلسفة جزء من مناهج، تؤكد على التلقين والتحفيظ كمصدر أساسي لحفظ المعلومة في العقل. والدين ليس الا أداة يتم استخدامها للسيطرة على العقول. فمناهجنا مليئة بالتلقين المبني على مفاهيم دينية تم دسها في كل المقررات وكأن كاتب المناهج يعيش في كهف من العصور الوسطى. والامثلة على هذا كثيرة ومتكررة. لا تحترم المناهج من خلال هذا وجود طلاب ليسوا مسلمين، وتفرض التعاليم الإسلامية وكأن الإسلام هو دين كل الشعب. والتعليم الإسلامي الموجود مبني على مدارس فقهية منحازة أقرب الى الوهابية، وكأن الطالب يتم تحضيره لمرحلة متزمتة من الحياة، نراها كما نراها اليوم كنتيجة يرجع فيها المجتمع الى الوراء بدلا من التقدم. فنحن أكثر تخلفا وعنفا وعنصرية وقبلية.  وعندما تتقدم مدرسة “مسيحية” بإدخال الفلسفة كمقرر “وسطي” لا يعتمد على الدين من اجل توسيع افاق التفكير، يتم محاربتها واتهامها بالعنصرية.

من حق المدرسة ان تقرر ان الدين الإسلامي لا يتناسب مع مبادئها كمدرسة تبشيرية مسيحية، ومع هذا لا تقوم أي مدرسة بهذا، احتراما للتعددية الدينية التي يبني المجتمع الفلسطيني نفسه عليها.

اعرف ان هذا المقال سينال نصيبه من الشتائم، فنحن لم نعد نر من أنفسنا الا ارتدادا لدين نريد الحفاظ عليه بلا أي عناء او جهد. لا نقبل الاختلاف ولا نتقبل أي اخر. وكل ما يأتينا من منطق به بعض السؤال يدخل في إطار التكفير والتلحيد.

سيأتي يوم سيكون الجيل القادم ملحدا بلا مجال للشك، ليس بسبب ما يتم تقديمه من مدرسة قررت ان يكون اعمال العقل جزء من التقدم في عقول الأبناء، ولكن بسبب التزمت المغلق على نفسه من كل الاتجاهات بذريعة الحفاظ على الدين.

الايمان لا يحتاج لان يحافظ عليه أحد. الايمان هو سلسلة من المعايير الأخلاقية والبنيوية التي نبني عليها وجداننا. نقول بلغتنا العامية ” الله ما شافوه بالعقل عرفوه”، إذا ما كان العقل هو مكان التعرف على الخالق، فكيف نمنع التفكر. الفلسفة هي المكان الذي يشكك فيه الانسان ما حوله ليخرج بأجوبة يسلم فيها الى وجوده. هذا هو الدين الحق. الدين الذي يترك المجال للسؤال والتساؤل، وعليه يأتي انسان عاقل ويتفكر ويتساءل.

من السهل إطلاق الاتهامات. ومن السهل التكفير، ومن السهل استثارة الرأي العام نحو موضوع الدين. ولكن اليس الدين الحقيقي غير ذلك؟ الم يتعرف الأنبياء على الله من خلال عدم تسليمهم لما كان من المسلمات في عبادة الاوثان؟

كيف حولنا عبادتنا لله الى وثنية؟

أتمنى لو تأخذ وزارة التربية والتعليم موضوع ادخال الفلسفة كمقرر الزامي في المناهج منذ الصفوف الأساسية، لعلنا نظفر بجيل يفكر ويزيل تحجر العقول والقلوب الذي يقربنا في كل يوم الى زوال محتم.

 

%d bloggers like this: