تصادف هذه الأيام إعلان استقلال دولة إسرائيل للسنة ٦٨ . أذكر في صغري عندما كانت ترفرف الأعلام الاسرائيلية على حواف الشوارع وكنت اتساءل عن معنى الرقم المكتوب وأتمنى بصمتي بأن تكون هذه السنة الاخيرة للاحتلال ..٣٠،٤٠ ،٥٠ ولا تزال الارقام تتصاعد ولم يزل هذا الحلم بتوقف الزمن عن ذاك الكيان مستمرا.

عقود من الزمن مرت على نكبتنا ، ألتي أصبحت ولا تزال نكبات متتالية . أكان إعلان إستقلال إسرائيل هو النكبة الأولى ؟ أم كل عدوان نشهده كل عدة سنوات علي غزة هي فصول من مجلد النكبة ؟ ام حالنا اليوم من هوان وانقسام هو النكبة الدائمة ؟

كما في كل عام ، تبدأ مراسيم الاحتفالات الحزينة في هذا اليوم ، وتأخذ المسيرات المتجهة الى اللا مكان حاملة مفاتيح رمزية ، ويتسابق السياسيون من كافة الاطياف بالخطابات والهتافات والتأكيد على العودة … ويقف المتجمهرون فرحون بحلم لا يزالوا يظنوا بأمل تحقيقه . فبين هتاف وخطاب كاذب مخادع وبين متلقي ساذج تستمر النكبة .

ونستمر في التصفيق للخطابات ، ونستدعي الإنتصارات الوهمية . مع اننا لا نجرؤ على التقدم خطوة إلى حاجز. ونستمر في تقديم أبنائنا قرابين لسياسيين بعد أن كان الدم يفدى للوطن..

وتبكي كل ام في صمتها داعية مبتهلة بأن لا يكون ابنها هو أضحية السنة.

ونستمر نحن في لعن الإحتلال على ما حل بنا من سرقة لوطن أصبح فيما بعد ضياع ، ونقف اليوم على مشاهدة ما تبقى منه يباع بالجملة والمفرق واكتفينا بسلطة وعلم وإسم دولة.

ننادي مع المنادين من الساسة لحق العودة ، ولقد أعلنوها مرات ومرات بالعلن والخفاء بمزادات المؤتمرات وشاشات التلفاز وقفا دائما للإحتلال. فلم يتردد رئيس السلطة في التنازل عن العودة الى صفد امام المشاهد الاسرائيلي ، لانه لم يعد يعرف طعم الشتات . فهو وقبيلته في نعيم السلطة ولقد عاد وعادوا . واختزلوا الشعب والقضية فيهم.

ويوم تلو اليوم يحصد الإحتلال تراب ما تبقى من أرض ويسقيها بدماء أبنائنا ..وأبعد امالنا ف حل يتيح لنا الحراك بقيود أخف فيما بين الحاجز والحاجز.وحلم بسفر وتصريح.

وبين سكوتنا وهواننا نحن الشعب عما جرى وكان . وبين غباءنا وجهلنا المستمر تسكن نكبة اخرى . فلا نزال نردد شعارات جوفاء ، وننادي بانتصارات وهمية ، وندعو لوحدة مفككة مبعثرة.

نرفض حتى أن نسأل أنفسنا عن التاريخ . من الذي سبب نكبتنا ؟ أهم الاسرائيليون فعلا ؟ لما نعادي اسرائيل ولقد قرر قيامها الغرب الذي قبلنا أن نعيش على معوناته وحسناته ؟ أكان قيام اسرائيل قرارا اسرائيليا صهيونيا؟

لست اقلل دور اسرائيل في نكبتنا . فبالنهاية إسرائيل هي الإحتلال . هي من قامت على أنقاض بيوتنا ورفات ابنائنا وسقت كيانها بدمائنا . ولكن …..

بينما تمر السنة وراء السنة . ولقد يشارف القرن على هذا الإحتلال ويكرر أحفادنا ما لا نزال نكرره من تاريخ لنكبة أصرينا على لوم طرف وبرأنا كافة الأطراف المسؤولة عن شتات شعب لا يزال لا يفهم ما جرى . لا يزال ينتظر عودة لن تأتي . لا يزال يعيش على فتات الشعوب في أرضه وخارجها ، وعليه تحمل خطايا النكبة .

ففي كل عام نعيش رواية جديدة مع النكبة حتى تحملنا مسؤوليتها . فأصبح الهارب منهزم والباقي صامد والعائد فدائي سابق .

باع واشترى فينا الانكليز وتسابق قادتنا في الحصول على استحسان منهم لمزايا هنا واستحقاقات هناك . نهج استمر منذ الدولة العثمانية . فتكالب العرب على العثمانيين بين صحوة عثمانية وظلام . بين محاولة للنهوض بالاقاليم العربية وبين محاولة للتخلص منها . وتسابق من أصبحوا فيما بعد رؤساء وملوك وشيوخ قبائل على اكل لحم الثور العثماني وهو في اخر أنفاسه . فتذاءب عليهم الغرب الغازي ببرنيطة وبدلة وقميص وهم لا يستشعرون ما تخفي ابتساماتهم الصفراء ووعوداتهم الخادعة . والتهى كل بنهش قطعة اللحم التي رميت له من جسد الدولة المنتهية وتركت فلسطين اضحية للغرب الذي انتظر دهورا وعقودا للتخلص من بلاء اليهود عليه.

وأوهمونا بقومية عربية لم تخرج عن أدبيات الشعراء والمثقفين . وكانت فلسطين كما لم تزل القربان المقدم لشرق أوسط تحكمه القبائل والشيوخ التي أقرها المندوب الغربي من أمريكي وإنكليزي وفرنسي وغيره.مقابل سلطة ومال من موارد الارض وشعوبها . مقابل استنزاف فلسطين أولا وما نحياه اليوم من نزيف للدم العربي يشكل أنهارا ستبصم عليها الازمنة.

ولا يزال العرب كما الفلسطينيون يستصرخون من أجل غيث لا يعوا حاجتهم له ووجوده . ولا يزال القادة العرب يخرجون علينا بخطابات يصرخون فيها تحرير أرض كانوا من البداية جزءا من تركها بين فكي الغاصب . عندما رموا انفسهم في احضان الامبريالية للتخلص من الدولة العثمانية … كانت الإمبريالية على دراية بأن العربان كما وصفهم الله أشد كفرا .

وأقول ما أقول ليس تبرئة للإحتلال من جرائمه منذ وجوده حتى اللحظة من نكبات يومية سببها ويسببها لنا شعبا وأفرادا . ولا أقول ما أقول لأحمل العرب ضياع فلسطين . ولا أقول ما أقول لتحميل الغرب المسئولية كلها بالأساس أو بعضها لقيام إسرائيل . ولا أقول ما أقول لألوم الإمبراطورية العثمانية على بطشها في حق شعوبها وعنصريتها ضد العرب والأرمن واليونان والسريان والكرد وكل من لم يكن تركمانيا خالصا . فقد يكون ضياع فلسطين جزءا من خطة تم تنفيذها ولا يزال ، ونحن الشعوب لم نفقه الا ما كان يقال لنا ويملى علينا .

فأقول ما اقول لنتحمل نحن الفلسطينيون مسؤولية نكبتنا اليوم . فنكبتنا ليست بنصف الشعب المشرد اللاجيء فقط. نكبتنا في الشعب الذي يدعي الرباط هنا ولا يزال يقبل على نفسه تقويده من قبل اسرائيل والسلطة . فاسرائيل تنكبنا والسلطة تنكب علينا . ونحن مربوطون بزوايا وقعرات الوطن لا نزال نصدق الأكاذيب والخداع الذي يحاصرنا وتملى به عقولنا .

فنكبتنا ليست بقيام اسرائيل .. لأن قيام اسرائيل كان متفق عليه من كل مسؤول وصاحب يد على هذه المنطقة . نكبتنا باستمرار ضياعنا وشتاتنا وفتاتنا وتقسيمنا كشعب وامة … قيل انها كانت خير امة اخرجت للناس….


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s