السيد الرئيس محمود عباس،

أوجه ندائي هذا باسمك لأنه لا يوجد من أصحاب الأماكن الرفيعة والمسؤولية في هذه السلطة من يستطيع أن يقف أمام إرث ارتبط بذاكرة القدس وبناتها عبر قرن كامل من الزمن. لا أعرف إن كنت أستطيع بهذه اللحظات أن أربط كلية شميدت للبنات التي تأسست سنة ١٨٨٦ وتعاقبت على مرور العقود بتعليم صفوة بنات هذا الوطن ، بالمدرسة الحالية المسماة كذلك بشميدت ، ولقد بنت ما تقوم به وبما تقام عليه على تاريخ بنته بنات هذه المدرسة عندما كانت راهبات ومعلمات ومعلمين هذه المدرسة على صف واحد من بناء وطن يرقى فقط من خلال تقديم بنات بجدارة بنات هذه المدرسة.

ككل غيور على ما يخصه من تاريخ وذكريات وإرث وثقافة، وضعني بيان وزارة التعليم العالي بوحدة القدس استنكار نقل او تبرع مدرسة شميدت بموجودات متحف البيئة لمتحف جامعة تل أبيب بوضع الإستنفار.

الحقيقة هنا ، أود أن أشكر وزارة التعليم الفلسطينية متمثلة بوحدة القدس على البيان الاستنكاري الذي نشرته لتدق على ناقوس الخطر المتربص بهذه المدينة على كافة الأصعدة.

في وقت يتم تهيئة العالم فيه لتهويد القدس وطبع دمغة الأسرلة فيها ، لم يتبق إلا أن نكون نحن أبناء هذا الوطن في واجهة التصدي لما يجري من تطهير بدأ بالحجر ويستمر بالمؤسسات ويتجسد يوميا بالبشر .

في البداية فكرت أن المسؤولية عند وزارة التربية والتعليم وعليها أن تكون على اطلاع بما هو متواجد في مدارس القدس. ثم فكرت أن الموضوع يتعدى التربية والتعليم ويمتد الى مسؤوليات أخرى تطال وزارة الخارجية بعلاقتها مع دولة كألمانيا و ممثلين عن هذه الدولة وممثلين لنا . ثم فكرت بأن هناك مسؤولية لوزيرة السياحة والآثار ، فنحن نتكلم هنا عن متحف يعتبر الأول من نوعه في مجال الطبيعة .ولقد تم إنشاءه في المدرسة على يد أحد مدرائها في بداية القرن العشرين واستمر بالعمل والتداول والزيارات حتى نهاية القرن العشرين. كوني كنت إحدى طالبات هذه المدرسة ، أستطيع أن اصف حتى مكان كل قطعة تم زجها في معروضات المتحف الاسرائيلي ومكانها الأصلي في متحف المدرسة. وأنا أجزم من هنا أن كل من دخلت كلية شميدت للبنات كطالبة تستطيع أن ترجع بذاكرتها لهذا المكان. ثم تساءلت عن وزير القدس ودوره . ولا أخفيك سرا بأن لائحة المسؤوليات طالت ، ولكني توقفت قليلا ونظرت إلى ما يرافقنا من أحداث في الخان الأحمر.

فأنا كذلك شاهدة كالمئات والآلاف من النشطاء على محاولات إنقاذ المجمعات البدوية في الخان الأحمر على مدار أكثر من عقد ، مع وعي تام بأن الموضوع أكبر من مجرد موضوع تجمع سكني لبعض العائلات . هناك إرث ثقافي وحضاري مرتبط بالبدو من جهة ، وهناك خطة استيطانية ليست خافية عن أحد ، كانت تحاك في صمت من قبل ، وبتنا نشاهدها مع شق كل شارع واضافة كل وحدة استيطانية.

ما يجري أو جرى بكلية شميدت ، قد تعرض لبعض الحيل على حسب اعتقادي ، أدت إلى عدم الإنتباه الى ما يجري في الخفاء . وأهم ما جرى ليس اهمالا من قبل السلطات المختلفة او الأهل ، بقدر ما هو ثقة من قبل المجتمع المحلي لهذه المدرسة وتاريخها . فكنا على ثقة أن هذه المدرسة هي عامود فقري في القدس لأن بناتها هن أوصال هذا المجتمع الممتد.

فكان استنكار وزارة التعليم مشكورا في بالغ الأهمية ، فلقد بلغ الوزارة أن مقتنيات هذا المتحف يتم عرضها في افتتاح لمتحف الطبيعة في جامعة تل أبيب. سيدي الرئيس ، إن هذا المتحف يعتبر الأول من نوعه في المنطقة ، ولقد تم تأسيسه من قبل مدير المدرسة المعين قبل مئة عام وقام بتجميع المقتنيات من الطبيعة الفلسطينية مع اهالي البلد في حينه. ولقد نشأنا كطالبات على زيارات ونشاطات على مدار السنوات الى هذا المتحف القابع في قبو كبير بالمدرسة.

عندما قرأت بيان الوزارة أجريت بعض البحوث في الموضوع وتبين أن المدرسة قد تبرعت في المقتنيات لمتحف البيئة في جامعة تل أبيب ، على حسب ما هو مكتوب في إشارة المتحف للمقتنيات. في نفس الإشارة هناك جريمة حقيقية في حق الإرث الفلسطيني تدخل في عملية تزييف التاريخ بإعلان الموجودات جزء من أرض إسرائيل . في المزيد من البحث، وجدت إصدارا لجامعة تل أبيب بهذا الموضوع في تقريرها السنوي لسنة ٢٠٠٨\٢٠٠٩ يرصد تاريخ المتحف والموجودات والاشارات المتكررة فيه لكلمة فلسطين . حتى في بحث إسرائيلي أكاديمي ذكر الحقيقة ، قام المتحف المعلن للمعرض بتزييف صارخ للبحث العلمي الخالص .

قمت بكتابة رسالة مفتوحة للممثلية الألمانية ووزارات الألمان المختلفة ، حتى انني توجت بخطابي للمستشارة الألمانية ميركيل ، لأن ما يجري عملية نهب علنية لإرث ثقافي وعلمي وجماعي .

سيدي الرئيس ، قد تكون دعوتي هذه ساذجة، ولكني أتألم بوجع الطفل المصاب بجرح عميق. فنحن في القدس تحديدا نحاول في كل ما اوتينا من حياة أن نبقي هذه المدينة بهويتها المقدسية الفلسطينية ، ليس تطرفا ولا عنصرية ونخبوية ، ولكن لأن من يتخلى عن تاريخه لا يمكن ان يكون له مستقبل . وفي القدس لنا تاريخ يجب التمسك في الحفاظ عليه في ظل هجمات غير متوقفة عن الاستباحة اليومية بالبشر والحجر.

توقعت أن ترد المدرسة ، او الممثلية الألمانية ، او اي صاحب سلطة يستطيع الرد، وجاء رد المدرسة هزيلا تضربه الحقيقة وان دل على شيء فيدل على ان هناك حالة من التبجح لا يأبهون فيها لسلطة ولا لأي مواطن . فقد جاء الرد كما يلي: ” بيان صادر عن مجلس أمناء مدرسة شميدت لتوضيح موقفها حول الإدعاءات من إقراض مجموعة الأب مستز لمتحف الطبيعة في جامعة تل أبيب: إن ملكية هذه الحيوانات المحنطة لم تكن يوما من الأيام ملكا لمدرسة شميدت وبناء عليه لا تستطيع المدرسة التصرف أو التبرع بهذه المجموعة لأي كائن كان. وترجو المدرسة عدم زج اسمها في أي بيانات او استنكارات . د. جورج روفكمب، رئيس مجلس امناء المدرسة.”

هناك عبارة حق أكيدة في هذا البيان ، وهي أن الحيوانات لم تكن يوما ملكا للمدرسة وعليه لا تستطيع التصرف أو التبرع بها.

وانا هنا متفقة تماما ، فهذه المدرسة لأهل هذا البلد قبل أن تكون ملكا لمؤسسة، ومهما كان دور المدرسة فيهما تجد نفسها به، فهي وسيط لتقديم التعليم لبنات هذه المدينة على حسب معايير اهلها . بما أن الحيوانات موجودة بالمدرسة فمن الذي نقلها ؟ هل تمت سرقتها ليلا؟ أو نهارا؟ هل تم تسريبها من قبل خائن ما أو عميل ؟ من الذي فعل هذه الفعلة النكراء في حق الحيوانات المحنطة.

إذا مانظرنا الى الصورة في معروضات المتحف، فنحن نتكلم عن العشرات من الموجودات وكما وصف في اشارة المعرض ، فإن هذه بعض من الموجودات ، التي تم الإشارة فيها بوضوح من قبل المعرض الاسرائيلي بأنها كانت موجودة في مدرسة شميدت.

سيدي الرئيس،

الرجاء اعتباري مواطنة تنادي من أجل استغاثة مريض او ضعف يتيم او ظلم أرملة.

ان التعدي على ممتلكات المدرسة التي تشكل صرحا أساسيا في معالم القدس (الشرقية) والتبرع بموجودات متحف به حيوانات فلسطينية وموجودات نادرة من الطبيعة الفلسطينية تم تجميعها قبل قيام دولة اسرائيل وكانت الاشارة فيها الى فلسطين حيث ابتعث المدير الالماني السابق، يعتبر تعديا على بنات القدس جميعا .

لقد تلقت صفوة بنات القدس تعليمهن في هذه المدرسة . هذه المدرسة كانت منبرا يحتذى به بالتعليم والتربية والارث الوطني. كانت دائما جزء من الحراك الوطني منذ انشائها . بنات شميدت كن رائدات العمل الوطني والنسوي في فلسطين منذ العشرينات من القرن الماضي.وزيرات ومديرات احتلت المراكز العليا في الوطن. ادارتها كانت دائما شريكة في نقل الأفضل والأصلح لهذا الوطن ، ولم نفكر يوما ان كانت هذه المدرسة المانية ولم نسأل أبدا عن تبعيتها ، لأنها طالما ما قدمت خدماتها التعليمية والتربوية لنا بكل صدق ونقاء والحفاظ على هويتنا الوطنية .

ما جرى من نقل او تبرع للمتحف يعتبر جريمة بحق السلطة الفلسطينية وتجريدها من كل صلاحياتها بالقدس وضرب للحائط بكل ما هو متعلق بالرجوع لأصحاب المكان وسلطته. يعتبر جريمة بحق طالبات وأهالي لطالما تغنوا بالوطنية وطالموا حاربوا من أجل المحافظة على قدسية هذا المكان . ما جرى هو إعلان صارخ بالزج بالمدرسة نحو آلة تصهين المكان وتؤسرله على مرمى النظر. ما جرى يمهد لمرحلة قادمة لن نستطيع فيها رفع رؤوسنا أمام أبنائنا . عندما ينقل إرث مدرسة عريقة متمثلة بكلية شميدت للبنات بهذا التبجح والاستهتار وبلا أدنى مسوؤلية أو مرجعية لبروتوكولات السياسة المتعلقة بالمدينة ولا أهلها ولا إرثها ، فلن نستغرب أن يأتي رئيس بلدية القدس لتدشين صف جديد ولن يكون غريب أن يقدم نتاياهو وسام اسرائيل للمدرسة.

أنقذوا صرح القدس التعليمي الأهم والأعرق … أنقذوا أهل القدس وساعدوهم على مقاومة عدوان ينتشر كالأخطبوط.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s