بين نبيل عمرو ووزير إعلام الحرب ومحمد الماغوط وغربة : قصتان لتغريبة عربية واحدة.

 

c182b90b-116d-4bd7-baba-f2ce2c764de1.jpg

 

من الصعب قراءة رواية لرجل سياسي معاصر وتعرفه نوعا ما. من الصعب أكثر ان يستقطب عنوان رواية بمسمى وزير اعلام حرب لكاتب كان وزير اعلام. ولا يمكن ان تتفادى تفكيرك النقدي المليء بمشاعر ساخطة ضد السياسيين بالسلطة التي اشبعتنا برجالاتها ببيانات ومقالات واراء تعبنا ومللنا، ليأتينا هذا السياسي برواية تقترب بتعريفها لصفته الشخصية التي كانت.

قلت في نفسي، نرجسية السياسي الذي انتهت حياته السياسية ويريد ان يصير المثقف في خريف عطائه.

بادرتني الكثير من الأفكار السلبية، وترددت في القراءة. هل على ان اقرأ رواية موجهة سياسيا قبل ان ابدأها، يحاول صاحبها تجيد نفسه وإعطاء ضخ في دمه لنرجسيته؟

على الاعتراف بأنني تفاجأت عندما اخذت الرواية في التفتح في احداثها امامي. كانت الاحكام المسبقة لا تزال تسيطر على قراءتي، عندما انتابني فجأة شعور بالانزعاج من احداث الرواية. سرد جمالي يحملنا بلا أدني شك الى حنين لحياتنا البسيطة، فأبطال الرواية في احداثها الرئيسية توقفوا عند حزيران ١٩٦٧ واخذ الكاتب بحرفية كتابية لا يمكن التشكيك بها، وبسرد وصفي للتفاصيل العامية التي تدغدغ وجداننا بطريقة لا يمكن الا ان ترى كقارئ من خلالها كل كلمة تتحول الى مشهد. مشهد شديد العمق عندما يبدأ بدغدغة وجدانك، وشديد البساطة عندما يبدأ بتشكيل نفسه من مكان وشخصيات واشياء امامك. وكأنه حملنا من حزيران الى حزيران قبل نصف مئوية ونفخ الحياة في مكان كان متجمد حتى يعيدنا اليه بكل تفاصيله.

رواية كان المقهى فيها بطل الاحداث، كما كان الراديو والدكان الحلاق والمقاعد والشاي والفرس المزركش والشخصيات بدأ بالعتال الذي اجهده حمله وتمنى لو يوزعه على أبنائه، وبسبب صوته الجهور كان له نصيب لقب وزير اعلام الحرب في لحظة اعلان الحرب المرتقبة.

تدور احداث الرواية في “كفر عرب” في كناية قد تكون واضحة لتقريب الفكر العربي “كفر” في أي قرية او مدينة كان. وزمن وقوع الرواية هو ثلاثة أيام من حرب حزيران. تاريخ محدد وحقيقي. يعيدنا الكاتب به بالزمن لما جرى قبل في خمسين عاما مضت ويضعنا كمن يجلس امام مقاعد مسرحية يقوم بها دريد لحام تشبه تلك التي شاهدناها في “غربة”. الشخصيات في الرواية كما في المسرحية، كلهم ابطال، وكل تفصيل مهما كان بسيطا مهم، وكل كلمة مهما كانت مليئة بالسخرية، السوداء منها او البيضاء تزاحم بالتأثير على مشاعرنا وتقض وجداننا. مؤلمة، موجعة، توقفنا امام مرآة الواقع الذي لا يشكل الا انعكاسا لما نحن عليه. اليوم كما قبل خمسين عام. لا يختلف المشهد بكل تفاصيله الا بتقادم الزمن الذي غير الصور ولكنه أبقى على التفاصيل الجينية. كأنه يؤكد لنا بإجحاف ساخر اننا لن نتغير الا بأشكالنا الخارجية ولن يؤثر علينا الزمن الا بمروره عنا. فلا شيء تغير منذ تلك اللحظة على تركيبتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية. وقد تكون بلاغة المشهد في معرفة القارئ (المبدئية) ان الكاتب أصله من احدى بلدات الخليل، التي حملت “كفر عرب” في روايته كنايتها. بلا داعي لأي تنبه، نظرنا الى المشهد الحاصل اليوم في الخليل. فالقبلية والعشائرية وشيخ المشايخ لم يتغير في مفاهيمه وتطبيقاته، حتى ولو شكليا، في وقت تغيب فيه القوانين عن المشهد الواقعي، وتغلب القبلية وتسود على كل المواقف.

مرور خمسين عام من تلك الاحداث التي شكلتها النكسة الفلسطينية، وتعاطي اهل القرية بكل مكوناتهم البشرية والطبقية مع الحدث المرتقب في حينه ـالحرب ـوتوقعاتهم وتحليلاتهم واستعداداتهم. لم تختلف في أي شيء اطلاقا ونحن على عتبة الإعلان عن صفقة القرن. ننتظر ونحلل ونمنع عن تفكيرنا كل التوقعات السيئة الممكنة، وشعور مؤكد بأن النصر قادم لا محالة مهما طال عمر الظلم وزمنه. لأننا مدعمون بالأغاني الوطنية التي تغيرت من جيل الى جيل فقط من أغاني عبد الحليم حافظ بدك المدافع والحشد والاستبسال الى أغاني تحشد اليوم بأغنية ازرع ليمون ازرع تفاح.

يقين بأن النصر قادم، بينما لا نعرف عن الاستعداد الا حمل السلاح. وكما في مشهد قاسي اخر مليء بالسخرية بالرواية، يأتي دعم السلاح للكفر، ويوزع بين العشائري والمنطقي للحاجة، ولكن بلا معرفة لاستعماله ومع قطع لا يعرف أحد منهم ان يستخدمها. اعلان طوارئ لمجهول مؤقت سيدحض الأعداء لا محالة.

وبين هزيمة تحصل بينما الانتظار امام المذياع وصوت العرب لا يقدم معلومة بعد الثماني صواريخ الأولى التي سقطت على ساحة الأعداء، وإذاعة صوت إسرائيل التي كان أحدهم يسمعها سرا في مذياعه الخاص. الحلاق الذي تغرب ورجع ليكون حلاقا، وكان اول المشجعين لترك المكان حتى تنتهي الحري ” وينفذ من يستطيع ان ينفذ بجلده”.

المجانين الذين تم اطلاقهم بسبب الحرب. في لوحة رائعة أخرى تقول احدى الجمل في شرح سبب جنون أحدهم والمدعو مطر: ” ماذا قلت لمدير المدرسة؟، ما رأيك بقائد المخفر؟،ما رأيك بالمخاتير؟ كانت اجاباته تلقى هوى في نفوس الطلبة. وصف مدير المدرسة بالنعجة التالفة وقائد المخفر بصاحب البطن الكبير المليء بالصيصان، اما المخاتير فهم عملاء الانجليز وصنائع كلوب باشا.”

إذا ما كان القارئ ليس بالنموذجي من ناحية العمر الذي يستطيع فيه عمل مقاربات فورية لما حدث حينها، فتذكره الرواية بقصة شبيهة جدا حصلت في قريته او مدينته حينها.

اما إذا كان القارئ غير فلسطيني او عربي ولم يعاصر تلك الحقبة من الزمن، فسيظن ان خيال هذا الكاتب مفعم بالتوصيفات والتفاصيل المتخيلة. وصف يشبه في تركيبته الأدبية الفانتازيا كما قدم جابرييل غارسيا ماركيز ب”مئة عام من العزلة”.

وسيصيب القارئ كما اصابني من خيبة كبيرة عندما قرأت “عشت لأروي” للكاتب العبقري الذي أكد في مذكراته تلك، ان الأماكن التي اختلقها في خياله المجنون في رواياته لم يكن الا من وحي الواقع الذي عاشه في بلدته عندما كان طفلا.

هذه الخيبة التي اصابتني بينما كنت اراود مكاني ذهابا وإيابا في ذلك المقهى المتموضع بالرواية، المخفر، وجلسات شيخ المشايخ وصوت الجيب العسكري والفرس المزركشة والشخصيات الهائمة على وجهها ليصنع الكاتب من وحي خياله اساطير من الأشخاص. ليصفعنا بأن كل ما جاء فيه بهذه الرواية حقيقي ولا يوجد فيه أي اختلاق الا تغيير الأسماء تلك التي حملت أسماء الشخوص.

حقيقة تصفعنا، وتجعل ما بدا سخرية مؤلما، وإذا ما كان هناك للزمن مكانا لنتعلم من خلاله ونستقصى دروسا، فانه يقطع علينا الطريق في ارجاع ذلك المشهد لتلك الأيام قبل خمسين عاما امامنا. لأن ما كان قبل الخمسين سنة تلك لم يتغير به أي شيء الا الأسماء.

وقد يكون في مقدمة النص ما يوجز الرسالة التي أرادها الكاتب من هذه الرواية:

الناس هم الناس والبلاد هي البلاد والامس هو اليوم وهو غدا كذلك.

في ذلك الحزيران البعيد انتجت القرائح كلمات وموسيٍقى واصوات. صلاح جاهين، كمال الطويل، والعندليب الأسمر، ويا اهلا بالمعارك، لم يتغير الكثير، ففي ربيع الو عزيزي ازدهرت قرائح الشعراء والكتاب ٬ولفي الاماني. وعدونا بربيع تتحقق فيه كل الامنيات بفعل عود ثقاب اشعله الشاب الذي فقد مصدر رزقه بطرفة عين فاشتعلت النار في هشيم كان ينتظر، لنكتشف ان فداحة الواقع أظهرت بؤس الوصف فالربيع كان متخيلا وحقيقته جحيما بدا امامه حزيران الأصلي طفلا ربما انتجته الخطيئة، اما حزيران البوعزيزي فقد أنتج قدرا لا راد له، صار يؤرخ للأيام والشهور والسنوات بالجثث والهاربين الى قاع البحر> ففيه امان أكثر مما في الأوطان.

Published by nadiaharhash

Exploring my own Shoes ... somehow my walk , my way ... Being a woman is one thing . One important thing of originally two things. However, living in a global patriarchal dominance makes one thing dominant of another . A lifetime struggle of women resilience for being the one thing they are Women . All the resilience of being a woman is another ONE thing . For being a Moslem woman is another thing . Being a Moslem woman living in an Occupied land is definitely a totally other thing. What if you add divorce to this ? Being a Woman, a Moslem , a Palestinian and Divorced … makes the introduction to living in my shoes… Living in a Shoe of a Woman. PS. English is not my first language.. I know I often need to edit , however, there is something in the power of the 'click send' button.. ever since I did it the first time .. I enjoy clicking directly from my heart...unedited...

Leave a comment

Leave a Reply

%d bloggers like this: