بأي ذنب مات الطفل قيس أبو رميلة؟

بأي ذنب مات الطفل قيس أبو رميلة؟

نامت القدس على خبر مرعب باختفاء ابن الثامنة، الطفل قيس ابورميلة وصحيت على خبر وجوده جثة بلا حياة.

لا اعرف كم فقدت تلك الجثة الحياة في مشهد يرفض ان يفارق مخيلتي منذ صباح اليوم، جسد يكاد الناظر يصدق ان الحياة لا تزال تنبض فيه وكأنه نام الى الابد في وضعية الجنين مختبئا محتميا ربما من البرد القارص والمطر المنهمر والوحل المحيط به وسط ضوضاء لم تترك سكون الليل. لو سكنت تلك الليلة ربما كان أحدهم سمع انين الطفل المنزوي وجسده الغارق في الوحل السحيق.

أسئلة لم تفارقني، كما مشاعر كثيرة بالحزن والالم والأسى ظلت مصاحبة لي خلال يومي. لم يبق إنسان الا انشغل في الدعاء من اجل هذا الطفل، ولا بد الانشغال لا يتوقف بالدعاء لأمه وأهله بالصبر على هذا المصاب الكبير. فليس أسوأ من هكذا خسارة.

الكثير من العبر والدروس في المقابل علينا التوقف عندها كثيرا… لعل وعسى تعلمنا لنتلافى مصائب ممكنة قبل وقوعها.

مرة أخرى كان التكاتف والتعاطف والتكاثف من اجل المساعدة في البحث عن الطفل. سرعان ما انتشر خبر اختفائه ومن ثم احتمالية او بالأحرى تأكيد خبر خطفه، أكد على ان سكان هذه المدينة ينتفضون حرصا وخوفا من اجل اطفالها …تحديدا. وما من شك ان الخوف مبرر.

لا اعرف كيف أصف حالتنا، ربما كنا نحمل كسكان وزر المسؤولية على مصاب سابق، نخشى ان يتكرر، كأهل العراق عندما تركوا الحسين للقتل، وعليه لا يزال الشيعة يجلدون أنفسهم سنويا تذكيرا وتخليدا لذلك المصاب الجلل في تركهم للحسين.

فهل تركنا محمد ابو خضير عندما اختطفه المستوطنون الوحوش وحرقوه؟ ربما لم نصدق ان ما جرى كان ممكن الحدوث. فمن يصدق ان الكره والحقد يصل في نفوس الاحتلال الى هذا القدر من الوحشية؟

اختفاء واحتمالية خطف الطفل قيس أبو رميلة أعاد للأذهان وحشية مصير الفتى محمد أبو خضير. المشاهد التي تم تداولها من عملية خطف لم تترك المجال الا التفكير ان قطعان المستوطنين اختطفوه، خصوصا عندما اكدت عائلة الطفل عدم وجود أي خلاف بينهم وبين أحد.

فهذا كذلك وارد في ظل ما نشاهده من وحشية مجتمعية، ضرب وقتل وحرق… أمور صارت جزء عاديا في يومنا. بل صار يبدو غريب ان يمر يوم بلا فاجعة او مصيبة بها طوشة او إطلاق نار او حرق سيارة.

هذا الرعب المبرر والمفهوم من قبل سكان القدس من الخطف يفسر احقية المشهد العظيم الذي رأيناه الامس من محاولات للمساعدة والبحث. حتى فكرة البحث في الاحراش كانت نتيجة طبيعية للتراوما الحقيقية التي عشناها كمجتمع عند اختطاف الفتى محمد أبو خضير وحرقه. ولكن لم أستطع الا ان اسأل نفسي بينما كنت استعد للتكلم مع كل من اعرف من المقربين وله طفل بهذه الاعمار لتحذيرهم، اليس من الخطأ ان نترك الأطفال بالشوارع ونحن غير امنين على حياتنا وحياتهم؟ هذا القدر الذي اظهره المجتمع من الرعب من الخطف يؤكد على ضرورة حرصنا كأهل على الأطفال أولا. لماذا نطلق ابناءنا للتواجد منفردين بشوارع غير آمنة على الحياة؟

ولنقل، ان الامر عادي، والولد كغيره من أبناء عمره، فمن منا تستطيع بالفعل السيطرة على عدم خروج ابنها الى الشارع؟ وقد يكون هناك سبب عادي ومبرر وممكن بلا لوم على خروج الطفل. غياب المسؤولية الاجتماعية عن التحذير وإصلاح هذا المكان الذي كما رأينا يؤدي الى القتل، يجعل الامر يخرج من فكرة تحميل المسؤولية لأهل طفل خرج الى الشارع من اجل ان يشتري حاجة ما قريبة من البيت الى مسؤولية الحارة والشارع المزدحم المليء بالعابرين من الأطفال والراشدين وهم على دراية مسبقة بحجم الخطر في ذلك المكان. طبعا تنتهي المسؤولية هنا عند دور بلدية الاحتلال التي لا تهتم أصلا بالبنى التحتية ولا البنى الفوقية بما يتناسب مع مصلحة السكان، ناهيك عن عدم مبادرة السكان بالعادة للتوجه للبلدية وذلك بسبب العلاقة السيئة والسلبية ما بين المواطن الفلسطيني وبلدية الاحتلال. بالعادة رؤية سيارة شرطة او بلدية نذير شؤم على أصحاب المحلات والسكان من رعب دائم للساكن في القدس من حياته تحت احتلال يتربص له بالمخالفات والانتهاكات.

المتابع لما جرى بالأمس، وهو الجميع للحقيقة، تمسك بفرضية اختطاف الطفل، وهب الأكثرية لفرضية قطع الطريق على المستوطنين الخاطفين. لا اعرف لم تذكرت لوهلة الفيديو الذي نشره زوج نانسي عجرم بعد قتل الشاب الموسى في بيته. في قضية زوج عجرم، جعلنا الرجل نصدق ما يريده ان نراه من مقاطع غير واضحة ومفهومة لما يبرر ما لم نراه ولكن عرفناه انه أطلق ١٦ رصاصة في جسد القتيل. بمقطع فيديو الامس عن الطفل واختطافه، لم يكن مؤكدا ما رأيناه من اختطاف في وضح النهار بلا تحرك لأي من الناس المكتظة بالمنطقة. ومع هذا أثرنا التصديق، وقلت في نفسي، ربما تم اخذ رقم السيارة وما يجري عمله الان هو محاولة لرصد تلك السيارة. وكبر بالتالي سيناريو اتهام المستوطنين مقابل عدم سماع تعليق للشرطة، او بالأحرى انتشار اخبار بان الشرطة تتباطأ في تحقيقاتها.

يبدو ان الشكوك بان الطفل وقع في تلك “العبارة” كما تبين من فيديوهات كذلك نشرت بالأمس تعيد شرح ما قالته الشرطة عندما تم احضار قوى الدفاع المدني من اجل شفط المياه لشكوكهم بأن الطفل قد وقع هناك. لأن كلاب الأثر التي جلبتها الشرطة استدلت الى ذلك المكان. كم الاكتظاظ الحاصل قلل من إمكانية تقديم الخدمات والمساعدة الطبيعية. في وقت لا نتوقع الكثير من سلطات الاحتلال بتقديم الأفضل في هذه الحالات، لأنه بقي عالقا في رؤوسنا إمكانية محاولة الشرطة بتضليل الجماهير المنتظرة عن خاطف مستوطن ممكن.

من اجل ذلك تشتت الجهود وتبعثرت. الطقس بدوره ومع الأسف لم يساعد، كما تلبد السماء وانعدام الضوء، فمحاولة المنقذين من غواصين وغيرهم ركزت كذلك على احتمال الغرق ولم تركز ربما في الانحاء، كما تبين لاحقا من وجود جثة الطفل بنفس أخير مع ظهور الصباح تحت لوح خشبي على زاوية في أطراف الحفرة – العبارة-

الفيديو الذي تم نشره على انه الحقيقة، مع الأسف ساعد بتضليل الرأي العام ومحاولات المساعدة، وبالتالي عمل الشرطة. أطلقنا التحليلات والنتائج بينما لم تؤكد الشرطة على شيء. هل تاهت الشرطة كذلك في تحقيقها نحو إيجاد الحقيقة وسط هذا الكم الهائل من التحليلات؟

بدوري كمتفرجة، بقدر ما خفت من ان يكون الطفل قد تم اختطافه، خصوصا عندما وصل الى مكان الحادث عضو الكنيست احمد الطيبي ومحافظ القدس عدنان غيث. فقلت في نفسي، لا يمكن استبعاد ان يكون تم اختطافه، فلقد حدث من قبل. ولا يمكن التفكير انه امر غير منطقي، فمن قبل كذلك حدث ما لم يكن ممكنا ولا منطقيا عندما خطف الفتي محمد أبو خضير من امام بيته وفي ليالي رمضان المزدحمة بسكان الحي.

الطفل قيس أبو رميلة وجد وهو قابض بيده على الخمسين شيكل التي كانت معه من اجل شراء الخبز و”الاشي زاكي” له ولأخوته. بنفس المعطف الأحمر والذي كان يرتديه بالصورة التي ربما لم يتم التقاطها قبل خروجه بكثير من منزله.

لا أستطيع الا أفكر بسيناريو اخر، كان من الممكن ربما ان ينقذ حياة الطفل الفقيد… ماذا لو تبدلت تلك الجمهرة الطاغية على المشهد في الشارع بالأمس وركزت في تلك “العبارة” حيث كان الطفل لا يزال يلتقط انفاس الحياة؟

ما ذا لو صدقنا تحريات الشرطة – السلبية- في تعاطيها – ربما وكلاب أثرها وحولنا أضواء الموبايلات التي كانت تنقل الخبر بالمئات على وسائل التواصل نحو الحفرة وصمتنا قليلا لدقائق ربما، للحظات. لعل انين صوته وصلنا. لعل الكلاب استطاعت ان تشم ما لم تسمعه اذاننا وما لم تستطع عيوننا ان تراه. فكان هناك الكثير من الساعات ما بين التأكد من احتمالية سقوطه في العبارة وانتشاله.

في نفس الوقت لا يمكن الا نتأمل مشهد الكثير من البطولات الفردية في هذا الحدث المحزن المبكي. استبسال بعض الشبان والمجازفة في النزول الى العبارة في محاولة البحث عن الطفل.

لا يمكن كذلك عدم الامتنان للشخصيات الاعتبارية التي جاءت لمساندة العائلة في البحث، سواء عضو الكنيست او المحافظ. ربما كان المشهد يحتاج الى هكذا شخصيات للتهدئة من روع المتجمهرين من الناس المرتعبة من فكرة ان يكون الطفل قد تعرض للاختطاف من قبل مستوطنين مستوحشين في وقت تنسد فيه الأفق نحو حلول إيجابية للقضية الفلسطينية على المستوى السياسي، يترقب فيه الناس انفجار قادم بين تصفية القضية في صفقة قرن يبدو اننا بدأنا بصفع أنفسنا لنعتاد على مغبة المصاب.

بين مشاعر لا تزال تتخبط في حزن وقهر، وفي امل بشعب لا يزال ينبض خوفا على أبنائه من خطر ممكن. خوف على الأطفال تحديدا، كأن بنا ما يتجمد خوفا كتجمد جسد ذاك الصغير من عدم حماية لطفل تأخذ حياته حفرة كان من الممكن سدها وتسييج ما حولها. خوف يتربص بنا من شر دولة احتلال نعرف انها لا تكن لنا حبا ولا تريد لنا وجودا وستقف دائما مع افرادها ضدنا.

حالة من انعدام الامن عكست نفسها لتصير في تلك الهبة الجامحة نحو مصير غامض نرتعب منه…. خطف روح أخرى لابن او ابنة…

الصبر والسلوان لوالدة الطفل قيس أبو رميلة، ولعائلته، ولأبناء هذه المدينة القابعة على فوهة الانفجار..

Leave a Reply