التعليم في القدس إلى أين؟

 

انتهى التوجيهي وبدأ السباق نحو التفتيش على جامعات. مرحلة انتهت من حياة الناشئين من أبنائنا لتبدأ مرحلة يشكلون فيها ما ينتظرهم من مستقبل يبنون فيه هذا الوطن….. أو يبنون فيه أنفسهم من أجل خدمة وطن يحلمون به…. أو يبنون فيه ما يرجونه من حياة أفضل.

هل لنا أن نفصل بناء الوطن عن بناء أنفسنا؟

سؤال بات سخيف في ظل وضع يحتدم فيه السباق على البناء الذاتي. وحبذا لو كان هذا الذاتي يبنى من أجل كتلة من الكل الجمعي الذي من خلاله يتحقق فيه ما نحلم به من أوطان. لأن الأوطان تبنى بأبنائها، أقف كثيرا أمام مستقبل شباب سيحددون وجهتهم في هذه الأيام المفصلية من حياتهم.

الفرص محدودة في الوطن مسلوب الإرادة والحرية والاستقلالية. فبين تعليم جامعي فلسطيني لا يرقى في نظر الطالب الذي عرف ولمس التعليم بأبعاد تتفوق على ما هو متاح في جامعاتنا سواء على المستوى الأكاديمي أو الثقافي أو الاجتماعي. فجامعاتنا مثل سلطتنا لا تزال في طور البناء وتعتمد في رؤاها وتوجهاتها على ما هو متاح من فرص تمويل للاستمرار في تقديم الخدمات. وقد يكون ما يحدث في الخليل بسبب ما أصبح أزمة افتتاح كلية الطب فيها يمثل حقيقة بالغة الأسى. فبات الموضوع فقط لمن تتبع الكلية الجديدة ومن هو صاحب الصلاحية، مع العلم أن هذه الكلية تحتاج من أجل أن تصبح كلية تستقبل بشريون الكثير الكثير الكثير من البناء والاستثمار البشري والمادي من أجل أن تكون قادرة على استقبال أطباء المستقبل. كيف يبدأ تسجيل لطلاب بجامعة ليست إلا قرارا على ورق؟ ولكني لست متفاجئة، فالصراع الفلسطيني اليوم هو على كل ما يمكن الصراع عليه من أجل منصب دائم أبدي. وأبناء هذا الشعب ليسوا الا حطب مدفأة هؤلاء!

أما أولئك المحظوظون ممن تتوفر لهم فرص التعلم في الخارج، فقد لا يعودون، وعندما يرجعون يعيشون في انفصام بين ما كان وما صار اليه الواحد منهم. وبين اختلاف يشبه السقوط الى الهاوية بين ما يعيش فيه العالم خارج سجننا الفلسطيني المحاصر والمحدد الحراك، وبين ما يجري من حياة طبيعية في العالم الحر.

أما في القدس، فالمصيبة مصائب.

جامعة القدس لا يتم الاعتراف بشهاداتها في إسرائيل، مما يحد من فرص العمل لهذه الأفواج من الخريجين. وبدل من التفتيش عن بدائل لما توفره إسرائيل من فرص شحيحة، أصبح الموضوع الشاغل هو كيف يتمكن الطالب من الدراسة في مكان تعترف فيه إسرائيل. لم يتوقف أحد ليسأل ما الذي توفره إسرائيل وما الذي لا توفره؟ لم يتوقف أحد ليفتش عن فرص تقدم لهؤلاء الشباب. وهكذا تحول مع السنين موضوع التعليم في القدس هو ما يمكن أن يقدم بدائل للتوجيهي والجامعات الفلسطينية من قبل المؤسسات الإسرائيلية.

بدل من التنبه لهروب الشباب من التوجيهي، والعمل على تغيير هذا الامتحان المرعب، صار البغروت الإسرائيلي مخلص لأبنائنا الذي يتربص كابوس التوجيهي بهم. فأصبح التفكير التالي سهل، بغروت فجامعة إسرائيلية، فعمل بمؤسسة إسرائيلية.

هذا الكم من الشباب الذي يمكن من خلالهم أن نبني وطنا يتوه منا، يتم استثمارهم ببناء المؤسسة الإسرائيلية التي تحتويهم في العلن أمام مفارقات ما تقدمه البدائل الوطنية، وتستهلكهم وتحولهم أتباع لمنظومة (الآخر) (الغوييم).

نناقش عن ميزانية بلدية القدس الإسرائيلية عن مخصصات التعليم ونطالب بصفوف ثم نتفاجأ من أسرلة ممنهجة للمناهج والمدارس.

ما الذي يمكن عمله في هكذا وضع يتفاقم نحو هاوية سحيقة؟

هل نلوم الطالب وأهله في محاولة تأمين مستقبل مهني ومادي أكثر أمنا ويدر دخلا أفضل في ظل غلاء متزايد ومتطلبات حياة تحتلها العولمة والاستهلاك؟

هل نلوم الطالب وأهله في البحث عن فرص أفضل لتعليم مرتجى؟

يتحول موضوع التعليم في القدس يوميا من شأن خاص، يقرر الأفراد فيه البحث عن طريقة تعليم مثلى ومناسبة لأبنائهم فيها، في ظل عدم ثبات سياسي بشأن القدس وتضييق الخناق على السلطة بالحراك في القدس، إلى حراك جمعي تصبح المدارس الإسرائيلية والمؤسسات التعليمية الإسرائيلية هي التحصيل الحاصل لطريق التعليم لأهل القدس.

إذا خسرنا ما كنا عليه من مؤسسات تعليمية وطنية، تبني الهوية الفلسطينية الوطنية ضمن ثقافة وتعليم تربوي ينشئ الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال، سنصبح مسوخا لهذا الكيان، نتحول من شعب قاوم على مدار ما اقترب من القرن من أجل تحرره، الى أغيار تشحذ اللقمة وتداس وتشكر على نعمة العاطي.

التعليم ليس مجرد مدرسة وشهادة وجامعة وفرصة عمل. التعليم هو ما يمكننا او يسحقنا أمام تحديات الزمن الذي لا ينتهي منه الاحتلال المستعمر في حالنا الفلسطيني.