Dr.Sherief ١


في ظل التدهور المستمر للحال العربي عامة والفلسطيني خاصة، احاول الابتعاد متجنبةسماع اخبار او مشاهدة مهاترات محطات التلفزة ،فاجدني

أهرب تارة لكتاب يأخذني لعالم كان حقيقي ذات يوم بقلم صاحبه وخطه، بابداع بين فنتازيا يتخللها الواقع والخيال واعيش للحظات بيت سطوره وعباراته وابدأ برسم واقع خيالي على واقعه والجأ الى مكان فيه ثغرة للامل ازرع فيه تمنياتي لواقع قد يصبح افضل.
واجدني تارة اخرى شاردة في متابعة مسلسل تركي او فيلم يعطل حراك عقلي عن التفكير ولو لبعض الساعات . وفي تفتيش ما عن موضوع خفيف استرق اليه على صفحات التواصل الاجتماعي بعيدا عن اخبار السياسة في الداخل والخارج ، واتوه فيما انعم الله علينا من سخافات ، وقف نظري على خبر “خفيف” عن فاتن حمامة. وفاجأني ثقل الكلام على لسان فاتن حمامة في فقرة اقتبس عنها ما قالته في شأن النكسة . وصفت ذلك الشعور العام الذي اذكره فيما بين صمت والدي عن تلك المرحلة . ولقد كنت اعتقد انها تقتصر على الشعور الفلسطيني الخالص . فبلحظة في وسط التنافر الذي نحياه اليوم كعرب وكفلسطينيون فيما بيننا داخليا ونحو الاخرين . رأيت معنى الشعور الجامع لمأساة واحدة . فجذبت النكسة انتكاسات مشاعرنا عربا وفلسطينيين . ولم استطع الا ان ارمي بافكاري نحو التنافر الحاصل . وللحظات جعلتني كلمات فاتن حمامة اشعر بأحقيتي بالكلام عن الشأن العربي والذي قد يكون مصريا ،في وقت ابذل جهدي بالتحفظ المتعمد عن الحديث عنه . فنحن نحيا اليوم حياة مليئة بالجلد لكل من لا يتكلم لغتنا قلبا وقالبا ، والمقصود باللغة ليس لغة التخاطب هنا . لاننا نقبل ذلك الذي يتكلم اللغة الغريبة لاننا نؤمن بأن ما يأتي من الغرب يحمل المعرفة والفهم الذي نجهله . نجلد الاخر الذي لا ينتمي لافكارنا وولاآتنا بعد ان نصبنا انفسنا مراقبون شخصيون لانفسنا دفاعا عن من نصبناهم اولياء على امورنا . ولأن الشرخ في الشأن المصري اليوم يشبه ذلك الذي نعانيه نحن الفلسطينيون فيما بين فتح وحماس . فالحديث عن اي طرف لا ينتمي اليه الشارع الملتف ضد الاخر يعتبر عداءا من الدرجة الاولى التي قد يصل صاحبها الى الاتهام بالخيانة والعمالة….ولقد يترتب عليه بلا ادنى شك الحكم بالاعدام .ولقد صرنا في الوطن العرب نتباهى بحسن علاقاتنا بالعدو التاريخ لنا ونتحد ضد اخانا اذا ما اقترب من عدونا الخارج من ذواتنا بكلمة خير او حق.

رحلتي الاسترخائية في عالم فاتن حمامة ، لم تستطع ان تجعلني اهيم في رومانسيات الافلام المصرية … طبعا بعد الخيط الرفيع واريد حلا لم يكن امامي بعد لا عزاء للسيدات الا ان اجند حسي النسوي في رؤيتي لفاتن حمامة ، ولقد اعلنتها بتلك اللحظة نسوية ومدافعة وحقوقية من الدرجة الاولى . بتلك اللحظات رأيت بفاتن مصر التي تربيت على معرفتها . المرأة التي تمثلني كامرأة عربية . جمعتني بتلك اللحظات واياها هموم المرأة ومشاكلها وذلك الصوت العالي من الصراخ استغاثة والبحث عن حلول تخرج من مكان التسلية التي كانت نجمة كفاتن تقدمها لجمهورها. واليوم مع تعدد الاعلاميات والممثلات وغيرهن وكل ذلك الصراخ على الشاشات بشأن حقوق للمرأة او مساءلة في شأن الوطن .تقف فاتن حمامة بشموخ كالهرم تعلم فيه عن طريق دورها الذي اختارته لتساهم في نقاش ما امنت به من قضايا تخص الوطن في ظل غياب وقحط لرؤى تضيف للمرأة بل تحط من قدر المرأة باصوات عالية او اجساد عارية ..الكل صار فيها سواسية.غياب للفكر والحكمة والتعقل بالرغم من ازدياد الفرص والعلم والشهادات والامكانيات .

ومن عالم فاتن حمامة ، صادفت على ارضي شخصية اخرى كنت اجهلها ولطالما لم تفاجئني مصر بشموخ قممها من فنانين وادباء وعلماء ومشرعين وغيرهم… ففي كل مرة التقي بهكذا قمة ، اقف خشوعا وتقديرا امام عظمة ما تقدمه مصر عندما تقدم . فكان بطلي هذه المرة محمود شريف بسيوني. اسم لم يعن لي اي شيء قبل ايام ، وان كنت قد تتلمذت على كتبه ضمن دراستي في القانون في صغري ، وما من عابر سبيل في مسائل حقوق الانسان والمحكمة الجنائية الدولية الا ويمر اسمه امامه . واعترف اني لم اربط اسمه بتلك المساقات مع مرور الزمن وكثرة الدروس. الا ان بحثا صغيرا جعلني اقف امام جهلي بمواجهة خاسرة كالعادة . فالاستاذ الدكتور محمود شريف بسيوني كان مرشحا لجائزة نوبل للسلام في ١٩٩٩، وحاصل على ٩ مناصب فخرية من قبل مؤسسات عالمية مرموقة وله من المؤلفات العشرات من الكتب ، والمئات من المقالات والدراسات في القانون الجنائي الدولي، الجنائي المقارن، حقوق الانسان والقانون الجنائي الامريكي ، الى جانب عدة مؤلفات بالتاريخ والسياسة والدين . عدا عن العشرات من الجوائز والشهادات الفخرية الحاصل عليها.
تكمن اهمية الاستاذ الدكتور بسيوني في كونه احد فقهاء القانون الدولي في العصر الحديث بالاضافة الى مساهماته الهامة بمحكمة الجنايات الدولية ناهيك عن كونه احد المشرعين الذين اسسوا نظام المحكمة الجنائية الدولية الاساسي مما تبعه ترؤسه لمعهد قانون حقوق الانسان الدولي منذ ١٩٩٠ وعمله في الامم المتحدة منذ السبعيننات وثلاثين عاما في الامم المتحدة شاغلا مناصب عديدة وترأس لجان تقصي حقائق كمبعوث للامم المتحدة وكخبير خاص في قضايا عديدة منها يوغوسلافيا ،افغانستان البحرين وجنوب افريقيا وغيرهم بالاضافة الى الدور الهام في القرارات المتعلقة بمناهضة الارهاب والتعذيب وضحايا الانتهاكات في العالم .
وكغيره من الكفاءات العربية التي تزج بها بلدانها للخارج ، تم استخدام كفاءاته العالية بالاضافة لتلك الاكاديمية في دوره الاستشاري في عدة سنوات بوزارة العدل والخارجية الامريكية في مشروعات تتعلق بالاتجار الدولي بالمخدرات ،الارهاب الدولي في السبعينات من القرن الماضي. بالاضافة لكونه محام لشخصيات دولية بارزة كان من ضمنها رئيس الوزراء الايطالي الاسبق برلسكوني في احدى قضاياه .
في محاضرة اعتبرتها كليات الحقوق في الجامعات الفلسطينية تاريخية ، حل الاستاذ الدكتور محمود شريف بسيوني ضيفا على جامعة القدس . ومضت الساعات كالدقائق بحضوره المليء بالمعلومات الخاصة بمحكمة الجنايات والامم المتحدة ، وتلك القصص الشخصية التي كانت تخرج من جعبته كالحاوي تتمحور حول سياسة الامم المتحدة بما يهيمن عليها من بيروقراطية وقيود مالية كفيلة بتعطيل وعرقلة كافة القضايا الهامة التي تسعى الدول عادة بالهرولة للامم المتحدة وفروعها من اجل الحصول على بعض الاستحقاقات من عدل في امور المنازعات فيما بين الدول .
حاولت منذ الساعة الاولى من لقاء الدكتور بسيوني عمل حوار للمجلة معه . فاصابني شعور بالفخر والغبطة بالتواجد حوله وسماعه . وفي كل مرة كنت اسمع ما يقوله كنت انحني تواضعا امام علمه وتواضعه . ذلك الشعور الذي يتملكك بصغر حجمك امام اشخاص كلما اقتربت منهم تمعنت في صغر حجمك امامهم . ولم يكن الحوار اكبر اهتماماتي ، فرأيت في هذا الحوار فرصة بالتفرد بجلسة اسمع واتعلم واستفيد مباشرة من هكذا رجل . وبكل دبلوماسية اعتذر وذلك لانه يعتقد بان الوقت غير مناسب في هذه الاثناء في مصر للحديث عما يجول من خواطر او حتى التطرق في الوضع العام . فكل شيء يتم اساءة فهمه وتأويله في غير موضوعه ومكانه . واحترمت رغبته وانسحبت . الا انني وبعد المحاضرة قررت باعادة المحاولة . فما سمعته في الساعات القليلة السابقة كان كفيلا بأن اقرر ان اكتب عنه بكل الاحوال. ودخلت بالطبع مع نفسي في تلك الرومانسية التي لا تزال تصاحبني وافلام فاتن حمامة منذ يومين . وذهبت اليه مطالبة بحوار باصرار هذه المره ، وكان الرجل قد نسي عما كنت اتحدث . وسرعان ما ذكرته او فرضت عليه التذكر . وشعرت انه احتراما ولطفا سايرني بينما كنت افرض نفسي على الحديث وفي لحظة قال لي ، ان كنت ترغبي بكتابة انطباعاتك فلا بأس . فسررت بهذا واتفقنا على اللقاء مساءا. هكذا استطيع ان اكتب عنه ما طاب لي من امور وانطباعات ادمج فيها خيالي المجنون قلت في نفسي . فليس اجمل لخيالي ان يحيك قصة عن رجل يعلو فراشه احد أردية الكعبة ، ويملك ثلاثة اخرون . فجده كان من يكسو الكعبة في كل عام حتى انتهت امارة مصر على الكعبة. رجل طاف بالكعبة وحيدا، تملك المكان والزمان والتاريخ في لحظة لا تحققها حتى الاحلام . قد اكتب قصصا عن مناجاته التي سيؤلفها خيالي في هكذا مقام ….
وامتدت ساعات المساء بين لقاءاته المتعدده والمطولة بين كل من رأي فرصة مهمة للحديث معه من وزراء ومستشارين واكاديميين . وكنت اتلذذ في سماعه ويزداد حجمه امامي بينما كنت اتقلص فيما بين نفسي حتى شعرت للحظات باضمحلالي . الا ان شدة لباقته ابقتني حاضرة فيما بين الكلام . وبعد ما قارب منتصف الليل قال لي : ” قولي لي عايزة تكتبي بايه ولمين”. وصرت احدثه عن المجلة وعن هدفي في الكتابة عن شخص مثله في زمن يغيب عنه القدوات . ولقد اصبح الانسان السوي القويم هو عملة نادرة ، فكيف اذا ما امتلأ بكل ذلك القدر من العلم والكفاءة . فأظن انه من الواجب علينا في كل لحظة يمر بدربنا شخص يعطي الامل في الانسان العربي ان نشير اليه ونقف امام انجازاته .
وحال الدكتور بسيوني كحال المثقف العربي في كل زمان ومكان . مليء بالحب لوطن لا يزال يسكنه رغم الانفصال عنه قهرا ، وسعيا وراء معرفة ومكانة تبخل الاوطان مع الاسف عادة في تقديمها لابنائها . وبينما كنت قد عقدت العزيمة على الكتابة في عموميات ما رأيت فيه واردت التوقف عنده، نظر الي قائلا : ” اتودين ان اتكلم عن مصر ؟ ” استمعت اليه الى ما يقرب النصف ساعة من حديث متواصل ، وكأنه كان في حالة مناجاة ، لم استطع الا النظر اليه متأملة مستمعة لصوت قلبه وهو يتكلم عن مصر . فكأنه مد يده وسحبني الى تاريخ ماض بدأ عمرو بن العاص في سنة ٦٤٢ م عندما جاء مصر مخلصا اهلها ومعه ما لا يتعدى الالفين جندي امام الرومان (البيزنطينين) الذين كانت اعدادهم اضعاف مضاعفة من الفرق . وعندها تعاون الاقباط مع جيش عمرو بن العاص وساعدوه في التغلب على جيوش الرومان بعد سنوات من اضطهادهم لهم. واستمرت الوحدة في مصر منذ ذلك الوقت لما يزيد عن ال ١٤ قرنا بين تآخي فيما بين الاقباط والمسلمين
وفي مشهد مترابط ،لا يسع نسجه الا من انسان عاش التاريخ وتربى عليه ، وصف لي الدكتور شريف بسيوني حال الشعور المصري المرتبط بعلو الهوية المصرية في الأزمات المختلفة .فالتحام المصريون في اواخر القرن التاسع عشر في ظل اضطهاد الدولة العثمانية والغزو البريطاني سنة ١٨٨٢، كانت قد بدأت “الحركة القومية””الوطنية” الاولى في سنة ١٨٧٥بقيادة مجموعة من المثقفين والنشطاء السياسيين كمحمود سامي باشا واحمد عرابي فيما بعد، والذي كان يشغل منصب وزير دفاع في سنة ١٨٨١، والذي اعترض على الاجتياح البريطاني في تل الكبير في الدلتا المتاخم لقناة السويس والقريب من الاسماعيلية وعندها هزم الجيش تحت قيادة عرابي والاحتلال البريطاني بدأ (في ذلك الحين كان الخديوي توفيق والسلطان التركي تحت الخلافة العثمانية قد تحالفا مع الانجليز. من الجدير ذكره ان الحراك الوطني الذي نشأ في تلك السنوات ، كان للتخلص من الاضطهاد الذي كان يمارسه الخديوي المعين من قبل السلطان العثماني والذي كان يسيطر على حاشيته الشركس والاتراك . الذين استدعوا بطرق تآمرية الوجود الاستعماري الانجليزي حين استشعروا الخطر من الحركة الوطنية ). قامت ثورة ١٩١٩ عندما لم يستطع حزب الوفد بقيادة سعد زغلول الحصول على الاستقلال من عصبة الامم .محمود بسيوني قاد الثورة في القسم العلوي من مصر وحكم عليه بالاعدام وخرج حينها للواحات في انتظار حكم الاعدام ، الا ان اعلان الاستقلال جعل من المحكمة العليا تفرج عنه .بقيت مصر ك “محمية” بريطانية حتى سنة ١٩٢٢.تأسس الدستور الاول في مصر سنة ١٩٢٣ واقيمت ملكية دستورية شملت ثلاثة سلطات احدها كان نظام تشريعي قوي. تم تشكيل البرلمان الاول في مصر سنة ١٩٢٣ وكان جده محمود بسيوني احد اعضائه واستمر فيه للاربعينات. ولقد ترأس بسيوني المجلس عدة مرات . وقعت مصر اتفاقية سنة ١٩٥٤ مع فرنسا وبريطانيا من اجل الاخلاء العسكري. وبعد ذلك تم الاعتداء على مصر من قبل بريطانيا ،فرنسا واسرائيل سنة ١٩٥٦.
الشعب المصري كما يؤمن به محمود شريف بسيوني ، هو شعب تربطه الهوية المصرية وتدفعه نحو التحرك في اوقات الازمات الخانقة . فاستمرار الحركة الوطنية المصرية منذ ١٨٧٥ ولغاية اليوم يحركها بقوة هذا الشعور بالهوية المصرية فقط..
فشارع محمود بسيوني المؤدي لميدان التحرير مطلا على تمثال الشهيد الفريق عبد المنعم رياض يبقى وكأنه تذكار شخصي يذكر محمود شريف الحفيد بصنيع الاجداد من ثورات دامت حتى ٢٥ يناير٢٠١١ الذي قرر فيه المصريون انهاء استبداد ثلاثة عقود من حكم مبارك .فالشهيد عبد المنعم رياض الذي قتلته اسرائيل عمدا سنة ١٩٦٩ كان المخطط الحقيقي لحرب ١٩٧٣. إشارة عبد المنعم رياض بإصبعه نحو شارع محمود بسيوني في ذلك المكان الذي غير ملامح مصر بعد ٢٠١١ ، يرتبط به شريف بسيوني بصورة شخصية تجمع صلة القرابة بينه وبين الشهيد عبد المنعم رياض وتحمله بذكريات خاصة ما بين الشارعين والميدان عندما كان طفلا كبر على احلام الثورات وعاش تاريخ الابطال .
ما جرى من تغييرات في مصر على اثرها تضمن اعتلاء الاخوان المسلمين الحكم بانتخابات شرعية مهما بالنسبة لبسيوني . وسقوطهم المدوي ب٣٠- يونيو ٢٠١٤ كان بنفس الشرعية على حسب رأيه . فعندما ينزل ما يفوق عدد المنتخبين الى الشارع لاسقاط حاكم ، فهده ايضا هي الشرعية. الشعب هو الذي يعطي الشرعية ويأخذها . ومثلما كانت نتيجة تدخل العسكر بعد ٢٨ يناير بحكمة استدعت حقن الدماء والدخول في حرب اهلية بعد خروج الاخوان المنظم بعد الايام الاولى من الثوره . كان تدخل العسكر في ٣٠- يونيو هو الحل الامثل للخروج من الموقف المحتقن الدامي الحاصل.
مشكلة الاخوان المسلمين كانت بانهم بالرغم من تنظيمهم ، جماعات عاشت في الظلمة والسرية لاكثر من ثمانين عام . وعند خروجهم وحكمهم استعجلوا النتائج والتغيير وكانوا كمن يخرج الى النور من الظلمة الحالكة. في حالة تخبط. وما لم يفهموه هو ان الشعب المصري لا يسيره الدين على الرغم من تدينه . فميزة الشعب المصري في ذلك الخيط الرفيع الذي يجمعه في “مصريته” و “هويته” في الاوقات العصيبة والصعبة. فالدم المصري غالي على المصري ويغلب على كل شيء اخر ، وهذا ما اساءالاخوان تقديره .
وفلم يستوعب الاخوان برأي د. بسيوني..المصريون رفضوا حكمهم “الديني الطابع”والطموح لانه تم تفضيله على الحس الوطني المصري. فالخطأ الاكبر الذي ارتكب من قبل القيادة المصرية بشأن الاخوان كان عندما اتفق معهم مبارك بالا يشتغلوا بالسياسة وافسح لهم المجال في الدعوة. العمل في المجال الخيري من انشاء مستشفيات ومدارس ومساكن منحتهم شعبية ادت الى انتهازهم فرصة اقتناصها عند الثورة ، التي لم تكن على غرار الثورات التي شهدها التاريخ كالثورة الفرنسية ،البلشيفية وغيرها مبنية على “الفكر” ، بل ما يمكن تسميته بالعامية “اعتباطية” نتيجة للوضع العربي العام القائم على غياب الفكر الديمقراطي الحقيقي الذي من شأنه ان ينتج فكرا يؤدي الى ثورات. وعلى قدر خطأ مبارك بإشغال الاخوان بالدعوة بدل السياسة في حينها ، يبدو ان القيادة الحالية تسيء ايضا التعامل معهم باقصائهم تماما . فهذا سيجرفهم نحو ظلام يحتشدون فيه الى حين اقتناص فرصة جديدة . فالاولى احتوائهم ضمن عملية تضمن تواجدهم بالنور تسمح للشعب فيما بعد رؤية الامور بوضوح والاختيار بطريقة صائبة.
وقد تكون احد المشاكل المهمة التي لا ينتبه اليها المصريون اليوم في انشغالهم بالتخلص من الاخوان هي مشكلة السلفية التابعة للسعودية بالاصل. ففترة حكم حسني مبارك كانت فترة اشترى بها السلفيون الازهر وتغلغلوا في القيادات الدينية بمصر وباقي العالم مما أدى الى زيادة اعدادهم وامتدادهم. فالتأثير السلفي على الفكر الاسلامي في مصر نما عن طريق الدعوة والتي بدورها ادت الى زيادة شعبية الاخوان في فترة محددة. فالمشكلة الحقيقية كما يراها بسيوني تكمن في السلفية . فالسلفيين اليوم يناصروا القيادة العسكرية الحالية بسبب تعليمات السعودية . فانتماؤهم للسعودية وليس لمصر وهذا هو الخطر.
وتبقى مصر اليوم كما يراها د.شريف بسيوني وفي العقد القادم بحاجة لخطة تنموية اقتصادية حقيقية تساعدها بتخطي الازمات الحالية ،والقادمه ، والتي لا يساعد في حلها المساعدات الحالية من الدول المجاورة والغنيه لانها مؤقتة وانيه . فمصر في عشر سنوات سيبلغ عدد سكانها المئة مليون ، ويكون نصفهم اعمارهم تحت الثلاثين( من عمر يوم لغاية ٣٠) . مما يتوجب توفير فرص عمل لهم . في خضم وقت يعاني منه الشعب والشباب من نسب عاليه من البطالة وتحت حد الفقر .فالمشكلة الاقتصاديه ووجوب ووضع خطة اقتصادية تنموية هي من اهم تحديات الحكومة المصريه في العشر سنوات القادمة. وقد يكون من الضروري التوسع السكاني في اماكن متباعدة كسيناء مثلا في ظل التزايد السكاني من جهة ، وطريقة لحماية مصر بحدودها مع الجيران ، كغزة مثلا ، التي من الممكن ان تمتد حدودها في ظل التفجر والخناق الحاصل فيها الى حدود مصر . فتحويل المساحة الى اماكن اهلة بالسكان مفيد على كافة الاصعدة. والمشكله المهمة الاخرى في مصر اليوم هي تدني القيم الاجتماعية والاخلاقية التي تراكمت خلال ثلاثين عاما من الفساد في حكم مبارك . فما يعيشه الشارع المصري من انحطاط في الاخلاق وما يشهده من تدني لوضع المرأة من تحرش وتعديات بالشوارع هو احد هذه المؤشرات .
فالمسؤولية في التغيير في مصر اليوم ، على حسب اعتقاد د.شريف بسيوني لا تقع على الرئيس عبد الفتاح السيسي. فهو شخص ضمن فريق يشكل اليات الحراك فيه الشعب المصري . فالسيسي ليس مسؤولا عن تدني الاخلاق وليست من واجباته وضع اسس تربوية . هذه واجبات كل انسان مصري من البيت وخارجه . فواجب المواطن الشعور بالانتماء والمحافظة على الوطن بدءا من عدم رمي القمامة بالطريق وانتهاء بكل مرافق الحياة .
….
توقف الحديث في لحظة ما ، ولم استطع الا ان استحضر تلك المقولة الفلسطينية الدائمة : ممكن ان تخرج الفلسطيني من فلسطين و لكن لا يمكن ان تخرج فلسطين من الفلسطيني. وهذا ما رأيته ولمسته في ذلك الحديث … يمكن للمصري ان يخرج من مصر ولكن لا يمكن ان تخرج مصر من المصري.

عدت الى بيتي وكأن شيئا مني لا يزال واقفا الى جانبه في ميدان التحرير ننظر سويا تلاقي شارع محمود بسيوني والشهيد عبد المنعم رياض ملوحا بيده الينا ، وعينيه الى السماء متأملا …. لا تزال مصر بخير بأبنائها. …
Dr.Sherief ١ Dr.Sherief ٢ Dr.Sherief٣


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s