رواية على درب مريم: ثلاثة روايات في رواية واحدة. بقلم الاستاذ ابراهيم جوهر

رواية “على درب مريم” للكاتبة “نادية حرحش”

ثلاث روايات في رواية، أو ثلاثة مسارات في رواية محمّلة بالتاريخ والسياسة واللجوء والواقع الاجتماعي . الكاتبة ذات القلم الجريء وهي تخضّ الواقع تواصل في “على درب مريم” قذف الحجارة إلى سطح الواقع لتحرّك بركته. أواصل العيش مع شخصيات “نادية حرحش” في “على درب مريم” : أستطلع حدودها وثقافتها وأقف على صبرها وصدمتها وتحمّلها عبث الآخر ونزقه وشذوذه. شخصيات عديدة ذات أبعاد وأخرى ذات انفصام، وأنا أتساءل: هل ستكون “نادية” هنا بمضامينها الجريئة قلما آخر يصب في الرواية النسائية التي تثير الضجيج قبل الدراسة: دراسة المحتوى والرسائل المرسلة بلغة انتقاد وتعبير طال السكوت عنه؟ “نادية حرحش” هنا تدخل “غرفة نومنا ” (أصل التعبير لتوفيق زياد) وتكشف المسكوت عنه! أقرأ وأفاجأ وإن كنت أعلم شيئا عن تلك “الأسرار” القائمة في مجتمعنا… شخصياتها تحمل جبالا من المعاناة والقهر وأحداثها صادمة. أخذتني الكاتبة بأسلوبها الجديد وهو يذهب إلى زوايا الحياة فضعتُ (!!) وارتبكتُ وتشتّتُ! دخلتُ معها إلى “غرف نومنا” وتابعتُها وهي تنشر “أسرارنا” المخيفة المخفية رغم انتشارها لكننا نشيح بوجوهنا عنها وعن علاجها. لا أظنّ أنّ قراءة واحدة موزّعة على جلسات تؤهل قارئها ليقول في العمق ما ينتظر منه أن يقول. هي كتبت حياتنا ببؤسها وأحلامها المكسورة ولم تنس الاحتلال وهي تغوص في الواقع الاجتماعي بل طافت العالم بمدنه وتاريخها. توقفت مليّا عند أسلوب الكاتبة الثلاثي في هذه الرواية: الاقتباسات وما يشبه العناوين المستقلة عن النص، ثم النص، وأخيرا هذه الإشارات التوثيقية الحقيقية للقرى والمدن الفلسطينية الممسوحة عن خارطة جغرافيا اليوم وهي تواصل حياتها بأسماء شخصيات الرواية، وهذا أسلوب غير مسبوق يسجل للكاتبة. والرواية تشكّل خارطة وعي وجغرافيا ولغة روي وتحليل مسلكيات الشخصيات نفسيا واجتماعيا بالاستفادة من علم النفس والاجتماع والفلسفة والتاريخ. جاءت لوحات الرواية نابضة سريعة متلاحقة واستعانت الكاتبة بالمونولوج والفلاش باك الفني ولغة السرد البسيطة الأليفة فيشعر القارئ وكأن الكاتبة تحكي معه وجها لوجه فتبوح وتسرّ وتخبر بأسرار شخصياتها.كما استعانت بالمونتاج السينمائي الفني لتكتمل لوحتها الروائية العامة بما يضمن تقديم شخصياتها بقدر عادل على الأرض وفي التعريف بها لقارئها. هذه رواية ثقيلة في الحركة الروائية وهي تكشف المستور المسكوت عنه وتغوص في دواخل شخصياتها النسائية وتتناص مع ثقافة أنتجتها قرائح مبدعين قديما وحديثا فتقدّم مادة دسمة لا يمكن استيعابها بقراءة سريعة لأنّ الفكر الذي تقدّمه جادّ يجب استقباله بجديّة وشغف المعرفة واكتسابها. قلم “نادية حرحش” في روايتها هذه يكسر القوالب المتكلّسة باحثا عن أفق أرحب وحياة تليق. حبذا لو تخلصت من تلك الأخطاء اللغوية التي شوّهت نقاء لوحتها.

Leave a Reply