مزرعة الحيوان ومزرعة السلطة: هل تنبأ جورج اورويل بمصيرنا الفلسطينيّ؟

مزرعة الحيوان ومزرعة السلطة: هل تنبأ جورج اورويل بمصيرنا الفلسطينيّ؟

 

أتساءل كيف كانت رواية مزرعة الحيوان لجورج اورويل مقررة بالمنهاج أيام المدرسة. لم تكن مقررة فقط، ولكنها كانت الزامية، لأنها كانت ضمن امتحان التوجيهي.

أتساءل كذلك، كيف يُتوقّع منّا، نحن الشعوب الذين تربينا على مزرعة الحيوان في تلك الرواية كجيل ناشئ بأن نعيش كأننا في تلك المزرعة خارج صفحات الرواية، لتتحوّل لتكون تعبيراً واصفاً لحياتنا.

منذ الامس وبعد الكشف عن القرارات السلطوية التي أعلنت على الجريدة الرسمية- الوقائع- والناس متفقة بمشاعر غضب واستياء واضحة، يملأها الشعور بالحنق والخداع بعد أسابيع من التصفيق والمديح والشكر والعرفان للشفافية والصراحة والمكاشفة اليومية من خلال متحدث الحكومة الرسمي وعروض الوزراء والمسؤولين المتفرقة.

ولكن لأن الانقسام مكتوب علينا، انقسم الناس بين من يرى براءة الحكومة الشفافة المكاشفة والصريحة وإغراض يهدف الى مؤامرة لكسر شعبية الحكومة ممثلة برئيسها. وكأننا صرنا في حكومة رئيس الحكومة وحكومة رئيس الحكومة. وبين المنقسمين طبعا كان هناك منقسمين المشككين.

وبين انكار لرئيس الحكومة بمعرفته عن القرارات التي ادعى انها حصلت بدون معرفته، وبين اعلان رئيس الحكومة على صفحة الفيسبوك الخاصة به بأن الرئيس- رئيس الحكومة ألغي تلك القرارات التي تبين ان الرئيس كذلك تم الإغراض به ووقع على بياض. ينقسم كذلك الناس بين مدافع مصدق وبين مشكك.

أستطيع ان أصف ما شعرت به “بالمذهل” عندما تابعت ردود الحكومة سواء برئيسها او رئيس رئيسها.

الحقيقة انني لا أحاول التهكم هنا باستخدام مصطلح رئيس الحكومة ورئيس رئيس الحكومة، فمنذ الامس والموضوع يتمحور فيه هذه الجزئية: الرئيس ورئيس الحكومة.

فهل ما نشهده انقلاب ابيض من قبل رئيس الحكومة على الرئيس والعكس؟

لأنه لا يمكن ان يتقبل عقل عاقل بما يجري من تبريرات. ما الذي يفعله رئيس الحكومة إذا كان بالفعل بمعزل عن قرارات يصدرها الرئيس تطال الوزراء؟ هل موظفي الدولة الاخرين من مؤسسات رسمية لا يتبعون للحكومة؟

وهل دعوى عدم معرفة الرئيس بما وقع عليه من قرارين تجعل منه “مغيّبا” وغير “واعي” لما يحصل بمكتبه؟

بكل الأحوال ومع كل مبادرة بتبرير يكون العذر فيها أقبح من الذنب.

يعيد متحدث الحكومة تفسير ما نطق به رئيس الحكومة بشأن خصم يوميّ عمل بلغة لا تحترم حتى فهمنا لأبجديات الفهم. بين مفهوم تم خصم وبين مفهوم طوعية التبرع!

المتحدث يقول لنا مرة ان من يرجع له شيك فليتوجه له (لهم)، ثم يقول لنا رئيس الوزراء من لا يريد التبرع باليومين فليتصل بالوزير المسؤول عنه شخصيا. يتكلمون وكأن باب الحكومة ووزاراتها مفتوح ومتاح بأرقام هواتف وعناوين بيوت. وكأنهم أصدقاء نلتقي بهم على المقهى او جيران ننادي عليهم من شرفة المنزل.

ومن ثم وبعد كل هذه البلبلة، يعلن لنا رئيس الحكومة عن شكره للرئيس لإلغائه القرارات.

سيدي، هل تلغى القرارات ببوست فيسبوك؟

ما علينا،

لنرجع الى رواية مزرعة الحيوان وجورج اورويل،

 

حياتنا في مزرعة خرج منها مستر جونز ليتركها لسنوبول ونابليون.

هل تكون الكتابة جارحة ومسيئة إذا ما بدّلت الشخصيات الحيوانية بالرواية بشخصيّات إنسانية نعيش في مزرعتهم اليوم؟

اقصد مزرعتنا التي تسلّطوا عليها ليحمونا من مستر جونز؟

كم كان اورويل عبقريا ربما، او متفهما لما ستعيشه البشرية من مزارع إنسانية على غرار مزرعة حيواناته عندما قرر منح الشخصيات أسماء إنسانية. هل أراد لنا مخرجا بلا إساءة نحن معشر القراء الذين ذوتوا تلك الشخصيات وعاشوا مع شخصياتها بمزارعهم الإنسانية؟

الحقيقة، ومن خلال قراءاتي المكررة لهذه الرواية على مدار السنوات. لأول مرة تستحضرني وبقوة شخصيات غير شخصية نابليون وسنوبول وسكويلر، وهم سلالة الخنازير التي بنى اورويل شخصياته المتحكمة بالمزرعة عليهم. نابليون كان الشخصية الشريرة الرئيسية، الطاغية. وهو بالنسبة لاورويل كان يجسد ستالين.

اما سنوبل، ذراع نابليون الأيمن في التحرر من مستر جونز، والذي تحول الى خصمه وتخلص منه، من خلال انقلاب الحيوانات عليه وطرده من المزرعة بمعاونة كلاب نابليون الشخصيين.

اما سكويلر، الخنزير الثالث، كان الشخصية الموجودة لتبرير كل ما يقوم به نظام نابليون بلغة خطابية مفذلكة مبنية على التعظيم والتفخيم. والتعقيد والارباك عند المحاورة. فيدخل بالمحاور من اليمين ويخرج منه من الشمال.

وطبعا كان هناك مينيمس، وهو شاعر المزرعة، فكتب نشيدها الوطني، وكان قارئ التعليمات التي بدأت بجميع الحيوانات متساوية وانتهت بجميع الحيوانات متساوية، ولكن بعضها أكثر مساواة من غيرها.

ولا يمكن غض النظر بالكامل عن العفور، وهم أبناء نابليون الذين شكلوا الجيل الأول من الخنازير المنشّئين على فكرة انعدام المساواة بين الحيوانات.

اما الخنازير المتمردون من أبناء الثورة ضد مستر جونز، فهؤلاء تم اتهامهم بالعمالة لدى العدو الخائن سنوبول وطاردتهم كلاب حراسة الشرطة السرية التابعة لنابليون وقتلتهم، ولم يذكرهم فيما بعد أحد.

ولكن اليوم استحضرتني شخصية بوكسر الحصان ورفيقته كلوفر الفرس وبنجامين الحمار.

بوكسر كان حصانا يعمل مثل الحمار! وكان شخصية مركزية بالرواية، مخلص، متفان، طيب، محترم، واقوى الحيوانات جسديا. ولكنه كان بطيء الاستيعاب وساذج الى حد بعيد، وثقته بنابليون ثقة عمياء. الله – نابليون- الوطن كان شعاره. كانت جملته الشهيرة والدائمة “سأعمل بكد أكبر” وشكل دعاية لنظام نابليون. فكان مضرب الامثال بالتفاني والاخلاص والعمل الدؤوب. ليكمل على جملته الشهيرة جملة أخرى تقول ” نابليون دائما على حق”. ولكن عندما أصيب بكسر ولم يعد يستطع العمل، ارسله نابليون الى جزار الخيول، كاذبا على الحيوانات بانه ذهب بسيارة الإسعاف للمستشفى للعلاج. وكان على الحيوانات الاقتناع بأن العربة التي رأوها لم تكن عربة جزار الخيول ولكنها كانت عربة المستشفى، حيث ان المستشفى اشترت من الجزار عربته ولكنها لم تطل لونها وتغير اشارتها.

كلوفر كانت رفيقة بوكسر، واعتنت به عندما وقع، ولكن بقيت تلوم نفسها على تقصيرها بحفظ وصايا نابليون السبعة، وفي كل مرة ظنت فيها انها حفظت الوصايا كان يدخل سكويلر عليها تعديلات جعلتها تشك في مقدرتها على التركيز.

اما بنجمين الحمار الحكيم، كان تعبيره الدائم بالرغم من قلة حديثه: الحمير تعمر طويلا. ولم ير منكم حمارا ميتا. كان يستطيع القراءة مثله مثل الخنازير. كان صديقا مخلصا لبوكسر، وحزن عندما اخذ على عربة جزار الاحصنة، ينظر الى فساد الخنازير ولا يأبه للحديث. سلمي، متهكم، لا يكترث، وتارك المزرعة لكي يطحن خنازيرها ببعض.

 

اما الخراف اعزّكم الله،

طبعا كان هناك الكثير منها. وهم من كان نابليون يحركهم على أصابعه، يؤيدونه في كل ما قال وما فعل. وكان شعارهم دائما: أربع أرجل حسن، رجلان سيئ. ليتحول شعارهم المردد عند فساد نابليون المطلق وتأييده المطلق ليرددوا احكام الوصية التي يحفظونها وتصير “أربعة أرجل حسن، رجلان أحسن.”

الخراف كانت وظيفتها التهليل للخنازير والاعتماد عليهم لإخماد أي معارضة اما بالصياح او التهليل.

 

 

 

 

Leave a Reply