قانون حماية الأسرة: هل يبيح المحظور ام يفضح المستور؟

قانون حماية الأسرة: هل يبيح المحظور ام يفضح المستور؟

 تم الإعلان بدايات شهر ايار الماضي عن نية مجلس الوزراء إقرار قانون حماية الاسرة. أعلنت عن الامر وزيرة المرأة وتبعها تأكيد من رئيس الوزراء وتلتها تبريكات من قبل مؤسسات المرأة المختلفة. ولسان حال المؤسسات النسوية يوقل: ان تأتي متأخرا خير من الا تأتي. 

وبطبيعة الحال، لا نحتاج الى تكهنات لنعرف ردة الفعل عن الموضوع. فلقد تحول الشارع الفلسطيني في أواخر العام المنصرم الى قبائل وعشائر تجتمع من اجل التخلص من “سيداو سيئة السمعة”. وعليه صار كل ما يأتي اسمه مع قانون وحماية وامرأة يساوي سيداو وعليه فهو امر شائن سيء يستطيع الشارع الفلسطيني ان ينظم نفسه ضده بسرعة. 

عندما سمعت عن نية الإقرار الأخيرة، تساءلت ان كان لها مغزى ما. أحاول بقدر الإمكان الا اترك نظرية المؤامرة ان تتمكن مني ولكن.. يبدو ان الامر غير ممكن. 

تساؤلي الأول كان هو توقيت الإعلان عن ” نية الإقرار بالقانون”، فنحن في حالة طوارئ ولا اعرف كم من الطارئ كان إقرار هذا القانون في وقت تصارع فيه السلطة ” تحللها” من الاتفاقيات مع “إسرائيل” وأزمة الكورونا والسيطرة على انتشار الوباء، وضغط إسرائيل على البنوك في قضية حسابات اهل الاسرى والشهداء، ناهيك عن موضوع القوانين التي تم تمريرها بينما كان الشعب محجورا، من قانون قضية التقاعد، لديوان الرئيس، للترقيات ورتب الوزراء. 

من جهة، ومن المنطق، ان إقرار قانون حماية الاسرة في توقيته مهم ومُلح، لما يترتب عن الحجر بسبب الكورونا من تبعيات للعنف العائلي، قد يجعل إقرار القانون ما يمكن ان يكون رادعا للعنف المتنامي بالمجتمع من كل الاتجاهات. فلا بد من تدعيم وتفعيل سيادة القانون بكل ما يترتب على هذا من اقرارات لقوانين عالقة. 

ولكن… ومما تعودنا عليه، صرنا نفهم كذلك ان النوايا الحسنة ليست بهذا القدر من التفاني لدى السلطة، فالسلطة في هذا الوقت الحرج والصعب، بين اخفاق بالتعامل مع الكورونا واستمرار حالة الطوارئ، وبين اعلان التحلل من الاتفاقيات من قبل الرئيس وإعلان ضم الضفة من قبل إسرائيل، تحتاج الى عملية الهاء حقيقية للشعب. ولا يوجد ما يجمع الشعب في اطيافه المتفرقة والمتعثرة والمتناحرة أكثر من موضوع إقرار قانون “اشكالي”، “مستورد” قد يخفف من سطوة الرجل على المرأة في هذا المجتمع. 

اليوم، وبعد ما نشهده يوميا من اعتداءات صارخة من اقصى البلاد الى ادناه من قتل وتعذيب وانتهاك للمرأة، كان المتوقع ان تهدأ النفوس عن إشكالية سيداو وتفهم الحاجة الى تفعيل القوانين. قانون حماية العائلة هل هو سيداو؟ 

الجواب هو لا بلا حاجة للتبحر بالأمر. فالقوانين في أصولها مهما كانت منبثقة من مكان ما. 

الغريب هو، سواء تبحرنا بسيداو ام لم نتبحر. سواء كانت سيداو من مخلفات الاستعمار والعولمة المحرضة ضد الدين والأسرة، او كانت سيداو فرصة لتفعيل القوانين التي تنتهكها القبلية الذكورية والتي من خلالها يمكن التوصل الى ما يمكن ان يحمي ما يمكن حمايته من حقوق وحياة للمرأة في ظل تفاقم واضح وخطر على المجتمع في هذه الأوقات العصيبة، التي نشهد فيها انهيار للمنظومة الأخلاقية وتوغل للعنف. 

فبينما تتصاعد الأصوات ضد القانون خوفا على تماسك الاسرة والحفاظ على الدين، تنهار المنظومة الأخلاقية بأكملها. والخطر المهدد للمرأة يهدد الرجل. صارت جرائم القتل والعنف ترتكب بلا حسيب ولا رقيب، ولا مجال للرأي العام أصلا للملاحقة، فهناك ما هو أكثر الحاحا في القضايا اليومية من تصعيد على المستوى السياسي والتهاء الناس بمصدر رزقهم بعد حجر دام لعدة أشهر. 

في بيان صادر لما يسمى المجلس التأسيسي للمحامين الشرعيين تصدر العديد من وسائل التواصل وكنت قد شاهدت قبلها فيديو مصورا لمحامية تناشد وتصيح وتستنجد من اجل منع القانون، لم أستطع الا ان اسأل نفسي، إذا ما كان هذا موقف المحامين، كيف يكون موقف العشائر؟ افهم رئيس العشيرة الذي لا يريد لسيادة غير سيادة الذكر فيها وسطوتها، ولكن ما الذي يرفضه المحامون؟ يعني ان المرأة هنا لا تحاصر من قبل نظام متكامل، لا قانون يحميها ولا محامي يمثلها إذا ما تعرضت للقتل او الضرب او التعدي. 

ما هو الإسلام والدين الذي يتكلم عنه هؤلاء ولا نعرفه نحن؟ 

ما هي الاسرة الفلسطينية التي يتكلمون عنها ويريدون الحفاظ عليها؟ هل الحفاظ على الاسرة الفلسطينية يكون بضرب المرأة وقتلها واكل حقها بالميراث والاستيلاء على حياتها والتستر على من يقترف الجرم في حقها؟ 

هذه الاسرة التي يريد هؤلاء الحفاظ عليها، هي الاسرة ذاتها التي نراها في أجواء مجتمعنا اليوم، أناس يقتلون أناس بلا تفرقة بدم بارد. شجار يودي الى القتل من اجل مصف سيارة، وتعليق على الفيسبوك. رجل يقطع أصابع زوجته لأنه غضب منها. واب يقتل ابنته لأنها زارت أمها، وقريب يعتدي على مسنة لأنه يريد الاستيلاء على ميراثها؟ 

ما هي الاسرة الفلسطينية التي تريدون الحفاظ عليها؟ 

كيف يمكن لمحامي\محامية ان تقف ضد قانون قد ينصف امرأة او انسان مظلوم؟ 

هل يخاف المحامي الشرعي ان تقل فرص عمله؟ هل المقروء من هذا القانون هو الغاء المحاكم الشرعية؟ 

هذا الاستباق لخطر ممكن بالنسبة لهم يؤكد كيف اننا تحولنا لأفراد لا شعب. كل يريد مصلحته، و”انا وبعدي الطوفان” مبدأهم. 

إذا ما كان مشروع القانون يتم تداوله بين طاولة رئيس ورئيس وزراء منذ أكثر من عشرة أعوام. هل يظن هؤلاء ان التخلص من المحاكم الشرعية سيكون بيوم وليلة؟ 

التحريض ضد قانون حماية الاسرة من قبل المحامين تحديدا يجب ان يتم محاسبة من يخرج بهكذا تصريحات، لأنه إذا ما كان رجل القانون يتكلم عن أمور خاطئة فما الذي ترك للناس العاديين؟ 

في فيديو تم تداوله لمحامية في إطار البيان الذي اتحدث عنه، قالت برفضها المدوي ان ما يراد به من خلال تمرير قانون حماية الاسرة هو السماح للبنات دون سن ١٨ بالحمل بلا زواج، وتبيح الزنا والسحاق واللواط؟ تلغي الأديان؟ مسموح الزنا وممنوع الزواج؟ هل هذا ما جاء بقانون حماية الاسرة؟ 

الحقيقة لو جاءت سيداو لنا على شكل انسان او إله لن تستطيع ان تنصف المرأة عندما يتم انتهاكها في هذا المجتمع. 

ثلاثون عاما من دولة او سلطة تعمل تحت مبدأ سيادة القانون، ووضع المرأة في تدهور على كافة الأصعدة. لا تملك المرأة فيه حتى قانونا يحميها من كل المؤثرات المتراكمة من مخلفات مجتمع ابوي منفصل في كل شيء الا في مبدأ ابوية المجتمع. فالمتخاصمين والمتقاتلين والمختلفين يتفقون على لحمة ابوية هذه التركيبة. 

كيف يمكن لدولة ان توفر الحماية القانونية للمرأة في وقت تتربص فيها النصوص القانونية التي تجعل من قتل المرأة مشمولا بالأعذار المبيحة والمخففة، مما يجعلها عرضة للقتل تحت ولأي سبب يقرره الرجل واي رجل.

بين نظام ابوي مستحكم ونظام عشائري ممتد كمحصلة، تبقى حياة الانثى في المجتمع أسيرة بقبضة رجل ما، عليه حمايتها وحفظها وصونها، او قتلها. هذا الرجل يبدأ من الاب والاخ والزوج والعم، وقد ينتهي الى بلطجي عابر مقبرة او طريق، يقرر ان لا حق لهذه الانثى في الوجود. 

والحل؟ 

الحل طبعا ان تخرس هذه المرأة وتتستر على فضيحتها التي شهرت بها وسحب فرامل حياتها قبل ان تؤدي جرأتها الى نهايتها المدوية. 

كم مستباحة حياة الانثى؟ 

كم سهل التشهير والسب والقذف والقتل؟

موقف الوطن بجهاته السيادية لا يختلف، بل يتواطأ مع إبقاء المرأة “سبية” للرجل. فموقف المحكمة الدستورية الفلسطينية من سمو المعاهدات الدولية ومنها سيداو على القانون الداخلي، الا فيما يرونه وفق اجتهاداتهم الشخصية متعارضة مع الأقسام الدينية والسياسية والثقافية للشعب الفلسطيني، مما يصعب من تطبيق القوانين ولا سيما سيداو في فقرته ال ١٦. او مع هذا فالقانون بعد تعديلاته ومراجعاته واقراره خرج ليكون تحت سطوة “الرفض الشعبي”

مما يجعل المستنير منا امام تساؤل مرعب اخر: اين نحن من هذا المجتمع؟ هل هناك من يزوجون البنات قبل الثامنة عشر، هل هناك من ترضى ان تضرب امرأة او تقتل؟ 

تستمر قضية نيفين العواودة (الخليل\بيرزيت))، واسراء غريب (بيت لحم) وروان أبو هواش (الخليل) في إضافة أسماء جديدة اليها…. روان القريناوي (رهط)، نيفين عمراني(حورة) مادلين جرابعة (غزة)، صفية الاسطل (غزة)،

رماح من نابلس قطع زوجها اصبعها، وقبل أشهر كانت هناك امرأة ضربها اخوها وهشم رجليها. وقصص بأسماء وقائمة تطول لضحايا كلنا متهمين في قتلهم. لسكوتنا الخانع. 

وبين هذه المحامية التي تصرخ اسقاطا لسيداو خوفا على الاسرة والمرأة، وبين “المؤثرة” زين كرزون التي تعطي نصائح المحافظة على الزوج. يكمن حالنا المفكك والمنحل. تجتمع الأقطاب المتنافرة من اجل التأكد على ان المرأة ليست الا سلعة، يبيعها ويشتريها كل من يستطيع.. رجال او نساء. 

نحن مجتمع ذكوري تدعم سلطان ذكورته انثى!

Leave a Reply