Skip to content

محطة لا مثيل لها

كان التحضير لمناقشة أطروحة الدكتوراه تجربة مشحونة بالعواطف—بين فرحة الوصول إلى هذه اللحظة التي طال انتظارها، وبين الخوف الذي يسكنني من قدرتي على الوقوف في هذا المكان، أمام لجنة التحكيم، للدفاع عن رحلة امتدت لخمس سنوات.

لطالما حلمت بلحظة كهذه، لكني لم أجرؤ يوماً على تصديق أنها ستحدث حقاً. كنت أشعر دائماً أنني لست “كافية“، لست الأكاديمية المثالية، ولا الطالبة النجيبة التي تسير وفق القواعد. خلال مسيرتي التعليمية، انتقلت من كون أدائي “مقبولاً” إلى “جيد”، ثم “جيد جداً”، إلى أن وصلت إلى هذه المرحلة التي أقف فيها اليوم، وأحقق تقييم امتياز في الدكتوراه. لم يكن مجرد تقييم، بل كان لحظة اعتراف بقدرتي على أن أكون أنا—على طريقتي الخاصة.

ومع ذلك، لا تزال تلك اللحظات التي تخللت المناقشة حاضرة في ذهني كحلم غريب. لم أشعر بشيء يشبهها من قبل—إحساس غريب بين النشوة والخدر، بين القوة والتجرد. كنت أدرك كل كلمة تُقال حولي، كل سؤال يُطرح، لكنني كنت أشعر أنني في مكان آخر، كأنني أشاهد نفسي من الخارج، أراقب امرأة تقف بثبات، تدافع عن عملها، عن أفكارها، عن نفسها.

خلال هذه الرحلة، لم يكن التحدي فقط في الكتابة والبحث، بل في إثبات أن الفلسفة ليست مجرد رفاهية فكرية، بل هي أداة للمقاومة، ومنصة لإعادة تخيل العالم.

في عالم يُطلب فيه من المقهورين أن يحتفلوا باضطهادهم، وأن يُمجّدوا معاناتهم، وأن يُناقشوا شرعية وجودهم، كان بحثي فعل تمرد. لم يكن أبداً أطروحة “آمنة”. كنت أبحث عن مساحة أكاديمية تتسع لصوتي دون أن تحاول تطويعه، ولم يكن يتسع لهذه الرحلة الفكرية الا قلباً كتالونيا قوياً .

لم تكن هذه الرحلة مجرد مسيرة أكاديمية، بل كانت مواجهة مع بنى القوة ذاتها. ما بدأ كفكرة مجردة سرعان ما تحول إلى بحث فلسفي يتحدى، ويعيد تفكيك ذاته وإعادة تشكيلها—يتأرجح بين الممكن والمستحيل، بين التاريخ والأسطورة، بين المحو والبقاء.

لكن التحدي الأكبر كان هذا:

كيف أحافظ على “نادية” خلال هذه الرحلة؟
كيف أكتب عن الهوية دون أن أفقد هويتي؟
كيف أكون نادية الفلسطينية، نادية الكاتبة، ونادية الباحثة—في آن واحد؟

عندما جاء اليوم الذي وقفت فيه أمام لجنة التحكيم، كنت أعلم أنني مستعدة. لكن المفاجأة لم تكن في تقديم البحث نفسه، بل في الشعور الذي رافقني خلاله. كنت أنظر إلى القاعة، أسمع الأسئلة، وأجيب، لكنني لم أكن أشعر أنني “أدافع” عن شيء—بل كنت ببساطة أتحدث، وأفكر، وأكون أنا.

كان هناك نصٌ مكتوب أمامي، خطة عرض منظمة، لكنني كنت أتحدث بحرية، كنت أروي القصة التي رافقتني لسنوات، كنت أنسج أفكاري كما تُنسج خيوط التطريز—كل فكرة متصلة بأخرى، كل نظرية متشابكة مع تجربة، كل فلسفة متجذرة في واقع.

كانت نادية الكاتبة ونادية الباحثة ونادية الفلسطينية كلهن موجودات في تلك اللحظة. ولم يكن بوسعي سوى أن أشعر أن هذه اللحظة، بغض النظر عن النتيجة، كانت انتصاراً في حد ذاتها.

مع نهاية المناقشة، وبينما كنت أستمع إلى تعليقات اللجنة، شعرت بشيء يشبه العودة إلى نقطة البداية، ولكن برؤية أوسع. طوال الرحلة، كنت أصعد وأهبط، أبحث عن يقين في بحر من الأسئلة، لكن في النهاية، لم يكن الأمر صعودا أو هبوطا—بل كان دائرة اكتملت.

كان شعورا أشبه برقصة الدراويش الصوفية، بالدوران حتى تندمج مع الفكرة، مع اللحظة، مع ذاتك.

نعم، حصلت على درجة الامتياز، وتم ترشيح أطروحتي لـ “امتياز مع مرتبة الشرف“  نعم، هو إنجاز أكاديمي كبير. لكنه لم يكن الإنجاز الحقيقي.

الإنجاز الحقيقي كان أن أكون أنا.

أن أقف في هذا الفضاء الأكاديمي، وأجعل البحث امتدادا لصوتي، لا قيدا عليه. أن أصل إلى هذه اللحظة، وأن أقول: نعم، هذا أنا، وهذه رحلتي، وهكذا اخترت أن أخوضها، ونجحت. 

Disclaimer: All views expressed in this post are solely my own and do not represent any official or institutional position. I categorically reject all forms of racism, or discrimination. Any critique is directed solely at political ideologies and state policies—not at ethnic, religious, or cultural identities. Content and images are used only for symbolic or reflective purposes.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *