المشاهد التي تابعناها عبر شاشة الجزيرة أعادتني إلى التفكير مجددًا في زوبعة الدوحة وسط هذه الصحراء القاحلة.
بين التغطية البطولية لما يحدث في غزة، والدور الذي لعبته القناة خلال أحداث سوريا، توقفت طويلًا.
آثرت الصمت.
لأنني، رغم شكوكي وتساؤلاتي، ما زلت أرى أن ما تقوم به الجزيرة في تغطية غزة هو أحد أعظم أدوار الإعلام في هذه اللحظة.
ومهما انتقدنا أو تساءلنا، لا يمكن وصف ما تفعله هناك إلا بالبطولي.
لكن…
زيارة ترامب الأخيرة قلبت المشهد.
تحوّل بعض المذيعين إلى مطبّلين فعليين، يتسابقون لتضخيم دور قطر، وتجميل صورتها أمام “العملاق الأمريكي”، في حين كانت في الحقيقة قزمة للغاية أمامه.
خلال تغطية الزيارة، انشغل المراسلون بتحليل المصافحة مع ويتكوف، تغزّل ترامب بتميم، واستعراض أهمية “الدور القطري”.
بدا واضحاً أن التركيز لم يكن على ما لم يُقل، بل على محاولة تضخيم القليل الذي قيل.
حتى جاءت المفاجأة الكبرى:
ترامب لم يتحدث عن فلسطين، بل ناشد قطر بشأن ملف إيران.
وبالطبع، عاد بقصر طائر وصفقات بمليارات… والإشادة جاهزة.
أما التبرير؟
فالجزيرة تقول الآن أنّ ملف إيران “أكثر تعقيداً” من غزة.
إذا كانت غزة أبسط وأسهل، وهي في حضن قطر السياسي والإعلامي — لماذا لم تُحل؟
لماذا لم تُستثمر كل هذه “الريادة” وكل هذه العلاقات، وكل هذه التغطية؟
هل نحتاج أزمة أكثر تعقيداً لنفشل فيها أيضاً؟
ترامب لم يقف في قاعدة العديد كضيف، بل كحاكم فعلي.
جاء ليتفقد الرعايا، ويتسلّم الجزية.
أتمنى فقط أن يكون “القصر الطائر” الذي أُهدي له مزوّداً بذلك الرخام الأبيض اللامع، الذي أدهشه في القصور القطرية،
فبدت الضيافة أهم من كل شيء آخر.
في خضم كل هذا التلميع، لا بد أن نُسمّي الأشياء بأسمائها:
لم يكن الأمر عجزاً، ولا غفلة.
التغطية الإعلامية لدى الجزيرة لطالما كانت انتقائيّة.
هناك من يُقرّر ما يُعرض وما يُترك في الظلام.
لم تكن الجزيرة يوماً صوت الحقيقة، بل فنّانة الضوء الانتقائي: تُسلّط حيث يُراد لها أن تُسلّط، وتُطفئ حيث يُطلب منها أن تصمت
الزيارة مرّت،
والمجد أُهدي لمن لا يرى إلا نفسه،
وكل شيء آخر وُضع في الهامش.
مؤلم…
مُخزٍ…
مُحبط…
مرة أخرى، تتجلى “القوة العربية” كسراب… رماد صحراء.
صدقها لورنس العرب، وأتقن أداءها ترامب.
لأن هذه ببساطة، هي حقيقة العربان.