Skip to content

سوبرمان: اللاجئ المدافع عن المقموعين

سوبرمان: اللاجئ المدافع عن المقموعين

يبدو فيلم سوبرمان الجديد وكأنه يحاكي كتاب فرانز فانون “المعذبون في الأرض”. أولئك المعذبون الذين فرض عليهم القهر والعذاب والبؤس، كي ترتقي فوق ظهورهم فئة حاكمة متنفذة تبني ناطحات سحاب، وتخرب ما وتدمر كل ما لا يخدم مصالحها على هذه الأرض، عسى أن تصل الى كواكب أخرى، او إلى أعماق الارض والبحار، لتنهبها وتسخّرها ملاذاً لتفوقها العرقي المتضخم. 

يمكن كذلك انّ صناع سوبرمان قد أرادوا ان يردوا على صنّاع “ووندر وومان” وغيرها من أفلام الأبطال الخارقين، تلك التي تحوّلت إلى أدوات في يد قوى القهر والهيمنة.  وبالتأكيد، فإنّ تجسيد جال غادوت- الجندية الصهيونية- لدور المرأة العجيبة، ووقوفها الى جانب استرضاء منظومة الحكم، للتخلص من “ازعاج” و”إرهاب” المعذّبين في الأرض وشرّ البؤساء، قد خلق حالة من الارتياب لدى كل من يشهد الإبادة الممارسة منذ نحو عامين، ولا يستطيع حتى التعبير عن رفضه لهذا الظلم. ثم تأتي هوليوود، لتشارك – مع حكومات العنصرية والتفوق والابادة – في تصدير نموذج بطل خارق يدافع عن المنظومة.

فيلم سوبرمان يبدو كمغنّي الراب مؤخراً، حين يرفرف علم فلسطين فجأة على المسرح، فيجتاح الحضور الحماس، وتعلو صيحات “فلسطين حرّة!” من كل صوب. 

الفيلم فعل الشيء ذاته تقريباً، من دون أن يظهر علماً، ومن دون أن ينطق بكلمة واحدة عن فلسطين، ولكن مع ذلك، كانت مشاهد القمع والبطش تصرخ معاناة فلسطين. 

اكاد لا اصدق ان ما شاهدته في الفيلم خرج فعلاً من هوليوود. 

ذهبت لمشاهدة الفيلم بعد أن سمعت بعض التعليقات التي تقوب أنه “مناصر لفلسطين”.  والحقيقة انني سخرت من الفكرة، وقلت في نفسي: هوليوود وفلسطين!!! مستحيل. فالفلسطيني، حتى في أفضل تجسيداته، لا يستدعى الا لأداء دور “الإرهابي” في أي زاوية من هذا الكون. فكيف لسوبرمان ان ينتصر لفلسطين؟

منذ الدقائق الأولى، كان واضحاً أنّ الفيلم يحمل حبكة “ديستوبيّة” أقرب الى أجواء جورج اورويل، وخاصة رواية ١٩٨٤- حيث تُبتكر دولٌ خيالية لتجسيد صراعات مصطنعة، وتُدار الحروب عن بعد، ويُعاد تعريف الخير والشر حسب ما تُمليه السلطة. في الفيلم، أسماء مثل بورافيا وجارهابور، بدت كما لو أنها امتداد لأوقيانيا وايستيشا ويوراسيا، وحين ظهر الرئيس بخطابه القومي المتشنج، أحسست وكأنني أسمع صوت “الأخ الأكبر” وهو يعد بالسلام بينما يخطط للإبادة. لكنني فكرت ان عقلي يلعب بي. حين تكلم سوبرمان عن أصله وعائلته، قال أنّه “لاجئ” وأنّ كوكبه تعرّض بالكامل “للإبادة”. 

لكنني، في البداية، قلت لنفسي: ربما يبالغ عقلي في التأويل.
ثم تحدّث سوبرمان عن أصله، عن عائلته التي أُبيدت على كوكب بعيد، وقال إنه “لاجئ”.
لم أعتبر تلك الإشارات حينها ذات دلالة استثنائية—ففي العادة، الأبطال الخارقون يأتون من عوالم مدمَّرة.

ربما لم تكن عبارة “إبادة الكواكب” في السابق تلفت الانتباه… لا أدري.

تبدأ الحبكة بالتشكّل تدريجيًا، حين نرى قوى الخير ممثّلة بـ سوبرمان، وكلبه كريبتو، وبعض الرجال الآليين المختبئين في قعر الثلوج الساحقة. هناك، في أنتاركتيكا، يظهر ما يُعرف في عالم سوبرمان بـ “حصن العزلة”. في الداخل، تُعاد برمجته: يتعافى من جروحه، يتلقّى رسائل من والديه المتوفيين- جور-إلولارا—عبر بلّورات مضيئة تحمل الذاكرة الكريبتونية، ليُدرك مهمته من جديد.

ربما هو عقلي أنا، الذي يُصرّ على رؤية كل شيء بهذا العمق الرمزي… لكن الحقيقة أن الفيلم لم يعاندني حتى الآن.

حتى الدقائق العشرة او الخمسة عشر الأولى، لم أكن أرى ما يمكن البناء عليه، كانت ديباجة معتادة، وعقلي الذي يربط كل ديستوبيا بجورج اورويل، كان يحاول أن يجد شيئاً في مكان لا يبدو أنه يخفي شيئاً. 

لكن تدريجيّاً، بدأت تتكشّف ملامح القوى المهيمنة على هذا العالم:
الإعلام المسيطَر عليه، والرئيس العالمي المجنون، الذي تشبه مشيته وطريقة كلامه الشعبوي، بل ورغبته العارمة—التي تتكشف في نهاية الفيلم—بأن يصبح ملكاً… شخصاً نعرفه جيداً، بلا شك!
كأن أورويل يُبثّ مباشرة من واشنطن، لا من ذاكرة أدبية.

أما ذلك الرجل الذي يتحكم بالريموت كونترول، يتابع العالم عبر الشاشات، فهو ليكس لوثر. لا يكتفي بالتحكّم، بل ينظّم كل شيء: يحرّك الرئيس كدمية، يزرع الخوف في الإعلام، يُدير منظومة القتل من خلف الستار. كل شيء يُدار بعقله: من قرارات الهجوم، إلى اختيار الضحايا، إلى صياغة السردية الرسمية لما يحدث. حوله زمرة من الهواة المعاتيه، فكانوا يستمتعون بالقتل والدمار عبر شاشاتهم، وكأن القتل لعبة يتقنونها. يحيّي بعضهم بعضاً، يصفقون، يضحكون، يشجّعون عند كل إصابة. المشهد لم يكن مجازاً: كان قتلاً مبرمجاً يُبثّ بفرح، على وقع دمار مدن وسقوط أجساد، كأنّهم في لعبة فيديو عملاقة بلا رادع.

هوس ليكس لوثر بسوبرمان ليس صراع قوى، بل كراهية وجودية. لا يطيق فكرة أن يكون هناك رمز للعدالة لا يمكن شراؤه أو تحييده. يراه تهديداً لكل منظومة الهيمنة التي بناها. يُحاربه بالفكر والآلة والدعاية. يريد إسقاطه أخلاقياً قبل أن يُسقطه جسدياً. لا يكتفي بإسقاطه، بل يُعيد تعريف الخير من خلاله: يجعل من العدالة خطراً، ومن المقاومة شراً، ومن الضحية تهديداً. وهذا هو نتنياهو في صورته الأوضح: لا يُخفي القتل، بل يُؤطره بخطاب قانوني، يُبرّره أخلاقياً. يصنع الشر بوعي، ويُبرمجه، ويُحوله إلى سياسة دولة.

حين تتعرّف الآلة على أحدهم، رجلٌ “محليّ” حاول مساعدة سوبرمان، تبدأ برصده فوراً، بتقنية التعرف على الوجوه. يُتابَع، يُطارد، يُعتقل. لم يكن رجلاً أبيض من مدينة تشبه نيويورك. لم يكن هندياً ولا أفريقياً، ولا مكسيكياً ولا أوروبياً. كان “محليّاً”—بعين الرؤية الاستعمارية—قريباً من ملامحنا. كأنه فلسطيني، إن كان للفلسطيني شكل يمكن تحديده.

لم يكن الأمر استثناءً، بل جزء من منظومة. فالمراقبة والتحييد لم تكن عشوائية، بل مبرمجة سلفاً، ومصممة لتلتهم أشباهه، الذين سنراهم في أقفاص سجن تمتد طوابق فوق طوابق، كأننا أمام مخزن للمحتجزين، أو أرشيف أجساد. كل قفص معزول، مراقَب، معلّق بين أنظمة تصنيف لا ترى الإنسان، بل تراه تهديداً يجب تجميده. لا أحد يصرخ. لا أحد يُسمع. وحدها الصورة تتكلّم، كأن القتل صار بصريّا، مؤرشفا، بلا صوت، بلا صدى… إلا في عيوننا.

في أحد مشاهد الفيلم، يُدار القتل عن بُعد من غرفةٍ بين برجين، حيث يُحدَّد الهدف ويُرصد ويُصفّى، وسط تصفيق وتهليل جماعي يشبه ألعاب الفيديو. لم يكن ذلك خيالاً دستوبياً، بل محاكاة مرعبة لما تمارسه أنظمة القتل الحديثة: إبادة رقميّة موثقة بالصوت والصورة.  قبل أسبوع، نشرت شركة “رفائيل” الاسرائيلية- فيديو دعائياً يُظهر طائرتها المسيّرة وهي تغتال بدقة هدفاً بشرياً في غزة، بدقة محسوبة، لتعرضه كمنتج تكنولوجي في معارض الأسلحة الذكية. 

كانت هناك أيضًا فتاة شابّة مشهورة، تضحك، تصفق، تتمايل، توثق كأنها تبث حفلة مباشرة. كانت جزءا من العرض، لتجمّل المشهد، وتشرعن الوحشية بصيغة ترفيهية، لتجعل من الإبادة محتوى ترفيهي. 

في أحد المشاهد، ينتقل الرئيس ومن معه إلى موقعٍ ناءٍ يشبه معسكراً عملياتياً. المكان يبدو، للوهلة الأولى، وكأنه مركز تنسيق أو تدريب. خيام، أجهزة، حركة منظمة. لكن سرعان ما يدخل الرئيس وأعوانه يُبتلع الجميع في كبسولة ضخمة، حيث تُحاك الخطط وتُنسج المؤامرات لتدمير العالم. المشهد بدا وكأنه استعارة مرعبة لمعسكرات “المساعدات الإنسانية” التي تقام اليوم في غزة: من الخارج، نظامٌ وترتيب، ومن الداخل، مخططٌ للموت. 

قد يتوقع المشاهد يتوقع سوبرمان يحارب قوى الشر في مدينته “الميتروبوليتان” الشبيهة بنيويورك، حيث تدور الحبكة الرئيسية، لكن فجأة، ومن دون تمهيد، يظهر مشهد من مكان بعيد: مخيمات، وبشر محاصرون ينتظرون سوبرمان، او لعل سوبرمان سعى لإنقاذهم من مخطط دولي يهدف الى حصارهم وابادتهم. 

 المشهد بدا للوهلة الأولى غريباً، وكأنه لا ينتمي الى الفيلم. لكنه، في الحقيقة كان في صلبه. هؤلاء لم يكونوا مشهداً عابراً في بطولات سوبرمان. كانوا الضحايا الحقيقيين. بل أكثر… كانوا من ينتظرونه ليكشف مَن هم الأشرار حقاً. 

تتصاعد الأحداث، وتتحوّل المعركة إلى مطاردة دموية شرسة: يُضرب سوبرمان، يُسحق، يُشوَّه. كل من يقف إلى جانبه يُلاحَق. يُخطف كلبه كريبتو كوسيلة ابتزاز، ويُعتقل الرجل “المحليّ”—الذي حاول مساعدته—ليُنتزع منه اعتراف. يُوضع في لعبة روليت قاتلة، مشهد بدا كمجرد “مزحة”، لكنه انتهى بمقتله الفوري. بلا رحمة، كأنّه هدف في لعبة قمار.
كان ذلك أكثر من مجاز سينمائي: لقد رأيناه مراراً… في رهانات على أجساد الضحايا، في اعترافات منتزعة بالقوة، في لقطات لجنود يعترفون بأنهم كانوا “يُجرّبون” في إطلاق النار. في مقاطع تظهر القتل كما لو كان لعبة يُراهن فيها على توقيت الإصابة وطبيعة الهدف.

تعود الحبكة إلى خطوطها الكلاسيكية: صراع بين الخير والشر.

يتعرّض سوبرمان لحملة تشويه إعلامية ممنهجة، يتخلّى عنه محبّوه، ويخسر سمعته ومكانته وتحالفاته القليلة. يُترك وحيدًا، حتى تُقنعه صديقته الصحفية—التي كانت تشك في دوافعه—بمناشدة أحد حلفائه الخارقين: الرجل الأسود المقنّع.

ينتصر سوبرمان في النهاية على الطغاة. يكشف مؤامرة الرئيس المعتوه، ويُعرّي شريكه الأشد دهاءً: ليكس لوثر، صانع الروايات ومهندس الشر. تتراجع السلطة، وتتكشّف الحقيقة.

وتُختتم القصة هناك، في ذلك المكان البعيد، حيث يقف المحاصرون في المخيم، يهتفون باسمه، يرفع الأطفال أذرعهم، ويُلوّح أحدهم براية سوبرمان… لكن مقلوبة، وباللون الأحمر.

هنا تتبدّل الدلالات: لم يعد المثلث رمزاً للهيمنة، بل تحوّل إلى أيقونة مقاومة. قلبوه هناك، وأعادوا تعريف البطولة. لوّنوه بلون الدم، لا السطوة. من الرمز الأمريكي على الدولار إلى راية تُرفرف على وقع الحصار، صار المثلث الأحمر شعاراً لما لا يُهزم.

هل نحن أمام مصادفات؟
أم أننا نعيش فعلاً زمن “فلسطنة العالم”؟

ما بدأ في أطروحتي للدكتوراه كفرضية فلسفية حول تحوّلات الاستعمار والهوية بدا في حينه مجرّد نقاش نظري، بعيد عن الواقع. لكنه اليوم يتحقّق على الشاشة الكبيرة، حيث يجسّد سوبرمان تحوّلًا عميقًا: من رمزٍ للقوة والسيطرة إلى صورة للمحاصَر، للمقاوِم، للضحية التي ترفض أن تُهزم.

وفي يد ذلك الطفل، لم تعد راية سوبرمان مجرّد شعار… لقد انقلبت، احمرّت، وتحوّلت. لم يعد البطل يُشبه الدولة—بل صار يُشبهنا.

Disclaimer: All views expressed in this post are solely my own and do not represent any official or institutional position. I categorically reject all forms of racism, or discrimination. Any critique is directed solely at political ideologies and state policies—not at ethnic, religious, or cultural identities. Content and images are used only for symbolic or reflective purposes.

1 thought on “سوبرمان: اللاجئ المدافع عن المقموعين”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *