Skip to content

قراءة في تسويق الإدانةعن “تسريبات” الأسد ولونا الشبل وآليات الإعلام العربي

في الابتعاد عن الكتابة وإبداء الرأي—اعتكافًا كان أم أثرًا جانبيًا—قدرٌ من محاولة استعادة الهدوء. ومنذ مقتلة غزة، بدا واضحًا أن لا موضوع يتقدم عليها في القيمة أو الإلحاح. ومع ذلك، ما إن يتراجع مشهد الإبادة قليلًا، حتى تعود أخبار أخرى لتتسلل إلى وعينا، لا لأنها أكثر أهمية، بل لأن ترتيب الاهتمام الإعلامي يُعاد ضبطه وفق منطق القوة، لا وفق منطق العدالة.

يبقى موضوع سوريا، بالنسبة لي، كالشوكة في الحلق.

منذ ما سُمّي بـ«الثورة»، لم يعد الحديث عن سوريا ممكنًا خارج إشكالية أوسع تتعلق بمفهوم التغيير نفسه. فمفهوم «الثورة» في الخطاب السياسي الحديث لم يعد توصيفًا محايدًا لحدث اجتماعي، بقدر ما صار إطارًا لغويًا جاهزًا، قابلًا للتوظيف وإعادة التدوير ضمن منظومات نفوذ دولية. ومع مرور الوقت، يتضح أن كثيرًا مما جرى في المنطقة لم يُقس بقدرته على تحرير المجتمعات، بل بقدرته على إعادة تشكيلها بما يخدم توازنات قوى خارجية.

في هذا السياق، لا يمكن فصل ما حدث—أو ما يحدث—في سوريا عن البنية الإقليمية والدولية التي حوّلت مسارات الاحتجاج إلى حروب وكالة، وأفرغت خطاب التغيير من مضمونه الاجتماعي، وحوّلته إلى صراع على النفوذ. وما آلت إليه سوريا يظل مثالًا صارخًا على هذا الانزلاق من لغة التحرر إلى واقع الارتهان.

إن أي مشروع تغيير يُبنى داخل شروط الدعم الإمبريالي، أو يتحرك ضمن هندسته السياسية، لا يمكن قراءته بوصفه تحررًا. وأي معارضة تُدار من خارج المجتمع الذي تدّعي تمثيله، وتدفع هذا المجتمع إلى دفع كلفة لا تتحملها هي، تفقد تلقائيًا أي ادعاء أخلاقي بالتمثيل. 

بشار الأسد دكتاتور، كان يجب أن يُحاسَب حين تنهض سوريا بنفسها، ضمن مسار سيادي لا يستدعي العدو—الظاهر أو المتخفي—شريكًا في «التحرير». فالتغيير الذي يُستجلب عبر البوابات ذاتها التي تنتج القهر، لا يُنهي الاستبداد، بل يعيد إنتاجه بأشكال أخرى.

ومن هنا، يصبح صعود قوى وشخصيات جرى إدماجها سياسيًا ضمن واقع إقليمي ودولي محدد تعبيرًا عن انتقال للسلطة داخل بنية أمنية أوسع، لا عن قطيعة معها. وفي هذا الإطار، يفقد الحديث عن «الأسوأ» معناه، لأن معيار الحكم نفسه يكون قد أُفرغ من محتواه.

المثال الفلسطيني لا يخرج عن هذا المنطق. نعم، السلطة الفلسطينية فاسدة، وتفكيكها بات ضرورة. لكن استبدالها بقوى تُصاغ شرعيتها ضمن شروط الاحتلال، أو برعايته، لا يمثل تحررًا. قد تمرّ الشعوب بلحظة نشوة عند سقوط مستبد، لكن القبول باستبداله عبر التواطؤ مع عدو أو محتل لا ينتج حرية، بل ينقل المجتمع من استبداد محلي إلى طغيان مرتزق.

من هنا أصل إلى سبب الكتابة اليوم: ما جرى تداوله مؤخرًا حول ما سُمّي بـ«تسريبات» الأسد ولونا الشبل، وكيف أُعيد تدويرها إعلاميًا ضمن نمط مألوف من الإثارة والتدليس، كما تمارسه منصات إخبارية عربية كبرى اعتادت لعب دور الفاعل السياسي لا الوسيط المهني، وهو النمط ذاته الذي يُستخدم باستمرار في تغطية فلسطين، حيث تُستبدل القراءة بالسردية، والتحليل بالإيحاء.

وما يجري تداوله بوصفه «تسريبات» لا يحمل في ذاته طابع السرّية بالمعنى السياسي أو القانوني. فمن الطبيعي، في أي بنية حكم، ألا تُبثّ كل التسجيلات، وألا يُنشر كل ما يُقال في الكواليس، وأن تخضع المواد المصوّرة للاجتزاء أو التحرير بحسب الغرض الوظيفي منها. تحويل هذه المواد لاحقًا إلى «كشف» لا يعكس طبيعتها الأصلية بقدر ما يعكس كيفية إعادة تدويرها إعلاميًا.

الأهم من ذلك، أن ما يظهر في هذه المقاطع—إذا قُرئ خارج الإثارة المقصودة—لا يدل على قوة متماسكة ولا على ثقة راسخة بالنفس، بل على سلطة قلقة تُدار عبر إدارة دقيقة للصورة. فبدل صورة الحاكم الواثق، نرى شخصية مترددة، تعتمد على المشورة في أبسط تفاصيل الظهور، وتبحث باستمرار عن ضمانة خارج ذاتها. وفي هذا السياق، تبدو العلاقة مع المستشارة الإعلامية علاقة عمل طبيعية بين رئيس ومستشارته: مساحة لتهدئة التوتر، وبناء الثقة، وإعادة ضبط الحضور، لا مادة فضائحية ولا دليل إدانة.

وتنتهي هذه الحكاية بمفارقة أكثر إيلامًا: وفاة لونا الشبل المفاجئة في حادث قيل إنه سير، ضمن سياق سياسي لا يتيح الشفافية ولا يسمح بالتحقق المستقل. في أنظمة كهذه، لا تكمن المشكلة في الرواية الرسمية بقدر ما تكمن في غياب أي آلية عامة للمساءلة أو التأكيد. هكذا يصبح القرب من السلطة—أي سلطة—مخاطرة دائمة، ويغدو الإنسان، مهما بلغت كفاءته أو حضوره، قابلًا للاختزال في سردية لاحقة لا تُنصف حياته ولا عمله.

هذا النص ليس إعادة اعتبار لأحد، ولا مراجعة لمواقف سابقة بقدر ما هو رفض للطريقة التي تُصنَّع بها الأحكام، وتُدار بها السرديات، وتُختزل بها المآسي. في زمن يتكاثر فيه الأعداء وتتداخل فيه المواقع، يصبح الحفاظ على النزاهة الفكرية أصعب من اتخاذ موقف صاخب. لكنه، ربما، أكثر ضرورة.

Disclaimer: All views expressed in this post are solely my own and do not represent any official or institutional position. I categorically reject all forms of racism, or discrimination. Any critique is directed solely at political ideologies and state policies—not at ethnic, religious, or cultural identities. Content and images are used only for symbolic or reflective purposes.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *