Skip to content

تأمّل في قراءة سورة البقرة

تأمّل في قراءة سورة البقرة (الجزء الأوّل)
(من الآية١ إلى الآية ١٤١)

تنويه
يمثّل هذا النص تأمّلاً شخصياً في قراءة القسم الأوّل من سورة البقرة، من الآية الأولى حتى الآية (١٤١). لا يهدف إلى التفسير بالمعنى التقليدي، بل إلى تتبّع أثر القراءة ومسار الأسئلة التي تفتحها.

بدأت قراءة سورة البقرة لا من أجل محاولةً الفهم فقط، ولا كتتمرين ذهني في التحليل، ولكن كجزء من مسارٍ إيمانيّ متعثّر، أحاول فيه أن أصل إلى نقطة أستطيع عندها أن أرى ما يراه المؤمنون، وأن أشعر — ولو جزئياً — بما يشعرون به.

كثيراً ما يُقال إن سورة البقرة تُقرأ للشفاء، وللسكينة، ولرفع القلق، وأن لها أثراً يتجاوز المعنى إلى الداخل. وظلّ سؤالٌ يرافقني منذ البداية: أين يقع هذا الإحساس في النص؟ وكيف يمكن إدراكه؟

دخلتُ القراءة وكأنني أبحث عمّا يضمد ما ينزف داخلي. لكن ما واجهني أولاً لم يكن الطمأنينة، بل الثقل. السورة طويلة، غير مُجامِلة، لا تقود القارئ بلطف، ولا تُسرع إلى المواساة — على الرغم من عذوبة ترتيل الشيخ عبد الباسط وشجون صوت الشيخ المنشاوي. شعرتُ منذ البداية أن النص لا يمنح السلام قبل أن يفرض ترتيباً صارماً للمعنى، وكأنه يقول: قبل أن تهدئي، عليكِ أن تفهمي أين تقفين.

من هنا تحوّلت القراءة إلى مساحة جدلٍ مفتوحة. لم أعد أقرأ السورة وحدها، بل أقرأها وهي تتقاطع باستمرار مع التوراة، ومع أسئلةٍ قديمة أحملها، ومع نقاشاتٍ لم تُحسم. وجدتُ نفسي داخل دوّامة: كل فكرة تقود إلى أخرى، وكل محاولة للفهم تفتح سؤالاً جديداً بدلاً من أن تُغلقه.

أكثر ما فرض نفسه في هذه القراءة كان الإصرار الكثيف على القصص الكتابية. لا بوصفها تكراراً، ولا زينةً سردية، بل كأن النص يتعمّد البقاء داخل هذا الحقل المزدحم. هنا بدأ السؤال يلحّ: لماذا هذا الخيار؟ لماذا لا يختصر القرآن المسافة؟ لماذا لا يرفض السرد السابق أو يتجاوزه؟ ولماذا يبدو وكأنه يعيد بناءه من الداخل بدلاً من أن يتركه خلفه؟

شيئاً فشيئاً، تبيّن لي أن سورة البقرة لا تحكي القصص لتروي تاريخاً، بل لتعيد ترتيب المعايير التي نقرأ بها هذا التاريخ. لم يكن التركيز على ماذا حدث بقدر ما كان على: بأي ميزان نقرأ ما حدث؟
هنا بدأ يظهر الفرق بين الطاعة بوصفها امتثالاً، والتقوى بوصفها وعياً أخلاقياً؛ بين الوعد بوصفه حقاً، والعهد بوصفه مسؤوليةً مشروطة.

هذا الفارق لم يمنحني طمأنينةً مباشرة، بل زاد من حدّة الأسئلة. إذا كان الميزان هو العدل لا النسب، والمسؤولية لا الاصطفاء، فما الذي يعنيه ذلك لكل هذا الإرث السردي المبني على فكرة الاختيار، وعلى تسلسلٍ زمني استُخدم طويلاً بوصفه دليلاً وذريعة؟ وما الذي يحدث حين تُسحب من التاريخ وظيفته التبريرية؟

في خضم هذا الجدل بدأت ألاحظ أن السورة لا تهاجم الشخصيات، ولا تسعى إلى تشويهها. على العكس، هناك نوع من الإنصاف الصارم: لا ذنب موروث، ولا تحميل زائد، ولا اتهام بلا فعل.
حوّاء لا تُقدَّم بوصفها سبب الانهيار، وسليمان لا يُدان أخلاقياً، والأنبياء عموماً لا يُستخدمون لتفسير الشر أو لتبرير التاريخ، كما تفعل السردية التوراتية أحياناً. هذا الإنصاف لا يأتي بوصفه عزاءً، بل بوصفه معياراً ثابتاً لا يتغيّر حسب الحاجة.

ولعلّ اللافت أن السورة، رغم استدعائها المتكرّر لفكرة الاصطفاء، لا تستخدمها لتأكيد الامتياز أو تثبيت الحيازة، بل تكاد تفعل العكس: تستدعيها لتضعها موضع المحاكمة. كأن الاصطفاء لا يُذكر ليُغلق النقاش، بل ليُفتح على سؤال المسؤولية، وعلى ثقل ما يعنيه أن يُختار الإنسان ثم يُسأل عمّا فعل باختياره.

هنا بدأت أفهم شيئاً لم أكن أبحث عنه في البداية. ربما السكينة التي يتحدّث عنها الناس لا تأتي من القصص نفسها، بل من هذا الانضباط الداخلي في السرد: من معرفة أن النص لا يحتاج إلى ظلم أحد كي يشرح العالم، ولا إلى إبقاء الذنب حيّاً كي يبرّر الألم. هناك راحة خفيّة في أن يكون الميزان واضحاً، حتى لو كان ثقيلاً.

لكن هذه الراحة لم تُلغِ الجدل. أبقته حيّاً، لكنها جعلته محتملاً. لم أخرج من القراءة بإجابات نهائية، ولا بإحساسٍ مكتمل بالإيمان كما يصفه الآخرون. خرجتُ وأنا أفهم لماذا اختار القرآن هذا المسار الطويل، ولماذا لم يقطع مع السرد السابق، ولماذا بدا وكأنه يشتغل على مستوى أعمق من القبول أو الرفض: مستوى إعادة تعريف ما يُسمح للقصة أن تفعله.

مع استمرار القراءة، انزلقتُ — من دون قصد — إلى سؤال أثقل:
ما موقع الله الذي يعمل به هذا النص؟
وما الفرق بين هذا الموقع، وبين الطريقة التي تشكّلت بها صورة الله في السرديات التوراتية في ذهني عبر الزمن؟

لم يكن الفرق فرق تفاصيل، ولا فرق صفاتٍ جزئية، بل فرقاً في التموضع داخل السرد نفسه. في التوراة يظهر الله غالباً منخرطاً في التاريخ: حاضراً داخل الصراع، متحيّزاً لمسار جماعته، يُخاصم ويُرضي، يختار ويستبعد، ويبدو أحياناً أسير وعدٍ يجب أن يتحقّق عبر الزمن. إله يُقرأ من خلال حركة الجماعة، ويُفهم عبر نتائجها، ويُستدعى لتبرير التاريخ بقدر ما يصنعه.

أما في سورة البقرة، فشيئاً فشيئاً بدا لي أن القرآن يزحزح هذا التمركز تماماً. ليس عبر نفي الصفات، ولا عبر تجريدٍ فلسفي، بل عبر إزاحة الله من داخل السرد إلى موقع المعيار الذي تُقاس به القصة نفسها.
الله هنا لا يعمل كفاعلٍ تاريخي، ولا كطرفٍ في الصراع، بل كميزانٍ أخلاقي ثابت لا يتبدّل. لا يُقاس حضوره بنتيجةٍ سياسية، ولا يُثبَت عبر انتصارٍ زمني، ولا يُستخدم لتبرير الأرض أو منح جماعةٍ حصانة.

هذا الانتقال لم يكن مريحاً؛ لأن الله، في هذا الموقع، لا يمكن الاحتماء به ضد التاريخ، ولا استدعاؤه لإغلاق الأسئلة، ولا استخدامه لتبرير ما لا يُحتمل. هو حاضر، لكن حضوره لا يعمل بوصفه قوةً سردية، بل بوصفه مرجعيةً تُعيد مساءلة الجميع بلا استثناء.

بدأت أفهم أن إعادة ضبط القصص، ونزع الامتياز، وتفكيك التسلسل الزمني، لم تكن غاياتٍ بحد ذاتها، بل وسائل لإنتاج هذا التموضع لله في النص: تموضع لا يحتاج إلى ظلم أحد كي يستقيم العدل، ولا إلى تحميل شخصياتٍ ذنب العالم كي يُحافَظ على المعنى. إله لا يُقاس بما فُهِم عنه في الماضي، بل بما يطلبه الآن: عدل، ومسؤولية، وتقوى.

وهنا، لم أعد أتعامل مع سورة البقرة بوصفها نصّاً “ينتقد التوراة أو يفندها”، بل بوصفها نصّاً يحاول أن يُنقذ طريقة حضور الله في الوعي الديني من أن تُختزل في التاريخ، أو تُستنزف في الصراع، أو تُستخدم غطاءً للامتياز. وهذا — بالنسبة لي — كان أثقل ما في القراءة، وأبعدها عن أي طمأنينةٍ سهلة.

قراءتي لسورة البقرة، حتى هذه اللحظة، ليست وصولاً، بل بقاءٌ في المسافة: مسافة بين الفهم والشعور، بين السؤال والطمأنينة، بين النقد والرغبة في الإيمان. وربما كانت هذه المسافة نفسها هي ما يجعل القراءة ممكنة: لا بوصفها طقساً جاهزاً، بل بوصفها محاولةً صادقة لأن أرى، وأن أشعر، من دون أن أختصر الطريق.

فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍۢ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١٣٧ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَـٰبِدُونَ (١٣٨)قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ (١٣٩)

Disclaimer: All views expressed in this post are solely my own and do not represent any official or institutional position. I categorically reject all forms of racism, or discrimination. Any critique is directed solely at political ideologies and state policies—not at ethnic, religious, or cultural identities. Content and images are used only for symbolic or reflective purposes.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *