Skip to content

“حين صار الدفاع عن الغش فضيلة “مساعدتكم بالامتحان أجر

حين صار الدفاع عن الغش فضيلة  مساعدتكم بالامتحان أجر

في الآونة الأخيرة أراجع كل ما يمكن وضعه تحت سؤال الجدوى. كنت أفكر في كل ما كتبته في السابق، وأقول في نفسي إن كل ما أحتاجه هو تغيير التاريخ وإعادة نشر المقال نفسه: التعليم، التوجيهي، الوضع السياسي، الانتخابات، الفساد، قتل النساء، غياب الأمن، حتى سرقة القبور. لكن الحقيقة أن الأمر ليس بهذه البساطة. فكلما عدت إلى تلك المقالات، شعرت أن الواقع لم يكرر نفسه وإنما تجاوز أكثر السيناريوهات تشاؤماً.

لكيلا أطيل في مراجعاتي وأسئلة الجدوى، سأدخل في صلب الموضوع. التوجيهي، الذي طالما وصفته بالكابوس المتجدد، كان بالنسبة لي مرتبطاً بجدوى نظام التعليم والامتحان ذاته، ومدى قدرته على الدفع بمستوى التعليم إلى الأمام، في ظل عزوف كثيرين ممن يستطيعون عنه، واتجاههم إلى الامتحانات الدولية والبجروت الإسرائيلي. ولكن ما يجري اليوم جعلني أشعر أنني تأخرت كثيراً عن ذلك النقاش.

فالطلاب، على ما يبدو، وجدوا طريقتهم الخاصة للتعامل مع هذ الرعب. الغش بكل أشكاله. في السابق، كنا نتحدث عن أساليب الغش ووسائله. كان الغش يتم في الخفاء، ويتعامل معه أصحابه بحذر شديد. أما اليوم، فالوضع مختلف تماماً.

توقفت سيارة أمام إحدى المدارس، تحمل مكبرات صوت. أمسك أحد الشبان بالميكروفون، وقال: “مساعدتكم بالامتحان أجر”. ثم بدأ بحل أسئلة الامتحان بصوت يسمعه الطلاب داخل المدرسة، وسكان العمارات المجاورة، وكل من مر في الشارع. لم يكن في المشهد ما يوحي بأن أحداً يحاول إخفاء ما يفعل.

كانت الأسئلة تتزاحم في رأسي. كيف وصلت إليهم أسئلة الامتحان؟ وأين المشرفون والمسؤولون عن المدرسة؟ نحن نتحدث عن امتحان وزاري يفترض أن تحيط به إجراءات صارمة، لا عن اختبار عادي يمكن أن يتحول إلى عرض في الشارع.

كعادتي، خرجت مع زميلتي، كطرزان، لنرى ما يجري، ونطلب منهم التوقف عن هذا العبث الذي يظلم الطلاب الذين درسوا واستعدوا لهذه الامتحانات. لكننا فوجئنا بمجموعة من الشباب والشابات تحيط بالسيارة. وكانت الشابات، على غير ما توقعت، يشكلن خط الدفاع الأول، ويمنعن الوصول إليها. وفي المقابل، وقف شاب يحمل “سلاح” الموبايل، يصور كل من يحاول تصوير ما يجري. الصوت الذي كان يتردد من الجميع كان واحداً: “لا تصوروا… يجب حماية المغشّشين.”

وما إن حاولنا إيقاف ما يجري، حتى أصبحنا نحن المشكلة. تحولنا إلى مندسين، وخونة، وقاطعي أرزاق المغششين. وكأن الاعتراض هو الجريمة، وقراءة إجابات الامتحان عبر مكبر الصوت فصارت أمراً عادياً.. وبين الأصوات، التفتت إليّ إحدى الشابات وقالت: “حسبي الله ونعم الوكيل فيك.”

لم تكن عبارة “حسبي الله ونعم الوكيل” هي ما صدمني أكثر. الصدمة الحقيقية كانت عندما عدت إلى البيت، ورويت لابنتي ما جرى. كان أول ما قالته: “المشكلة ليست في الغش، المشكلة أن التوجيهي منظومة فاشلة.” ثم أضافت أن كثيراً ممن يغشون لا يطمحون أصلاً إلى دخول الجامعة، وكل ما يريدونه هو النجاح وتجاوز هذه المرحلة، وحتى من يصل منهم إلى الجامعة لن يستمر فيها إن لم يكن قادراً على النجاح. 

أصبح الغش، في نظر كثيرين، نتيجة طبيعية لمنظومة فقد الناس ثقتهم بها.

بعد كل هذا، لا أعرف من أين يجب أن تبدأ المحاسبة. هل من نظام تعليمي فقد جدواه؟ أم من غش لم يعد يُمارس في الخفاء، ووجد من يبرره ويحرسه؟ أم من مؤسسات غابت عن مشهد كان يفترض ألا يحدث أصلاً؟ أم من بيوت باتت ترى في الغش نتيجة طبيعية لكارثية التوجيهي؟

لم تعد المشكلة محصورة في التوجيهي أو في الغش. أصبحت شبكة من الخيوط المتداخلة، كلما أمسكت بطرف، شدّك إلى عقدة أخرى.

 

Disclaimer: All views expressed in this post are solely my own and do not represent any official or institutional position. I categorically reject all forms of racism, or discrimination. Any critique is directed solely at political ideologies and state policies—not at ethnic, religious, or cultural identities. Content and images are used only for symbolic or reflective purposes.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *