اذكر المرة الأولى التي صادفت فيها الدكتور ضياء العوضي على الفيسبوك. بدا لي الأمر كواحدة من تلك القصص التي يستهلكها الناس لأيام على مواقع التواصل، ثم ينتقلون إلى غيرها. بدا لي الرجل أقرب إلى مؤثر على مواقع التواصل منه إلى طبيب، وتركت الفيديو بعد ثوان لأنه كان يصرخ. ظل يظهر أمامي بين حين وآخر، إلى أن ظهر في بثّ مباشر يحذّر من انه يتعرض لتهديدات بالقتل، وأن ذلك قد يكون آخر ظهور له. لم اتوقف عند كلامه. وضعته سريعاً في خانة الدجالين، او أولئك الذين يصنعون الضجيج ليصنعوا لأنفسهم جمهوراً، ومضيت. ولم يخطر ببالي، ولو للحظة، أنني سأعود بعد أشهر لأستمع الى الرجل نفسه من البداية إلى النهاية.
أصبت بالدهشة بعد عدة أيام عند سماع خبر وفاته المفاجئ في الغرفة التي كان يقيم فيها بأحد فنادق دبي. لكن ما أثار دهشتي أكثر أن إعلان وفاته “الطبيعية” بدا وكأنه أغلق القصة كلها. كان كل شيء يبدو طبيعياً، إلا أن يموت رجل ظل يصرخ علناً بأنه يتعرض لتهديدات بالقتل من قبل شركات الأدوية وآخرين، ثم يُطوى الأمر بهذه البساطة. وربما كان أكثر غرابة من خبر الوفاة نفسه الحملة التي صاحبت موته، والسخرية التي رافقتها، وكأن كثيرين وجدوا في موته دليلاً على أن نظامه الصحي هو الذي قتله.
لم أكترث كذلك. وسخرت، كعادتي، من عجائب الحياة والموت. قلت في نفسي إنه ربما كان كغيره من أولئك الذين يدفعون حياتهم ثمناً لشغفهم، أو يغرقون في قناعاتهم حتى النهاية. مات الرجل، ومات معه سره، وأغلقت هذا الموضوع.
فما الذي يعنيه موت، أو حتى مقتل، رجل واحد وسط المذبح الذي لا يكف عطشه عن مزيد من الدماء، وأرواح تُزهق كل يوم على الشاشات؟ أعترف أن مذابح غزة استنزفت قدرتي على الدهشة، حتى غدا موت إنسان واحد يبدو حدثاً عابراً أمام ذلك السيل اليومي من الأرواح المهدورة. لم يعد للحياة ذلك الطعم، ولا للموت تلك الدهشة، منذ أثبتت الدنيا هوانها أإزاء ضحايا غزة.
مرت شهور، ومررت من جديد على “التايم لاين”، فظهرت أمامي صاحبة مزرعة تصرخ بسبب انهيار سوق البيض في إحدى بلدات الضفة الغربية. لم أهتم هذه المرة أيضاً. بعد عدة أيام ذهبت إلى الجزار لأشتري دجاجاً، وسألته عن قصة البيض في السوق. أجابني بامتعاض، وبصوت عالٍ: “هذا يا ستي نظام الطيبات. لقد جنّ الناس. لم يعد أحد يشتري البيض ولا الدجاج في الضفة.”
تذكرت ضياء العوضي ونظامه. ابتسمت باستهزاء مرة أخرى، واستغربت ما الذي جعل الناس في الضفة يركبون “ترند” أهل مصر. أثار فضولي أن فكرة غذائية قطعت كل هذه المسافة، ووجدت لها كل هذا الصدى في الضفة الغربية. لم أكن أفهم يومها ما الذي رآه الناس فيها حتى غيّرت عاداتهم الغذائية بهذه السرعة، لكنني ظللت أعتقد أن الأمر أقرب إلى الخبل والجهل منه إلى أي شيء آخر.
عدت إلى المنزل، وبدأت البحث عن نظام الطيبات وقصة البيض والدجاج. ما الذي يريده الرجل من أهم وجبة يتناولها المرء؟ كنت واحدة ممن يملؤون بطونهم ببيضتين يومياً، وأتجنب اللحوم قدر المستطاع، وأفضل الدجاج لأنه أقل سعرات حرارية. لم أكن أبحث يومها عن تغيير نظامي الغذائي، بل كنت أبحث عن تفسير لما بدا لي جنوناً جماعياً.
سمعته يتكلم عن عدائه للدجاجة. وكان يصرخ كما رأيته أول مرة، لكن هذه المرة لم أغلق الفيديو. بقيت أستمع، وأوقفه بين حين وآخر لأبحث في كل ادعاء يطرحه. كانت عبارة واحدة ترن في أذني: “الدجاجة كائن مكتئب مصروع.” وعندما بدأت أبحث فيما يقوله عن الدجاج والبيض، وجدت حديثاً متكرراً عن ارتباطهما بارتفاع الهستامين.
هنا تجمدت. فمنذ سنوات وأنا أعاني من حكة جلدية عند الفك تجعلني أهرش كالمصاب بالجرب. وصف لي طبيب الجلد أدوية كانت تخفف الحكة، لكنها كانت تتركني في حالة من الخمول والتعب، حتى أصبحت أكياس الثلج هي العلاج الوحيد الذي أستطيع احتماله. كنت أحملها معي في السفر، وفي السيارة، وفي المكتب، وفي أي مكان، تحسباً لنوبة حكة قد تداهمني في أي لحظة.
كنت قد عدت للتو من سفر طويل، ولم أتناول البيض طوال الأسبوع الأخير من الرحلة. يومها لاحظت أن الحكة اختفت، لكنني لم أربط بين الأمرين. وعندما قرأت عن تأثير البيض والدجاج، فهمت فجأة لماذا كنت أعاني كل تلك السنوات. في اليوم نفسه كنت قد أكلت دجاجاً، فعادت الحكة. عندها قررت أن أجرب. امتنعت تماماً عن البيض والدجاج، ولم أتعامل مع الأمر باعتباره يقيناً، بل تجربة. واكتشفت أن الحكة كانت تعود حتى عندما أطبخ الدجاج، من دون أن أتذوقه.
من هنا بدأت أتابع فيديوهات الدكتور ضياء العوضي، رحمه الله، بجدية كبيرة.
وعدت أفكر في سنوات الحكة، وفي رحلتي الطويلة بين الأطباء بحثاً عن علاج. تذكرت طبيب الجلد الذي وصف لي الأدوية، لكنه لم يسألني السؤال الذي يبدو لي اليوم بديهياً: ماذا تأكلين؟
مع كل متابعة بدأت تتكشف أمامي بديهيات في علاقتنا بالغذاء لم التفت إليها من قبل. لم يعد الطعام مجرد ما يدخل أفواهنا، ولا المعدة هي مركز الحكاية كما كنت أتصور. أصبحت أفكر في رحلة الطعام كلها، وفي الطريقة التي يستقبله بها الجهاز الهضمي، وفي علاقته بكل ما يحدث داخل الجسد. ووجدت نفسي أطرح سؤالاً لم أكن أتخيل أنني سأطرحه يوماً: لماذا نأكل أصلاً؟
فجأة، أصبحت أرى عملية الهضم كأنني أشاهد مصنعاً يبدأ العمل منذ اللحظة التي يدخل فيها الطعام إلى الجسد؛ كيف يتحول إلى غذاء للجسد،، وكيف يمده بكل ما يحتاجه ليبني نفسه ويواصل الحياة. وكانت لحظات كشف متتالية ، أدركت فيها حجم جهلي بمعنى الأكل نفسه.
كلما استمعت إلى منطقه، أو بالأحرى إلى فلسفته في الغذاء، بدأت أفهم لماذا أثار كل ذلك العداء. لم يكن يقدم نظاماً غذائياً جديداً فحسب، وإنما كان يعيد تعريف علاقتنا بالطعام من أساسها. فقد هدم الهرم الغذائي كما عرفناه، ثم أعاد بناءه بطريقة لا تشبه شيئاً مما تعلمناه عن الأكل. ومع الوقت أدركت أن ما كان يهزه لم يكن قائمة من الممنوعات والمسموحات، وإنما المسلمات التي نبني عليها فهمنا للغذاء كله.
كلما استمعت إليه، استحضرت مشهد إبراهيم عليه السلام وهو يحطم الأصنام، ثم تذكرت هدم الرسول ﷺ لأصنام الكعبة. كان هذا التشبيه صعباً عليّ في البداية، لكنه ظل يرافقني كلما تعمقت في فلسفته الغذائية. فقد بدا لي أن الرجل كان يحطم أصناماً من نوع آخر؛ أصناماً لا تُعبد في المعابد، لكنها تؤكل على الموائد. أصناماً متحجرة في عقولنا، وفي علاقتنا بالطعام، وفي تلك المسلمات التي ورثناها حتى كففنا عن مساءلتها. ففي المحصلة، نحن ما نأكل.
لم يكن من الصعب أن أفهم المنطق الذي بنى عليه نظامه الصحي، ولهذا لم يعد يصعب عليّ فهم حجم الحرب التي شُنّت عليه من كل صوب، ولا الانتقاص المستمر من كل ما كان يحاول طرحه. وكلما اشتدت تلك الحملات، ازددت تمسكاً بالإنصات إليه. لم يكن ذلك دفاعاً عنه بقدر ما كان شعوراً بمسؤولية أخلاقية تجاه رجل رحل قبل أن يُمنح فرصة الدفاع عن نفسه. فإذا كان قد دفع حياته ثمناً لما كان يؤمن به، فإن أقل ما يمكن أن نفعله هو أن نستمع إليه كما هو، لا كما أراد له خصومه أن يُروى.
منذ بدأت رحلة التساؤل ومحاولة فهم نظامه، تغيرت عادات غذائية كنت أظنها من ثوابت حياتي. توقفت تماماً عن تناول البيض والدجاج، واختفت الحكة التي لازمتني سنوات. كان ذلك كافياً بالنسبة لي، لا لأعتبر تجربتي حقيقة عامة، وإنما لأدرك حجم جهلنا بما يمكن أن يفعله الطعام بأجسادنا، وكم نتعامل مع نظامنا الغذائي بوصفه أمراً بديهياً، بينما هو في الحقيقة من أكثر ما يحتاج إلى السؤال.
قد تختلف الأجسام في أمراضها واحتياجاتها واستجابتها للطعام، لكن الإنسان واحد في أصل خلقته. وكانت هذه الفكرة مدخلي إلى فلسفة الدكتور ضياء. شيئاً فشيئاً، لم يعد اهتمامي منصباً على قائمة الأطعمة التي يدعو إلى تجنبها، وإنما على الجهاز الهضمي نفسه؛ كيف يعمل، وكيف نحافظ عليه، وكيف يمكن أن يتحول الطعام الذي نعتقد أنه صحي إلى عبء عليه بدل أن يكون غذاءً له.
بعد ذلك، أصبحت أفهم طريقته في الحديث عن البيض والدجاج والدقيق والمشروبات الغازية والألبان وغيرها. لم أعد أسمع أسماء أطعمة، بل أسمع سؤالاً واحداً يتكرر بأشكال مختلفة: ماذا نفعل بأجهزتنا الهضمية كل يوم، ونحن نظن أننا نحسن إليها؟
تغيرت علاقتي بالحيوانات أيضاً. ولم يكن ذلك لأنني أصبحت أرفض أكل اللحم. فعلاقتي بالخراف جزء من طفولتي. كنا نعتني بالخروف، ونطعمه، ونكبر معه، ثم يأتي يوم العيد، فيجتمع أفراد العائلة حول ذبحه في ساحة المنزل. لم يكن المشهد سهلاً، لكنه كان يحمل معنى مختلفاً؛ كانت هناك علاقة مع الحيوان، وكان الذبح نفسه محاطاً بما تعلمناه من الرحمة والرفق.
أما الدجاج، فقد بدأت أراه بصورة أخرى تماماً. لم يعد ما يجري مجرد ذبح، بل حياة كاملة من الاستنزاف. تُعجَّل دورة نموه، ويُستنزف جسده في إنتاج البيض، ويُنتزع منه بيضه، ثم يقف في انتظار دوره بينما تُذبح الدجاجات من حوله. لا تكاد الدجاجة تولد حتى تدخل في دورة لا تنتهي من الاستهلاك والاستنزاف، وكأن حياتها كلها خُلقت لتُستنزف قبل أن تُذبح.
وتذكرت حديثاً دار بيني وبين بعض الإسرائيليين خلال دورة الإرشاد السياحي عن طقس الكاباروت، وهو طقس يلوّح فيه بعض اليهود المتدينين بدجاجة فوق رؤوسهم قبل يوم الغفران، باعتبارها تحمل عنهم خطاياهم، ثم تُذبح ويُتصدق بها. يومها كان أول سؤال خطر لي: وماذا يفعلون بكل تلك الدجاجات؟ وكان الجواب أنهم يبيعوها في السوق العربي. ثم ضحكت بيني وبين نفسي وأنا أفكر: هل ينتهي بنا الأمر إلى أكل ذنوبهم وربما لعناتهم أيضاً؟ بدت الفكرة يومها أقرب إلى دعابة سوداء منها إلى أي شيء آخر، لكنها بقيت عالقة في ذهني.
بعد الدكتور ضياء، عادت تلك الصورة إليّ من زاوية مختلفة تماماً. لم أعد أفكر في الطقس، بل في الدجاجة نفسها. ما الذي نتوقعه من كائن لم يعرف في حياته إلا الخوف والاستنزاف؟ وماذا نأكل، في النهاية، إلا ندوبها وقسوة عيشها؟
لا يزال هناك الكثير مما لم أفهمه بعد. فالتجوال في عالم الطيبات ليس مجرد متابعة لفيديوهات، ولا مجرد الالتزام بقائمة من المسموحات والممنوعات. إنه رحلة في فهم الغذاء، وفهم الإنسان، وفهم العلاقة بين ما يدخل أفواهنا وبين الأجساد التي ائتمننا الله عليها.
ولم أكن أتوقع أن تقودني هذه الرحلة إلى القرآن من باب الطعام. لم أشعر يوماً أن الدكتور ضياء كان يحاول أن يجعل من القرآن كتاباً في التغذية، بقدر ما كان يحاول أن يقرأ الإنسان من خلال القرآن، ثم يقرأ غذاءه على ضوء تلك القراءة. عندها توقفت طويلاً أمام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً﴾. أدركت فجأة أننا، في الغالب، نتوقف عند كلمة حلال، بينما تمر كلمة طيباً مروراً عابراً، مع أنها ربما تحمل سؤالاً لا يقل أهمية. ثم جاءت الآية الأخرى، وكأنها تلخص الرحلة كلها: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾. وكم مرة مررنا بهذه الآية دون أن ننظر فعلاً إلى طعامنا، أو أن نتساءل ماذا يعني أن ننظر إليه؟
وربما لهذا السبب استطعت أن أفهم شيئاً من رحلة الدكتور ضياء، لأنها التقت، على نحو لم أتوقعه، مع رحلتي الخاصة مع القرآن بعد دراسة الفلسفة. لم يأخذني إلى القرآن، فقد كنت قد بدأت تلك الرحلة قبله، لكنه فتح لي باباً جديداً للدخول إليه. وبينما كنت أحاول أن أفهم الإنسان من خلال القرآن، كان هو يحاول أن يفهم الطعام من خلال القرآن. وفي مكان ما، التقت الرحلتان.
قال الدكتور ضياء، في أحد فيديوهاته، إنه سيأتي يوم يكون فيه «ضياء العوضي» في كل بيت. يومها بدت لي العبارة أقرب إلى المبالغة التي اعتدنا سماعها من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. أما اليوم، فأظن أنني فهمت ما كان يقصده. لم يدخل إلى بيتي بشخصه، وإنما بأسئلته. لم يعد حاضراً في مطبخي أو في ثلاجتي فحسب، بل في وعيي. صار حاضراً في كل مرة أمد فيها يدي إلى الطعام، وفي كل مرة أقرأ ملصقاً غذائياً، وفي كل مرة أجلس إلى مائدة، أو أسأل نفسي: لماذا آكل هذا؟ وما الذي يفعله هذا الطعام في الجسد الذي ائتمنني الله عليه؟ لم يعد الطعام مجرد وسيلة لسد الجوع، بل صار باباً للتفكير في الحياة نفسها، وفي مسؤولية الإنسان عن الجسد الذي خُلق به، وهو الشيء الوحيد الذي نمارس عليه، كل يوم، قدراً حقيقياً من الاختيار.
وربما لهذا السبب أيضاً أشعر اليوم بمسؤولية أخلاقية أكبر تجاه الرجل. لا لأن موته يثبت صحة ما قال، ولا لأنني أزعم أنني أصبحت أملك الحقيقة، بل لأنه رحل قبل أن يستطيع أن يدافع عن نفسه، أو يجيب عن كثير مما أُثير حوله. أشعر أن من الإنصاف أن يُفهم قبل أن يُحاكم، وأن تُناقش أفكاره قبل أن تُختزل في السخرية أو في التقديس. وربما لهذا السبب أصبحت من مريديه؛ لا لأنني اقتنعت بكل ما قال، ولا لأنني توقفت عن مساءلة أفكاره، بل لأنه أعاد إليّ شيئاً كنت أظنه بديهياً فإذا هو غائب: أن الإنسان خُلق ليفكر، لا ليكرر، وأن أبسط ما نفعله كل يوم، وهو الأكل، قد يكون أعمق أبواب الوعي إذا أحسنا النظر إليه.
عندما شاهدته للمرة الأولى، أغلقت الفيديو بعد ثوانٍ. وكذلك أغلقت خبر وفاته كما أغلقت آلاف الأخبار التي مرّت علينا في زمن لم يعد فيه للموت وقعه الأول. لكنني لم أستطع أن أغلق أسئلته. وربما لهذا السبب فقط، أشعر أن رحلتي مع الدكتور ضياء العوضي لم تبدأ يوم عرفته، وإنما بدأت بعد رحيله.
مقال منصف ويضع علينا مسؤولية التوقف في بديهيات…
الحياة وخاصة عندما نرصد أخطارها او مساوئها