Skip to content

حين تتهاوى النيازك على مدينة القمر…ويصبح للخيزران احتفال حكاية تسريب العقارات الفلسطينية… مرّة أخرى

حين تتهاوى النيازك على مدينة القمر…ويصبح للخيزران احتفال

حكاية تسريب العقارات الفلسطينية… مرّة أخرى

وسط حمى الشعور بأن تغييراً ما بدأ يتشكل في العالم، بين الانتخابات النصفية في أمريكا وتلك في صربيا والبرازيل، وخروج العرب  بأعداد غير مسبوقة للمشاركة في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وقع خبر إعلان المستوطنين شراء ثمانية منازل في أريحا كسقوط نيزك أخذ انبهارنا  بالنجوم على حين غرّة. أو لعل المشهد أشد قتامة من ذلك؛ كأن قمر أريحا، التي عُرفت بمدينة القمر، بات مهدّداً بالتلاشي تحت وابل من النيازك المدمرة.

يبدو أن مسرّبي العقارات لم يعودوا يكتفون بتسريب عقار هنا وآخر هناك، بل صاروا يفعلونها بالجملة. في السابق، كانت تمر سنوات بين تسريب العقار والإعلان عن انتقاله إلى المستوطنين، يهرب خلالها المسرّب ويختفي عن الأنظار، فيما تلجأ الجهات الاستيطانية إلى التحايل عبر عمليات بيع وتسجيل مموّهة بأسماء أفراد وشركات وجمعيات، بعضها خارج البلاد. أما اليوم، فلم يعد أحد بحاجة إلى الاختباء أو الهروب خشية انكشاف أمره. فهل بات المسرّبون مطمئنين إلى أن هناك من يحميهم داخل المنظومة الحاكمة، أو حتى من يشاركهم في هذه الصفقات؟ فها نحن نستيقظ على إعلان المستوطنين امتلاك العقارات ودخولها، ولا نعرف من تفاصيل ما جرى إلا ما يقرر الإعلام الإسرائيلي كشفه لنا، كما يحدث في كل مرة.

كم من حدث مفجع عشناه، من القدس إلى الضفة، وقع علينا كالخنجر في الصدر؟ كم مقالاً كُتب، وكم تحقيقاً فُتح في هذا الشأن؟ وكم أرضاً وعقاراً رأينا تسريبهما، ثم غضضنا النظر حتى وقوع الفاجعة التالية؟ هل يئسنا؟ هل سلّمنا تماماً بحتمية تسريب ما تبقى من أرض، وسط هذا الخنوع والاستلاب والارتهان لتسلّط السلطات علينا من كل صوب؟

هل بقي أمامنا ما نبكي عليه وسط الكوارث المحدقة بنا، من إبادة وتهجير؟ أم أن أذناب الاحتلال، من عملاء ووكلاء وخونة، يواصلون قطع ما تبقى من شرايين حياتنا؟

لكن ما جرى في الديوك التحتا كان مختلفاً عن مشاهد الاستيلاء الاستيطاني التي اعتدنا رؤيتها، خصوصاً مع استباحة قطعان المستوطنين للقرى ومضارب البدو في الأغوار ومناطق الضفة الغربية الأخرى.

فالمستوطنون لا يحتاجون إلى شراء الأرض كي يستولوا عليها. نراهم يقتحمون ويخربون ويهدمون ويطردون السكان، ويسرقون ما يريدون دون اكتراث، تحت حماية جيش الاحتلال أو بمشاركته. لكن المشهد في الديوك التحتا، في الرابع من تشرين الثاني، كان مختلفاً. لم نشاهد مستوطنين يقتحمون منازل مأهولة ويطردون أصحابها، بل رأيناهم يدخلون حاملين أثاثهم إلى بيوت خالية من سكانها.

دخلوا محتفلين بانتصار المشتري، لا السارق، أو حتى الغازي.

رافق دخولهم احتفاء بما اعتبروه تحقيقاً لوعد توراتي. فقد وصف يسرائيل غانتس، رئيس مجلس بنيامين الاستيطاني، أريحا بأنها بوابة دخول الشعب اليهودي إلى أرضه، معلناً أن ما يجري هو تفكيك لاتفاقيات أوسلو، بيتاً بعد بيت وعائلة بعد عائلة. أما دانييلا فايس، رئيسة حركة نحالا الاستيطانية، فاستحضرت نبوءة من سفر زكريا عن امتلاء شوارع المدينة بالأطفال، فيما ربطت الوزيرة أوريت ستروك ما أُعلن عنه من شراء للمنازل بقصة شراء إبراهيم (عليه السلام) للأرض.

ولعل استحضار أريحا بوصفها بوابة أرض الميعاد يعيدنا إلى يشوع بن نون، الذي تروي التوراة دخوله المدينة بعد سقوط أسوارها وإهلاك سكانها، باستثناء راحاب ومن معها. ويشوع نفسه هو الذي قاد، في رواية توراتية أسبق، الحرب على العماليق في سفر الخروج. فكيف لا نستعيد خطاب نتنياهو بعد السابع من أكتوبر، حين استحضر ذكرى العماليق في سياق الحرب على غزة؟ ليست الروايتان رواية واحدة، ولكن الأخطر هو أن نرى الخطاب السياسي المعاصر يتحول إلى خطاب شعبوي ديني، يستعيد الروايات التوراتية عن الحروب والإبادة، ويستحضرها مرجعية لتبرير الإبادة والتهجير والاستيطان في الحاضر.

فمن باع؟ ومن اشترى؟ ومن توسط؟ ومن سهّل؟ ومن كان يعرف؟

والأهم: أين كانت السلطة الفلسطينية طوال ذلك كله؟

هذا السؤال ليس بجديد. كتبت ، كغيري مراراً عن تسريب العقارات في القدس، وعن السماسرة والواجهات التي تنتقل عبرها العقارات حتى تصل إلى الجهات الاستيطانية. وعن الذين يظهرون بمظهر المخدوعين بعد انكشاف الصفقات، والتحقيقات التي تعلنها السلطة ولا تكشف نتائجها، والمتورطين الذين لا يبدو أن الفضيحة تمنعهم من مواصلة حياتهم وعلاقاتهم مع أصحاب النفوذ.

إن المصيبة في هذه الأعمال الشائنة لا تكمن فقط في الجرم المرتكب بين بائع وسمسار ومستوطن. فمن المسؤول عن كل هذا؟  وما معنى أن تتكرر هذه الوقائع دون أن نرى محاسبة تقطع الطريق على تكرارها؟

وها نحن أمام الأسئلة ذاتها، لكن هذه المرة في أريحا، مدينة القمر.

من هم أصحاب المنازل الثمانية؟

البيوت التي جرى الحديث عن تسريبها معروفة. لسنا أمام خِرَب مهجورة أو مبانٍ عشوائية . المنازل قائمة منذ سنوات، بينها فيلا بحمام سباحة، مزودة بالكهرباء والمياه والمرافق. وهذه المنازل لم تنبت من الأرض فجأة. فمن بناها؟ وعلى أرض من؟ وبأي سند؟ ومن تقدم بطلبات البناء وتوصيل الخدمات؟ وأين معاملات إثبات الملكية وسجلات البلدية والمحافظة وسلطة الأراضي؟ وإذا كانت الأرض مسجلة باسم خزينة الأردن، كما يقول المحافظ، فمن أقام هذه المباني عليها، وبأي صفة كان يتصرف فيها؟

القول إنّ أصحاب المنازل ليسوا من سكان أريحا لا يفسر شيئاً. منذ متى كان امتلاك الفلسطينيين من القدس عقارات في أريحا أمراً استثنائياً؟ وما علاقة مكان إقامة أصحاب العقارات بمعرفة هوياتهم أو التحقق من ملكيتهم؟ فهذه المنازل لا بد أن تكون لها سجلات ووثائق ومعاملات لدى الجهات المختصة. ثم إن إجراءات إثبات الملكية والتصرف بالعقارات، ولا سيما عندما يكون أحد أطراف المعاملة من حملة الهوية المقدسية أو الإسرائيلية، تثير أسئلة عن أذونات الشراء والتحريات الأمنية، وعما إذا كانت أي معاملات تخص هذه المنازل قد مرت بالمؤسسات الفلسطينية.

في تصريحه الأول، قال  محافظ أريحا إنه لا يستطيع تأكيد حصول بيع أو نفيه قبل استكمال التحقيق، ثم عاد ليؤكد في تصريح لاحق أن ما جرى تزوير وليس بيعاً، مستنداً إلى أن الأرض مسجلة باسم خزينة المملكة الأردنية الهاشمية. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت سجلات الأرض واضحة إلى هذا الحد، فماذا عن سجلات المباني المقامة عليها؟ وما الذي استجد بين التصريحين ليصبح ما لم يكن بالإمكان تأكيده أو نفيه عملية تزوير مؤكدة؟ وإذا كانت المحافظة قد بدأت بجمع الأسماء والبيانات بعد دخول المستوطنين، فأين كانت هذه المعلومات طوال السنوات التي كانت فيها المنازل قائمة؟

وللتأكيد على الشفافية، واجه المحافظ ما وصفه بالدعاية الصهيونية المضللة بالتأكيد بأن عدد البيوت ثلاثة وليس ثمانية !!! وعليه يجب الا ينشغل “القطيع” بترديد ما تتناوله الصحافة الاسرائيلية المغرضة! ولنقل تمام، فلنقل ثلاثة مبانٍ فقط، هل يُعقل أن معرفة أصحاب ثلاثة مبانٍ قائمة منذ سنوات، ولها ملفات هدم وخدمات، تحتاج إلى تحقيق يبدأ بعد أن يستقر المستوطنون فيها؟ أم أن تصحيح العدد بات أهم من معرفة من باع ومن اشترى ومن سهّل؟

سيتحول هذا كله إلى حكاية أخرى عن تحقيق يجري، أو لجنة شُكلت، أو إجراءات اتُّخذت ولا يعرف الناس عنها شيئاً. وربما تعوّد الرأي العام على هذا لدرجة انه صار يفضل الحديث عن هذه الأمور في الغرف المغلقة او على وسائل التواصل بين نكتة ولطمة. استهزاء وحسرة. أو ربما لا يعبأ أصلاً.

في حزيران عام 2019، كتبت مقالاً بعنوان «وزارة القدس والتراث الإسرائيلية من باب العامود إلى تلول أبو العلايق: أين الوزارات الفلسطينية من ذلك؟». كنت أتحدث عن المشروع الإسرائيلي لتطوير الموقع الأثري في تلول أبو العلايق، حيث بقايا القصور الهيرودية غرب أريحا، وعن تحويل الآثار إلى أداة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المكان. وسألت يومها عن دور المؤسسات الفلسطينية، ولا سيما الجهات المسؤولة عن السياحة والآثار ومحافظة أريحا.وكنت حينها، كما في كل مرة، أدقّ في خزان مخروم، للأسف.

ولكن تبيّن لاحقاً أن ملف الآثار في أريحا لم يكن مقتصرًا على النزاع بين المؤسسات الفلسطينية والإسرائيلية، بل أثيرت بشأنه قضايا فساد وتحقيقات وصلت شبهاتها إلى بعض دوائر النفوذ العليا في السلطة الفلسطينية.

ولكن، هل يكفي أن يدان مسؤول في قضية بينما تبقى الأسئلة المتعلقة ببقية الملفات وأصحاب النفوذ معلّقة؟ أم أننا أمام مشهد يتكرر، يُقدَّم فيه أحد الفاسدين قرباناً للرأي العام، فيما تستمر المنظومة التي سمحت للفساد بالتفشي؟

 المشاريع الإسرائيلية ومخططاتها في المنطقة ليست سراً. ولم تبدأ مع دخول المستوطنين إلى منازل الديوك التحتا. ففي عام 2023، خصصت الحكومة الإسرائيلية ميزانية لتطوير موقع القصور الهيرودية غرب أريحا، وفي ربيع عام 2024 نُظمت زيارات إسرائيلية إلى الموقع تحت حماية عسكرية. ولم يقتصر المشروع على تطوير الآثار واستثمارها سياحياً، بل امتد إلى التخطيط لشق طرق تتيح الوصول إلى الموقع دون المرور بمدينة أريحا والمناطق الخاضعة للإدارة الفلسطينية. وهكذا لم تعد الآثار مجرد شواهد تاريخية، بل أصبحت جزءاً من مشروع لفرض السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل طرق الوصول إليها.

ثم جاءت سنة 2026 لتكشف بصورة أكثر عنفاً وفجاجة ما يجري على الأرض. ففي شباط، هُدمت منازل ومنشآت فلسطينية في محيط المنطقة على أيدي مستوطنين، وفق شهادات السكان وتقارير حقوقية، في اعتداءات أدت إلى تشريد العديد من العائلات. وفي آذار صدر أمر عسكري إسرائيلي بالاستيلاء على أراضٍ لشق طريق وصول إلى القصور الهيرودية، وأُبلغ به أصحاب العلاقة في نيسان. وفي تشرين الأول شهدت المنطقة إقامة بؤرة استيطانية جديدة وهدم منزل فلسطيني في منطقة السطيح.

ثم جاء الرابع من تشرين الثاني، ودخل المستوطنون إلى المنازل الثمانية..أو الثلاثة!

منذ سنوات، تتعرض المنطقة لمحاولات متواصلة لفرض السيطرة الإسرائيلية عليها، ترافقت مع مشاريع أثرية وسياحية وشق طرق واعتداءات على الأراضي والمنازل. ومع الإبادة على غزة وما رافقها من تسارع في سياسات الضم في الضفة الغربية، تصاعدت هذه الاعتداءات. وما جرى في الرابع من تشرين الثاني لا يمكن فصله عن هذا المسار المتواصل، الذي لم يكن خافياً على أحد، ولا على المؤسسات الفلسطينية المعنية.

فماذا فعلت السلطة الفلسطينية خلال هذه السنوات؟ ماذا فعلت وزارة السياحة والآثار منذ بدأت إسرائيل تطوير مشروع القصور الهيرودية؟ وماذا فعلت بشأن قضية تهريب الآثار من أريحا؟ أين انتهت التحقيقات؟ وما مصير القطع الأثرية التي تناولتها؟ هل انتهوا من الاثار وانتقلوا الى الأراضي والعقارات؟

لا أعرف إن كانت هذه القضية ستتحول إلى قضية رأي عام. والأكثر، أنني لا أعرف ما الذي سيجري إن تحولت إلى قضية رأي عام. هل ستعود البيوت؟ هل سيُحاسب الفاعلون؟ وهل سنفهم أخيراً كيف أمكن لعملية بهذا الحجم أن تحدث تحت أنظار سلطة الأراضي الفلسطينية والبلدية والمحافظة والأجهزة الأمنية؟

لقد بلغ السيل الزبى منذ مدة، ولا أعرف إن كانت هناك جدوى من أي قول أو أي تحقيق. ولكن هل ننتظر حتى تتحول حاراتنا وأماكن تجمعاتنا إلى ثكنات استيطانية، يصبح فيها المستوطن جاراً يحمل أوراق شراء يدّعي بموجبها ملكية البيت، لا مجرد مستوطن يستولي عليه بالقوة؟

منذ سنوات ونحن نشهد البيوت تُهدم، والأراضي تُصادر، والسكان يُهجّرون. واليوم نشهد مشهداً آخر: مستوطنون يصلون بأثاثهم إلى منازل فلسطينية، ويحتفلون بالدخول إليها كما يحتفل المشتري باستلام ما اشتراه.

وما بين من يعلن الشراء ومن ينفيه، تبقى المنازل في أيدي المستوطنين. وهكذا تستمر حكاية تسريب البيوت والأراضي، بينما يواصل المتورطون في هذه الجرائم حياتهم كأن شيئاً لم يكن، بل يصبح بعضهم أثرياء وأعياناً وأصحاب عقارات، في مجتمع يعرف ما يجري ويصمت عنه، وسلطة لا نسمع منها سوى البيانات والإعلان عن تحقيقات لا نعرف إلى أين وصلت، ولا من حوسب بنتيجتها.

في اليوم التالي لدخول المستوطنين إلى منازل الديوك التحتا، كانت أريحا على موعد مع مهرجان خيزران، بحضور عليّة القوم ممن تسابقوا في الحديث عن الصمود والتمسك بالأرض، وعن رسم البهجة على وجوه الأطفال، على بعد أمتار، من اعتداءات المستوطنين.

يا لها من مفارقة! بينما نبحث عمن باع ومن اشترى ومن سهّل، ينشغل أصحاب السلطة بالاحتفاء بالصمود، وكأن الحديث عن الأرض يغني عن الإجابة عما جرى لها.

وبينما ينتظر الناس نتائج التحقيقات، يُقدَّم لهم مهرجان آخر من الكلمات والشعارات، وتجديد الولاء لأصحاب السلطة القادمين من العاصمة رام الله، فيما تقتات الرعية من الفتات وتُدعى إلى الاحتفال والشكر والانحناء.

ويكون الالهاء بينما يحضّر قربان آخر عن هذه الجرائم للرأي العام…. مهرجان خيزران!!

محزن، مخجل، مخزٍ مآل حالنا. فما الذي تبقّى أن يُقال، عندما لا تعود الأرض عِرض أهلها؟

Disclaimer: All views expressed in this post are solely my own and do not represent any official or institutional position. I categorically reject all forms of racism, or discrimination. Any critique is directed solely at political ideologies and state policies—not at ethnic, religious, or cultural identities. Content and images are used only for symbolic or reflective purposes.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *