ما الذي نحتاج اليه كشعب فلسطيني؟ انتخابات ام تغيير جذري؟ 

لا اعرف ان كنا امام فرصة مهمة باحتمال حصول انتخابات تشريعية ورئاسية طال انتظارها، ام نحن امام اقتسام لانقسام بين طرفي النظام الحاكم الفلسطيني لتكريس نفوذهما واستحواذهما على طرفي الوطن المنقسم والمتشرذم والمنفصل المحاط من جميع الاتجاهات بما يؤكد ويذكر ويكرس حقيقة الاحتلال. 

من جهة، يبدو الامر واضحا عند النظر الى الاتفاقية بين حماس وفتح لاقتسام الانتخابات وتوزيع الحصص فيما بينهما، وكأن الكيان الذي يتم الحديث عنه مجرد ارقام تتبلور بنهاية الامر لمحاصصة بين الفصيلين. نحن لا نعدو كوننا أرقاما لأهدافهم بامتصاص ما تبقى من كياننا ليشكلوا فيما بينهم افرادا متمكنين مستحوذين طغاة ظالمين. فإذا ما حصلت انتخابات على حسب مخططهم فنحن في مصيبة لا نعرف متى ستنتهي والى اين. فهذا يعني انهم سيستمدون شرعيتهم الغائبة من خلال صناديق الاقتراع ليستمروا في اختلاسهم لحياتنا. 

ولكن، من جهة أخرى، إذا ما حصل وخسروا، إذا ما جرى بالفعل انتخابات نزيهة، وهو امر من المستحيل حدوثه في ظل مراسيم رئاسية لرئيس يبدو انه سيعيد ترشيح نفسه يتم رسمها وفق احتياجاته وقراراته ومزاجه ومصالحه وفصيله، او بالأحرى وافراد بعينهم مقربين منه. فتبدو الانتخابات وكأنها مصيدة تم حشرنا فيها. فمن يسمع حديث رئيس الوزراء بلقاء تلفزيوني بالأمس، يشعر وكأن الانتخابات والمجلس التشريعي هي الوصفة السحرية لكل مشكلة. قوانين لا تعجبنا اليوم، نغيرها عندما ننتخب المجلس التشريعي. لدينا أي ملاحظات عن أي اعوجاج او لا قدر الله انتهاك او إذا ما كان هناك حالة استثنائية بها فساد، فالمجلس التشريعي المنتظر سيحلها كلها ويحل مشاكلنا ويحقق لنا الديمقراطية المبتغاة! 

من يسمع رئيس الوزراء ووثوقه بالانتخابات القادمة يقلق، فالطبيعي والبديهي أن يخاف، لأنه لن تستمر حكومة عناقيده الواعدة التي لم يقطف أي من ثمارها بعد، فتراه يتكلم عن الانتخابات المحتملة المرتقبة القادمة وكأنها انجاز حكومته. يتكلم عن غد مرتقب محتمل مشرق لمجلس تشريعي قادم بثقة الواثق، اما بالنجاح المطلق والمؤكد او عدم الحدوث، وكأن لسان سره يقول ” ابقوا شوفوني إذا صار اشي” ولسانه العلني يفرش لنا الورود والآمال والوعود وكأننا سنتحرر… اسفة… التحرر ليس من ضمن تفكيرنا أصلا. فجل ما نسعى له حكومة وشعبا هو إدارة بعض امورنا بينما يديرنا ويدور بنا الاحتلال. علّ وعسى بعد هذه الانتخابات المرتقبة تعيد السلطة الشرعية لنفسها امام العالم الذي تتوسله من اجل دفع فواتيرها. 

ما توحي به جلسة رئيس الوزراء الواثقة انه متأكد من النتائج، فهو جالس في مكانه لا يتراوح عنه، مما يوحي بمعنى ان النتائج محسومة بجميع الاحوال، إذا ما جرى انتخابات وتم اقتسامها، وإذا لم يجر انتخابات وهو الأرجح. وكذلك ان جرى انتخابات وخسروا فيها، فهؤلاء لا يبدو انهم سيستسلمون لنتائج. ولن تكون محصلة ردة فعلهم كما فعل ترامب بالنهاية. هؤلاء سيُدخلون البلاد في حرب أهلية استنزافية حتى التأكد من بقاء كل واحد فيهم على كرسيه الى الابد. فما نشهده من عنف واقتتال هنا وهناك باستخدام أسلحة يبدأ ثمن القطعة فيها بعشرات الالاف الشواكل، يؤكد ان العدة التي يتم اعدادها ليست من اجل مواجهة الاحتلال ولا من اجل ان يستخدمها شاب ارعن يقتل فيها من يعترض طريقه. قد تكون نهاية مشهد خسارتهم بالانتخابات دموية أكثر بكثير مما نعرفه وشهدناه من الدموية. وما نشهده منذ اعلان حالة الطوارئ من استبداد علني وسري، وتغيير قوانين وكبت حريات وقمع واعتقالات وحرق ممتلكات ليس الا تمهيدا لما هو أسوأ قادم.

نعم يبدو المشهد مرعبا، فبانتخابات وبلا انتخابات وضعنا في مهب ريح على ارض مشتعلة. فهل من مخرج؟ 

لا بد من مخرج طالما نحن ننبض بالحياة. فكم من الممكن ان نتأقلم مع هذا الواقع الذي يستمر بالدوس علينا من الجهتين، يدوسنا الاحتلال من جهة وتدوسنا السلطة من الجهة الأخرى. بالنهاية نحن الشعب المصدر الحقيقي والوحيد لقوتهم   ولشرعيتهم ولوجودهم. ونحن من اعطيناهم الحق في التواجد وإقامة السلطة ورحبنا بعودتهم وانتظرنا بأمل دولة فلسطينية تمثل امالنا كشعب. 

اليوم، علينا ان نقف بكل جدية امام أنفسنا ونسأل، كيف نعرّف أنفسنا كفلسطينيين؟ هل نحن هذا الشعب المنقسم المتشرذم بين الضفة وغزة والقدس ويعيش من اجل ان يكون له سلطة بها رئيس ورئيس وزراء ونواب مجلس تشريعي وتنظيمات امنية وعلم؟ ام نحن الشعب الذي تشتت وتشرذم وتهجر وصمد وواجه من اجل ان يبقي هويته ويعيش من اجل الحرية؟ 

للإجابة على أي من السؤالين علينا ان نعترف كذلك ان المشكلة التي تركناها تتفاقم هي مشكلة نظام سياسي فشل بتمثيل طموحنا كشعب وحولنا الى افراد تلهث وراء بقائها. 

نحن بحاجة الى تغيير حقيقي وجذري بالنظام السياسي الفلسطيني. نحن بحاجة لأن ننهض من سباتنا ونستنهض طاقاتنا ونوحد صفوفنا كشعب فلسطيني في كل مكان ونعيد تشكيل هويتنا الفلسطينية. نحن بحاجة لأن نعيد تشكيل هويتنا التي تشتت ولم نعد نستطيع ان نعرفها. نحن بحاجة الى لملمة شتاتنا وننتج ما يجمعنا لا ما يفرقنا. قد يتوجب علينا الاعتراف ان منظمة التحرير ماتت، وحان وقت دفنها، اكراما لما قدمته في حياتها. فما يحدث من استغلالها او محاولة تحريكها كمن يعبث بأعضاء ميت. الا نستطيع استنهاض جسم جديد يظلل علينا جميعا كفلسطينيين وننظم أنفسنا من خلاله؟ 

ما جرى منذ قيام السلطة وتؤكده عبثية محاولة الانتخابات هو تفتيت للهوية الفلسطينية الجامعة، فلقد صار من يمثل فلسطين هو من يستطيع ان يكون اسمه في السجل الانتخابي. هل فلسطين هي بمن يحق له الاقتراع؟ – طبعا- بلا الحاجة الى التطرق الى إشكالية القوائم والتسجيل بها- نحن بحاجة لما يجمعنا كفلسطينيين بهوية تحدد ملامحنا كشعب واحد تشكل الضفة وغزة والقدس فيه جزء من الكل الفلسطيني. اين وكيف يمثل فلسطينيي الداخل أنفسهم ويعرفونها؟ اين فلسطينيي المخيمات خارج حدود الضفة وغزة؟ أين فلسطينيي المهجر والشتات من تمثيل أنفسهم؟ 

انغمسنا وغرقنا بمشاكلنا اليومية المتفاقمة ونسينا هويتنا الجامعة. لم نعد ذلك الشعب الذي ضرب المثل بصموده وتحديه لجبروت الاحتلال على مدار العقود. صرنا شعب غزة وشعب الضفة واهل القدس وجماعة المخيمات وعرب الداخل وفلسطينيي المهجر. ولا يزال العالم والاحتلال ينظر لنا كشعب واحد فاسد بفساد قيادته! 

صرنا أبناء عشيرة ودين وحزب ومدينة وقرية، تتفرد في مصالحها وتعلو بتكتلها امام من يقترب منها وتسمو مع نفسها ظالمة او مظلومة. ونسينا ان الانسان يعلو ويسمو بأخلاقه وفضيلته.

ما نحتاج اليه هو جسم جامع لنا بكل اطيافنا واشكالنا وانتماءاتنا وعقائدنا وافكارنا.

نحن اليوم نقف فارغي الايدي من كل شيء الا ما تبقى من هويتنا الفلسطينية الجامعة. تلك الهوية التي تصارع في ظل تفاقم الاحداث حولنا وانهيار واضح للنظام السياسي الحالي من اجل أنفاسها الأخيرة. 

هذه الهوية التي تبقي بداخلنا إصرارا على الوجود. هذه الهوية التي تجعلنا هذا الشعب الذي تحمل العيش تحت احتلال ولا يزال يجاهد من اجل تحرره. 

نحن بحاجة لأن ننتج حركة نعيد من خلالها تشكيل نظام سياسي جامع، يمثل الفلسطينيين في كل مكان ويطمح الى تحررهم. 

التحرير الذي نحتاجه ونصبو اليه اليوم يجب ان يكون خاليا من الشعارات الفارغة التي تسْتَمْهن حاجة الانسان بدلا من عكس احتياجاته وطموحه وتوقعاته. نحتاج اليوم أكثر من أي شيء الى العمل على بناء الانسان الفلسطيني بهويته التي تحترم إنسانيته أولا واخرا. 

نحتاج ان نتحرر من قيود التبعية والعبودية والقدسية لشخص نصّبناه مُخلِّصاً او محرّراً او زعيماً، والعمل بإخلاص نحو إعادة بناء منظومة اجتماعية ترتقي بها الاخلاق وتُحترم فيها المعتقدات وتسمو لأجلها الحريات.

علينا ان نشكل حركة جديدة يساهم الأفراد فيها من اجل بناء شعب تمنح فيه الفرص للجميع، وتقدم فيه الكفاءات، وتنمو فيه القيم الأخلاقية، ويُعزّز فيه التّعاضد الاجتماعي، وتُشكّل وحْدته قوّة. 

نحن امام امتحان وجودي، يوقفنا أمام قدرتنا على إحداث تغيير وإصلاح النظام السياسي الفلسطينيّ نحو بناء هوية فلسطينية وحدويّة شموليّة جامعة بقاعدة بناء دعائمها ترتكز على العدالة والنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص وتبني الأفكار البنّاءة والابداعية التي تنظر نحو مستقبل يكون فيه الإنسان الفلسطينيّ حرّاً. 

عندما يتحرك الإنسان الفلسطيني ويتحرر من المراوحة نحو حراكات تقضي مصالح آنية…. نستطيع ان نحرر الوطن. 

وإذا ما كان قد تشكل من حركات على مدار ستة عقود لم يأتينا بحرية ولا تحرر، فمن الواجب ان نبدأ الآن وفورا لتشكيل حركة تسعى لتحرير الانسان ليستطيع ان يحرر وطنه… ولا اعرف كم عقد نحتاج لنخرج التعقيدات التي توحلنا بها حتى يومنا هذا. 

بين تنصيب وتنسيب: اختلاف الرئاسة بغربهم وشرقنا

توجهت انظار العالم الى حفل تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد هذه المرة، للتأكد من خروج الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي جعل العالم يتنفس الصعداء لخروجه الأخير من البيت الأبيض.

بدت مراسم خروجه وزوجته كمراسم الجنائز، ولا اعرف كم كانت اغنية amazing grace التي تم تأديتها في دقائق تلت ذلك المشهد من اجل الاحتفال بتنصيب الرئيس الجديد أكثر قربا لمشهد خروج ترامب الجنائزي. للمرء ان يتخيل جماهير العالم بينما يشاهدون خروج ترامب الأخير بتكسير صحون ربما، او رش ملح او ماء، او اغنية وداع لا عودة مرجاة منها او دعاء او تقديم أضاحي احتفالا بهذا الخروج الأكيد.

فالعالم بعد ترامب ليس العالم الذي دخل ترامب اليه قبل أربع سنوات، فلقد اثبت ترامب ان جمهورية الموز قائمة وان شخصيات سمبسون ليست كرتونية فقط، وان العالم يمكن ان يشترى بالأموال وان لكل أمرئ سعر وان العنصرية يتجلى لونها الأبيض ضد الأسود وان الاستشراق الذي وصفه لورنس لعرب الصحراء قائم. لبس أصحابه البدلات وسكنوا القصور وصفوا اساطيل السيارات امامهم ولا يزالوا بنفس الانحناء واستصغار العربان امام الأجنبي الأبيض الأشقر.

خرج ترامب من البيت الأبيض والطغيان صار سمة العالم والتشدد هو ما يجمع المتفرقين والتعصب الاعمى هو عنوان التكتلات الأقوى.

ويبدو كذلك لنا نحن شعوب العالم المسحوق تحت الدكتاتوريات كأمر واقع لا مخرج منه مراسم احتفال تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد من تسليم للسلطة بغبطة وسلام ايدي وابتسامات حتى ولو كانت ظاهرية فقط، كأنه فعل عجيب خارج عن المألوف. ولا نزال نعول على قوة تحليلاتنا بانهيار أمريكا القادم لأن ترامب واتباعه لن يتركوا البيت الأبيض الا اسودا، وان الديمقراطية هشة نثرها ترامب كالرماد. الا ان الديمقراطية في تلك البلاد رغم هشاشتها التي أثبتها ترامب تبقى ديمقراطية.

فانتهى طاغوت ترامب بانتهاء مدته. خرج مطأطئ الرأس، مرغماً، ولكنه لم يستطع الا ان يقبل بالهزيمة، لأن الديمقراطية ليست المعضلة بالنهاية، ولكن النظام الذي يتبنى الديمقراطية او غيرها هو المعضلة. وما شاهدناه اليوم هو انعكاس لحقيقة لا نعرف نحن الشعوب التي تنتظر الانتخابات وان أتت تكون محسومة لصالح نظام دكتاتوري متجبّر. 

ربما نتابع بالكثير من الحسرة، اخفاق ترامب بإثبات تحليلاتنا الشرقية عن واقع شعوب العالم – كأمريكا هنا- فربما، كالمنهزمين دوما، تمنينا ان ينتصر الطغيان لنتوحد مع الغرب بالدكتاتوريات المهيمنة على شعوبها، فيصبح الغرب حاله كحالنا، رئيس باقٍ لطالما بقي على الحياة. لا يخلعه الا الموت عن كرسي الحكم.

ربما نتابع ببعض الحسد، وبعض الغيرة، والكثير من الامل، لعلنا نرى يوما كهذا يحصل ولو مرة. ربما يحصل عنا فعل الثورات او الانقلابات او المؤامرات كل أربعين سنة، او كما دوما ننتظر قدرة الله وفعل عزرائيل. 

ففي بلادي مثلا، تحصل الانتخابات كل عقد ويتم الترويج والتلويح والوعد والوعيد بإجرائها لعقد اخر من الزمن، والتغيير الذي نصبوا اليه ليس الا اضغاث أحلام.

ففصيل مهيمن لا يتمخض منه حتى وجه جديد، لا يغامر حتى بطرح اسم اخر غير اسم الرئيس الذي اقترب من التسعين، ومع ذلك ترفع شعارات التجديد والتغيير ويبقى الشباب عنوان المرحلة القادمة. 

وفصيل مهيمن اراحه الانقسام ورضي باقتسام منافع السلطة ليضمن البقاء الابدي كذلك. 

وشعب يراوح مكانه بانتظار الانتخابات كانتظار القدس لصلاح الدين. 

فعندنا بالشرق الرئيس يستمر بالحكم بالتنسيب وينصّب نفسه أبدياً على شعبه، وعندهم بالغرب ينصبون من فاز بانتخابات صوت كل فرد فيها يشكل حسماً للديمقراطية. 

وتستمر الفروقات ما بيننا وبينهم بنقطة لا تعتلي حرف العين، ونبقى كما قال الشاعر(عائض القرني)  هم الغرب.. ونحن العرب، والفرق بيننا نقطة.  هم يتفاهمون بالحوار.. ونحن بالخوار، والفرق بيننا نقطة. هم يعيشون مع بعضهم البعض في حالة تحالف.. ونحن في تخالف، والفرق بيننا نقطة. هم يتواصلون بالمحابرات.. ونحن بالمخابرات، والفرق بيننا نقطة. عندهم المواطن 100 % مزبوط.. وعندنا 100 % مربوط، والفرق بيننا نقطة. عندهم المواطن وصل الحصانة.. وعندنا لا زال في الحضانة، والفرق بيننا نقطة. عندهم إذا أخطأ المسؤول يصاب بالإحراج.. وعندنا يبدأ بالإخراج، والفرق بيننا نقطة. عندهم يهتم الحكام باستقلال شعوبهم.. وعندنا باستغلال شعوبهم، والفرق بيننا نقطة. المستقبل لأبنائهم غناء.. ولأبنائنا عناء، والفرق بيننا نقطة. هم يصنعون الدبابة.. ونحن نخاف من ذبابه، والفرق بيننا نقطة. هم يتفاخرون بالمعرفة.. ونحن نتفاخر بالمغرفة، والفرق بيننا نقطة. هم صاروا شعب الله المختار.. ونحن لا زلنا شعب الله المحتار، والفرق بيننا نقطة.

مرسوم الانتخابات الفلسطينية: فخ أم تصويب لوضع لا يحتمل كارثية أكبر؟

وأخيرا، تنفّس الشعب الفلسطيني الصعداء، مساء اعلان الرئيس الفلسطيني المرسوم الخاص بتحديد موعد انتخابات. الحقيقة ان الخبر بحد ذاته كان عظيما، فلم يعد يصدق أحد ان هذا سيحصل. فنحن نعيش ومنذ موعد الانتخابات المفترض قبل أكثر من عشر سنوات على امل انتخابات قادمة. انتخابات تحتاج من اجل تحقيقها بعض الإجراءات، التي استمرت ولم تأت الانتخابات، من حكومات انتقالية مؤقتة الى تحضير لجنة الانتخابات واستعدادها، الى محاولات المصالحة، مرورا بعقد مؤتمر وطني وغيره من المؤتمرات بالمسميات الوطنية المختلفة. صارت الحكومات الانتقالية المؤقتة سمة الحكومات المتعاقبة بالاسم وانتهى الامر من حكومة وحدة وطنية الى حكومة حزب واحد متنفذة في كل من شطري الوطن المنقسم. والمجلس الوطني انعقد وانحسم في جلسة لا يفهم منها الشعب الا الأسماء التي تم الانتهاء اليها. شعب غائب الا من استخدامه للتلويح والتوسل والاستنزاف وتحقيق مصالح حفنة ممن صاروا نخبة باسمه.

بين مرسوم رئاسي حُدّد فيه موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية ومجلس وطني، وبين شعب وجد نفسه امام فرصة نادرة فبدت ردة فعلة مليئة بالنوادر، كانت التفاصيل التي كمنت في المرسوم الرئاسي والتفاصيل التي ركز فيها الشعب سمة المأزق القادم.

سأبدأ من الشعب الذي ركز على عدة أمور مهمة بلا شك، ولكنها خليت من المضمون فتمركزت بفكرة الحاجة الى استقطاب فئة الشباب ورفع نسبة تمثيل النساء وفتح باب الترشح لمن يرى نفسه اهلا للجلوس على كراسي جديدة في السلطة على مصراعيه. والفصيلين المتنازعين بعد اتفاقهما المعلن على الخوض بكتلة واحدة سارع الفصيل منهم بالترويج لنفسه وكأنه يريد اقناع غرباء بأفعاله العظام، وبطبيعة الحال خرجت الفصائل الأخرى من سباتها وبدأت تروج لنفسها على انها حاملة نهج الإصلاح القادم بالانتخابات المترقبة.

ولكن… مرسوم الرئيس تركنا امام تساؤلات كثيرة أبرزها وليس أهمها هو الاشارة الى انتخاب “رئيس دولة فلسطين” في البند الثاني من المادة الأولى. ولا يمكن الا السؤال هل هناك دولة فلسطين قائمة؟  هل استخدام رئيس دولة فلسطين كان مجرد سهوة غير مقصودة ام ان بها عراقيل محتملة؟ فغريب ان يسهو من كتب المرسوم عن هكذا تعبير، خصوصا ان كل ما استند عليه المرسوم من جهات سلطة متمثلة بمنظمة التحرير، والمجلس الوطني وكذلك وثيقة الاستقلال  والقانون الأساسي المعدل وتعديلاته لم تذكر ابدا رئيس دولة فلسطين.

هل بالإشارة الى وثيقة الاستقلال في هذا المرسوم كمرجع لما استند عليه القرار يعتبر ان الدولة الفلسطينية قائمة بسبب اعلان الاستقلال؟

اما النقطة البارزة الثانية هي ما جاء بالمادة الثالثة والتي تشير الى استكمال تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك بعد الانتخابات التشريعية، الذي يعتبر على حسب نص المادة الثانية هو المرحلة الأولى من انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك حسب المادة ٥ من القانون الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

تنص المادة الخامسة لقانون الأساس لمنظمة التحرير الفلسطينية على ما يلي: ينتخب أعضاء المجلس الوطني عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية.[1]

وهنا يبدأ السؤال المركزي، إذا ما كانت السلطة الفلسطينية تتبع منظمة التحرير الفلسطينية بكونها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، فكيف يمكن ان يكون انتخابات المجلس التشريعي سابقة للمجلس الوطني؟ أي قانون أساس هو الأهم او صاحب السلطة النافذة لمعادلة الحكم الفلسطيني؟ وهنا كيف ستتشكل شرعية المجلس التشريعي ورئيس لدولة غير قائمة؟ وهل هناك فرق بين رئيس السلطة الوطنية ورئيس دولة فلسطين؟ ام هل رئيس دولة فلسطين سيكون بالإضافة الى رئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير ورئيس المجلس الوطني ورئيس فتح؟ 

ام هل يمكن ان يكون مصطلح رئيس دولة فلسطين مرتبط بالقرارات التي أصدرها الرئيس بينما كان الشعب في خضم انشغاله ورعبه من الكورونا قبل عام عندما اكتشفنا قرارات متعلقة بانشاء ديوان الرئاسة[2]

 كجسم يملك صلاحيات مستقلة ، كشخصية اعتبارية ذات أهلية قانونية وكأننا دولة بقلب دولة بقلب دولة بقلب دويلات تلتهمها مستعمرات وجدار وحواجز ومعابر. وقد يبدو مثيرا للاهتمام، وهنا علي الاعتراف ان جزء من اللوم يقع علي عاتقنا كشعب مرت من تحت انوفه المئات من القرارات وتحولت التسميات من رئيس سلطة ورئيس منظمة تحرير الى رئيس دولة ورئيس منظمة تحرير، فانصدمنا عندما رأينا عبارة رئيس دولة بمرسوم الانتخابات. فالرئيس يعيش بدولة لا تمت للدولة التي عشَمنا انفسنا بها بصلة. دولة يتسلط بها علينا فيغير القوانين ويبدلها ويعدلها  ويصدرها بلا رقيب ولا حسيب. دولة حدودها المقاطعة وما تيسر لهم من حولها من نفوذ. تطال بها ايدي الاستبداد والقمع وتكميم الافواه والترهيب ليكون القضاء محركها والامن- التنظيمي الفصائلي- قبضتها. 

على حسب النظام الأساسي لمنظمة التحرير، وفي البند السابع من نفس الباب المتعلق بالمجلس الوطني، فإن المجلس يعتبر السلطة العليا للمنظمة وهو الذي يضع سياستها ومخططاتها وبرامجها. وبما ان مدة المجلس هي ثلاث سنوات موعدها التالي هو نيسان القادم، فانه من البديهي ان يسبق انعقاد الانتخابات التشريعية انعقاد المجلس الوطني.

المسألة البارزة الثالثة هي موضوع القدس. ولقد تعودنا من محاولات الانتخابات السابقة وضع القدس كمن يضع العقدة في المنشار، فمرة يشترط الرئيس موافقة إسرائيل على مشاركة اهل القدس بالانتخابات، ومرة يعلن ان لا انتخابات بدون القدس.

وفي كل الأحوال، تجربة الانتخابات السابقة اكدت ان مشاركة القدس كانت محدودة لعراقيل سببها الاحتلال واشكالية في التسجيلات الخاصة بمن لهم الحق بالانتخاب.

وهذه المرة لن تكون مختلفة، وقد نشهد ما هو أكثر ايلاما للمشهد الفلسطيني، بعزوف طوعي للسكان عن الانتخابات بمجرد القاء إشاعة بأن المشارك بالانتخابات قد تؤدي الى سحب هوياتهم او قطع محصصات التأمين الوطني والصحي.

فبدئ المرسوم بعبارة “الشعب الفلسطيني في القدس وجميع محافظات الوطن”[3] تجعل من يقرأ النص يفكر ان معظم سكان فلسطين متواجدين بالقدس. وكأن محافظات الوطن في كفة والقدس في كفة. لم لم يقل استكمالا بدعوة كل الفلسطينيين للمشاركة بالانتخابات على كامل الأرض الفلسطينية. الحقيقة ان هذا كان سيكون أكثر تأثيرا في وقعه علينا.

وهنا لا أقول انه لا يجب الاهتمام بمشاركة اهل القدس والإصرار عليها، ولكن إذا لم يكن هناك محاولات حقيقية واستخدام بدائل وطرقا إبداعية بهذا الصدد، فلن يكون الاحتلال بحاجة لوضع أي عرقلة رسمية.

اما الموضوع الأهم بهذا المرسوم هو الأخطر والذي يفسر ما جرى قبل يومين من اصدار مرسوم الانتخابات بالقرارات المتعلقة بالقضاء. فما جرى من اقالات للقضاة، وتغيير بالمحاكم الإدارية وتعيين فضفاض مليء بالصلاحيات لرئيس المجلس القضاء الأعلى الذي يخضع بالمطلق لأوامر الرئيس، والمحكمة الدستورية العلية التي أنشئت بطريقة غير دستورية، (حيث ان تشكيلها جرى خلافا لقانون المحكمة الدستورية والقانون الأساسي الذي ينص بوجوب أداء اليمين القانوني بحضور رئيس المجلس التشريعي) بهدف حل المجلس التشريعي قبل سنتين.

وهنا تكمن المعضلة، ما يفهم من ألف باء العملية الانتخابية هو مسألة الطعون الانتخابية الذي يتطلب تشكيل محكمة قضايا الانتخابات، وغيرها من المحاكم ذات الصلة باختلاف درجاتها. والمسؤول عن كل هذه الأمور اليوم هو حسب المادة ٢٠ من القانون الأساسي المعدل لسنة ٢٠٠٣ وتعديلاته: ” بمقتضى مرسوم رئاسي تشكل محكمة قضايا الانتخابات من رئيس وثمانية قضاة بناء على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى.”[4]

الانسان نظر حوله ويفكر، كيف يمكن للمرء ان يفكر أصلا بجدوى انتخابات يتحكم بكل مداركها رئيس السلطة الفلسطينية بتحكم صارخ بالسلطة القضائية؟ كيف للمواطن ان يضمن النزاهة في هذه الانتخابات؟ كيف للمواطن ان يأمن للقوانين التي يتم تنصيبها وإقرارها كما شهدنا قبل يومين فقط لنتأكد ان تلك التغييرات حصلت بالفعل من اجل التحكم المطلق بنتائج الانتخابات؟

ويبقى هنا سؤال يجب توجيهه لرئيس لجنة الانتخابات المركزية: كيف ستتعامل اللجنة مع انتخابات رئيس محكمتها له مطلق الصلاحيات بما يأمره به الرئيس؟ والرئيس هو رئيس فصيل يحكم البلاد- كما بحلم وثيقة الاستقلال- والعباد ومنظمة التحرير والمجلس الوطني والسلطة الفلسطينية ومجلس القضاء الأعلى؟

كيف سيتعامل الشعب مع الامر في ظل قاعدة واضحة المعالم لا شك في انحيازها وانصياعها لما يريده الرئيس؟

هل المطلوب إيصال الشعب لدرجة من اليأس وبالتالي العزوف تلقائيا عن التفكير بالترشح او الانتخاب وترك الامر لهيمنة تلقائية وتوزيع جديد داخلي تحت اسم انتخابات للأطراف التي تريد ان تتقاسم الوطن فيما بينها؟

وختاماً، 

لم يترك رئيس الوزراء الامر بدون دلوه بحصته من تثبيت وجوده  في مكانه فنشر ترحيباً من جانبه بالمرسوم الرئاسي وتذكر، او بالأحرى ذكرنا بأن “طي صفحة الانقسام كان واحدا من أبرز المهام التي وردت في كتاب تكليف حكومته قبل نحو العامين”، وكأنه يريد ان يقدم جوابا وافيا لمن قام بسؤاله عن إنجازات حكومته قبل وقت ليس ببعيد واستاء رئيس الحكومة حينها بجرأة السؤال في وقت نعيش فيه تحت حكم الكورونا. ثم يعبر عن “استعداد حكومته للقيام بكل ما من شأنه تسهيل اجراء الانتخابات بنزاهة وشفافية وبما يحقق التعددية والشراكة الوطنية وحسب احكام المادة ٨٣ من القانون الأساسي، ستبقى الحكومة على رأس عملها وتمارس مهامها بكامل صلاحياتها الى حين بدء ولاية المجلس التشريعي المنتخب وتشكيل حكومة جديدة.”

الحقيقة انني توقفت امام هذه العبارة وقادني الفضول لإلقاء نظرة على المادة ٨٣ التي ذكرها رئيس الحكومة ليؤكد على استمرار حكومته على رأس عملها بموجبه، وإذا يه ينص على ما يلي: تعتبر الحكومة مستقيلة ويعاد تشكيلها وفقا لإحكام هذا الباب في الحالات التالية: 1- فور بدء ولاية المجلس التشريعي. 2- بعد حجب الثقة عن رئيس الوزراء أو عن رئيس الوزراء وحكومته، أو عن ثلث عدد الوزراء على الأقل. 3- أية إضافة أو تغيير أو شغور أو إقالة تشمل ثلث عدد أعضاء مجلس الوزراء على الأقل. 4- وفاة رئيس الوزراء. 5- استقالة رئيس الوزراء أو استقالة ثلث عدد أعضاء الحكومة على الأقل. 6- إقالة رئيس الوزراء من قبل رئيس السلطة الوطنية.”

ما علاقة هذه المادة بما ذكره في عبارته السابقة؟ ام اننا بصدد توظيف لبنود القانون لتوطيد ادعاءات اخرى- وهي تأكيد على استمرار حكومته. وكأنه مقتنع تماما اننا بلحظة قراءتنا لكلمة مادة كذا، سنجزم انه من البديهي استمرار الحكومة حتى ان تأتي غيرها.

الحقيقة، توقعت لوهلة، ان ما سأقرأه بمنشور رئيس الحكومة هو إعلانه الاستقالة وطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية لتبت بتقنيات أساسية ستطلبها الانتخابات القادمة. فنحن سندخل انتخابات بلا أي مقاومات حياة لها، تبدأ بأبجدية وجود حكومة وحدة وطنية تعمل على ترتيب الأمور التي كرسها الانقسام. فمثلا، هل النية بالتحالف الفتحاوي الحمساوي هو إبقاء الوضع على ما هو عليه من انقسام بالجغرافيا وتوزيع الحقائب الوزارية؟ هل سيتشكل المجلس التشريعي من أعضاء حكومتين منفصلتين للحزبين؟

كان من الاجدى ان يضع رئيس الحكومة نفسه وحكومته امام بند أكثر أهمية، وهو بالبند الثامن للقانون الأساسي المعدل وتعديلاته[5] الخاص بالترشح وتولي الوظائف العامة ينص على ما يلي:

1- لا يجوز للفئات التالي ذكرها ترشيح أنفسهم لمنصب الرئيس أو لعضوية المجلس إلا إذا قدموا استقالاتهم من مناصبهم، وتعتبر استقالاتهم مقبولة وسارية المفعول اعتباراً من تاريخ الإعلان عن قوائم الترشح النهائية، دون الإجحاف بحق أي منهم في أن يتقدم بطلب توظيف لدى وجود أي شاغر في دوائر السلطة الوطنية أو الهيئات أو المؤسسات التي استقالوا منها، وان تخضع إعادة توظيفهم لشروط المسابقة والاختيار أسوة بغيرهم من المتقدمين للوظيفة وفقاً لأحكام قانون الخدمة المدنية أو قانون الخدمة في قوى الأمن الفلسطينية أو أنظمة التوظيف السارية في الهيئات والمؤسسات العامة:

أ) الوزراء.

ب) موظفو السلطة الوطنية الفلسطينية المدنيون والأمنيون و/أو الذين يتقاضون راتباً أو مخصصاً شهرياً من خزينة السلطة، أو الصناديق العامة التابعة لها، أو الخاضعة لإشرافها.

ج) موظفو المؤسسات العامة والهيئات الدولية ومجالس الهيئات المحلية.

د) مديرو ورؤساء وموظفو المنظمات الأهلية.

2- لا يجوز لرؤساء وأعضاء مجالس الهيئات المحلية، وأعضاء ورؤساء المجالس المنتخبين في المؤسسات والهيئات الأخرى ترشيح أنفسهم إلا إذا استقالوا من مناصبهم، ولا يجوز لأي منهم العودة إلى منصبه إلا إذا أعيد انتخابه بعد انتهاء الفترة التي كان قد استقال خلالها، وفقاً لأحكام قانون أو نظام الانتخاب الخاص بتلك المجالس أو الهيئات.”

هل نفهم ان كل هؤلاء لا ينوون الترشح؟


[1] https://www.palestinepnc.org/features

[2] قانون ديوان الرئاسة رقم 5/ لسنة 2020 الصادر في 27/2/2020 والذي نُشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 19/3/2020 الوقائع الفلسطينية رقم 165
https://info.wafa.ps/userfiles/server/pdf%202020/الوقائع%20الفلسطينية%20%20العدد%20165.pdf

[3] تعتبر الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة لغرض انتخاب الرئيس وانتخابات عضوية المجلس، وتقسم لهذه الغاية إلى ست عشرة منطقة انتخابية

[4]https://www.arabew.org/2003/    المادة ٢٠

[5] https://www.arabew.org/2003/  المادة ٨

الرئيس الفلسطيني والقضاء: هل الموضوع شخصي؟

في وقت يترقب الشعب الفلسطيني من جديد مرسوم رئاسي متوقع بشأن الانتخابات، يفاجئ الرئيس الفلسطيني الشعب بمراسيم جديدة بضربة واحدة تتعلق بالقضاء الفلسطيني، بعد أيام من إقالات بالجملة لتعيينات تمت من قبل بالجملة بقرارات رئاسية. 

لا بد اننا كشعب نتحمل وزر ما يحدث، فسكوتنا على العيش بنظام يتفرد بقراراته كلها رئيس يَعِد بانتخابات لا تحصل وعلى إثرها يستمر بشرعنة ما يقوم به من تشريعات غير دستورية وغير قانونية الا من فتاوي يصدرها له شيوخ القانون من المنتفعين، نراهم بمناصب حدّثها الرئيس لتصدر احكام وقوانين تنفع الرئيس وحفنة المنتفعين حوله. 

أحيانا أفكر إذا ما كان الرئيس الفلسطيني مغيبا عما يحدث. يعني لا يعقل ان ينشغل الرئيس بهكذا تفاصيل. بتفاصيل هي بالأصل ليست من صلاحياته. فالف باء ما تقوم عليه الأنظمة الطبيعية هو استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية مثلا. ولكن هنا نرى ان السلطة التنفيذية تقوم بسلطة التشريعات كذلك بغياب للمجلس التشريعي الذي يبدو لنا اليوم، ان وجوده كان مهما على الرغم من عدم تفعيله وانتهاء صلاحيته، لأنه منذ ان حله الرئيس في العام الماضي من اجل وعد لم يتحقق مرة أخرى بإجراء الانتخابات ويتفرد الرئيس بإصدار مرسومات تكاد تطال بكيفية حياتنا اليومية كذلك. 

والحقيقة ان هذه العبارة لا يمكن ان تكون مبالغة، لأنه بالفعل هذا ما يجري، فاذا ما كان الرئيس يتحكم بالجهاز القضائي فهذا يعني ان أي قرار قضائي باي امر عادي قد يكون امر البت فيه للرئيس، او بالأحرى لمن نصبه الرئيس وكيلا للبت في هذه القرارات. 

وهذا ما جرى بالقرار الأخير، المتعلق بالمجلس الانتقالي والذي يفترض انه من خلال اسمه انتقالي، الا ان ما جرى يؤكد على ثباته 

وانتقالنا نحن فقط. الى اين لا ندري طبعا، لأن هناك من يلعب بمصيرنا ويرمي بنا الى هاوية لا قرار لها.. الا قرارات الرئيس. 

حيث أصدر الرئيس ثلاث قرارات: الأول قرار بقانون لتشكيل محاكم نظامية جديدة، والثاني قرار بإنشاء قضاء إداري مستقل على درجتين، والثالث قرار يتعلق بإدخال تعديلات على قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م.

وفي ذات السياق أصدر الرئيس، قراراً بترقية عددٍ من قضاة البداية إلى قضاة استئناف.

كما أصدر، قراراً بإحالة ستة قضاة إلى التقاعد المبكر بناءً على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى الانتقالي.

فعلى حسب المرسوم الرئاسي الجديد فإن الرئيس هو صاحب السيطرة على تعيين وانهاء خدمة رئيس مجلس القضاء الأعلى\ المحكمة العليا\ محكمة النقض.

ثلاث قرارات لها قوة القانون تتعلق بالشأن القضائي، تشمل تعديلات القرارات على صلاحيات مطلقة لرئيس مجلس القضاء الأعلى “الانتقالي” يستطيع من خلالها الإحالة للتقاعد والعزل والندب كيفما يشاء واستثناء شرط سن السبعين لمن يجب ان يكون في هذا المنصب لأن رئيس المجلس الحالي تجاوز الثمانين من عمره. 

ما يجري هو إحالة قضاة الى التقاعد لم يتجاوز عمره الخمسين وحتى الأربعين لبعضهم، وإبقاء رئيس المجلس الذي تجاوز عمره الثمانين بوظيفته. 

الا تبدو هذه الكارثة أقرب الى النكتة؟  

إن التعديلات على قانون السلطة القضائية الأخيرة كما جاء على لسان القاضي احمد الأشقر، الذي يبدو انه احيل الى التقاعد المبكر كذلك- “أجهزت على ما تبقى من استقلال القضاء وتشكل مخالفة دستورية خطيرة تنسف النظام الدستوري برمته.” لأنه “لا يجوز تعديل قانون السلطة القضائية بقرار بقانون لكونه قانون أساسي ينظم سلطة دستورية توازي السلطات الأخرى”.

ربما هناك ما هو إيجابي بهذه الكارثة، هل يمكن ان يكون الرئيس جديا بإجراء انتخابات؟ وعليه يقوم بهذه التعديلات لكي يضمن سيرورة العملية الانتخابية لصالحه إذا ما شاء الله وحصلت؟ 

لأنه لا يمكن النظر الى هذه التعديلات من خلال قرارات رئاسية بمعزل عن موضوع الانتخابات القادم. 

الحقيقة في كل مرة اذكر فيها كلمة انتخابات، ترتد اصابعي وابتسم، واجد نفسي متسائلة، ايعقل؟ 

جعل الرئيس من الانتخابات حلما مستحيل الحدوث بالنسبة لنا. وبانتظارنا لمرسوم يحدد فيه موعد للانتخابات ليس الأول طبعا على مدار العشر سنوات الأخيرة، يضعنا مرة أخرى بشرك نتمسك به وننسى احتياجنا الأصلي لما نريد. أصبحت الانتخابات وكأنها الغاية الأخيرة للإنسان الفلسطيني ونسينا بالفعل ماذا تعني لنا؟ ما الذي نريده من انتخابات يتنفذ فيها الرئيس بكل شيء. 

ربما لو يخرج علينا الرئيس ويقول لنا بالفعل ما يريده منا لأعطيناه إياه بلا داعي لكل هذه الالتفافات التي تشد الخناق علينا وتشدها عليه. لأنه في كل مرة يتحول الى حاكم استبدادي يخشى بالفعل من كل شيء ومصاب بالهلع. بالسابق كان خوف الرئيس يبدو وكأنه مرتبط بأشخاص بعينهم، اشخاص ربما يتآمرون عليه بالفعل او لا، اشخاص ربما يشكلون تهديدا او منافسة- لا نعرف، ولكن اليوم يبدو وكأن خصام الرئيس معنا نحن الشعب. مشكلته لم تعد بفصيل يخشى ان يسيطر، او منشق من فصيله يخشى ان يسيطر كذلك. لأنه يبدو وكأنه يسيطر على كل ما يترك أي فرصة لمن يخشاهم، حتى صار الشعب بأكمله تحت دائرة الشك، وعليه حماية امكانياته منه. 

والا كيف يمكن ان نفسر وضعه لمجلس القضاء بحضنه؟ 

لا اعرف بماذا يتمسك الرئيس ولم يعيش هذا الكم من الرعب من أي انسان يقترب منه، وعليه تبدو فكرة الانتخابات أكثر استحالة من قبل. 

في السابق كان الرئيس يخشى ان تكسب حماس الانتخابات إذا ما حصلت. ومن ثم صارت خشيته فوز حماس بكفة وفوز الدحلان إذا ما فتح باب الانتخابات بكفة تحدي للرئيس. والان يبدو ان هناك تحدي جديد تجاوز حماس والدحلان وصار تحديا يشكل تهديدا لأي انسان يمكن ان يخالفه الرأي. ولكن ما هو رأي الرئيس؟ 

ما الذي يريده الرئيس ولا نريده؟ 

ما الذي يخشاه منا ولا نراه؟ 

مع الأسف نحن جعلنا من الرئيس دكتاتورا بسكوتنا الذي أوصلنا الى الخرس. وإذا ما صدر صوت اليوم فهو لا ينفع، لأن لا صوت للأخرس يمكن ان يعبر عنه، الا ضجيج لا يفيد صاحبه ولا يفهم من يستمع اليه. 

ولكن، لنعد للتحليل، ما الذي يريده الرئيس من هذه التعديلات؟ على الأقل نستطيع ان نقوم ببعض الضجيج، لأننا بالنهاية مجرد متلقين، الرئيس يصدر قرارات بتعيينات واقالات، ولا يرى حاجة للتبرير لنا. فمن يسقط عنه الرضا بالإقالة يصمت الى الابد، لا احتراما ولا رضا، ولكن مضطرا لان محكمة الفساد اليت يتحكم كذلك بها الرئيس تنتظره بملفات فساد تفضحه. الحقيقة ان طريقة الاقالات التي حدثت مؤخرا هي فضيحة تطال أصحابها من المعينين بقرار رئاسي، فرأينا كيف تم خلع النائب العام من منصبه كمن يخلع ضرسا ويرميه. 

على كل، يبدو لنا- ولغاية ان يصدر المرسوم الرئاسي بإجراء انتخابات، طبعا لا نعرف متى ستحدد، ان هناك ضغطا حقيقيا ربما على الرئيس بموضوع الانتخابات، يعني إسرائيل تدخل الانتخابات للمرة الرابعة خلال اقل من سنتين، وامريكا انتهت من انتخاباتها وتبدل رئيسها، وحماس وافقت على الانتخابات، والعرب كلهم صاروا بجيوب إسرائيل، والاخوة الأعداء في محيطنا تصالحوا، ونحن لا نزال ننتظر مرسوم رئاسة يقر بانتخابات. طبعا، سنسمع عن اشتراط الرئيس لموافقة إسرائيل بإجراء الانتخابات بالقدس كذلك. واظن إسرائيل هذه المرة ستفشل مخططات الرئيس لأجل متعتها وستوافق… لنتفاجأ ربما بعزوف اهل القرس عن الانتخابات. فمن يريد ان يكون جزء من سلطة كهذه في القدس اليوم في ظل هكذا ظروف صارت إسرائيل تبدو وكأنها احتلال انقاذي! 

يبدو وكأن الرئيس يستعد كذلك لاحتمال ان توافق إسرائيل وعليه ان يحمي نفسه من مغبة أي احتمال لا يصب بما يريده هو بكل تفاصيله، وعليه تكون السيطرة على القضاء هي سيطرة الرئيس المحكمة على ما سيجري ان جرت انتخابات. 

وعليه، كيف يمكن ان يكون هناك انتخابات في ظل نظام قضائي غير مستقل مرتبط بالرئيس شخصيا؟ 

هل سيقف الرئيس ويتحدى العالم مؤكدا نزاهة الانتخابات كما يؤكد خلو سلطته من الفساد؟ 

أذكر عندما جلس الرئيس محمود عباس على كرسي السلطة، كان يبدو وانه انسانا براجماتيكيا يريد ان يؤسس لدولة مؤسسات، خصوصا بعد الرئيس السابق عرفات الذي تعامل مع مفهوم الدولة وكأنه دكان- هكذا بدا لنا الفرق بين الاثنين حينها- 

اليوم وبعد أكثر من عشر سنوات- لم نعد نحسب بالحقيقية- يبدو الواقع هو واقع الدكاكين لا المؤسسات. وما ظنناه تقصيرا بطريقة عرفات يبدو اليوم تقدميا إذا ما نظرنا لما يجري حولنا. 

أقولها وبكل صدق، ان ما يجري مع الرئيس الفلسطيني مؤسف. مؤسف بحقه وبحقنا. لا اعرف وبكل جدية ان كان لديه مشكلة معنا كشعب. مع انه لن يصادف شعبا أكثر تقبلا وتسامحا منا. ولكنه مصر على ضرب الركب وكأننا كل ما تحملنا أكثر كلما استطاع ان يضرب اكثر. هل يريد سلطة بلا شعب؟ 

لعل التفسير الذي يقدمه المحامي الدكتور عصام عابدين بهذا الصدد يؤكد على ارتباط ما صدر من مراسيم رئاسية بهذه التعديلات بموضوع الانتخابات، حيث إن: ” محكمة قضايا الانتخابات المختصة بالطعون الانتخابية بموجب قرار بقانون الانتخابات العامة 2007 يتم تشكيها بمرسوم رئاسي بتنسيب من مجلس القضاء الأعلى الذي بات مسيطراً عليه بالكامل كما القضاة والقضاء من قبل رئيسه التابع تبعية كاملة للسلطة التنفيذية بموجب تلك القرارات بقانون التي أجهزت على القضاء الفلسطيني بشكل كامل.

والقرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية، في مسار العملية الانتخابية، غير المرتبطة بالطعون الانتخابية، والقرارات التي تصدر في المرحلة القادمة واستحقاقاتها باتت من اختصاص القضاء الإداري الجديد الذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من اليوم فور نشر قرار بقانون المحاكم الإدارية في الجريدة الرسمية وإلغاء الباب الخاص بمحكمة العدل العليا، القضاء الإداري الجديد المسيطر عليه بالكامل من السلطة التنفيذية.كما أن الجرائم الانتخابية هي من اختصاص القضاء العادي المسيطر عليه من قبل رئيس مجلس القضاء التابع للسلطة التنفيذية بموجب تعديلات اليوم على قانون السلطة القضائية التي نُشرت في الجريدة الرسمية.”

يعتبر الدكتور عصام عابدين ان ما جرى: “خيانة للدستور والعقد الاجتماعي وسيادة القانون وإرادة الناس مصدر السلطات، تمت بسرية كاملة ومطلقة، وأيُ خيانة! ما جرى اليوم خيانة للدستور، قضت نهائياً على القضاء الفلسطيني، وبات تابعاً بالكامل للسلطة التنفيذية وأجهزتها وأعوانها، إنه استكمالٌ للمجزرة الرهيبة التي جرت في القضاء الفلسطيني منذ تشكيل المجلس الانتقالي وعزل ربع القضاة الفلسطينيين، إنها ذات البصمات الغادرة التي اشترك فيها المستشار القانوني للرئيس ورئيس المجلس الانتقالي وبعض الأزلام في التعليم الجامعي القانوني والمجتمع المدني ومَن شارك وتواطأ بصمته على تلك الفظائع التي قضت على القضاء الفلسطيني على رؤوس الأشهاد. إنَّ نزاهة الانتخابات العامة مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة باستقلال السلطة القضائية. إنها طعنة سوداء قاتلة للقضاء الفلسطيني والانتخابات العامة وسيادة القانون في آن معاً لا محالة. اللهمَّ إنّي بلّغت اللهمَّ فاشهد.”

اللهم انّا بلغنا اللهم فاشهد.

المسلسل التركي “اتوس”- روح الأخلاق

تتسابق المسلسلات التركية فيما بينها وعلى الساحة العربية والدولية في السنوات الأخيرة لتنزع استحسان المشاهدين من شتى الأصقاع. 

وكما تتربع المسلسلات التركية على كافة المنصات، اخذت كذلك مكانها على نتفلكس. 

اعترف ان متابعتي لما تبثه نتفلكس يشوبهاً دوما الحرص والشك. فلا تخلو شكوكي من نظريات المؤامرة بما يتعلق بنوايا ما يراد حقنه لعقولنا المسلوبة من أفكار جديدة تشكل عالمنا الحالي، فتزيد من انفصامنا وتشتت امخاخنا وتلوث ما لا يزال نظيفا من مبادئنا. ولكن تبقى نتفلكس أكثر امانا لكونها منصة غير عربية، أي اننا نستطيع دوما فصل نواياها عن واقعنا، فنأخذ ما طاب لنا منها، ونرمي ما لا يعجبنا ونرفض ما لا تستسيغه عقولنا وقلوبنا. فهي بالنهاية ” اجنبية” لا تأتينا بقالب وعناوين واجندات محلية تدخل علينا عنوة. 

ولكن بالمحصلة، تبقى الكثير من برامجها مثيرة للجدل. وقد يكون المسلسل التركي اتوس- روح الأخلاق اخر الجدل المثار من قبل ما تعرضه نتفلكس. 

المسلسل مختلف عما نشاهده يوميا عبر شاشاتنا من مسلسلات تركية اثرت بلا شك بمجتمعاتنا على كافة الأصعدة بالعقدين الأخيرين. فصار التركي أقرب لوجداننا، وصارت تركيا مصدر الالهام والمكان الأقرب لتحقيق الحلم العربي بنكهة إسلامية تركية. جمال بشر وطبيعة. مدينة على مرمى تذكرة طائرة. نظافة واكل ووجه حسن. 

صارت تركيا عنوان الجمال ومصدر الموضة، فيستطيع المرء ان يلبس ما يراه على الشاشة وان يغير شكله على حسب ما يفتنه من محاسن، فزراعة الشعر وشد الوجه وشفط الدهون وتغيير الوجه على حسب الطلب يمكن ان يأتيك في حزمة واحدة وبسعر منافس وعلى حسب ما تستحسن عيونك ورغباتك مما تشاهد على الشاشات. 

صارت تركيا ببيوتها وشوارعها ومضيقها ومطاعمها ونجومها حلم الانسان العربي المقتدر… والاقل قدرة. 

وجاء هذا المسلسل ليكسر كل ما بنيناه من حلم عن تركيا… وعن العلمانية.. وعن الرأسمالية… وعن التدين… وعن الفقر… وعن كل ما حاولنا جمعه من تناقضات وتجاوزه. وقدم لنا العمل بالإضافة الى قدرات ادائية قمة بالروعة. فلا يمكن تجاوز الابداع والاتقان لكل فنان شارك في هذا العمل. عمل مبدع ومتقن بكل ما تحمله هذه الكلمات من معاني. لا يمكن تجاوز لحظة واحدة من الثماني حلقات بلا الاستمتاع والانبهار بالأداء المتقن والمتميز بالفعل لكل ممثل قام بكل دور ومشهد. 

الحقيقة ان ما يكسره المسلسل ليس فقط ما أردناه من حلم جديد عن تركيا، ولكن عن كل ما يمثل طريقة حياتنا اليوم كمجتمعات شرقية على وجه التحديد. فلم يعد صراع العصر صراع اقطاعية يحكمها الأغنياء مقابل فقر يسحق المساكين. ولم يعد صراع رأسمالية يحتكرها رجال الأعمال مقابل شيوعية يقودها المفكرين من اجل الفقراء. ولم يعد الامر صراع دولة إسلامية امام علمانية. 

فاليوم اختلطت كل الأمور من مبادئ ونقيضها ليتمثل الصراع بين حجاب ولا حجاب. يستطيع المرء وضع كل ما يخزنه عقله من تعقيدات وعقد ويفرغه امام نقيضه المحجب إذا كان بلا حجاب، وغير المحجب إذا كان بحجاب. 

وسواء كنت غنيا ام فقيرا، علمانيا ام متدينا، متعلما ام جاهلا، متقدما ام متأخرا، فتقييمك يأتي من شكلك الخارجي الذي يغطيه اما حجاب رأس او صندوق غير مرئي يغلف الرأس بمعتقدات مغايرة. 

يكشف لنا المسلسل طبقة أخرى لا تراها عيوننا سواء بالمسلسلات او اثناء السياحة في تركيا. طبقة نلمحها ربما ولكن لا نعيرها أي اهتمام، فعيوننا لا ترى الا ما عكسته لنا المسلسلات وما روجت له لنا السياحة خلال العقدين السابقين عن تركيا. 

ما نهرب منه في واقعنا اليومي من حياة يغلفها حجاب. حجاب رأس نركز عليه، وحجاب رؤيا يحدد لنا مجال تركيزنا. صراع الحجاب بينما يمر العالم من فوقنا ومن تحتنا ويمزقنا أشلاء نقيم فيها حياتنا وكوننا وهوياتنا من خلال حجاب. 

بينما يصير الفقير أفقر، والجاهل أجهل، والغني اغنى، والمتحكم أكثر تحكما، والمسحوق أكثر سحقا. تشتد فقط اوازر الفرقة بين الطبقات وتلتحم من اجل الاقتتال والكراهية والانحطاط. 

كل طبقة بمحتجبيها تسير نحو نفسها ضد الأخرى وتمارس كل ما تكرهه في الطبقة الأخرى بالخفاء. وبالمحصلة سواء كنت بهذا الحجاب او ذاك، فالحياة الإنسانية لا تفرق بين الاحجبة، ولا بين الطبقات الاجتماعية مهما كانت، غنية، فقيرة، متدينة، علمانية، منفتحة، منغلقة، متعلمة، فقيرة، متنورة او جاهلة. الحياة الإنسانية متوحدة في تجاربها لا تفرق. الانسان بمشاعره هو نفس الانسان. عندما يحب وعندما يكره. عندما يخضع وعندما يتمرد. عندما يرتدي حجاب وعندما يخلعه. 

أبو مازن هذه السيدة العراقية تُظلم على مرأى العين: عيبٌ ما يجري بحقّها بحقّ العروبة والإنسانيّة  

“تحمّلت وصبرت ومشيت بكل شي طلبتوه مني وصابرة وماشية بإجراءات وانا ابني بعيد عني.. 

انا أم.. يا ناس يا عالم انا ام… حسبي الله على كل من يحرم ام من ابنها. حسبي الله على كل من يوقف قرارات محكمة

انا ليش محرومة من ابني”

“انا صابرة وصابرة وصابرة ولكن ابني بعيد عني.. لا قادرة اشوفه ولا اسمع صوته امسكه ولا اشم ريحته ولا اعرف إذا هو زين او لا “

“كلكم عندكم بنات واولاد.. اتقوا الله بي حرام عليكم “

“منشان الله اتقوا الله.. كافي… من اول يوم وانا جيت فيه وانا بتبهدل.”

قرار محكمة مضروب بعرض الحائط…. قرار حضانة مضروب بعرض الحائط… ليش.. هناك شيء غلط… نحاول نحل نجيب الناس ما حدا بيلتزم.. وين الخلل… انا اطلب لجنة تحقيق.. اين الخلل؟ 

اطلب من سيادة الرئيس بإنصافي.. انا بخطر.. 

انا محرومة من ابني.. قرارات تضرب بعرض الحائط… من المسؤول؟ 

عندما لا يهتم المحافظ بقرارات المحكمة؟ 

سيادة الريس انا ابوي مش موجود انت ابوي. انت اب… أبو مازن انت اب.. اناشدك كاب…

“انا مظلومة وقع علي الظلم.. انا إذا صار بي شي برقبتك.. لأنه هؤلاء لا يخافون من الله لا في قانون بردعهم ولا قرارات بتردعهم ولا ناس بتمون عليهم” 

“سيادة الرئيس انا دخيلة عليك”.

بهذه العبارات المُدْمية ختمت السيدة مريم العزاوي استغاثتها الأخيرة للرئيس الفلسطينيّ من جديد.

منذ شهور وتناشد السيدة العراقية مريم العزاوي كل الجهات الممكنة من اجل إرجاع ابنها الطفل لحضانتها. لم يبق باب الا طرقته، وفي كل مرة كانت المرأة التي اعتبرت نفسها بين أهلها وناسها في فلسطين تخرج باستغاثة لكل من يمكن ان يكون وليّ امر بالمعروف من اجل انصافها من رجل امن على باب النيابة لغاية التوسل الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس. 

استغاثت باسم العروبة وباسم النخوة وباسم العدالة وباسم القانون وباسم الإنسانية بإعادة ابنها الطفل الى حضنها، وفي كل مرة تلقت السيدة تأكيدات من اعلى المستويات السيادية بحل الامر وإعادة ابنها لحضنها، ولا حياة لمن تنادي. 

الحقيقة، ان هذه السيدة تجهل على ما يبدو اننا لا نعيش بدولة سيادة. نحن نعيش بكيان فاسد لا يحكم فيه الا الفساد من كل الاتجاهات. 

فاعذري سيدتي الرئيس الذي لا حكم لوعوده ولا سيادة لقانونه. فالفاسد في هذا البلد هو صاحب السيادة. 

في كل يوم يمرّ هناك كارثة سببها استفحال الفساد الذي أدى لانهيار النظام المؤسساتي الذي شمله انهيار أخلاقي. 

مجرد ان تصل هكذا قضية لتدخل رئيس ورئس قضاة ورئيس وزراء فهذه كارثة، فكيف يكون الوضع عندما لا يحكم رئيس دولة ورئيس وزرائها ورئيس قضاتها على انفاذ القانون؟ 

هذه السيدة استنفذت كل الطرق القانونية الفلسطينية والعشائرية والانسانيّة من اجل حضن طفلها. ومع هذا لا انصاف من قانون لا يمكن تنفيذه، ولا سيادة لأصحاب سلطة لا يحكمون على رجل ووالدته بإعطاء ابن حكمت المحكمة بحضانة امه له. 

اين نحن يا سيادة الرئيس؟ 

اين السيادة من هذه العبارة؟ 

لو كانت هذه السيدة من دولة أخرى هل كان هذا مصيرها؟ 

ارحموا دموع امّ تشتكي ظلمها.. . ارحموا امرأة غريبة ظنّت انّ فلسطين هي بلادها. 

ارحموا امرأة تبكي حرقة ألم حرمان لا مبرر له الا التعنت والعناد.

ارحموا استغاثة امرأة جاءتكم مستجيرة من ظلم وقع عليها من أهل داركم.

عيب بحقنا جميعا ما يجري مع هذه السيدة. 

عيب أن تهدد امرأة لجأت لكرم الانسان الفلسطينيّ ونخوته وتناشد من اجل حمايتها. 

أين السيادة سيادتكم؟

“لو امرأة فلسطينية بالعراق لكانت اهتزت كل شوارب العراق من اجل إنصافها” 

 “وينكم يا فلسطينيين اريد ابني حسبي الله ونعم الوكيل.”

انتهت سنة ٢٠٢٠ بكل صعوباتها لتقدم ال ٢٠٢١ بامتحانات مفاجئة بلا تحضير. شأننا شأن طالب كسول مستهتر لم يستعد ابدا لامتحان تحضيري او مفاجئ. 

الكورونا حاضرة ولكنها ولكن لا حياة لمن تنادي. 

تبدو الكورونا بحجمها الحقيقي.. لا شيء امام اذية الانسان لنفسه ولأخيه الانسان. 

بدأت السنة بمصائب حقيقية، شاب  (بمشاركة خمس افراد اخرين) يقتل ثلاثة افراد من عائلته واصابة أربعة غير معلوم بعد مصيرهم.  ولحق بيوم خبر مفجع قتل فيه شاب امه. 

في الحالتين المصاب جلل . مصاب جلل بكل ما تحمل عبارة المصاب الجلل من معنى . وبكل اسف واسى أقول وأكرر ان ما حدث لن يتوقف لطالما القانون لا سيادة له، والمسيء آمن من العقاب، والمؤسسة الحكومية منهارة فاسدة.  فالفساد يطالنا بفلذات قلوبنا ولا يأمن الانسان جاره ولا الام ابنها. 

عوائل مكلومة يدمي سماعهم القلوب.

تابعت مجريات العطوة العشائرية التي عقدت اليوم في كفر عقب لعائلة الرجبي، وبلا شك لا يحتمل الوضع الحديث عن الخلل الحقيقي بفكرة تحكيم الامر الى العشائر، ولكن ما الذي يستطيع أي انسان عاقل يريد حقن الدماء في هكذا مصاب او بالأحرى كارثة ان يفعل؟ لو كان هناك نظام قانون سيادي عادل لما احتكم الناس في مصائبهم الى العشائر. ولن اخوض في الكثير مما قيل، لأنه لا يسع المرء الا محاولة درء الاحتقان للمشاعر باحتواء المصاب. 

المشهد يبدو وكأننا في مسلسل الهيبة او باب الحارة،  او بأحد المسلسلات التركية مثل الحفرة ورامو وصولا الى ارطغرل.

والد احد الشبان القتلى، الذي كان من المفترض ان يكون اليوم فرح ولده، ليقف باكيا منكسرا مظلوما.

دية دم واجلاء ودية مصاريف (على ما يبدو انها دية تم استحداثها اليوم بعرف العشائر) 

انتهت العطوة بإطلاق النار … ولكن القائمين على العطوة توقفوا وصرخوا بحزم بمنع وعدم إطلاق النار. 

اهل البيب والإسلام وتعاليم الدين وغيرها… كلام كبير وفنون خطابة والكثير من الرسائل المهمة ومحاولات حقيقية بلجم جماح الغضب والاحتقان. 

جموع كبيرة واغلاق شوارع بلا شك، كمامة واحدة بين الجموع يرتديها أحد المتحدثين تجلس عند ذقنه.

اتفكر بما جرى وأفكر، انه بالمحصلة استطاعت العشائرية بعرفها وقوانينها ان تدرأ وتحقن الدم وتمتص الغضب ربما. او نتمنى. لأنه ما جرى لن مع هذه العائلة اليوم ليس ببعيد على ان يجري مع عائلة أخرى. وقد يكون ما جرى مهم بالدعوة الى نبذ السلاح والدعوة للتخلص من السلاح غير الشرعي والعشوائي. 

بصراحة لا اعرف ما هو السلاح غير الشرعي او العشوائي. من يحمل السلاح في هذا البلد ومن يبيعه؟ 

حمل أحد المتحدثين وزير الداخلية رئيس الوزراء المسؤولية بما حدث وما يحدق وهو بدون أي شك محق. 

المشكلة تفاقمت منذ اعلان رئيس الوزراء وزير الداخلية اعلان الطوارئ وإعطاء زمام الأمور الأمنية للتنظيم في مناطق ككفر عقب وغيرها. 

ولكن المشكلة كذلك في البيوت، في التربية التي تقول للابن الذكر ان يرجع الى البيت ضاربا وويله ان رجع مضروبا. 

في حوار أحد المكلومين عما جرى وعن تحذيرهم لاب الشاب القاتل عن أفعال ابنه، كان الاب مشجعا داعما له. ان تكون هدية عيد ميلاد شاب قطعة سلاح بمئة ألف شيكل وسيارة يفحط بها بنصف مليون شيكل، سواء كانت العبارة تعبيرية ام حقيقية فهي تعكس حجم المشكلة. اوصلنا هذا المجتمع لمكان صارت قيمة الانسان فيه بقيمة الأموال التي يجنيها لا يهم كيف. والحقيقة كذلك، انني اتوه دوما بفهم من اين تأتي هذه الأموال، من اين للناس ثمن قطع أسلحة بعشرات الالاف من الشواكل وسيارات بمئات الالاف ومن اين تأتي هذه التجارة التي تدر الملايين؟ 

الا يسأل الاب ابنه؟ الا تسأل الزوجة زوجها؟ 

ولكن كيف يسأل أحدهم والمال هو قدر قيمة الناس في هذه الأيام. 

لم اعرف ان كان الامر قد استدعى أي تعاطف مع الجهة القاتلة من العائلة عن دفع تلك المبالغ من اجل الدية ومستحقات العطوة، وفي لحظة عندما حاول من يلبس فراش عطوة الجهة القاتلة بتخفيض المبلغ تكلم عن صعوبة وضع الرجل والد القاتل، فعندها فكرت، هل هو نفس الرجل الذي وقف بظهر ابنه وحمله السلاح ودعمه بالاستقواء على الناس؟ 

هذه نتيجة بديهية لقلة التربية وانعدامها. 

الجريمة الأخرى التي راحت بها ام على يد ابنها، تؤكد اننا فقدنا السيطرة على بيوتنا كما لا سيطرة لنا على ما يجري بالخارج ولا علاقة لنا بما يفسده النظام بحياتنا. فهذه الام – إذا ما صحت الروايات ان الشاب كان مصابا بمرض عصبي نتيجة تعرضه لإدمان ما- أفقده عقله، ورفضت الام ان تودعه بمصح وآثرت وحملت على عاتقها ان تعالجه ـ فنحن امام قصة تعيد تكرار نفسها، بالعادة لم نشهد بها هذا التردي والانحدار – فلا أصعب او أبشع من قتل الابن لامه. ولكنها جريمة نشارك فيها نحن الاهل بتصويب أخطائنا التربوية بالطبطبة والدعم بالحق والباطل. فلربما، ارادت هذه الام ان تعالج ابنها من ادمانه بتزويجه، او ظنت انها تستطيع توفير له العلاج بنفسها ولكن جاء قدرها قبل ان يأتي القدر على انسانة أخرى. نحن ضحايا تربيتنا وها نحن نصل لان نكون ضحايا من ربيناهم كذلك. 

مرعب ما يجري ليس بسبب فظاعته فقط، ولكنه باقترابه منا أكثر في كل يوم. لم تعد هذه الجرائم بعيدة تخص طبقة بعينها بالمجتمع، ولم يعد بالإمكان تشخيص المشكلة، فكلنا نعاني من نفس الاعراض. 

إذا ما سلمت التربية بالمنزل من مخاطر قلتها او انعدامها، فإننا لا نسلم مما يحدث عندما نفتح باب البيت ونضع رجلنا بالخارج. 

لم نعد نعرف ان كان بالإمكان ان نسلم من الصداقات الخطيرة والفاسدة، ولم نعد نعرف ان كان بالإمكان ان نسلم من رصاصة طائشة بطوشة لا علاقة لنا بها، او غاضب لم يغسل وجهه صباحا قرر ان اليوم يوم غضبه. 

لم نعد امنين. 

كان قبل وقت كقليل، أكبر همنا كأهل، ان يمر ابننا من حاجز ويتعرض لإهانة جندي فيستفزه…. كم تبدو هذه الهموم لا شيء امام الخطر المحدق بنا بينما فوهات بنادق الجنود لا تزال موجهة نحو أبنائنا ولكن الخطر المحدق بنا وبهم أقرب الينا من نيران الاحتلال. 

كم مؤسف ان نصير شهداء لأن قاتلنا هو ابننا او ابن عمنا او اخينا او زوجنا او ابينا او اخينا او جارنا.

فلا تربية ممكن ان تحمينا ولا تعليم يمكن الاعتماد عليه واحتلال متربص بنا وفوضى من كل الاتجاهات. 

نعول مهما عجزنا على التربية لأنها بالمحصلة تبقى أضعف الايمان

ولكن مرة أخرى، التربية لا يمكن ان تقوم بمعزل عن النظام، والنظام الحاكم والمتحكم بنا نظام فاسد، لا يمكن ان تصلح به التربية ما دام الفساد يخر في رأسه. 

نظام من امن العقاب ساء الادب

طريقة حياتنا من رأس الهرم بها حتى أطفالنا مبنية وبكل اسف على مبدأ من امن العقاب ساء الأدب. 

دحلان وسهى وكفاح دويلات المعازل

في ظل العيش بحقيقة واحدة وهي دويلات المعازل ضمن نظام فردي زبائني مهدّد بحرب أهلية قادمة. لم يعد حل الدولة او حل الدولتين او تطبيع (تتبيع الدول العربية) او الانقسام سواء بإنهائه او تكريسه، او التوسع الاستعماري وضم الضفة وتهويد القدس، او (الحلم) بإجراء انتخابات وتشكيل حكومة، او إعادة تشكيل او النهوض بمنظمة التحرير او حتى إعادة الاحتلال المعضلة لهذه المعضلة. المعضلة الحقيقية التي تهدد الكيان الفلسطيني (الذي يتم التعويل عليه من اجل التحرر والهوية والوطن) انعدام الأمن وتضييق الخناق وتكميم الافواه والتهديد السلمي وتسلح قوى ” المسترئسين” بكل مناطق السلطة الفلسطينية تحضيرا للمرحلة القادمة (مرحلة ما بعد محمود عباس). 

كل ما يجري يودي بنا الى خسارة معركة التحرر ومعركة الوطن. وصلنا الى استحالة الدولة وها نحن نقترب الى استحالة بقاء الانسان الا وسط مستنقع فوضى صار الأخ يقتل فيه اخاه ، ولقد رأينا المشهد الدامي في كفر عقب عندما قتل ابن العم أبناء اعمامه الثلاثة وسط الشارع. وسبقنا حشد شعبي للانتصار امام موسيقى التكنو وتطهير المقدسات. وانشغلنا بتعريف ما هو فن وما يصلح ليكون فلسطيني وقررنا حماية المسجد كحمايتنا للشرف، وحاربنا من اجل الشرف في طعن شرف الناس ورجمهم. ولا يزال الانسان كما الأرض بضياع وسط جشعنا وانهماكنا بالأقل أهمية وتركنا لما هو مهم.

وتوالت علينا عمليات الالهاء بمقابلة صحفية لزوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، السيدة سهى، فجرت فيه مفاجآت جديدة كما تم تسميتها. وكأننا كنا بحاجة معرفة ان عرفات لم يقتل بأيدي إسرائيلية، وكنا بحاجة الى تحليلها بأن الانتفاضة الثانية كانت خطأ اجبِر عرفات عليه. لو ادلت السيدة سهى عرفات بما فاضت به في منبر عربي، لما اخذت كلماتها الترجمة التي تم تحويل الانتفاضة بها الى فعل إرهابي. 

الحقيقة، انني لا افهم ما الذي يحرك السيدة سهى عرفات نحو هكذا أفعال. فلم تكد موجة الانتقادات السابقة ضدها بعد التطبيع الاماراتي ان تنتهي ولقائها مع نفس القناة الإسرائيلية، حتى قررت ان تحرق نفسها من جديد. 

يبدو ان السيدة سهى عرفات لا تعي ان النيران التي تشعلها في كل مرة تحرقها هي فقط وتشوهها أكثر في كل مرة.

يأتي في ظل الملهاة الحاصلة كذلك، تقرير تحت عنوان الرواية المفقودة عن السيد محمد دحلان وعلاقته المبتورة بالرئيس محمود عباس. 

الحقيقة انني لم أستطع تقييم ما رأيناه وسمعناه في ذلك الفيلم الوثائقي الذي بثّته قناة الكوفية التابعة لمحمد دحلان. كما بالنسبة لسهى عرفات، لا يمكن تقييم أي ادلاء صحفي عن “نخب” فلسطين به معلومات هامة يكون مصدره إسرائيل، وبالتالي يمكن ان تكون نتيجته إيجابية على صاحبه مهما كانت المعلومات حقيقية ومهمة. فهي فقدت مصداقيتها باللحظة التي قررت بها محاربة افراد السلطة من خلال المحطات الإسرائيلية. كذلك لا يقف محمد دحلان بمكان أفضل عندما نرى فيلما وثائقيا يروي الحقيقة بطريقة تبدو بنظر من قدمها براغماتيكية، من خلال محطته الخاصة. 

وليس بالغريب ان يقوم أبو مازن بعمل فيلم اخر ويبثه من خلال تلفزيون فلسطين. الحقيقة، أبو مازن لا يحتاج للقيام بهذا، فجزء أساسي من فقدان أبو مازن ومنظومته للمصداقية هو تحويل تلفزيون فلسطين وغيره من المحطات الرسمية الى بوق للتعبئة الحزبية والانحياز الى طرف فصائلي ضد الاخر، وتأليه الرئيس بأوبريت وتجييش المقاومة بزرع تفاح.

وعند التوقف امام ما جاء بالفيلم الوثائقي، الذي لم يكن به أي جديد، فأزمة الدحلان مع أبو مازن في متناول الأحاديث منذ بدئها. ومما لا شك فيه، ان ما وقع على الدحلان كان به ظلم كبير. ولكن الدحلان جزء من هذه المنظومة الظالمة. فكما يقال على الباغي تدور الدوائر. 

قرار الدحلان بنشر الغسيل الفتحاوي المركزي، يشبه قرار سهى بنشر نفس الغسيل، وكلاهما جزء من هذه المنظومة انقلبا عليها عندما انقلبت عليهما. 

الحرب الدائرة بين الدحلان ومحمود عباس على حسب الفيلم، تؤكد فقط ان كلمة بيت فتحاوي لا تنطبق على ما يجري داخل فتح. ما يجري بالداخل أقرب الى ان يكون عش دبابير او صراع أبناء اوى على جلف. 

كل ما يؤكد عليه الفيلم اننا تركنا وطننا وارضنا لحفنة من المنتفعين الذين يتصارعون فيما بينهم على نهبنا أكثر. 

هل نحتاج الى ما سمعناه من تصريحات لأسماء فتحاوية بارزة لكي نفهم ان لا أحد يملك قرار نفسه؟ ان الجميع يخضع لسلسلة تكبله من المصالح الشخصية والعائلية يخرس بالكامل امامها. 

هل اتهامات محمود عباس ضد الدحلان باطلة؟ 

نعم باطلة، لأن الدحلان كان ينفذ أوامر، وكل ما يمكن ان يكون قد اتهم به هو جزء من منظومة تشاركية بالقيام بكل ما صدر من أفعال او بالأحرى جرائم (بما اننا امام عشرات الاتهامات) ينفذها عدة افراد، يحكمها رجل واحد وهو محمود عباس. 

ما جرى مع دحلان، هو ما جرى ويجري مع غيره، وسيجري في لحظة ما بالتأكيد مع محمود عباس كما جرى مع عرفات. 

ولكن هل هذا يعني ان الدحلان هو البريء؟ 

نعم هناك جرائم ارتكبت وتجاوزات واختراقات واموال سلبت وفساد مستفحل، ولكن المظلوم هنا هو الفلسطيني الذي سلم رايات نضاله مقابل نوستالجيا الشتات وحلم العودة والدولة وبايع على ما صار تصفية لقضيته.

المشكلة واضحة في فصيل فتح الذي لا يزال يردد إنجازاته من خلال ما تحقق وانتهى عندما وصلت الحركة الوطنية الفلسطينية الى سقفها من الإنجازات. 

تلك الإنجازات تحققت في السبعينيات من القرن الماضي وبعد ذلك لم تحقق أي إنجازات تذكر. وهذا امر مسكوت عنه في الفكر الفصائلي الفلسطيني التي لم تراجع اعمالها منذ ذلك الوقت، الا ان تلك الفصائل تصر على إطلاق شعلة انطلاقة إنجازها الذي يشّكل مصيرنا الكارثي هذا.   

فتم اقحامنا في ازمة وطنية شاملة طالت الشعارات والفصائل وكل شيء. 

استبدلوا القضية بالنظام واستبدلت الأرض بالقمع. وغلب الخطاب القومجي والخطاب الاسلاموي على خطاب الوطن.

نتحول يوميا الى دولة معازل يترأسها متنفذ يكره ابن فصيله، ويتبعه زبائن من المنتفعين موزعين بين نخب اكاديمية وثقافية و”كتائب”. بينما تتعامل إسرائيل معنا على اننا شعب واحد. 

قمة المأساة ان إسرائيل ترى فينا وحدة واحدة فتعاملنا جميعنا على اننا فلسطينيين. فلا فرق بين فلسطيني واخر لدى إسرائيل الا بسقوطه من حسبتها كرقم.  ونحن في داخلنا منشطرين الى جزيئات متلاحمة متباعدة.

كل ما يجري من عمليات الهاء تصب في تفاصيلها مصالح خاصة سواء كانت مصالح الرأسماليين المتنفذين، او مصالح افراد الفصيل في فتح من اجل مكاسب حزبية محتملة او منافع في غنائم الوطن لم يتم الاستيلاء عليها بعد.  وسكوت لأصحاب المنافع من الفصائل الأخرى والنخب التي يشكل سكوتها تواطؤا لا يقل في كارثيته عن فساد المنظومة الحاكمة بفصيلها. 

فقدنا بنيتنا العضوية التي كان كفاح الشعب هو مشكلها. وتحولنا الى كتل متخثرة من محاولات البناء التي تكافح من اجل مصالحها الشخصية وانتفاعها. 

وندور حول أنفسنا بداخل دائرة نار، نحرق بنا تدريجيا. فلا نلبث نخمد حريق حتى نداوي قروح باستعداد للاحتراق أكثر.

وهنا، يمثّل الدّحلان ما يمثّله هذا الواقع. فهو كذلك يحارب من اجل سيادة نظام الفرد الزّبائني وينادي بشعارات من اجل نظام الشعب. فالحق بتقرير المصير هو ما يراه الفرد هذا وذاك حقه بالاستبداد والتنفذ وإقرار مصيرنا تحت اعلاء مصالحه.

كانت سنة مليئة بكل شيء … والكثير من القراءة

بكل الامتحانات الغريبة التي وضعتنا به هذه السنة، وضعت امامنا الكثير من الفرص التي لم نكن لنفكر حتى بالقيام بها او امكانيتها. 

صرت فيها اقرب اليّ من كل وقت، وبدت لي مكامن بداخلي لم اكن بالفعل ادركها. 

وقرأت بقدر ما كتبت ربما. 

قرأت حتى النهم.

وبقدر ما اقتربت الى داخلي اكثر، بقدر ما وجدت نفسي مكتفية بنفسي من نفسي.

فهمت كيف يصبح الجنون فنون) وكيف يتوحد الانسان والطبيعة، وكيف لا يمتلىء العقل ابدا بالمزيد من المعرفة. وتصبح المزيد من المعرفة حاجة ومتطلبا للاستمرار

وفي محاولة لتجميع ما قرأت كانت هذه القائمة 

العالم كما اراه،  برتراند راسيل

في قبوي،  دوستويفسكي

المساواة، مي زيادة

ظلمات واشعة، مي زيادة

أفكار لأزمنة الحرب والموت، فرويد

رسائل الى ميلينيا، كافكا 

انا لا أخاف،  نيكولو امانيتي 

قصة اليمة، دوستويفكي 

أعمدة الحكمة السبعة، لورانس 

هواجس المتنزه المنفرد بنفسه، جان جاك روسو 

الجمعيات السرية بالعالم، علي شريعتي

القلم والسيف، ادوارد سعيد 

فاوست، غوته

المعلم ومارغاريتا، بولغوكوف

الانفس الميته، غوغول

الحاج مراد، تولستوي

انيس نين، أنيس وميلر

رامبو، هنري ميلر

جلجاميش

لعبة الأمم، ميلز كوبلاند

ادوارد سعيد، الاستشراق

هكذا تكلمت زرادشت، نيتشه

رياض الصالح حسين، الاعمال الشعرية الكاملة

رسائل غسان كنفاني الى غادة السمان، غادة السمان 

العربي الأخير، واسيني الاعرج

ادوارد سعيد، الناقد 

ريم بسيوني، أشياء رائعة

دراسات في الفرق

خارج المكان، ادوارد سعيد

مذكرات عمر بن ابي رييعة

مدار السرطان، هنري ميلر

الحصاد المر، سامي هداوي

الطاعون،البير كامو

رسائل الغفران، المعري

Tolstoy,Memoir

Handsmaid’s Tale

Diogenes Laertius, Lives of the Eminent Philosophers

Judith Butler, Gender trouble

Edward said, Culture and imperialism 

Donna Zuckerberg, Angry Stoics 

Mathew Sharpe, Into the heart of Darkness stoicism  

Zeno

David Engel, Women’s role in the home, Stoic theory reconsidered

Beauvoir, Simon De. The Second Sex

De Beauvoir, Simon. The Ethics of Ambiguity

Gibran, Kahlil. The Complete Works of Kahlil Gibran: All poems and short stories

Haarmann, Harald. Plato on Women: Revolutionary Ideas for Gender Equality in Ideal Society

Heidegger, Martin. The Origin of the Work of Art

Hirschmann, Nancy J. Gender, Class, and Freedom in Modern Political Theory.

Edward Said: the Interview

Kant, Emanual. Critique of Judgement

Langdon, Stephen. Tammuz and Ishtar: A Monograph Upon Babylonian Religion and Theology

Lesko, S. Barbara. The Great Goddesses of Egypt

Derrida, Of Grammatolgy

Mary Wollstonecraft, A vindication on the Rights of Women

Rousseau, Emile

Eichmann in Jerusalem, Hannah Arendt 

Fanon, The Wretched of the Earth 

Bolgokov, The heart of a dog 

Obama, A promised land 

Marx and Engels, Communist Manifestation 

Mentham, Introduction to morals and legislation 

Locke, First Treatise 

Sawwah, Feras. Secret of Ishtar: Female Goddesses and Origin of Religion and Myth

Stephen, Mitchel. Gilgamesh

Thompson, F. Elizabith. How the West Stole Democracy from the Arabs: The Syrian Arab Congress of 1920 and the Destruction of its Historic Liberal- Islamic Alliance

Wise Bauer, Susan. The History of the Ancient World: From the Earliest Accounts to the Fall of Rome.

Gilbert Simondon, On the Mode of Existence

ما هو الأسوأ بالفعل؟ وما هو المشوِّه لتراثنا؟ وما هو المدنّس لمقدّساتنا؟ وهل هناك مقدّس أكثر قداسة من مقدّس آخر؟

ما هي الحرمة ؟ وكيف نحافظ على الموروث الديني وغيره من موروثات نستطيع ان نصفها كل على حسب ما يراه مناسبا؟

أين كنا ولا نزال قبل وبعد حادثة النبي موسى التي أشعلت فيه حفلة مجموعة من الشباب نيران الغضب ومشاعر الحمية والشرف في سبيل الحفاظ على الموروث المقدّس؟