هل من علاقة بين أحداث مَوْقع “النبي موسى” وتَجْريف مَوْقِع “تل المَفْجر” الأثَري بأريحا؟


هل رَجَمْنا المُجون المُتَوَقَّع بالنَّبي موسى بحِجارة تل المَفْجَر الأثَرِيَّة بأريحا؟ 

هل من علاقة بين أحداث مَوْقع “النبي موسى” وتَجْريف مَوْقِع “تل المَفْجَر” الأثَري بأريحا؟

لابدّ أنّ موقع تل المَفْجَر في أريحا يُسمَع لأول مرّة لدى معظمنا. ومن يعرف عن أرض المَفْجَر ومكانه تقتصر معرفته به بمحدوديّة، كمحدودية المعرفة بمقام النبي موسى. فأرض المَفْجَر التي تشمل على خِرْبة المَفْجَر وتل المَفْجَر، نعرف عنها بالمجمل وجود قصر هشام عليها وإشارة بنّيّة اللون تشير باتجاه غير ثابت نحو فراغ مهمل. 

وبطبيعة الحال، ليس المطلوب منّا أن نكون علماء آثار، ولا يمكن لنا أن نعرف تاريخ الأماكن وأهمّيتها. فهذا يتطلب جهدا مؤسساتياً شاملاً وعلى مدار عقود. وربّما إن كنتَ ابن مدرسة قديمة مثلي، وركزت في يوم ما بدرس التاريخ لمرّ عنك الاسم والموقع بينما كنت تحفظ أسماء المواقع المطلوبة منك لامتحان مليء بالأسماء والتاريخ، لا تلبث ان ترميه خلفك الى الأبد. 

ولربّما لأن التعليم في زمني، لم يكن وزير تربية وتعليم سابق فيه – سيخرج وسط أزمة مجتمعيّة كارثيّة ويلقي خطاباً تحريضياً أيديولوجياً امام جموع غاضبة. ليؤكّد ربّما لنا تساؤلات لم يُجِب لنا عليها في عهده، حيث ساهم منهاجه في قلب التربية والتعليم في فلسطين رأساً على عقب، ب “إنجازاته” الكارثية التي عكسها في خطابه التحريضي مؤخراً في اعقاب احداث النبي موسى. ليذكّرنا عندما صارت بالمناهج الجديدة خارطة فلسطين شريحة الضفة وعاصمتها رام الله، وبحرها في بيت لحم. ووقف يصيح في خطاب تحوّلت نتيجته الى حرق كما رأينا.[1] أين كان دوره عندما كان وزيراً للتربية والتعليم، والتّعليم العالي، وعضواً في مركزيّة فتح (ولا يزال). فالتغيير الذي ألمَّ بالموقع حصل عندما كان بالحكومة، الم يكن أفضل لو اقترح استخدام الموقع كمدرسة لتجمّعات البدو بالمنطقة، بدلاً من ان نتوه كما اليوم بين أيّهما أسوأ حفلات دي جي او مركز لتأهيل مدمني المخدرات؟ 

موْقِع تل المَفْجَر يتواجد على بعد ٢٠٠ متر من جنوب قصر هشام على ضفّة وادي النويعمة، والذي لا اعرف إن كان الطالب الفلسطيني اليوم سيقرأ عنه في المناهج او من خلال البرامج الثقافية والمسارات السياحية. إن مررت ذات يوم من قصر هشام، لربّما سمعت انه يقام على خِرْبة المَفْجَر. وإذا ما كنت مثلي تعتقد أنك ابن البيت ولا تحتاج الى دليل سياحي في مكان لطالما شكل جزء مهما من طفولتك في شتاءات أريحا الدافئة البعيدة والطويلة، تكون في هذا الصدد كالبدويّ المقتفي للأثر، يعرف الأشياء بأحاسيسه لا بأسمائها، حتى تسمع او تسترق السمع الى دليل سياحي “غير عربي” يشرح لفريق السائحين معه عن المكان، لتفهم أنك بداخل عمق بعيد كل البعد عما يمكن ان تخبرك به احاسيسك وادراكاتك البسيطة. انت بداخل عمق التاريخ نفسه. التاريخ الذي بدأت منه الانسانية تشكل ملامحها الحضارية عليه. تاريخ يؤكد ان الحضارات تلك أقدم مما يحاول المحتل اثباته لوجوده. ان الحضارات تلك هي هويتنا التي سبقت دياناتنا وثبتت وجودنا وبنتْ دعائم ما نسمّيه هويّة وطنيّة نتشبّث بها لنحافظ على وجودنا الذي يُزاحِمُنا عليه مَنْ احتلّ الأرض ليدّعي انّها تمتدّ بأصولهِ لا أصولنا. 

وخِرْبة المَفْجَر هي المكان الذي يقع عليه قصر هشام (٧٣٠-٧٤٩ م). وهو قصر أمويّ ينسب الى الخليفة الأمويّ هشام بن عبد الملك بن مروان (٧٢٤-٧٤٣ مدة حكمه). ويعتبر هذا القصر أحد المعالم المهمّة والأساسيّة التي شيّدها الامويّون في فلسطين ليشكّلوا بها آثاراً أساسيّة للعمارة الإسلاميّة مثل مسجد قبّة الصّخرة والمسجد الأقصى بالإضافة الى سلسلة من القصور الأمويّة الممتدّة على أطراف بادية الشّام (منها: قصر المشتى، قصير عمرة، وقصر الحير الشرقي والغربي). 

 عَلَّمَ على اكتشاف الموقع عالِم الآثار الفلسطيني متري برامكي بين السنوات (١٩٣٤ حتى ١٩٤٨). حيث كانت المُسوحات الأثريّة السابقة في أواخر القرن التّاسع عشر قد أشارت الى وجود بقايا دير بيزنطيّ في ذلك الموقع. 

توقّف العمل بطبيعة الحال عند النّكبة (١٩٤٨)، ونفّذ متحف الآثار الفلسطيني في فترة الحكم الأردني أعمال التّرميم في الموقع وعرض المواد المكتشفة في المتحف، حتى يتوقّف العمل مرة أخرى بعد احتلال إسرائيل للضّفة الغربيّة سنة ١٩٦٧. بعد استلام السّلطة الفلسطينيّة صلاحيّات الآثار سنة (١٩٩٤) أعيد الاهتمام بالموقع من قبل علماء آثار فلسطينيين وأعيد التنقيب في المنطقة الشمالية من القصر ليتم الاكتشاف أنّ للموقع مكنونات أخرى. أشرف على اعمال التنقيب والتأهيل بوزارة الآثار والسّياحة فريق من المختصّين الذين كرّسوا كلّ المصادر والموارد الممكنة لتطوير التنقيب مع جامعات ومعاهد دولية مختصة (جامعة شيكاغو) ليتم الكشف عن بقايا ضيعة زراعية في الفترتين الاموية والعباسية بجوار القصر (٧٥٠-٩٧٠ م). 

يكتب الدكتور حمدان طه في دراسة عنوانها “القصر الاموي في خِرْبة المَفْجَر” عن موقع تل المَفْجَر: “انّ التراث الأمويّ في المَفْجَر يقف شاهداً معاصراً على عظمة الحضارة العربية الإسلامية المبكّرة في فلسطين. وهو نتاج حضارة جديدة مفعمة بالحياة استلهمت التّراث اليونانيّ والرومانيّ والبيزنطيّ والمصريّ والسّاسانيّ، واعادت تكوينه بصورة إبداعية من جديد. وأقامت توازناً بين الدّنيا والدّين. ورغم النّهاية التراجيدية المبكّرة للحضارة الأمويّة، فإنّ الطّاقة الإلهاميّة لهذا التّراث بقيتْ محفوظة {في تقاليد المدارس الفنية والمشاغل الحرفية الشامية حتى يومنا هذا}.”[2]

عفواً عزيزي القارئ، لا يمكن أن يكون مقالي الصّحفي هذا بحثيّاً، لأنّه وعلى الرغم من إمكانيّة وجود معلومات هامّة وممتعة لمن يريد معرفة تفاصيل هذا الإرث المعماريّ الامويّ العظيم الذي يتغنّى بما تركته هذه الحضارة، لأنّ البحث بعد هذه اللحظات لن ينفع الا للتأريخ، ونحن نعيش لحظة سينفي أيّ كاتب للتاريخ فيها كلمة “حتى يومنا هذا” لأن ما جرى وتحديداً قبل يوم من الحفل الذي أعطت وزارة الآثار والسّياحة الفلسطينيّة فيه التصريح للمنظّمين به، وبينما احتشدت الجماهير غضباً وفزعاً ورفضاً لإقامة حفل صاخب بمكان اقرب للوجدان والذاكرة الشعبية بالدّينيّ منَ الأثري (كما “قرّرت” وزارة الآثار والسياحة كما يتبين لنا) كانت الآليات الثّقيلة قد جرفت الموقع الأثريّ والذي يقع على بعد بعض الكيلومترات من النّبي موسى وتسوّيه بالأرض بين ردم وطمس لتحضّره لبناء استثماريّ قادم. لم تكن تلك الآليّات تابعة للاحتلال الإسرائيلي!!!

أُطلِقت صرخات استغاثة من الغيّورين والمختصّين والحريصين على هذا الوطن وآثاره وتراثه، فكُتِب: “الاعتداء بالآليات الثقيلة على موقع تل المَفْجَر: تعرُّض الموقع لأعمال تجريف بشعة باستخدام الآلات الثقيلة في يوم السبت الموافق٢٦-١٢-٢٠٢٠. ويأتي هذا الاعتداء السافر في ظل حالة الطوارئ التي تعيشها فلسطين. لذلك لا بدّ من تحرّك سريع باستخدام الطرق القانونيّة لمعاقبة من قاموا بهذا العمل المشين.”.

واستنكرت كذلك الجمعيّة الفلسطينيّة للمعالم والمواقع التّاريخيّة (اكوموس فلسطين) ما جرى ببيان تدعو فيه وزارة الآثار والسّياحة والجهات المعنيّة الأخرى الى “اتّخاذ الإجراءات اللازمة لحماية هذا الموقع وتوضيح حيثيّات الاعتداء وما يترتّب عليه من عواقب قانونيّة لمحاسبة الفاعلين مستنكرة الاعتداءات التي وقعت بحقّ موقع تل المَفْجَر الاثري من أعمال تخريب وتدمير.”

وكتب الدكتور حمدان طه: “تدمير موقع تل المَفْجَر في أريحا بالآليات الثقيلة كما توضح الصور الصادمة كارثة للتّراث الثقافيّ الفلسطيني والإنساني. ذلك ان الموقع بالذات يمثل الحلقة المفقودة في التاريخ الحضاري لمدينة أريحا في الالف الرابع قبل الميلاد. ان الحكومة الفلسطينيّة مدعوّة للتعامل مع هذه الجريمة ومحاسبة الفاعلين بموجب القانون.”   

النّداءات والاستغاثات كانت تطالب وزارة الآثار والسّياحة والمسؤولين بإيقاف الجرف. ولكن لم يتوقّف شيء، ولم يهتم أحد، ولم يبق من الموقع شيء. 

 للمهزلة أو بالأحرى للكارثة الواقعة، ومن يفتّش عن الموقع عبر وسائل البحث يجد وصفاً قدّمته صفحة جامعة لاسبينزا الإيطاليّة بالتعاون مع وزارة الآثار والسياحة الفلسطينيّة كما يلي: امتداد الموقع: ٢٠ دونم. حالة الحفظ: محفوظ جزئيّاً، وتحت الزّراعة الحديثة جزئيّاً وتحت التّعمير الحديث جزئيّاَ. 

المخاطر والإرباكات: الزِّراعة الحديثة وأنشطة البناء الحديثة. 

فترة تواجد الموقع الزّمنيّة: العصر النّحاسيّ المتأخر، العصر البرونزيّ المبكّر الأوّل، البيزنطيّ، الإسلاميّ المتأخّر.

تصنيف الموقع بالعصر النحاسيّ المتأخّر: قرية، العمارة المحلية: منازل، حفر، صوامع. العمارة الجنائزية: دفن جرّة. 

الثّقافة المادّية: تماثيل فخاريّة، أدوات عظميّة، أواني حجريّة، الفترة البيزنطيّة: دير. العصر الإسلامي المتأخر: بقايا المعمارية، صوامع.[3]

فما الذي يعني بعض الآثار في موقع مليء بالآثار لنا؟ الاستثمار والمنتجعات السياحيّة الخاصّة المدعومة من رؤوس الأموال المتّصلة بوثاق غليظ بالحكومة ستدرّ على الموقع الكبير غنائم سياحيّة بالمستقبل! لم يكن صعباً فهم ما يجري، فنحن نرى ما يجري من تحضيرات هناك منذ أشهر، وعند سؤالنا عندها لمن تتبع عمليّة البناء القادمة كانت الأسماء المتداولة تؤكّد سبب سكوت المسؤولين المدوّي. فلم نسمع من رئيس الوزراء، وزير الأوقاف، ووزير الداخليّة الحالي ووزيرة الآثار والسياحة أي تعليق أو شجب ولم يفتح تحقيقاً بالأمر. 

الحقيقة إنّ ما يجري يستدعي تدخّل الرئيس الفلسطينيّ نفسه بالأمر. لأنّه بلا شكّ ما يجري لا يمكن حصوله بدون الحكومة وبالتواطؤ المتشعّب بين أروقتها ومع النّخب الرأسماليّة القريبة منها. 

فمن يتأمّل اليوم ما جرى بموقع النبي موسى بتحويله بالسّنوات الأخيرة لوزارة الآثار والسّياحة، و”تحييد” الأوقاف الإسلامية منه – كما رأينا –، يؤكّد انّ هناك تفاهمات تحت الطاولة أو فوقها لا يهم (على الرغم من ان الاتّفاقيّات الرسمية الموقعة بما فيها المراسلة بشأن الموافقة على الحفل تؤكّد البعد الدّيني المهم للموقع)، لانّ من يتفق هم أرباب الحكومة فيما بينهم. لأنه من غير المنطقي وبأي صورة يحاول المرء إيجاد تبرير لماذا يتم “تصنيف” النبي موسى كموقع أثري تراثي، مهملين كما نرى صفته الدينيّة وبالتالي تبعيّته لوزارة الأوقاف (وهذا واضح بغياب وجود فراغ إداري بعدم وجود حارس ومسؤول عن المسجد). وكأنّ هناك محاصصة تجري تأخذ كل وزارة فيها ما تجده من “غنائم” توظّفها لصالح القطاع الخاص القريب منها. فكل ما جرى من تداعيات كارثية في النبي موسى بسبب الحفل يؤكد على هذا. 

فلو تركنا ما تمسّك المجتمع الفلسطيني به بكافة أطرافه وأقطابه المتناحرة به، وهو “سما وما قامت به وما تقوم به”. وجموع الفتاوي إذا ما كانت موسيقى التكنو تخص التراث الفلسطيني او دخيلة عليه. وإذا ما كان تصرف الشباب الهائج تصرفا دفاعيّاً حريصاً يجب الانحناء له احتراماً وتقديراً، أو كان فعلاً همجياً عنيفاً. وتوقّفنا لنفهم ما الذي حصل؟

غياب للشراكة الحقيقية وفي نفس الوقت تزاحم للشركاء. جهات متعددة مسؤولة، عقود مبرمة منذ سنوات وعقود مفسوخة.

وتحقيق جاري، بل تحقيقين ( على حسب تصريح رئيس الوزراء الأخير). 

التربية والتعليم والثقافة والحكم المحلي كان من البديهي ان يكون لهم دور أساسي ومحوريّ على اقل تقدير بكيفيّة تفعيل وإشراك المجتمع المحلي. وإذا كان هناك إشراك لجهات صاحبة اختصاص، فممّا لا شكّ فيه انه هناك خلل كبير، لأنّ هذه الجهات يبدو انّها لا تمت بواقع البلد بصلة او بالأحرى تفتقد التواصل المتكامل مع المجتمع. الكارثة التي نشبت كان سببها هو عدم معرفة الشعب بما يجري. فالناس الثائرة بدت كمن صحي من سبات دهر. كانوا قد ناموا وهذا الموقع يشكّل لهم تراثاً دينيّاً شعبويّاً، وصحوا على موسيقى تكنو وغرف فندقيّة. 

وتل المَفْجَر الذي تفجّرت تفاصيله تحت ركام الجرف من أجل بناء مشروع – ربّما- لا يحقّ لنا أن نعرف عنه إلا عندما يبدأ أصحابه بإقناعنا عن الفرص المتوفّرة لنا في شراء شقّة فيه أو تأجير مرفق به أو استخدامه لما قرّروه لنا من أجل إنعاش السّياحة وتشجيعها. سَنَبْكيه على أطلال شرفةٍ فندقيّة تمكِّننا من مشاهدة السجاجيد الفسيفسائيّة البديعة الممتدّة أمام ناظرنا من قصر هشام. وقد نصرخ باستغاثة نُفزِع بها العالم المُستكين على الظلم عندما تدخُل الآليات الإسرائيليّة لجرف او استيلاء او فتح شارع او وصْلِه لأخذ ما صار لها وصرخنا واستغثنا عليه من قبل، ولم تَرُد ولم تكترث وزارة الآثار والسّياحة والمسؤولين في أريحا كما حصل في تلول أبو العلايق[4] على بعد كيلومترات معدودة من المكان بالرّد او التّعليق أو التّبرير.

سياسة عدم الرد كمن يدفن الأمر ليموت لوحده. وباتت كل امورنا مدفونة وتعفنت وفسدت ونحن نظن ان هناك امل في إصلاحها. ننتظر ردودا لا تأتي، ولجان تحقيق مستمرة الى ما لا نهاية. 

وعمليّة إلهاء باتت تبدو وكأنّها ممنهجة باستنفاذ الرأي العام نحو قضايا تشعل لهيب كل شيء، لتمرير صفقات وتنازلات تطال كل شيء.


[1] https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=842606726522582&id=100023197866995

[2] https://www.academia.edu/31683916/القصر_الأموي_في_خِرْبة_المَفْجَر

[3] http://www.lasapienzatojericho.it/padis/component/content/article/38-sites/106-054-mafjar-tell-el-

[4]https://nadiaharhash.com/2019/06/12/وزارة-القدس-والتراث-الإسرائيلية-من-ب/

ملاحظة: موقع تلول أبو العلايق، وهي منطقة تقع فيها مناطق (ب) و(ج). ما يجري في تلول أبو العلايق هو سيطرة مطلقة لوزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” التي انتهت سنة ٢٠١٩ وبعد عدة سنوات من ترميم وتأهيل موقع قصورهيرود (الحشمانيئيون). بعد انتهاء وزارة القدس والتراث “الإسرائيلية” والتي رصدت ٢ مليون دولار من اجل ترميم الموقع، قامت السلطات الاسرائيلية خلال نفس الفترة بترميم شارع لتسهيل الوصول الى المكان للسائحين الإسرائيليين، ولقد تم افتتاح رسمي للشارع بعد أشهر قليلة من الانتهاء من الترميم، حضره جموع من المستوطنين والمسؤولين من وزارة القدس والتراث “الاسرائيلية” والاحتفال بالانتهاء من ترميم الموقع الاثري. 

منذ الأمس وتتوالى ردود الفعل بشأن ما جرى بمقام ومسجد النبي موسى من تسجيل لحفل موسيقي (دي جي). من أي زاوية يحاول المرء النظر الى الامر يجده صعب الاستيعاب، بل أكثر، مؤلم أقرب الى الغضب. 

من السهل التفتيش على مذنب بعينه وتحميله كارثية ما حصل. سواء بمنظمي الحفل او المشاركين من جهة، او الجهات المسؤولة بكافة مستوياتها من جهة أخرى. ولكن هنا، لا يمكن رمي الامر بتحميله على شخص بعينه للتخلص من المسؤولية. فلا مكان للهروب والاختباء وراء أحد او سبب. 

من المؤكد، انه لا يمكن نصب اضاءة وتحميل معدات بهذا العدد والحجم بلا تنسيق مسبق من جهات متخصصة، وإذا ما سلمنا ان الحفل كان لهدف تسجيل فيلم وثائقي غير محلّي عن الدي جي، فهذا يؤكد ان الحاجة لموافقات رسمية لا مفر منه. 

ولمن يواظب على الذهاب الى مقام النبي موسى مثلي ومنذ الكثير من السنوات، يعرف جيدا ان الموقع ليس مفتوحا للاستخدام الحر تماما، أي ان هناك حراسة الأوقاف دائمة التواجد هناك، و/أو المسؤولين الجدد عن الموقع منذ ان ترمم وتقرر تخصيص الغرف فيه الى غرف فندقية ( حالياً لا يوجد شركة متعاقدة حيث تم الفسخ بين الشركة والاوقاف بشهر تموز من العام الحالي). 

كان هناك إشكالية ومعضلة بهذا الموضوع منذ بدئه، لأن الموقع معرّض للاستيلاء عليه من قبل الاحتلال، خصوصا انه تم استخدامه بالسابق وعلى مدار ما يقرب من العشر سنوات كمقر لتأهيل مدمني المخدرات (قبل سنة ٢٠٠٠) حيث أغلقته سلطات الاحتلال ومن ثم سمحت بإعادة تشغيله سنة ٢٠٠٣. كنت اعتقد ان الامر كان فقط بمبادرة من الأوقاف والسلطة في حينها، ولكني استغربت ذات زيارة عندما وجدت إسرائيليا بالموقع يضع قبعة الرأس اليهودية بصحبة عائلته، استغرب وجودي بقدر ما استهجنت وجوده! كنت اعتقد ان هذا المكان متعلق بذكرياتي وجدتي، كغيرنا من اهل هذه البلاد، ليظهر ان للرجل ذكريات أعمق من ذكرياتي، فصار يشرح لي الرجل عن تجربته قبل سنوات هناك حيث أمضى علاجه في المكان. وعند سؤالي عن الامر لاحقا تبين ان التدخل كان يجري بالتنسيق مع سلطات الاحتلال حيث تحول الموقع الى مركز تأهيل شبه رسمي. 

والحقيقة، انه بقدر ما بدا الامر مريبا، بقدر ما كان مفهوما، او بالأحرى يمكن تبريره. وعليه، لنقل، انني عندما رأيت الترميم الذي يهدف لتحويل المكان الذي شغل بنشأته الأولى خاناً ومركز ضيافة الى فندق، فكرت انه ربما يكون الامر أفضل من ان تضع إسرائيل يدها على المكان. فكذلك لا اعرف ان كان لي رأي منطقي بشأن منطقية وضع مراكز التأهيل بهكذا مكان. فمن ناحية، قد يكون مناسبا من حيث الهدوء المطلق والابتعاد عن الناس وفي نفس الوقت يستطيع المرء التفرد بنفسه مع ربه. ولكن بدا الامر حينها مريبا باستدامة الوضع، فما بدأ كتدخل طوارئ امام تزايد عدد المدمنين في تلك الفترة، تحول الى وضع يد من قبل تلك الجهات، ولحقه استغلال للسلطات الاسرائيل للاستيلاء التدريجي. لأنه مهما حاولنا إضفاء المنطق في هكذا أمور، فإن تدخل السلطات الإسرائيلية يبدو بالبداية تطوعي وبهدف تقديم خدمات مهنية، وهذا حقيقة، الا انه لا يمكن استئمان مطامع إسرائيل في كل بقعة من الأرض، فكيف إذا كان موقعا بحجم ومكانة واستراتيجية واهمية موقع هذا المكان. حيث يشغل مساحة ٤٥٠٠ متر مربع مكون من ثلاثة طوابق ويحتوي على ١٤٤ غرفة متعددة الاستخدامات، ويحيطه سور على ارتفاع ما يقرب الأربع أمتار.

من ناحية، امتلاك الموقع للأوقاف أمر مبتوت فيه، وتاريخه واضح، فهو بناء مملوكي تم تشييده بزمن الظاهر بيبرس سنة ١٢٦٩، وأعاد العثمانيون ترميمه في القرن التاسع عشر -١٨٢٠- ولقد أخذ مكانة مهمّة بتراث مدينة القدس تحديداً، وفلسطين عموما على مدار المئة سنة الأخيرة بصورة متتالية عندما حث الحاج امين الحسيني في العشرينيات من القرن الماضي الجماهير الفلسطينية على التصدي للمشروع الصهيوني المخطط له

 ولكن لا يمكن عدم رؤية أهمية هذا الموقع جغرافيا وسياسيا. والسلطات الإسرائيلية بالعادة ان لم تستطع الاستيلاء المباشر تضع يدها بطرق متعددة أخرى تكون في أحسن احوالها خدماتية. وبكل الأحوال تتربع ثكنة عسكرية مركزية اخر الطريق الذي يتوسطها المقام. 

وعليه، قد يفكر المرء ان ما قامت به الأوقاف بالتعاون مع وزارة السياحة الفلسطينية والسلطات الرسمية الأخرى بتمويل من الاتحاد الأوروبي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو امر بغاية الأهمية. وما من شك ان جهودا جبارة من اجل اقناع الممولين لتمويل الترميم وإنقاذ الموقع اخذ سنوات وجهود ضخمة وحثيثة. ولقد حرصت الجهات التي قامت بأعمال الترميم على المحافظة بقدر الإمكان على عدم المساس بأهمية المكان الدينية والتراثية. 

اذكر ان رئيس الوزراء محمد شتية افتتح الموقع بحلته الجديدة قبل عام قائلاً: “اليوم يتم إعادة ولادة مقام النبي موسى بثوب جديد بعد ان تم ترميمه بالكامل.”

وفهمت حينها، انه تم التعاون مع القطاع الخاص من اجل التشغيل وإدارة الموقع فيما يخص الجزء الذي تحوّل الى نزل فندقي (٢٠ غرفة) إضافة الى مطاعم وقاعات. واعتقد ان الكورونا وتوقف القطاع السياحي لم يتح استخدامه الفاعل كفندق، كما تم فسخ عقد الشراكة بين الشركة والاوقاف (كما ذكرت سابقا).

اعترف ان الامر بدا لي صعب الهضم بالبداية، فلشكل هذا المكان في ذاكرتي صور أخرى ترتبط بالمولد والاحتفالات الشعبية وموسم النبي موسى الذي كان يستقطبنا صغارا وكبارا. وفي عودة مركّزة الى ذكرياتي تيقنت ان المكان لم يكن موقع صلاة بقدر ما هو موقع التقاء ثقافي تجاري اجتماعي ديني “موسم النبي موسى”. احتفالات الناس على مدار أسبوع بالإقامة هناك، والطبخ والبرامج الترفيهية الشعبية المختلفة. كانت العائلات تنتظر الموسم لتحتفل بطهور أبنائها، ومن كان عليها نذر كانت تأتي لتطبقه، ومن كان يريد اشهار او اعلان خبر سعيد او مهم كان ينتظر الموسم ليعلن عنه. اذكر ام فريال التي كانت تشتهر بعزفها على الإيقاع التي كانت تحيي الامسيات للعائلات الكبيرة، كانت فعاليات الدبكة والكشافة والامسيات الدرويشية والصوفية جزء من برامج الموسم المتكررة على مدار السنوات. 

 ولكني حاولت بقدر المستطاع رؤية الموضوع من زاوية أكبر، وهي أهمية عدم اتاحة الفرصة لإسرائيل الاستيلاء على الموقع بالمستقبل.

مع الاسف الشديد، يبدو اننا وقعنا بحفرة عميقة هذه المرة، بسبب كل ما نعانيه من ازمة مؤسساتية لا حساب ولا مساءلة فيها، وفلتان ومحاباة وغياب واضح للقوانين والمعايير والإجراءات. اوصلتنا الي هذا المكان الكارثي تحديدا. 

وهنا لا اريد ان اتنصل من تحميل الجهة التي نظمت الحفل- الدي جي- لان ما حصل هنا لا يقل كارثية من أفعال الحكومة التي اوصلتنا الى هنا. 

هذه محصلة تسطيح الوعي الفلسطيني وكيه على مدار سنوات أوسلو. جيل يعتقد ويصدق انه مختلف من حيث التوجهات والآمال والاحلام ويواكب ما يعيشه العالم الكبير، وكأن هؤلاء يقولون من خلال صوتهم انهم مثل باقي العالم الطبيعي على الرغم من العيش تحت الاحتلال، او ربما تكمن المأساة هنا، ان الاحتلال ليس ما يريد هؤلاء تحديه، ولكن اثبات ان السلطة استطاعت خلق واقع طبيعي في محيطها. وهذا هو ما صنع الخلل الأكبر. فنتج امامنا جيل لم يعد يميز الا إزالة الفروقات والعوائق ومسحها بلا اكتراث لما هو سياسي الطابع او اجتماعي او تراثي او ديني كما رأينا هنا. 

على الصعيد الشخصي، أثمن دوما أي توجه شبابي باختلافه وانفتاحه، على الرغم من عدم فهمي او استيعابي لما يروجون له من أفكار- لأني ببساطة قادمة من جيل سابق، وببساطة أكثر كنت بلا شك احمل أفكارا اعتبرتها ثورية عندما كنت في جيلهم- لأكتشف ان تحدي الأعراف والقواعد والتقاليد ليس الا ثورة داخلية تشكل نضوجنا القادم قبل ان نتصالح معها. نتعثر ونقع خلالها كثيرا.  ولكني اعتقد بالتأكيد ان هذا مهم بخلق تنوع وتجدد وتغيير. فهؤلاء بالمحصلة شباب يريدون الاكتشاف والتعبير عن أنفسهم بطرقهم لا بطرقنا. وكنا دائما نضع ثقلنا واملنا ان هناك وعي ما مهم للغاية بهؤلاء الشباب لهويتهم الوطنية والتي لا يمكن ان تخرج منها الهوية الثقافية والتراثية والدينية. 

هؤلاء يريدون ان يراهم العالم مثلهم.. وهذا حقهم. ولكن ما جرى كان سقطة جعلت كل ما يحملونه من امال بتغيير مجتمعي عالمي يتهاوى كالحطام. لأن ما جرى لا يمكن ايعازه للجهل، فهؤلاء ليسوا بجاهلين، بل متعلمين مثقفين يميزوا جيدا ما هو صح وما هو خطأ. ومهما حاول العالم الذي يريدون الانتماء له من الانفتاح، فان ذاك العالم لا يمكن ان يخدش المسلمات بمفهوم المقدس بالنسبة للشعوب المختلفة. فلن نرى حفلة كهذه في كنيسة ولا بكنيس ولا بمعبد بوذي. هذا النوع من الموسيقى مكانه البؤر الواسعة والمغلقة لعالم الصخب والسهر. عالم ليس بالضرورة عالم معظم البشر، وهذا لا يقلل منهم ولا يزيد غيرهم. فكما يقال لكل مقام مقال. 

لا يمكن الا يكون كل من دخل من اجل الحفل قد رأى اللافتة التي تستقبل الزوار “مسجد ومقام النبي موسى”. فهنا تكمن المشكلة، سواء كانت غياب وعي او عدم اكتراث بقيمة المكان وإمكانية مساس مشاعر العالم بهكذا عمل. او التفكير “الصادق” ان المسجد والمقام لا صلة لهما بالساحة التي أقيم فيها الحفل. 

من الجهة الأخرى، ما الذي يقصد به بالترويج لعمل موسيقي كهذا وسط صراع محتدم في هذا الوطن على التاريخ والهوية عندما يرى العالم ان أبناء الوطن لا يكترثون لقيمة أماكنهم ذات الطابع الديني والتراثي في وقت نفس أبناء هذا الوطن يرتعبون ويحاولوا شد انتباه العالم ويستغيثون دوما من مغبة استيلاء إسرائيل على موروثنا الديني؟ 

ولكن مهما حملنا هؤلاء الشباب المسؤولية، فهناك مبدأ تردده السلطة بكونها الراعي المسؤول عن رعيته. 

وهنا تأتي المسؤولية المطلقة والمباشرة والواجبة المحاسبة على المؤسسة الرسمية التي لم تلفت انتباه القائمين على حساسية الامر، بل أكثر، وافقت بلا تردد. ومهما حاولت الجهة المسؤولة هنا، وهي الجهة التي أعطت التصريح- وزارة السياحة تبرير خطئها لأنها أولا لم تتحر الدقة عن نوع النشاط او الفيلم الوثائقي المزعم تصويره وبثه. وثانيا، لم تُعلم الجهات المعنية بالموقع وهي دائرة الأوقاف الإسلامية التي تتولى الحراسة.

وهنا عند التفكير بالحراسة والامن والاوقاف يصبح الامر أقرب للمزحة او السخرية السوداء، عندما نعرف ان وزير الأوقاف هو نفسه وزير الداخلية وهو نفسه كذلك رئيس الوزراء. فهنا المسؤولية الكاملة تقع في شخص رجل واحد وهذه الكارثة الحقيقية، في وقت كان يجب ان ينتبه على الأقل بطريقة ما الى ما كان على وشك ان يحدث. يعني اين التنسيق بين وزارة السياحة ووزارة الداخلية ووزارة الأوقاف ووزارة الصحة؟ الا تستدعي هذه الموافقات على هكذا فعاليات تصريحات امنية؟ 

فاذا ما تطلب اجراء هذا النشاط \ الحفل موافقة جهات لا يمكن الاستغناء عنها من اجل إقامة النشاط \ الحفل فكل هذه الموافقات ستكون تحت طائلة مسؤولية رئيس الوزراء الذي عليه ان يحاسب وزرائه: 

وزارة السياحة والصحة والداخلية والاوقاف. 

فهنا تبدأ الأسئلة التي يجب المحاسبة عليها، ولو كنا في بلد يحترم نفسه لتمت اقالة كل من في هذه المناصب بلا تردد لحفظ بعض ما تبقى من ماء الوجه. 

كيف لوزارة الصحة ان توافق على تجمع به العشرات وسط تفشي الكورونا والإجراءات الصحية الوقائية الصارمة المعلن عنها بعدم الاحتفال والتجمهر؟ 

كيف تسمح وزارة السياحة بان يتم استخدام الموقع لهكذا حفل\نشاط بلا تحري وتأكد واستشارة ومعاينة؟ وإذا ما كان الامر كما تم التصريح من خلاله بتصريح وزيرة السياحة انها لم تعط أي موافقة لان المكان ليس من صلاحيتها، فهذا عذر أقبح من ذنب. فإشارة وزارة السياحة واضحة وجلية كذلك على المكان. يعني لو كنت مكان الجهة التي استحسنت المكان وارادت ان تقيم فيه أي فعالية وذهبت هناك ورأت اللوحة على مدخل المقام بشعار وزارة السياحة لفكرت بتلقائية ان الجهة صاحبة الاختصاص هي وزارة السياحة. وهنا وبعد تأكد وزارة السياحة ان الشخص الذي يريد ان يقدم الحدث او العرض او النشاط يتناسب ما تقدم به لاحتياجات السياحة ويحافظ على المكان، فعلى الوزارة تبليغ الجهات المعنية الأخرى.

اما وزارة الداخلية والتي يتبع الحراسة فيها والامن بذلك المكان لها، فهل أعطت هي الموافقة؟ وعند الفحص تبين ان لا حراسة هناك أصلا، حيث تصادف، وهنا على الأرجح لسوء الحظ، ان حارس المقام السابق قد تقاعد ولم يتم استبداله بعد. وهذ طبعا سقطة مؤسساتية، أدت الى تفرد أصحاب النشاط\ الحفل بالتصرف. فجاؤوا مع عدتهم ومعهم ما يعرفوه من تصاريح أحدهم من وزارة السياحة والاخر من وزارة الصحة. 

بكل الأحوال يجب ان تمر كل تلك الأمور من خلال رئيس الوزراء الذي يشغل وزارتين من الوزارات المسؤولة بطريقة مباشرة أكثر على ما حصل. 

رئيس الوزراء يبدو كمن يحمل سلال بطيخ بيد وبطيختين في يد أخرى مقتنعا انه يستطيع السيطرة. والامر لا يحتاج الى محلل ذكي ولا تفكير منطقي ليفهم ان البطيخ بالعادة لا يمكن حمله الا بطيخة على حدا وباليدين. فكيف إذا ما حملنا بطيختين في يد و١٥ بطيخة أخرى في يد؟ فماذا لو كان يحمل وزارات لا بطيخ؟

هذه محصلة ما يجري من تهاوي وانهيار في كل شيء بالمنظومة المؤسساتية لدى مرافق السلطة. غياب الامن وتكريسه بيد مجموعات فصائلية، وحكم العشيرة الذي صار اقوى وأصلح والابقى امام ترهل حكم القانون وعدم تمكين سيادته. 

التفرقة الحزبية والطائفية والمجتمعية كانت نتيجة طبيعية في تداعيات ما حصل، فبينما يصبح الاحتفال بعيد الميلاد يستدعي فتوى شرعية بجوازه او تحريمه، يكون حرق شجرة العيد كما جرى في سخنين امرا بديهيا لمن تسوله نفسه التخريب والترهيب. 

ولان كل ما يمثل الزينة والاضواء صار فعلا ” نصرانيّاً”  (بعقول البعض) كان من البديهي وتزامناً مع احتفالات الميلاد أن يعتقد الناس أن ما يجري بالداخل حفلة تابعة لأعياد الميلاد. لأننا وبوجود مؤسسات ثقافية وسياحية ودينية فشلنا بأن نثقف أبناء الشعب الواحد ونوعيهم ونحثهم على ان لا فرق بين الانسان وأخيه الا التقوى. 

ولان مشهد أضواء في باحات الموقع كان خارجا عن المألوف والمتوقع، كان من البديهي كذلك التفكير أن من بالداخل مطبّعين وإسرائيليين. فتحوّل ما حدث حفل مسيحي وتطبيعي وشيطاني (بعقول البعض). في وقت كان من السهل تبرئة المسيحية وعيد الميلاد عند معرفة ان من اقام الحدث هي الدي جي الفلسطينية العالمية سما عبد الهادي التي على ما يبدو لم تتنبه الى ان التحليق في السماء العالمية يحط أحيانا على الأرض، كما يحتاج ارضا للانطلاق منها. وما اختارته او تم اختياره لها لم يكن ارضا تُمكِّن من عليها التحليق. فارتطمت على ارض الواقع لا سماء عالم موسيقي تبدو متفردة به.

فالموضوع برمته لا علاقة بالدين المسيحي ولا احتفالات الميلاد ولا المسيحيين. وقد يشفع وعي سما الثقافي ورسالتها في عالم التكنو فيما سجل لها بالسابق بالتأكد ان ما جرى لم يحمل نوايا سيئة ولكنه كان سوء تقدير لم تع مغباته. ولو كانت سما تعيش في مكان يحكمه القانون وتسوده الاخلاق لم تكن لتقع في هذا المكان الوعر، لأنه من البديهي ان يكون هناك نظام سيادي فاعل يحترم المواطن والوطن فيفهم ما الممكن وما غير الممكن. ويفهم ما هو الكارثي وما هو الاشكالي.

فما جرى اليوم من تداعيات مؤسفة وكارثية أكثر من ارتكاب خطأ غير مقصود، عندما تجمهر الناس للتعبير عن غضبهم عما جرى وعالجوه بكارثة… بل كوارث. 

نعم كانت إقامة النشاط خطأ جسيما. ووقفنا جميعا امامه صفا واحدا. وما جرى يستدعي الدعوة الى المحاسبة لا الحرق. فما كان خطأ جسيما من اشخاص اساؤوا التقدير ولم يقصدوا الإساءة، صار انتهاكا وتخريبا مقصودا من قبل الغاضبين. ما جرى اليوم من حرق وتكسير وتخريب بالمرافق الخاصة بالغرف أخطر بكثير من الحفل الذي اعلن الغضب بسببه. فما الذي حرقه هؤلاء؟ ما هي الرسالة التي ارادوها؟ هل الدفاع عن الاماكن المقدسة يتم بتخريبها وتكسيرها وحرقها؟ ام ان الغرف لا تمت للمكان المقدس بصلة؟ فاذا ما كان هذا تبرير للتخريب الذي حصل، فان ما قام به أصحاب الحفل مبرر. فبالحالتين لم يقترب احد من “المقدس” او المقام والمصلي!  

هل هكذا يعالج الخطأ؟ بارتكاب جنح وجرائم محتملة؟ 

هل إيصال الامر الى هذا المستوى من الهيجان والضغط والحرق الذي استدعى وقوف الاليات العسكرية الإسرائيلية على مداخل المقام وتدخلها لإطفاء الحريق وفض الإشكاليات والتجمهر مقصود من خلاله ترويع من اقام الحفل وسمح له ام يهيئ لتدخل إسرائيلي “مبرر” عما قريب؟ 

هل نسي هؤلاء الغاضبون انه وبالتحديد على بعد أمتار من كل الجهات الملاصقة والمحيطة والمتاخمة لهذه المنطقة تتربص المستعمرات وتشرع بتلك الاثناء تنفيذ خطة الضم؟ 

هل أرهبْنا من أخطأ لنعيش كارثة استيلاء على المكان لأننا لا نعرف كيف نديره ولا ندير أنفسنا؟

هل ما حصل اليوم كان مقصودا؟ فهل كان دخول هيئة او جمعية التأهيل من المخدرات عفويا وبالتالي فرض امر واقع جديد على المكان؟ وهل هي الجهة المعنية بحل الازمة؟ 

الحقيقة انني لم افهم كيف خرجنا من ازمة تحويل المكان الى فندق لنقع في ازمة أخطر وأصعب وكارثية بالفعل وهي تحويل الموقع لمركز تأهيل ادمان.

نعم، يبدو الطابع السياحي ” خبط لزق” بالموقع صادم لمن تعود وعرف المكان كمقام خالص. الا ان المكان كان دوما ومنذ نشأته الأولى وعلى مدار ٩٠٠ سنة خانا ومكان اسطبلات وموقع أنشطة شعبية مختلفة في أكثر الأوقات، تجددت مع القرون والسنوات. علينا التنبه دوما بجعل السياحة التراثية جزء من هويتنا الجمعية والدينية. ولكن هل من الصحيح ان يرجع المكان ليأوي مدمني المخدرات وتأهيلهم؟ 

لا اشك مرة أخرى، ان ما حدث قبل سنوات بعيدة كان وليد حاجة، وكان صحيحا ومهما حينها. ولكن لم يكن من الصحيح ولا الطبيعي ان يحرم اهل فلسطين من زيارة المكان بسبب هذه الوضعية. فمراكز التأهيل يجب ان يكون لها اماكنها الصالحة لها وما يتوافق مع احتياجات المرضى المدمنين، لا يجب ان تغطي احتياجاتهم او تتعدى على الأماكن العامة التي تتصف بما يتصف به هذا المكان.  

ولا اعرف ان كنا كمجتمع كشعب سنخرج من هذه الهوة وبأضرار غير جسيمة. ما نحتاجه هو سيادة حقيقية للقانون وهذا يعني اننا نحتاج أولا ان ننتخب من يمثلنا ويسن قوانيننا ويطبقها وان نضعه ونضع أنفسنا امام المحاسبة. 

لقد دخلت السلطة الفلسطينية وضع التفجير الذاتي، ولا نعرف متى سيكون الانفجار الأكبر التالي.

لطالما الفساد والغبن والمحاباة وسيادة الواسطة والعشيرة ورأس المال هي السائدة فلن نكون بخير. 

لو كنت مكان أحد المسؤولين بأي من المؤسسات الرسمية ذات العلاقة لاستقلت. ولو كنت مكان صاحب سلطة بينهم لقدمت كل من شارك من المسؤولين اقحام البلد والمكان والشعب في هذه المصيبة للمحاكمة.

مؤسف ومرعب حالة التدحرج الى الهاوية التي تشدنا الى قعرها أكثر في كل مرة. 

خبران مؤسفان ومحزنان ومخزيان خلال اقل من ٢٤ ساعة. اقر بأن حرق الشجرة على الرغم من قباحته ومسه بما هو مقدس وينفي مظاهر الالفة والتقبل بين ابناء الشعب الواحد بمختلف دياناتهم، يبقى اقل مأساوية وخزيا امام تسجيل فيلم وثائقي بحفل دي جي بمقام النبي موسى.
بين من نحارب تطرفهم الاعمى وبين من نتواجه مع طيشهم ولا مبالاتهم نقف امام نموذجين مدمرين لما نحن عليه من الضدية في كل شيء. صرنا الشيء وعكسه.
ما الفرق بين ما حدث في النبي موسى وبين تحويل اسرائيل للمقامات والمساجد لبارات ؟ مرة اخرى وخلال ٢٤ ساعة، اجد نفسي ابرر للاحتلال فظائع صنيعهم بِنَا. فوالله تخطينا وتعدينا قباحة فعل الاحتلال وشناعته .
كما لا يستطيع عقل فهم او تقبل فكرة ان يضرم سفيه متطرف النار في شجرة العيد. لا يستطيع عقلي فهم كيف تسول نفس اي عاقل فلسطيني بالاقدام على هكذا فعل لا يمكس وصفه الا بالدنس. لا مسؤولية ولا احترام لابسط قواعد الاماكن المقدسة. كنا نخشى على النبي موسى بتحويل الاحتلال له كمركز بالتعاون مع الاوقاف لعلاج المدمنين. لنعش ونراه بؤرة تسلية مكانها بالبارات والديسكوهات واماكن السهر الصاخبة.
وبالتزامن مع اعياد الميلاد ، كيف لنا ان نقنع من هبوا لفض هذا الصخب وانتهاك حرمة المقدسات من ان المحتفلين ليسوا ‘نصارى’؟
كم اساء من اقام الحدث وحضره وشارك به للمسيحيين وللعيد المجيد في وقت يحارب السوي منا من اجل لحمة اطياف هذا الشعب الممزق.
من جهة نتواجه مع تخلف وتطرف وجهل اعمى ومن جهة اخرى نتوا جع مع استهتار واستعلاء وغياب وعي يتجمع النقيدين ليشكلوا وحدة تهديد هدامة لهذا المجتمع.يتحد الجهل والتخلف والاستعماء والاستخفاف بالآخر او تحقيره لنغرق في وحل اغرقنا تحته وطن.

أعترف انني من المرات النادرة ولربما الوحيدة التي اسمع فيها كلمة الرئيس ابو مازن لنهايتها بشعور ايجابي. تلك الكلمة التي القاها بمناسبة عيد الميلاد. كلمات تؤكد اننا شعبٌ الميلاد فيه جزء من موروثه وثقافته وهويته. ليس المسيحي فيه نصرانيّ ولا المسيحيون جماعة الكريسماس وليسوا اخواننا المسيحيين وليسوا جالية.
المسيحي بعيده ووجوده هو انا الفلسطينيّ.
ما جرى من حرق مخزي بكل ما تحمله الكلمات من معنى لشجرة العيد بسخنين، يؤكد على اننا امام خطر جلل. خطر تعدى الفلتان الامني وانتشار السلاح والمخدرات والقتل العشوائي. خطر اساسه التحزب والفصائل والانقسام . خطر اساسه تمييز ابناء هذا الشعب بين من ينتمي لهذا الفصيل أو ذاك. خطر صار مسيحي ومسلم. خطر صار يمثل عاراً على جبيننا. ليس من الصعب فهم هذه المأساة التي من السهل ان يصبح فيها المسيحي عدو. لأننا سمحنا بأن يكون الاخ عدو اخيه، والجار عدو جاره، والموالي لهذا الفصيل عدو الموالي لذلك الفصيل، والمحسوب على هذا عدو للمحسوب على ذاك. والمختلف عن هذا بفكرة او رأي هو عدو للآخر الذي يتبنى رأيا مغايرا.
من السهل فهم المأساة هذه عندما جعلنا سماحة الدين مرتبطة بقدرة الرجل على التحكم، والالتزام بالدين سمته لحية وحجاب. عندما صارت سيداو مرادفة للانحطاط والرذيلة، وعندما صار المخالف للرأي الرسمي مدسوسا بأجندات خارجية.
عندما تترك العدالة بلا تنفيذ، وعندما يعتقل الفلسطيني ويختطف بسبب رأيه، وعندما تحرق الممتلكات لفرض القانون ويكون حرق السيارات ترهيب لحرية التعبير، من البديهي ان تصبح شجرة الميلاد مرادفة للكفر والبدع.
من السهل ان نصل الى هنا، بينما ينظر لنا الاحتلال المتربص بينما ننهش في لحم اخوتنا وجيراننا وأبنائنا واهلنا وانفسنا ولا نزال نعلق خطايانا عليهم. فاوصلناهم الى مرحلة يتبرؤون بها من خطيتنا ونصبح بعيون العالم كما ارادوه لنا دوما: ارهابيون عنيفون مجرمون.
لا اعرف ان كان ما حصل من حرق شجرة هو محصّلة بديهية لأدلجة الحياة بداخل حزب او فصيل ما ليكون هو الدين الوحيد الذي يتبعه. قد يكون كل متنفذ لهكذا ادلجة مدفوع من مكان ما لا يريد الا التخريب والفساد بالارض وبالبشر. تتعدى افعاله ما يريده الاحتلال منا او توازيه. هؤلاء هم الارهابيون حقا. هؤلاء هم الخونة والعملاء والقتلة.
والسلطة الفلسطينية، تتحمل المسؤولية، بقدر ما تتحمل سلطات الاحتلال المسؤولية بترك هؤلاء ليتمكنوا وهم على علم اكيد بأن ما يضمرونه سينتهي الى حرق بدايته شجرة.
لن أستخدم كلمة اسلام لهؤلاء.. فالاسلام لا يمكن ان يكون دين كره وحقد وحرق. الاسلام لا يمكن ان يكون دين تفرقة وتجزئة واقصاء. هؤلاء مرتزقة مأجورين ان كان بهم من الاسلام ذرة… كانوا سيخشون الله. ولكن عندما تختفي مخافة الله من تصرفات العبد، فنحن امام عبيد لجهات دسيسة عميلة حاقدة.. تكره فلسطين بقدر ما تكره ابناءها…. المسيحيون- الآن- هم فقط واجهة لحقدهم وشرورهم وعمالتهم.
الاسلام الذي نعرفه ونعتز به ونفتخر بحملنا له بعروقنا وثقافتنا وحضارتنا بريء من هؤلاء المرتزقة المأجورين الارهابيين.
هؤلاء لا يختلفوا بذرة عن اليهودي المتطرف الاعمى القلب والعقل الذي حاول حرق كنيسة الجثمانية قبل شهر.
على الرئيس الفلسطيني وضع حد حازم وحاسم لهذا الفلتان الاخلاقي والانساني. ليس بخطاب شجب وتنديد، بل باجراءات حقيقية ونية حقة لا مجرد كلام شعارات بمحاسبة التطرف الاعمى والحاقد بكل مستوياته. هذا الفلتان من كل امر بسبب المحسوبية والفصائلية والعشائرية التي مكّنتها السلطة بدل تمكين سيادة القانون اوصلنا الى هذا المستوى من التردي الذي تبدو فيه احراق شجرة امام كنيسة ملحّ التدخل فيه من اجل قرع كل الاجراس والتكبير بالمآذن وتنكيس الاعلام. هذا مدخل لكبرى هزائمنا.

ميلاد مجيد لفلسطين المسيح

تجذبنا دوما الأضواء والزينة. بذكريات طفولة لا نريد ان نفقد براءتها يستمر وهج الزينة بأضوائها وألوانها بجذبنا. عيد الميلاد وفرحته وزينته يبقى معلما لتراث المكان والزمان والذكريات.

لا اعرف من اين جاءت فكرة عدم وضع شجرة العيد في المنزل لكي نفرق انفسنا عن المسيحيين. فكرة بقي عقلي الطفولي ينتظر ان يكبر ليتحداها. فكبرت لأكون اما تريد لابنائها الاحتفال بعيد الميلاد كالاحتفال بعيد الفطر. ولكن مع السنوات تزول هذه الفكرة لتصبح مجرد شكليات، لا ضرورة لاتباعها. فكل اشكال الزينة هذه تفهم مع مرور الوقت على عقلك انها ليست الا بغرض الاستهلاك الذي صرناه كمجتمعات. ولكن مهما ترفعنا عن الشكليات الاستهلاكية، فنحن لا نستطيع ان ننكر ان وقع الزينة يجلب البهجة الى القلوب حتى ولو كانت شكلية، في ظل أوضاع يغلب فيها الهم من كل الاتجاهات.

وكما كل عام عندما تتزين مدن فلسطين بأضواء العيد وتحتفل بإضاءة شجرة الميلاد، نحاول ولو للحظات اذابة فروقاتنا وتقربنا اكثر من بعضنا نحو سماحة اديان لطالما عشنا برحابها كمجتمع فلسطيني حتى ولو لم نتشارك شجرة العيد في بيتنا. 

ولا يختلف هذا العام عن غيره الا بفرض الكورونا جبروتها على الاحتفالات، هنا كما في كل العالم. فلن نتميز كما في كل عام بمواجهة الاحتلال بينما يخرج موكب البطريرك من البلدة القديمة بالقدس الى كنيسة المهد ببيت لحم، حيث تنتظر فرق الكشافة بانتظار الموكب الذي يتوقف تاريخيا عند كنيسة مار الياس على مشارف المدينة ويكمل مسيرته حتى قبة راحيل لتختلط في لحظة واحدة بيت لحم بمسيحييها ومسلميها من جميع الاطياف والمدن استقبالا للضيف الكبير. فتبدأ بيت لحم احتفالاتها كالعروس استعدادا لزفتها. ويلتقي الجموع في ساحة المهد في احتفالية تمزج الترانيم فيها السماء لايام تغني بهجة وسلاما ميلاد السيد المسيح. كما في طقوس الاحتفال الذي عهدناه. 

فالاحتفالات هذه السنة تغلب عليها الكورونا، والفرح كما زينة العيد وفعاليات المدينة مليئة بالتحسب والحذر بجموع محددة واحتفالات مقتضبة. 

يبدو من المؤسف بالمقابل، بينما نعيش ما نعيشه من ظروف عالمية وإقليمية ومحلية تزيد من فرقتنا، ان تخرج التفرقة العنصرية من بيننا. فترى البعض يحاول فرض ايديولوجيات دينية تجعل من المسيحيين نصارى، ومن العيد بدعة، ومن التهنئة فعل يستدعي الفتوى الشرعية بجوازها او تحريمها.

الحقيقة انني اعرضت عن الكتابة بهذا الامر، لأنني ارفض ان اتعامل وكأن المسيحي في فلسطين هو اقلية يجب الدفاع عنها. المسيحي في فلسطين هو مدرستي، ومركزي الثقافي، وناديي، وجامعتي.

المسيحي في فلسطين هو الكنيسة التي تقرع اجراسها في افراحي واتراحي. 

المسيحي في فلسطين هو درب الالام التي سلكته واسلك دروبه من بيتي لحارتي لجامعي لمدرستي لمقهاي المفضل. 

المسيحي في فلسطين هو امانة سيد هذا التراب الذي صلب ليكون تذكرة للعالمين. 

المسيحي في فلسطين هو معلمي وصديقي وابن جيراني وكاتم اسراري والمدافع عني وزميلي. 

المسيحي في فلسطين هو الأسير والشهيد.

المسيحي في فلسطين هو ابن مريم سيدة الأرض.

مريم ام الشهيد الأولى.

مريم سيدتنا وباعثة الطهارة في نفوسنا.

ميلاد مجيد لنا. 

تحملك الطريق بداخل أنفاق القدس إلى رحلة بداخل الأزمنة. حضارة تحمل نفسها على حضارة تلو الحضارة، وتبقى رغم جبروت الإنسان وتعنّته أبديّة. ويستمر الإنسان منّا في رجلة كونيّة وجوديّة، يترك بصمات خطواته ويفنى. 

تبقى الحضارة ويندثر الإنسان.

تمشي وتزاحمك الأحداث الحاليّة الآنية. تتضارب بين روايتهم ورايتك. حياتك مرتبطة بأزقة المدينة وحواريها وتفاصيلها الكثيرة، من فوق تلك الأنفاق الحافظة في خفاياها حكايات تاريخ أقوى من صنيع القوى المتصارعة، بين صراع بقاء وحرب عرق واستنزاف دم وتهجير وإقصاء.  صراع بشريّ تحت اسم الحفاظ على الإنسان. يبخس به الإنسان ويصبح الصراع باسمه أساس الوجود وانتهاء كل معنى للحياة. 

أنفاق بها حضارات تقول مرة تلو المرة، أن الشعوب ترحل وتتغير وتفنى، وتبقى الحجارة شاهدة للزمان. 

أنفاق تريد استرجاع تاريخٍ ترك أصحابه، وأنفاق تصنع من التاريخ وجود لأصحابها.

مباشرة بعد انتهاء حرب حزيران سنة ١٩٦٧، “صرح موشيه ديان، وزير الأمن الإسرائيلي حينها، بأن “الحرم الشريف” سيبقى تحت مسؤولية الأوقاف الإسلامية. واعتبر هذا التصريح بمثابة موافقة من إسرائيل على الحفاظ على مكانة الحرم كموقع اسلامي. الا ان إسرائيل استمرت بفرض وقائع عل الأرض، بتغيير المكانة المستقلة للحرم ومكّنتها من التأثير على ما يحدث فيه خصوصا من خلال السيطرة على أبواب الحرم وعلى ما يحدث بالقرب من اسواره. 

تستمر إسرائيل منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا بلا كلل بعملية تطوير في محيط الحرم وبداخله، حيث يسعى كل من الأوقاف الإسلامية وإسرائيل الى تغيير تفاهمات ١٩٦٧. فحفر الانفاق المؤدية لحائط البراق، وتأهيل المصلى المرواني، وبناء جسر المغاربة هي نماذج بارزة لهذه المساعي لتغيير الوضع القائم. بالإضافة الى هذه المشاريع، هناك نشاطات عينية تخلق واعا جديدا في محيط الحرم (فيما تطلق عليه إسرائيل جبل الهيكل). كما ان الحفريات المتواصلة في البلدة القديمة وسلوان لها الأثر الكبير على مكانة الحرم والتوتر السائد فيه”. [أ‌]

منذ الكشف عن الحفريات تحت البلدة القديمة في القدس في أوائل الثمانينيات (١٩٨١) والتي كانت تجري بطريقة سرية للغاية، بدأت الحرب الدائرة تأخذ موقع تدحرجٍ إلى القاع بحثاً عن تاريخ يُثبِّتُ قدَم ويُهدِّد كيان.

يشتمل مشروع الحفريات الدائر على خمسة مشاريع وهي: أنفاق الحائط الغربي (البراق) والتي تؤدي من الحائط الغربي(البراق) ومحاذاة الشمال ومن تحت بيوت الحي الاسلامي (طريق الواد)  إلى بداية إلى طريق الآلام ( فوق المدرسة العمرية)، وأنفاق هيرود والتي تبدأ من سلوان وتنتهي بالبلدة القديمة (هذه الأنفاق عبارة عن قنوات للصرف الصحي كانت تمر تحت المدينة بعصر هيروديس)، ونفق ينتهي إلى مغارة سليمان( صدقيا)[ب‌] على مشارف سور القدس ويمر تحت الحي الإسلامي كذلك، ونفق يبدأ من الحي الإسلامي ويتجه شرقا نحو الحائط الغربي (حائط البراق)، ونفق آخر في سلوان تحت ما يسمى بحديقة داوود.[ت‌]

الملفت في هذه الحفريات أنها تجري في معظمها تحت جمعيات يمينية استيطانية متطرفة (إلعاد، عطيريت كوهنيم) وجمعية تابعة لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بشكل مباشر (مؤسسة تراث الحائط الغربي) وسلطة الآثار التابعة لبلدية الاحتلال بالقدس. 

صاحبت الأساطير الدينية الحفريات منذ القرن الماضي، وكان أهم اكتشاف لنفق في تاريخ المدينة قد تم على يد عالم الآثار البريطاني تشارلز وارين في الستينات من القرن التاسع عشر، حين اضطر لإخفاء الحفريات المتاخمة للمسجد الأقصى خوفاً من الحكومة العثمانية.[ث‌]   

استمرت الحفريات سراً وعلناً خلال السنوات، على الرغم من الشكاوى الرسمية التي قدمت من قبل الأوقاف الإسلامية وأصحاب البيوت التي كانت الأشباح تتسابق ليلا على نبش ترابها. وبعد مرور ما يقرب من عقدين أعلن نتانياهو (كان رئيسا للوزراء في حينها كذلك) افتتاح أنفاق الحائط الغربي المحاذي للمسجد الأقصى والذي يمر بالأساس في معظمه من تحت حارات الواد (الحي الإسلامي) المأهولة بالسكان المسلمين.

كان ذاك الافتتاح شعلة اندلاع الانتفاضة الثانية، التي توقفت خلالها عملية السلام الوليدة أو ما يسمى بعملية السلام وانتهت بحصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وموته (أو لنقل مقتله إن صحت رواية البعض) لاحقا. إلا أن النفق افتتح بعد إغلاقه مؤقتا ليصبح لهذا اليوم من أهم المعالم السياحية الموجودة في المدينة.[ج‌]

ومع استمرار أعمال الحفريات للقنوات والانفاق والمساحات المختلفة تحت الأرض في محيط البلدة القديمة (الحوض المقدس)، تختبئ سلطة الاثار الإسرائيلية وراء البحث العلمي، ومع ذلك لا توفر أي معلومات يمكن الوصول اليها بسهولة فيما يتعلق لموقع واهداف الحفريات ونطاق أنشطتها او طبيعة اكتشافاتها. وعندما يتم ذلك، يكون من خلال بيان المتحدث باسم سلطة الاثار بعد الانتهاء. فتجري الأمور بمنتهى السرية مما يزيد الشكوك حول المخالفات والاضرار التي لحقت بالاكتشافات الاثرية، وتعزز بفكرة وجود اهداف ونوايا سيئة.[ح‌]

لن تستطيعَ التفكير بأخذ جولة بداخل الأنفاق، قبل أنْ تدور بجولات متداخلة كالأحجية التي تزداد تعقيداً كلّما اقتربت بذهنِك من الوصول لحلّ لها. فلا بد أن تقف مشدوداً إن كنت متفرّجاً فقط إلى الصراع الدائر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كلّ يشدّك إلى طرفه ليقنعك بصدق قضيّته وروايته. 

فالرواية التوراتية تخبّئ تحت الأقصى التابوت الذي يحمل سر أمناء الهيكل منذ موسى.

والأقصى يحمل قصّة إسراء نبي المسلمين والذي عرج منه للقاء الأنبياء جميعاً بالسماء. 

وإن كنتَ جزءاً من هذا الصراع، مثلي، فإنك لن تستطيع إلا أن تتوغل دون الحاجة إلى أيّ عمليّة شدّ من أي اتجاه بمكنونات الأمور. فلن تحتاج لرواية تثبّت قصتك أو تصنع لك تاريخاً. ولن تحتاج لتبرير ما تفعل وما لا تفعل. فأنت ابن المكان وجزء من صناعة هذا التاريخ. فما يشدّك هو تاريخ أنت محوره وصانعه حتى أصبحت جزءا من هذا المكنون الكبير، الذي من الصعب إدراكه …فقط تستطيع أن تعيشه وتندمج في ماهيته السحرية…

هذه هي القدس …

على أرضها التي تمشي فوقها أو تلك التي تحتها، أم الفضاء الذي عرج إليه الأنبياء …. تأخذك عنوة إلى مكان لا تستطيع فيه لمس الشعور ولا إدراك أي من المحسوس.. فقط تصبح جزءا من هذا السحر السرمدي الذي لا يزول.

كنت ولا زلت أشكّك في نوايا الاحتلال بما يضمرونه وما يعلنونه لنا كشعب. والقدس معركة مختلفة، تتضاعف وتتوالى وتتشابك بأساليبها، والاختلاف على موضوع الحفريات كذلك. فللاعتراض وجوه سياسية واجتماعية حقيقيّة تعزّز من فرض إسرائيل سيطرتها وتفرّدها في صناعة الواقع وفرض زمام قوّتها كيفما تشاء. وفيه تهديد حقيقيّ على السكان الذين يعانون أصلا من تهميش اقتصادي واجتماعي في أماكن تخلو من الخدمات الحقيقيّة والعادلة.

ومن ناحية أخرى ما تكشفه الأنفاق يشكل اكتشافا مهما لتاريخ المدينة والذي لا يجب أن يخفى. وما يجري من حفريات على الرغم من خطورته وهدمه للكثير من التاريخ الذي لا يعلمه بهذه الحالة إلا من يحفر، وهو المحتل. فإن الحفر يحدث في محيط الأقصى وليس تحته. وأساساته محمية بجدار حول المنطقة لم تؤثر به الزلازل السابقة. 

 أذكر تفاعلي وغضبي الشديد قبل بضع أعوام عندما كنت أمشي في طريق الواد بدءا من طريق الآلام عندما وجدت أن الحجارة الرومانية الضخمة قد أزيلت واستبدلت ببلاط مستحدث. رحت مسرعة لأستاذي الذي كان يمشي ورائي مع مجموعة الطلاب لأشكو له وهل المصاب، كيف أن هذا الاحتلال اللعين لا يكتفي فقط بسرقة الأرض واحتلالها بل يزيف أيضا التاريخ. لا بد أنهم سرقوا تلك الحجارة الرومانية لوضعها في مكان سيختلقون من خلاله رواية كاذبة جديدة. نظر لي أستاذي نظرته الهازئة الطيبة الدائمة قائلا: “رويدك، لا تزعلي نفسك كثيرا. فتلك الحجارة التي تحبين لم تكن وليدة ذلك المكان أيضا. فلقد تم تجميعها في الثمانينات كغيرها ووضعت فقط لسد الفراغ لا أكثر.” 

في تلك اللحظة انهارت أحلامي بذلك التاريخ. ففي كل مرة أمشي من تلك الطريق أقف عند تلك الحجارة واسترجع عبق تاريخ لا أعيه … 

حينها كنت في بداية برامج الدراسات المقدسية، وكانت المحاضرات مع أستاذي صاحب النظرة الهازئة الطيبة تذكرني دائما بجهلي. كنت أدخل إلى محاضره “القدس عبر التاريخ” جاهلة وأخرج في كل مرة وبكل فخر أكثر جهلا. كنت أظن أن وعاء المعرفة الذي أحمله تجاه القدس ممتلئ، وكنت أتفاجأ دائما بنقص ما يحتويه وعائي.

    في يوم وقبل سنوات طلب منا أستاذنا زيارة النفق. اعترضت في البداية بشدة متسائلة كيف نذهب إلى مكان هبّت بسببه انتفاضة كلفتنا عشرات الشهداء ومئات الجرحى والأسرى وآلاف المنكوبين. وليس هذا فقط، فهذه الأنفاق وجدت لهدم الاقصى وإيجاد الهيكل المزعوم.. 

هدم الأقصى والهيكل المزعوم ……

رحلات جديدة مع دراسة تاريخ المكان في محاولة لغضّ الطرف عمّا يكبّلنا من خناق، يُجبرنا فقط على لفظ الأنفاس من أجل البقاء. 

عندما تبدأ جولة النفق يأخذك كما فوق النفق كل إلى روايته. هذه المرة إلى رواية من كان هناك حتى قبل التاريخ. الجولة تبدأ بمعلومات عامة عن المكان، يقول لك فيها الدليل الإسرائيلي في لحظة ما قبل أن تبدأ تلك الجولة بأن ما يجلس عليه الأقصى اليوم هو ما كان تحته الهيكل الثاني. وإن كنتَ مسلما، لابد أن يقشعر بدنك حينما ترى يد الدليل أمامك يزيل مجسم الأقصى ويضع مكانه الهيكل.  

ويقول لك الدليل الفلسطيني همساً، إنّ الرواية الإسرائيلية تقول إن هناك الهيكل المزعوم. 

تشبه هذه الغرفة غرف غسل الدماغ إذا ما كان لغسل الدماغ غرف. فقبل أن تبدأ جولتك الاستكشافية والتي لا تحتاج للدليل. فأنت ترى بعينيك ما كتبه التاريخ من تخليد يفوق قدرة الإنسان على التدوين والتأريخ والتزييف.  

 قد يكتب كل ما يريد، قد يتشاجر العالم من فوق ومن تحت كيفما استطاع.. إلا أن حقيقة المكان تغلب على أيّ واقع يريد أيّ أحد أن يثبته. 

أدرك جيّداً نوايا الاحتلال البغيضة من تلك الحفريات. فما نشهده من حفريات فوق الأرض يشهد على بغض النوايا وظلمها للبشر كما للحجر.

 فهمْ بحفرهم تحت الأرض يبغون هزّ ودكّ وجود من فوق الأرض. 

يستثنون من حفرياتهم وينكرون ويخبّئون ويشوّهون ويعيدوا طمس ما لا يناسبهم من موجودات. 

يبسطون سيطرتهم تحت الأرض كما فوق الأرض. 

يحاولون تغيير التاريخ وتشويهه.

إلا أنّ الحجارة لا تكذب. وما كشفته الحفريات لا يستطيع طمسه استرجاع تاريخ مقتطع لمرحلة بعينها. 

وأن هناك تاريخ لا يمكن طمسه مهما طال الزمان حتى ولو تم تدميره مؤقتا.

فهناك شهادات حُفرت لتبقى.

فالطبيعة بجبروتها لم تستطع محو ما صنعه التاريخ في هذه المدينة المقدسة. 

تأخذك القدس تحت أرضها، كما فوقها، لطبقات من “الأقداس” التي تشعر بها وكأنّك تعبر في رحلة داخل التاريخ رغم أنف كل من يحاول كتابة تاريخ يُغيّر فيها التاريخ.

تنزل أو تصعد في لحظات، ويصبح النزول في طبقات المدينة صعوداً مقدّسا كاسم المدينة. تشعر بالتاريخ يعبر من خلالك وأنت في كل زاوية وممر وحجر وصخرة أو عامود. تشم فيه رائحة الزمن الماضي الباقي بما كان رغم تغيّر الوجوه. 

من قدس إسلامية تبدأ من عثمانية وتنزل بك إلى مملوكيّة وعباسيّة وأمويّة وراشديّة عمريّة إلى قدس بيزنطية ورومانية هيرودية وهيلاينية. 

وبينما لا يزال الدليل يأخذك في “مسحٍ” إلى روايته … تستمر المدينة بأخذك في جولة عبر تاريخ لعصور لا تزال تتفتح أمامك نزولاً داخل أنفاق تستشعر في ملامستها ما كان زلزالا مرّة. ما كان قناة لمياه المدينة أو قنوات صرف صحي. ما كان خندقاً وما كان مخزناً للخمور في زمن وللزيوت في زمن آخر. ما كان ممراً لقاعة تأخذك إلى رواق قصر، وما يأخذك إلى اسطبل خيول.

حتى الحجارة بألوانها وأحجامها وبروزها تدخلك في دروس تاريخ لم تكن لتعرف عنه إلا ما تراه عينيك. 

  تستمر بالمشي قدما … ولا تعرف ما الذي يأخذك ومن الذي يقودك، هل هو الدليل أم الجاذبية الخارقة المحيطة بالمكان، إلى أن تجد نفسك فجأة وبعد ساعات تبدو بنفس اللحظة بحجم لحظة وبحجم زمان لا يقاس واقفا أمام بداية ما يعرف بطريق الآلام تحت فضاء يحمله بلاط الشارع المصاحب لسليمان القانوني… زمن يبدو حديثا مقابل ذلك الزمن الذي خرجت للتو منه. 

تخرج لتفكر صارخاً لا متأمّلا، مدرِكاً ولأول مرة … 

بأنّ القدس ليست مجرد مدينة يقتتل على السيطرة عليها مدّع تراكض عليه التاريخ منذ نشأة الأنبياء فيحاول اليوم إدراكه. وبين وارث لتاريخ عُمْرٍ وأدرك مكنونات هذه المدينة التي وازت بقدسيّتها أقدس مقدّساته وحُرُماته. 

بأنّ القدس ليست مجرّد مدينة بُنيت فوقها مدينة…

وليست حضارة بُنيت من خلالها حضارات.. 

ولكنّ القدس تاريخ … مرّ من خلالها حضارات وشعوب وأمم.. احتضنتهم بالرغم من نزاعاتهم، وأبقتهم.. بل وخلّدتهم بالرغم من المذابح التي اقترفوها… وصَنعت منهم وبهم تاريخ مدينة بطريقة سحرية يصعب فهمها، تاريخ انسانيّة … تبدأ منها، إنْ لم تستمرّ الحضارات لتبقى علامة فارقة في صناعة التاريخ … على الرغم من بشاعة أصحابه بمعظم الأحيان.. إلّا أنّ المدينة كالرّب أو الأب الحكيم تُضفي قدسيّة روحها على المكان دائماً وأبداً على ما يبدو.


[أ‌] جبل الهيكل/الحرم الشريف ومحيطه – خلفية أثرية وسياقات سياسية. https://emekshaveh.org/ar/جبل-الهيكلالحرم-الشريف-ومحيطه-خلفي/

[ب‌] يقع كهف صدقيا- مغارة سليمان، تحت البيوت الشمالية للحي الاسلامي

مدخله خارج سور القدس بين باب العامود وباب الساهرة (هروديس). يخضع الموقع لسلطة شركة تطوير القدس الشرقية. خدم الكهف كمقلع- محجر- لمئات او الاف السنين. ويرجع اول دليل على استخدامه كمحجر الى القرن الثاني قبل الميلاد، وبقي مستخدما حتى القرن الخامس عشر. يعتبر هذا الكهف من أروع الكهوف التي صنعها الانسان وتم استخدامها على فترات متلاحقة ومختلفة من الحضارات والحكام ولأغراض مختلفة.

[ت‌] بدأت الحفريات بسلوان بشكل متواضع في منطقة عين ام الدرج، وتحولت في عام ٢٠٠٤ لتكون مركزية مكثفة عندما تم

الكشف في منطقة عين الحلوة عن بركة قديمة وبقايا طريق روماني مؤدي منها نحو جبل الهيكل (الحرم الشريف). ومنذ ذلك الحين تعاونت سلطة الآثار مع المنظمات الاستيطانية- العاد- وغيرها التي تعمل على تطوير منطقة حائط البراق ومنتزه مدينة داوود الوطني وبدأت في تحقيق خطتها لربط مدينة داوود بساحة حائط البراق في منطقة واحدة تحت الأرض. يستمل النظام على صالات عرض محفورة، قنوات صرف قديمة، ومساحات كبيرة تحت الأرض تم تنظيفها من محتوياتها. بين السنوات ٢٠٠٥- ٢٠٠٨ بدأت سلطة الاثار الإسرائيلية بإجراء حفريات بأنفاق سلوان وحول حائط البراق. حيث تم استخدام نفق للربط بين كنيس خيمة إسحاق وأنفاق حائط البراق الجنوبي من سلوان. في حفريات نفق جانبية، تم الكشف عن اجزاء من الشارع الروماني القديم الموثق من قبل بليس وديكي. بالإضافة الى ذلك تم خفر عمود من الأعلى في أنفاق بليس وديكي للكشف عن مجرى مغطى مبني بالحجارة. تمتد القناة أسفل شارع وادي الحلوة والمنازل المجاورة، وتستمر الحفريات في جبل الهيكل\الحرم الشريف (مركز ديفيدسون)، وتستمر شمالا أسفل ساحة حائط البراق.

[ث‌] قام النقيب تشارلز وارن سنة ١٨٦٥) بحفر ممرات عمودية على مسافة ما من جدران جبل الهيكل\ الحرم الشريف، وواصل الحفر في “صالات العرض”- الأنفاق الافقية التي تم حفرها على طول الجدران القديمة. حفر وارن بجانب حائط البراق من منطقة قوس روبنسون في اتجاه بوابة باركلي (أحد بوابات جبل الهيكل\ الحرم الشريف)، في نقاط تشكل اليوم جزء من شبكة “أنفاق حائط البراق”. كشف عن باب قديم ينسب الى مجمع هيرودس -القرن الأول قبل الميلاد- والذي أدى الى جبل الهيكل\ الحرم الشريف نفسه. اعتمد مشروع حفر وارين كذلك على خريطة توثق الابار وأنظمة المياه في جبل الهيكل\ الحرم الشريف سنة ١٨٦٢. حفر وارين وفريقه كذلك في قرية سلوان المجاورة وكشفوا عن أجزاء مهمة من شبكة مياه تعود الى القدس في عهد الكتاب المقدس. تمت هذه العلميات بالسر وبعيدا عن اعين السلطات العثمانية. تعرف الممرات والانفاق والقنوات اليوم باسم عمود وارين.

[ج‌] في المرحلة الأولى من تطوير النفق كان على الزوار الدخول والخروج من خلال فتحة واحدة بالقرب من حائط البراق. في عام ١٩٩٣ تم الانتهاء من توسيع أنفاق الحائط البراق حتى طريق الآلام في الحي الإسلامي، على الرغم من تأجيل افتتاحه حتى عام ١٩٩٦. كانت هذه الأيام الأولى لولاية ناتنياهو كرئيس وزراء، وايهود أولمرت رئيس بلدية، تفرر فتح النفق الشمالي على طريق الآلام. اثار فتح النفق- صخرة وجودنا- مظاهرات واشتباكات عنيفة في جميع انحاء الضفة الغربية، قتل فيها العشرات. مع توقف المواجهات، بدأ صندوق تراث الحائط الغربي في استخدام المخرج الشمالي من النفق من اجل زيادة عدد زوار أنفاق الحائط الغربي، وبهذا وسع الصندوق مساحة سيطرته حتى قلب الحي الإسلامي.

[ح‌] تجري الحفريات ومنذ عام ٢٠٠٧ داخل أنفاق الحائط الغربي وفي المنطقة الممتدة غربا الى شارع الواد أسفل المنازل السكنية في الحي الإسلامي. مئات الأمتار المربعة قيد التنقيب، وتشمل هذه الاعمال اختراق الجدران القديمة وإزالة كميات كبيرة من الردم، بعضها فقط موثق بشكل منهجي. تعد هذه الاعمال الى حد كبير عودة الى الهياكل التي درسها باحثون اوائل مثل وارين وهاملتون واخرين، والذين كشفوا عن بقايا مهمة لفترات المدينة المختلفة من تاريخها مثل: حمام العين (حمام كبير من العصر المملوكي)، بقايا إيليا كابيتولينا (مستعمرة رومانية بنيت على أنقاض بعد تدمير الهيكل الثاني. سنة ٧٠ م. وبقايا من العصر الروماني المبكر وغيرها.

أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني على صفحته الرسمية الفيسبوك وضمن قرارات مجلس الوزراء الأسبوع الماضي: “الموافقة على خطة عنقود العاصمة القدس التنموي الذي يشمل قطاعات متنوّعة في الصحة والإسكان والبيئة والتنمية الاجتماعية وغيرها من القطاعات الحيوية.” 

قبل ذلك التاريخ وبعده حصل بالقدس ما يتطلب “كَرْمَ” تدخُّل وليس فقط عنقود في خطة عناقيد رئيس الوزراء الاقتصادية.

ينشغل المقدسيون منذ شهرين بخطة وادي الجوز التي تسمى بوادي السيلكون من قبل بلدية الاحتلال الإسرائيلية، وذلك لتأخذ طابعاً تكنولوجياً على غرار وادي السيلكون بكاليفورنيا، لكي يستحسن فكرتها المتطلع عليها من بعيد. والخطّة تطلب هدم واستيلاء لمحلات تجارية وبيوت تقع ضمن المخطّط المقترح على المنطقة الصناعية بوادي الجوز. المنطقة الصناعية شكّلت بتاريخ المدينة عصباً أساسياً للحركة التجارية والصناعيّة بالقدس. وقد يقول قائل ما الضرر برؤية ناطحات سحاب وعمارات جديدة وجميلة بدل المشهد الواقع من اكتظاظ للمحال وتنوّعها بلا تناغم. ومن ينظر للحظة يفكّر كذلك انّ هذا المشروع سيوفر كما تدّعي البلدية فرصا كثيرة للأعمال التكنولوجية، أي انّها ستستهدف قطاع الشباب الباحثين عن عمل وتوفّر لهم فرصاً مهمة. ولكن بينما ستوفّر الخطة بالفعل أعدادا كبيرة من فرص العمل، الّا انّها ستحرم أعداداً هائلة من فرص السكن، في وقت تهدّد فيه إسرائيل سحب هويات عشرات الالاف من السكان المتواجدين خلف الجدار بمناطق مثل كفر عقب ومخيم شعفاط وغيرها. فتبقى معضلة توفير فرص عمل أمام خطة ترحيل محكمة سهلة الدحض. وفي نفس الوقت، وبنقل أصحاب المحلات طوعا او قصرا الى المنطقة الصناعية الجديدة بمستعمرة عطروت، يعزز مخطط توسيع الوحدات الاستيطانية هناك من بيوت ومتاجر وفنادق. فبالمحصلة، لقد تحول حاجز قلنديا فعليا الى معبر. 

ولكن المشكلة ليست هنا فقط، ليست فقط بمخطط يستهدف منطقة محددة بوادي الجوز ومنطقتها الصناعية، لأنّ أهل القدس استيقظوا صبيحة أحد أيام الشهر الماضي ليروا لافتات معلّقة على زوايا معظم الشوارع الممتدة من الشيخ جراح الى شارع السلطان سليمان عند محيط البلدة القديمة. فبات من الواضح والجليّ انّ خطة وادي السيلكون لمنطقة وادي الجوز الصناعية ليست الا جزءاً مقتضباً من مخطط أكبر. تسمّيه بلدية الاحتلال “مشروع مركز المدينة شرق” سنرى فيها ملاعب أكبر، وسكة حديد تعبر بداخل الأحياء لتربط محطّات مرور القطار الخفيف لمستوطنات القدس، ومن ضمنها المستعمرة التي أقيمت على قصر المفتي (فندق شيبرد) وكرم المفتي بالشيخ جراح. 

وكذلك هناك توسيع كبير بالحدائق العامّة والحدائق التوراتية والبيئية. ففي واد الجوز ليس بعيداً عن مشروع وادي السيليكون، هناك مخطط لحديقة توراتية تمتد من الوادي وترتفع الى جبل الزيتون وصولاً الى القمة لتعانق ما تم الاستيلاء عليه سابقا. فهناك، مدرسة توراتية لم ينتبه لها الكثيرون منّا (بالقرب من المدرسة الابراهيمية)، وأراضي الزيتون على امتداد الجبل إمّا مصادرة أو يمنع أصحابها من استخدامها الا بتنسيق مع المدرسة التوراتية لأنها مدرسة توراتية بيئية) هناك معصرة زيتون قديمة). بطرق إسرائيل الكثيرة والمتعددة، شكّلت البيئة عنصراً مهما باستيلاء الأراضي، فمثلا، تقرّر سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية ان بمنطقة ما هناك نبتة نادرة الوجود ويخشى اندثارها او حيوان على وشك الانقراض او منطقة أثرية. لتكون هذه النبتة ربما ميرمية او زعتر او اكليل الجبل. ولقد حصل هذا في أراضي ال ٤٨، حيث يعتبر قطف الزعتر جنحة يخالف مرتكبه بالالاف الشواكل. في المنطقة الممتدة من وادي الجوز وصولا الى مستشفى المطلع (اوغستا فكتوريا)، أي أراضي العيساوية والطور، خضعت تلك الأراضي ولسنوات كثيرة بعد مصادرة معظمها لهيمنة سلطة الطبيعة والحدائق التي أعلنت عن وجود نبتة ما هناك، واليوم إذا نظرنا الى المنطقة من أسفل العيساوية في طريق القدس معاليه ادوميم، نجد شارعاً ضخماً جديدا، يركبه جسر في طور الانشاء على تلك الأراضي. 

المنطقة الممتدة من وادي الجوز في عمقها الى أعلاها بجبل الزيتون، نجد فيها مدارس توراتية وحدائق توراتية وبيئية منتشرة، ولا يخفى على أحد الشارع الذي شق طريقه بين طرفي الطريق المؤدي الى الطور من الصوانة، وعمليات الاستيلاء على البيوت المتكررة من تسريب وتزييف وغيرها. 

على الجانب الاخر من الوادي والذي نعرف عنه (الحسبة) والاطفائية هناك حراك كذلك لسلطة الطبيعة والحدائق ومصادرة وأوامر هدم بيوت لا تتوقف. مقابل هذا الوادي تقع مقبرة اليوسفية وتليها مقبرة باب الرحمة المتاخمتين لسور القدس ويشكل باب الاسباط مركز كليهما. قبل أيام قليلة، بدأت الجرافات الإسرائيلية العمل على جرف ما لم يفهمه أحد بعد للدرج الخاص بمدخل مقبرة اليوسفية. هناك كذلك وفي المنطقة الموازية للشارع ومقابلة للوادي تتدخل سلطة الطبيعة والحدائق لتحد من انتشار القبور تحت حجة حماية البيئة وعمل حديقة لتجميل المدينة. تتوسط مقبرة باب الرحمة باب الرحمة نفسه الذي يحاول الإسرائيليون السيطرة عليه من اجل خطة غير معلنة بالكامل بعد. إذا ما أكملنا المشوار صعودا الى باب المغاربة، نرى كذلك حدائق مختلفة بين العامة منها والمغلقة للسياحة التوراتية التي تستمر حتى السور المتاخم للأقصى. بعد قطع البوابة التي تفصل ساحتها حائط البراق وصولا الى تجمعات يهودية على مشارف المداخل، تستمر الحدائق بأخذ امتدادها لتستمر الى باب الخليل وقوفا في مواجهة مبنى البلدية حيث يفصلها شارع ومحطة القطار الخفيف، وتنزل الحديقة مرورا بباب الجديد متاخمة لسور القدس حتى باب العامود وتستمر نحو مغارة سليمان بشارع سليمان وتمر بباب الساهرة وتنتهي على مشارف مقبرة اليوسفية حيث الحفريات جارية في مدخلها المقابل. 

هكذا نكون قد وصلنا بإغلاق محكم لدائرة سيطرة تحت اسم سلطة الطبيعة والحدائق وتطوير المدينة وتحسين البنى التحتية بدء من وادي الجوز وانتهاء به. وطبعا، لا يحدث أي امر على حده، فبينما تقوم سلطة الطبيعة بمخططها، تدعمها الجهات الاستيطانية من جمعيات نشطة في كل منطقة على حده، بالإضافة لتسهيل البلدية الاعمال من كافة الاتجاهات.

ولعل من يعرف المنطقة يفهم كذلك أنّ مدخل وادي الجوز تتربع عليه وزارة الداخلية الإسرائيلية ويعلوها كرم المفتي الذي يقام على الجانب الاخر منه للشيخ جراح مستعمرة جديدة. إذا ما سلكنا الطريق من المستعمرة المقامة على قصر المفتي وكرمه نزولا الى مركز المدينة من الشيخ جراح، يقابلك حوض يسمى بطن الهوى الممتد الى المنطقة الصناعية بواد الجوز وصولا. هذا الحوض الذي تقام عليه بؤر استعمارية متعددة حول مغارة شمعون الصديق والتي شهدت استيلاء على بيوت فلسطينية لا تزال عمليات الاستيلاء على غيرها مستمر. ولعل المعظم سمع عن قضية بيت عائلة الكرد والغاوي وغيرها قبل عدة سنوات. فاليوم هاك العشرات من البيوت التي تعاني من نفس الإشكالية التي تعرض أصحاب البيوت للتهجير القصري تباعا في تلك المنطقة من الشي جراح. ما لم تستطع الحدائق العامة سواء توراتية او خضراء او ملاعب فرضه على الأرض من عمليات استيلاء وتهويد ممنهجا، بالإضافة الى بؤر إسرائيلية الطابع تتمركز بمناطق هامة مثل وزارة الداخلية بسفح وادي الجوز، فهناك بالقرب من المستعمرة المقامة على قصر المفتي وعلى تقاطع الطريق مركز خدمات صحية حكومية (كوبات حولي)، وآخر الشارع عند الطريق الرئيسي – ما كان خط بارليف بالسابق- وصار اليوم شارع رقم واحد ويحمل اسم بارليف، تتربع محطة الشرطة المركزية، وتمشي تباعا مع الطريق بداخل الشيخ جراح محطة الجيش العامة كذلك، ويتنزل الطريق لتلتقي من الاتجاهين بداخل الشيخ جراح عند تقاطع الامريكان كولوني مركز خدمات صحية حكومية أخرى  (كوبات حوليم) ومؤسسة التأمين الوطني بعمارتها الجديدة. يستمر الشارع بموازاة الشارع الرئيسي بسلسلة من الفنادق الإسرائيلية، ويلتقي خط القطار الجديد بالخط السابق على طريق رقم واحد الى المرارة، وبهذا يكون قد جمع وفصل ما أراد تجميعه من هيمنة إسرائيلية مطلقة، وفصل ما أراد فصله من تشتيت للأحياء الفلسطينية بالقدس بدء من بيت حنينا ووصولا الى باب الجديد، حيث يأخذ القطار مجراه من هناك الى المركز الغربي للمدينة نحو شارع يافا. 

الخط الجديد للقطار الخفيف والذي سيمر من فوق بيت حنينا – طريق الجسر- الى الشيخ جراح وبداية وادي الجوز سيلف حول محيط الاحياء من داخلها. 

في الجهة الأخرى، وإذا ما توقفنا عند باب المغاربة، تتمركز الخطة عند مدخل سلوان وعلى بعد خطوات من مدينة داهود التي تشكل حلم شارون بتهويد المدينة. عندما قرر شارون تحقيق حلمه بتهويد شامل مبني على زيادة التواجد اليهودي والتقليل من التواجد العربي كان قد راهن انه كلما استولى على أرض ومباني أكثر، وكذلك مواقع، وأصبغها بصفة يهودية او توراتية، كلما زاد عدد اليهود مقابل عدد العرب. وكانت خطة شارون هذه قد بدأ بتنفيذها عندما كان يشغل منصب وزير الإسكان والمواصلات، ولكنه عندما تقلّد منصب رئيس وزراء بعد عدة سنوات، كان قد تيقن انه لا يمكن التخلص من السكان نهائيا، فعدل عن تركيزه بخطة الترحيل وقرر زيادة التواجد اليهودي التوراتي وتهميش العنصر العربي لدرجة يجعل من ينظر نحوه لا يرى الا صورة لعربي متخلف يذكر الناظر بتاريخ قديم يكرس الرواية التوراتية بوجود أناس عابرين لا يشكلون من التاريخ الا بأرقامه. فاليوم تقف عند مدينة داهود وتسمع كل ما تم تحريفه عن المكان والتاريخ اذا ما كنت سائحا عابرا، وتنظر امامك لما يشكله اكتظاظ سكاني لا ترى منه الناس، ولكن ترى فقط توقف حالة بشرية عن التقدم امام ما يقدمه لك الرائي الإسرائيلي من الامتداد الحضاري الذي يوحدك مع باقي البشر المتحضرين. 

هناك بسلوان تحديداَ سيكون القطار الهوائي متمركزا بإنزال واصعاد ركاب من غرب المدينة على امتداد وادي الربابة وأبو طور، ومطلة الأمم المتحدة. وباتجاه شرق المدينة سيأخذ الراكب بجولة هوائية فوق شرق المدينة المتمثل بالبلدة القديمة وصولا الى جبل الزيتون، حيث الحدائق الممتدة على تخوم الجامعة العبرية (أراضي الطور والعيساوية والصوانة).  

إحدى ركائز القطار الهوائي من المفترض ان تكون على حسب المخططات غير المعلنة رسميا للجمهور على حواف مقبرة باب الرحمة، حيث تترصّد سلطة الطبيعة والحدائق لعدم توسيع المقبرة لمصلحة الحدائق العامة المزعم انشاؤها. 

وعلى ما يبدو، ما ظن المسؤولين من الأوقاف الإسلامية انه انجاز في عدم السماح لهم باستخدام منطقة المقبرة، قد التفت حوله سلطات الاحتلال لتبدأ الحفر الذي لا يعرف أحدا بعد ما هي تبعياته الا بشأن حديقة عامة على تحوم السور. 

المار من هناك يعرف ان البلدية تسيطر على المكان بعد ان نظفته من القمامة، وحصل هذا بناء على توافق بين الأوقاف والبلدية (حدثني عن هذه المعلومة أحد مسؤولي الأوقاف في سياق موضوع المقابر قبل عدة أشهر). 

الحقيقة، انني حينها، لم ابلع تماما نية بلدية الاحتلال الصافية بتنظيف مكان مقابل اتفاقية حسن نية، ظن خلالها ربما أصحاب العلاقة ان هذا سيجعلهم يغضّون الطرف عن المقبرة ولو قليلا… او مؤقتا. 

الحقيقة أكثر، انه لا يمكن اخذ أي من نوايا البلدية بما يتعلق بالقدس بحسن النية. ولكن اليوم، إذا ما تبين ان ما يجري القيام به على تخوم سور القدس من باب الاسباط التفافا الى باب الساهرة بموازاة مقبرة اليوسفية، هو حديقة عامة أخرى، فستربط هذه الحديقة امتداد الحدائق التي ذكرتها سابقا والتي تصل الى هذه النقطة – حيث سوق الجمعة القديم. بهذا تكون سلطات الاحتلال قد أغلقت دائرة أخرى ضمن دوائر التحكم بشكل المدينة وصبغتها الجديدة. ولكن الخطر ليس هنا فقط. لأنه من الجهة الأخرى لباب الاسباط، أي عند مقبرة باب الرحمة، ووصولا الى باب الرحمة، وما يجري من حدائق على الامتداد من باب المغاربة وصولا الى أطراف المقبرة من جهة سلوان، اعتقد ان المخطط الأكبر هو باب الرحمة بذاته واستخدامه كمدخل للزائرين اليهود بالمستقبل. فاذا ما رجعنا الى باب المغاربة وولجنا نحو الساحة المؤدية الى حائط البراق ومن ثم الى مداخل البلدة والاقصى، لا يمكن الا ترى وتسأل وتصدم بالجسر الذي يتم استخدامه ومنذ مدة لدخول السياح الى الأقصى. وإذا ما تنبهنا الى ما أعلنه ترامب في أكثر من سياق عن نية تقسيم الأقصى بخطته الجديدة بين اليهود والمسلمين، فيبدو ان المخطط بات وشيك التنفيذ. فالزائر اليهودي او السائح يستطيع ان يدخل الى الأقصى عن طريق هذا الجسر ويخرج من باب الرحمة بلا حاجة له ان يمر بأي من الأبواب الأخرى التي يستخدمها المسلمين من اجل الدخول الى المسجد الأقصى. وسيطرة إسرائيل على تخوم السور من باب المغاربة الى باب الرحمة وباب الاسباط اليوم بمرور الحديقة من اليوسفية يغلق حلقة جديدة من الاحكام تنتهي بالزائر وصولا الى مغارة سليمان على مقربة من باب العامود.. ولن يكون هناك بطبيعة الحال الكثير من الاستثمار في تهيئة رواية توراتية جديدة للغاية تكرس فرض اليد على المكان. 

هكذا يكون كل المحيط المتاخم لسور القدس باتجاهاته جميعا عبارة عن تحكم مباشر بما يسمى بالحدائق العامة في مناطق مقتصرة وحدائق توراتية سنسمع عنها بهذا الوصف تباعا. 

بالدائرة الأخرى لهذا المحيط تكون مخططات وادي الجوز والسيليكون والشيخ جراح امتدادا لهذا التواجد، فسفح وادي الجوز عند الصوانة الى اعلى جبل الزيتون ممتلئ بهذه الحدائق والمدارس الدينية والبؤر الإسرائيلية والتي تلتقي بمقبرة اليهود (مقبرة جبل الزيتون) المقابلة لمقبرتي اليوسفية والرحمة، وتستمر بوادي قدرون حيث طنطور فرعون وبركة سلوام ومناطق تحت سيطرة سلطة الطبيعة والحدائق يستطيع من يمشي من هناك رؤية أفواج اليهود الممتدة من شباب وصبيان وغيرهم يفلحون ويزرعون، وصولا الى وادي الربابة حتى جبل صهيون. هناك على ضفاف الوادي باتجاه أبو طور تستقبلك غابة السلام وغيرها من المعالم التي تبدو سياحية للوهلة الأولى وسرعان ما تفهم خطة إعادة تشكيل هوية المدينة اليهودية فيها وصولا الى مطلة أبو طور.  

عودة الى خطط ترامب وتصريحاته والاتفاقيات العربية الإسرائيلية الجديدة المسماة بالسلام الابراهيمي. يتوقف المتأمل للمشهد ويظن أنّه أمام معزوفة لاحتواء الديانات، فالأقصى في مكانه ومخلْفات الفترة الاموية من قصور ومباني لا يزال قائماً، وكذلك الفترة الأيوبية والعثمانية. من الجهة الأخرى، الكنائس تموضعه في مكانها وبمحافظة جليّة من الجسمانية 
(كنيسة الأمم) الى كنيسة مريم (صهيون) الى القيامة. ويبقى من البديهي التواجد اليهودي من مقبرة سمبوسكي وسط وادي الربابة الى طنطور فرعون، الذي يعود مع سلسلة من المقابر الحجرية الى القرون الثانية- السادسة قبل الميلاد ومسارات المياه والانفاق التي تعود الى العهد الروماني ومدينة داهود، وحائط البراق والقلعة داوود ومغارة سليمان. 

طبعا، لم نتكلم عن تحت الأرض هنا، ما يتمركز بأنفاق البلدة القديمة بمتاخمة حائط البراق وحائط الأقصى وصولا الى طريق الالام على بعد أمتار من باب الاسباط، يكرس لرواية توراتية يصنع فيها الاسرائيليون ما طاب لهم من تاريخ ويشكلونه. ومن الجهة الأخرى تصل الانفاق لتنتهي بمدخل البلدة القديمة وعلى تخوم حائط البراق كذلك من سلوان. وتلتقي بهذه الانفاق، تلك التي يتم حفرها\فتحها عند مطلة أبو طور. 

وبالخروج من تحت الأرض ونزولا من السماء، يبقى امتداد ما يجري على الأرض ليتسع المحيط ليشمل كذلك خطة القطار السريع الذي يسعى لتمديد مسار القطار من تل ابيب الى القدس حتى حائط البراق. وهو مخطط دفع به وزير المواصلات الإسرائيلي السابق كاتس، حيث ستقام “محطة ترامب”. الا ان هذا المخطط قد رفض- بجزء منه- لما سيلحقه من ضرر بالآثار، وبمياه عين ام الدرج (وهي موقع أثري بداخل مدينة داهود).

هذا المخطط تم عرضه في الجلسة المنعقدة في شهر حزيران الأخير حيث عرض ممثلو وزارة المواصلات مخطط تمديد مسار القطار من تل أبيب إلى القدس وحتى الحائط الغربي. وتمت المصادقة على مخطط تمديد الخط إلى مركز المدينة ومنطقة مسرح الخان، لكن تم رفض طلب إقامة قطار أرضي من عين أم الدّرج وحتى الحائط الغربي بأغلبية 8 ضد 1، هو ممثل وزارة المواصلات.

الا انه وفي النقاش المنعقد في شباط صادقت اللجنة على المسار، في أعقاب ضغوطات سياسية من قبل وزارة المواصلات ومؤسسات المستوطنين الذين يعتبرون القطار وسيلة أخرى للربط المباشر بين المواقع السياحية ومستوطنتهم في القدس الشرقية والجانب الغربي للمدينة. يشمل مسار القطار شريط يمر تحت منازل سكان وادي حلوة بموازاة السور الجنوبي للبلدة القديمة. فوق هذا المسار توجد عشرات المنازل الفلسطينية. وهم السكان نفسهم الذي يخطط مستقبلًا لبناء التلفريك ليمر فوق منازلهم (سيترتب على انشاء القطار الهوائي مصادرة ١٠٢٢٢ متر مربع من الأراضي الخاصة معظمها في سلوان. حيث ستستخدم الأراضي المصادرة لبناء محطات ونصب أعمدة على المسار المقرر لقطار الهوائي.[1]) حتى وأن لم يكن المخططان بمستوى ارتفاع البيوت السكنية، فمن الواضح أن فتحات التهوية والبنى التحتية التي ستقام فوق سطح الأرض، سوف تقام بملاصقة وعلى أراضي السكان الفلسطينيين.[2]

في مقالات سابقة تكلمت بإسهاب عن مخطط شاليم الذي يشمل خطة متكاملة وشمولية لضم القدس والسيطرة على كافة معالم الحياة فيها وتكريسها نحو صورة تهويديه تكرس فيها يهودية المدينة وتهميش ما يمكن تهميشه من معالم غير يهودية الطابع، واقصاء وتهجير ما يمكن تهجيره من سكان. 

فهل تقع خطة رئيس الوزراء بعنقود القدس ضمن ما يقوم به الاحتلال من خطط تنفذ ولا تتوقف بالقدس؟


[1] https://emekshaveh.org/ar/property-confiscating-cable-car/بيان صحفي لجمعية عمق متساو بأيلول ٢٠٢٠

[2] https://emekshaveh.org/ar/old-city-train/ لجنة البنى التحتية الوطنية تعلن عن مسار القطار الى الحائط الغربي 

هذا الفيديو الاول للأم العراقية مريم العزاوي، التي ظهرت مرة اخرى بفيديو جديد بعد معاناتها بالمحاكم الفلسطينية ومناشدة كل من يمكن مناشدته للتدخل هي ووالدتها من الرئيس الفلسطيني للهباش لشتية.
شعور انها في بلد ليس بلدها، وانها تحارب من اجل رؤية ابنها يكفي لحرقة القلب. ولكن بينما نجلس هنا ونشاهد كنساء، كأمهات، كفلسطينيين ما نمارسه من استقواء على امرأة تصرخ مناشدة مستغيثة بأخذ حقها بوجود ابنها الطفل الصغير معها، يبدو الامر اكثر قهرا، من قصة اخرى لام تظلم في قضايا الحضانة بمجتمع لا يرحم الا ما تستعلي به ذكورته. ومهما نظرنا الى الامر بعيون مختلفة، لا يمكن ان يقبل اي عقل او ضمير ان يكون طفل الا مع امه خصوصا بطفولته المبكرة. وعندما نرى كيف تركت هذه الأم حياتها واعمالها والله اعلم ما يخفى من التزامات ربما وجاءت هي وامها لتحضن ابنها، لايمكن الا ان نقف احتراما لها. هذا ما تفعله الامهات دوما… من الصعب ان يفهم الرجال ربما معنى ان ينزع طفل من حضن امه. ولا استهين هنا بمشاعر الرجل وحقه، ولكن مهما كان وجود الاب مهم بحياة الطفل فوجود الام اكثر اهمية والحاحا له. من ناحية ما، قد ننظر الى موقف الاب الخاطف لابنه بعين التفهم ربما، بالنهاية قد يخاف هو كذلك فقدان ابنه. ولكن مع الاسف معظم ما يجري من صراع الرجال بهذا الامر يصب بوضع الانتقام من الام لا مصلحة الطفل. بالتأكيد انا لا أعمم هنا. وبالتأ:يد كذلك، الدنيا مليئة بالقصص التي لا تكون المرأة هي الضحية فيها، وبالتأكيد كذلك هناك رجال يتمتعون ربما بصفات الامومة اكثر من بعض النساء. ولكن مهما حللنا وفرقنا ولم نعمم، هناك حقيقة واحدة لا يمكن المساومة عليها، وهي حقيقة حاجة الطفل الى امه بهذا العمر اكثر من اي شيء اخر. فالحاجة للاب يمكن الاستغناء عنها- على الرغم من ان الفطرة تستدعي وتستوجب وجود اب وام بحياة الطفل. ولا يمكن الاستغناء عن وجودهما بالنسبة للطفل. ولكن عند الحديث عن ما هو الاهم والافضل والواجب نحو الطفل في هذا العمر، فلا يمكن التفكير مرتين بأن الطفل يجب ان يكون مع امه. لو كان هذا الاب ابا جيدا لما هرب ومنع ابنه عن امه ، ولو كانت هذه الام سيئة لما سمحت له وامنت له باخذ طفلها لكي يرى جده المريض مرض الموت كما اخبرها مخادعا. لو كان الرجل جيدا لما استخدم ابنه وفوّل على والده ليهرب بطفل صغير ويختقي. وهذه المرأة يبدو انها لن تكل ولن تتوقف… فهي ام… وليت هؤلاء يفهمون معنى ان تقتلع طفلا من حضن امه. تبدو مريم هذه اقوى من ان تقتلعها. ويبدو قلبها المخلوع منها يرفض التنفس الا بابنها.
ارأفوا بقلب ام موجوعة محروقة على طفلها.