لا لسيداو نعم لتطبيق الشريعة

 

لا لسيداو نعم لتطبيق الشريعة

 

مؤرق جدا، تتالي مشاهد التعصب التي يتبناها المجتمع في قضايا كنا نفكر اننا تعدينا النقاش بها. فنحن بالقرن الواحد وعشرين، وتجتاح التكنولوجيا بذكائها الصناعي حياتنا من كل الاتجاهات بانفتاح لا حدود له. وقد تكون هذه الانفتاحات بدروب التكنولوجيا قد اثرت بالكثير من الأحيان سلبا على ما أردنا التحكم به من موروثات ثقافية واجتماعية تبقي مجتمعاتنا الشرقية القريبة من التدين والمحافظة في النسيج المشكل لهوياتنا. وهي كذلك اثرت إيجابيا بفتح الباب على مصرعيه لمن وجد من هذا الانفتاح فرصة للتمييز بين ما هو مناسب وعكسه. بين ما هو مفيد وما هو مضر. بين ما هو متدارك لتواصل الحضارات والثقافات وبين ما هو مستأصل لما تبقى لنا من حضارات وثقافات وماسخ لها.

العنف الاجتماعي الذي قد يبدأ بتعنيف على وسائل التواصل وينتهي الى قتل فعلي بات خطر اكيد سيستمر بتهديد السلم العام لطالما نستمر بالانغلاق الفكري امام انفتاح لم يعد بالإمكان التحكم به.

هناك نقاش دائم حول الحرية وحدودها. كما هناك النقاش الدائم لمفهوم الحرية بين انحسارها وانفتاحها، وبالتالي التحكم بها خوفا من ان تتحكم بنا. وفي طريقة موروثة استسلمنا لها، بقي مفهوم الحرية بانحساره حصرا على المرأة، بينما يستمر بانفتاحه بلا حساب على الرجل. وما نراه يوميا من عنف وظلم وقتل بحق النساء يؤكد انه كلما تشدد المجتمع في تضييق الخناق على المرأة، كلما ازداد العنف المقابل من قبل الرجل والمجتمع المتمثل بالمرأة والرجل.

الأصل انه ومن اجل بناء مجتمع سوي، تحتاج لفرض قوانين تلزم الافراد على حد سواء. فبينما نذهب بالتشدد الأكثر نحو المرأة، يزداد فضاء الحرية للرجل والتي تحولت مع الوقت لتصير ما نراه اليوم. نحاسب المرأة على ما يظهر من جسدها ولا نحاسب الرجل الذي يخدشها بتعليق او نظرة تؤدي الى قتل او اغتصاب.

ليس صدفة ان ينفض الرجال عن بكرة ابيهم خوفا من تلوي جسد على المسرح، فرجالنا، نساؤنا واطفالنا يشاهدون خلف شاشاتهم برامج بين اليوتيوب والسناب وتيك توك وغيرها ما لا نفهم ولا نرى ولا حد له من فجور وعهر وعته وانحراف. نخاف من الزنا ونحاسب الزانية ونترك الزاني ليزني بغيرها.

نخاف من الإجهاض ولا نرأف بأطفال يولدوا ليرموا على حواف الشوارع وفي حاويات القمامة.

نريد للمرأة قوامة يحميها رجل ونحرمها من الميراث.

نمنع المرأة من الشكوى ولا نطالب المعتدي عن كف يده ولا عن ظلمه.

نخاف من قوانين تمنع التمييز ضد المرأة ولا نخاف من عدم تطبيق قوانين الله.

يتغنى الكثيرون بالاحتكام الى الشرع، في وقت تطبق هذه القوانين على المرأة وتترك الرجل.

العلة لم تكن ابدا بالقوانين سواء كانت وضعية او شرعية او سماوية. العلة بتطبيق محكم على كل ما يرفع من قيمة المرأة أمام جبروت الرجل.

العلة في عدم تطبيق القوانين سواء كانت شرعية او وضعية على الرجل ومحاسبته ومساءلته.

منذ ان اثارت قضية اسراء غريب الرأي العام قبل شهور، قتلت غيرها نساء اخريات. سمعنا عن بعضهن وبدون شك لم نسمع عن الكثيرات. خوف المجتمع الذكوري البنية من محاسبة الرجل هو المشكلة الحقيقية. وعليه يطلق الرجل لنفسه بالقتل والظلم والتعنت والقهر والاستبداد.

بدا لوهلة مستهجنا قبل أيام قليلة ان يتم إيقاف عرض فني تقدمه امرأة من قبل عميد كلية الفنون بجامعة النجاح. ولكن الطبيعي على مل بدا من تعليقات للرأي العام بتشجيع وتصفيق للعميد الذي اوقت العرض ليكون حاميا للشرف والتراث والدين.

ثم خرج من حيث لا ندري موضوع اتفاقية سيداو، في وقت يتم التحضير فيه لاتفاقية القرن واعلانها، وهاجت الآراء في دفاع مستميت عن الدين وعن الشرف وعن التراث. وكأن المرأة كائن لا يمكن إيقاف عهره الا بالتصويب والتحكم والضرب والقتل. ناهيك عن ترويج مليء بالمغالطات لبنود الاتفاقية وتثبيته كحجة لأصحابها من حامين الشرف الشرقي على رؤوسهم. وفي سباق لإثبات ان الشرع والدين أنصفوا المرأة أكثر من القوانين الوضعية، لم أستطع الا ان أفكر، كيف لا يفكر هؤلاء، من وجال ونساء انفضوا رعبا من فكرة تطبيق هكذا بنود-على فرض انها ستطبق- بأن هذه البنود يترتب عليها أفعال من رجل وامرأة.

يعني، بينما انظر الى النسخة المزيفة ـ المشوهةـ من البنود التي تبناها حماة الشرف الفلسطيني من منتفضين ضد سيداو، استخدموا مثلا: “السماح للنساء بالولادة وتسجيل اطفالهن بدون شرط تقديم عقد الرواج والسماح بتسجيل اطفالهن باسم اسرة من اختيارهن. ومن ثم فقرة “الغاء تجريم الإجهاض”.، من ثم “الغاء المادة التي تحظر الزنا”. وغيرها من خزعبلات في تأويل ما جاء في البنود الاصلية للاتفاقية. ولكن توقفت وبجدية لأسأل: اين مسؤولية الرجل في كل مرة هناك تسجيل لطفل بلا عقد زواج؟ اين مسؤولية الرجل في كل مرة يقع فيها اجهاض؟ اين مسؤولية الرجل في كل واقعة زنا؟

بينما شوه من روج للاتفاقية حقيقة البنود، افرز بالحقيقة تشوه حالنا الإنساني، الذي يصر ان يحاسب المرأة ويترك الرجل. فلو تعامل المجتمع مع كل جريمة قتل واجهاض وزنا مع الرجل والمرأة على حد سواء، لما احتجنا لان نخاف من قانون يتم تطبيقه.

لطالما يحاسب المجتمع المرأة على كل ما يتعلق بمفهومه لتفسير الشرف ويترك الرجل، سيستمر وضعنا بالانحدار نحو تخلف اعمى. ليس مهما ان كان القانون يأتي من سيداو او من شريعة الله. المهم ان يكون هناك مجتمع يحاسب من ينتهك اعرافه وموروثاته واخلاقياته بعدل. أي انه عندما نقرر ان نحاسب المرأة على عدم تسترها، علينا ان نحاسب بنفس القدر من لم يغض النظر. وعندما نقرر ان نحاسب المرأة على الزنا ونقتلها، علينا ان نقتل كذلك الرجل الشريك لها بفعلها. عندما نقرر ان نعطي المرأة حقها من الميراث لا نرمي عليها حسنة وننصفها بما شرعه الله لا ما شرعه لها اخوها وعمها وزوجها.

مجتمع يرفع صوته ضد قانون نبذ العنف ضد المرأة خوفا على اخلاقه وموروثه وعرفه ودينه، لماذا لا يرفع صوته عندما تكشف لنا الأرقام ان ٣بالمئة فقط من الاناث تحصلن على حقهن بالميراث؟

ما الذي يهدد المجتمع أكثر بالفعل؟ امرأة قدمت عرضا فنيا على المسرح؟   ام امرأة قتلت لان زوجها او طليقها او ابيها او اخيها او ابن الجيران او عابر السبيل قرر ان “ممشاها” لم يعجبه، او انها اثارت غريزته وغيره، او انها نشزت عن الطريق لأنها طالبت بحقها من الميراث؟

اترك رد