لم أكن من متابعي قناة الجزيرة خلال السنوات الأخيرة، تحديدًا منذ أن تخلّت تدريجياً عن شعارها الأشهر “الرأي والرأي الآخر”، لصالح حالة من الصياح والتحشيد والاستقطاب المفتوح، حيث باتت الشاشات ميداناً لصراع يخلو من المساحة الضرورية للفهم أو التأمل. لكن اللحظة الفاصلة بالنسبة لي جاءت مع ما سُمّي بالثورات العربية، وتحديداً في طريقة تغطية القناة للثورة السورية.
في تلك المرحلة، بدأ يتسلل إلى داخلي شعور بالريبة: لم تعد القناة تكتفي بنقل الحدث، بل بدأت — كما بدا لي — تُسهم في تشكيله وتوجيهه، بما يخدم أجندات غير معلنة. بدا واضحًا أن هناك دفعة منهجية نحو خيار واحد: إسقاط النظام بأي ثمن، دون الاعتراف بتعقيد المشهد أو التبعات المحتملة لهذا الخيار. عندها، قررت الانفصال التام عن القناة.
لكن مع اشتداد العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، عدتُ لمتابعة تغطيتهم مجدداً، بدافع الحاجة إلى رصد ميداني حقيقي قلّ نظيره. لا بد من الاعتراف هنا: ما قدمته فرق الجزيرة من داخل غزة كان ولا يزال عملاً بطولياً بكل المقاييس. التغطية كانت حيّة، صادقة، ملتصقة بالناس والأرض والخطر. ومع ذلك، بقي لديّ تحفظ عميق تجاه ما يُطرح في الاستوديوهات، خاصة على صعيد التحليل السياسي.
منذ اللحظة الأولى، راودني شعور مألوف: هناك فجوة حادة بين التحليل والواقع، بين ما يُقال على الهواء وما تلتقطه العين على الأرض. أحياناً، ذكّرني بعض المحللين بنبرة وزير الإعلام العراقي الأسبق محمد سعيد الصحاف — ذاك الذي كان يتحدث بثقة مفرطة عن “سحق العدو الأمريكي”، بينما كانت بغداد تنهار أمامه. هذا النوع من التحليل لا يُطمئن، بل يربك.
وإنصافاً، ليس كل المحللين على هذا النمط. هناك أصوات رصينة ومتمكّنة، لكنها تُغرق هي الأخرى في تكرار مفرط: نفس المفردات، نفس السيناريوهات، نفس “الخبرات”، وكأن هناك نصاً معتمداً يُعاد تدويره كل يوم. بعد ما يقرب العامين من الحرب، لم يعد الخطاب يتطور، بل اجتراري إلى حد ممل، وكأن المشاهد لا يملك ذاكرة أو حقاً في التعدد.
ثم جاءت لحظة سقوط النظام السوري السابق، لتغلق دائرة الريبة تماماً. فجأة، بدأت القناة تُروّج لصورة الجولاني كصلاح الدين، متجاهلة تاريخه الدموي المرعب. ثم انزلقت إلى حالة من التعتيم على ما يحدث في سوريا اليوم، وانحياز صريح للنظام الجديد، مع تجاهل شبه تام للفظائع والانتهاكات التي تُرتكب باسمه.
لا اعتقد ان هذه مجرد هفوات مهنية؛ بل إشارات متكررة على مسار إعلامي اختزالي ومنحاز ومنظم.
واليوم، مع تصاعد الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، تحاول القناة أن تُعيد إنتاج نفسها بمظهر “براغماتي”، لكنها تفشل في إخفاء التناقض البنيوي في تغطيتها: كيف يمكن أن نثق في تحليلات تُبث من دول تفتح أجواءها للطائرات الإسرائيلية؟ كيف نناقش الحرب وكأن هذه الطائرات تنطلق من الفراغ؟ أين السؤال البديهي: من يُسهّل اختراق إسرائيل لأجواء إيران؟ ومن يصمت؟ ومن يتواطأ؟
الخطاب يعود لنفس القوالب: الحديث عن “الشعب الإسرائيلي غير المعتاد على الحرب”، وكأننا أمام دولة من الرفاهيات الأوروبية، لا كيان عسكري ولِد في منطق القتال. بعد عامين من المجازر، ما زالت بعض التحليلات تصر على تصوير إسرائيل ككائن هشّ، يُعاني من الضغط النفسي ولا يقوى على الصمود — في تجاهل صارخ لحقيقة أن أن الحرب هي جزء من البنية الاسرائيلية الداخلية.
لكن ربما أكثر ما يُثير الغضب هو هذا الإصرار الغريب على الحديث عن “السياق العام” وكأن بعض أجزائه غير موجودة. لا يُذكر الأردن، ولا مصر، ولا حتى سوريا، ولا يُطرح أي سؤال عن المجال الجوي الذي تعبره الطائرات. هناك محو تام لهذه الدول من التحليل، وكأنها غير موجودة جغرافياً أو سياسياً. ويتم تقديم الصراع كأنه لعبة بين طرفين فقط، بينما الأطراف الفعلية تُترَك في الظلال، محصنة من أي سؤال أو محاسبة.هذا ليس فقط تقصيراً مهنياً، بل إعادة تصنيع مقصودة للواقع. ما يُقدَّم على الشاشة تحت مسمى “تحليل سياسي”، ليس سوى فراغ ناطق — فراغ يُجمّل العجز، ويُعيد ترتيب المسرح لصالح سيناريو مبسّط، يريح الضمير، لكنه لا يعكس الحقيقة، ولا يوقظ الوعي