لا أدري إن كنتُ قد فقدتُ قدرتي على الكتابة، أم أنّ ما يثقل القلب من قهرٍ وحزنٍ بات عصيًّا على التخفيف بالكلمات. لم تعد الكلمة قادرةً على مداواة الكَلْم. بين قهرٍ وحزن، بين رعبٍ وخوف، تاهت الكلمات… أو لعلّها آثرت الاختباء. وربما، وسط هذه الحرب الغَفْراء، طُحِنت الكلمات وتفتّتت كغبارٍ يعمي العيون، وسكنت السماءَ رمادٌ يخنق أنفاسها.
ومنذ أن هطلت أولى زخّات المطر هذا العام، بدا قلبي كأنّه امتلأ بمائه حتى فاض، ليبكي ما لم تعد عيناي قادرتين على بكائه. أحاول، عبثًا، أن أبحث عن خيرٍ وسط هذا الشرّ الهائل؛ عن معنى يعيد للمطر صورته الأولى: ارتواء الأرض وانتعاش الزرع. لكن كيف ننتظر خير المطر، وهناك من يغرق تحت خيامٍ هشّة؟ كيف نفكّر في مطرٍ يغسل الذنوب، ومياهه تزيد الفقر فقرًا، والظلم وجعًا؟
أبحث عن معانٍ أسمى، لكن الكلمات تزيد في تيهها، وكأنّ وقت الكلام لم يحن بعد. بئسًا لواقعٍ انحطّ فيه الوجود، وانحنت فيه الكلمات صاغرة، لا تقوى على حمل ما يُلقى عليها.
ولا أعرف ما هو الأسوأ: البكاء على ظلمٍ يعتصر القلوب بالكَلْم، أم الغرق في إعصارٍ يبدو الكون فيه — بطبيعته وبشره — كأنّه متآمرٌ على هذا الشعب المسكين في غزة.
غزة… الاسم الذي يحمل كل المعاني دفعةً واحدة: الغَزْو الذي يصيب القلب، والعِزّة التي يسكنها صمودٌ جبّار. هي وجع الأطفال في محاولات النجاة البائسة؛ وهي المختبر القاسي الذي يبدو أنّ العالم ركّز فيه كل معاني الحياة البائسة، بماضيها وحاضرها ومستقبلها.
غزة… ستظلّ غزة، تغيب عنها العِزّة ما دام الظلم يسود بظلامه، وما دام أهلُها يُصِرّون على فناء نورها.
تتوه الكلمات منّي، لكنّي لا أجدها إلا في عيون غزة وأهلها؛ فهناك فقط تستعيد الكلمات معناها، وتنهض من بين الرماد لتقول الحقيقة كما هي: إنّ الإنسان قد يُكسَر ألف مرّة… ويأبى إلا أن يبقى — ببقاء صاحب الحق وقوّته — لأنّ الحق، مهما تكالبت عليه القوى، يظلّ هو الأقوى دائمًا.
Pingback: مطرٌ على كَلِمِ غزّة | Ned Hamson's Second Line View of the News